رواية فيصل العاق – الفصل الثالث والعشرون
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
نظرت له و قالت بنبرة لا تقبل النقاش
– أنا هخرج يا أيوب هتيجي معايا تخرجني و لا هتفضل جنب ابوك يدلع فيك ؟!
– هفضل جنب ابويا
– إيه ؟!
– هفضل جنبك مالك قلبتي ليه ؟!
– اه بحسب .
نظر لأبيه و قال:
– أمان عليك يابا لو اتاخرت تبلغ عنها حقوق الإنسان أو الحيوان المهم الاقي حد ياخد لي حقي منها .
عادت تطل برأسها للداخل و هي تحدثه بنبرة حادة :
– ما يلا بقى يا أيوب !
رد والده عليها بنبرة مغتاظة و قال:
– ما خلاص بقى يا بت الكلـ… أنتِ براحة على الواد مش حِملك .
– بتوصيها عليا بعد إيه يابا بعد ما الراس وقعت في الفاس ؟!
– بتقول حاجة يا أيوب ؟!
– جايلك يا سمامر عن إذنك يا حج مطعتلناش بقى .
******
بعد مرور أسبوعين
لم يحدث شيئًا جديدًا يذكر سوى تقلب حالة “كارم ” المزاجية بسبب انسحاب المواد المخدرة من جسمه بشكلٍ كبير، التزم بوعده هذه المرة و تحسنت حالته الصحية لحد لا بأس به بالنسبة له أما بالنسبة للطبيب و عائلته الصغيرة فهو وصل لإنجاز يحتذي به.
قرر أن يخرج من غرفته و يجلس معهما اشتاق للنقاش معهما، أتت والدته ووضعت المشروبات الساخنة على سطح المنضدة الزجاجي و قالت بسعادة:
– عملت لكم أحلى سحلب يدفيكم في الجو دا .
رد مازحا وقال:
– الجو دا عاوز محشي مش سحلب .
وقفت الأم عن مقعدها و قالت بسعادة:
– بس كدا اعتبره حصل
استوقفها قائلًا بجدية:
– استني أنا كنت بهزر هتوقفي ازاي في الجو
– بس ملكش أنت دعوة، أنت اطلب و أنا انفذ
اتجهت حيث المطبخ لتبدأ في صنع وجباه الذي طلبها أما أخته ذهبت لغرفتها لتجلب له شيئا و بقى وحيدًا لعدة دقائق، قرع ناقوس باب الشقة، وقف عن الأريكة متجهًا حيث الباب فتحه ليجدها ماثلة أمامه، تسمرت قدمها ما إن رأته بتلك الهيئة الشاحبة، تبدل
بين ليلة و ضحاها، كانت أخته على حق حين قالت أن تلك السموم بدت في الخروج من جسده انتبهت لنفسها أخيرًا، القت بالصحن في صدره لولا انتباهُ لسقط أرضا، حدثته بنبرة تملؤها الغيظ الشديد
– ماما باعت لك دا عشان تطفحه خد بالسم الهاري .
ولاته ظهرها و دموعها تتسابق لتهرب من مقلها لكنها رفضت ذلك و بشدة، اتجهت حيث باب شقتها صفعته بعنف في وجهه، ظل ساكنًا مكانه حتى أتت أخته وقالت بنبرة متعاطفة:
– معلش فريدة مش قصدها بس اللي لتعرضت له منك كان صعب اوي عليها .
انتبه لحديثها ابتسم بمرارة و قال:
– مش زعلان بالعكس كنت هستغرب لو اتعاملت معايا غير كدا .
ولج و بيده الصحن وضعه على سطح المنضدة و قال بهدوء:
– أنا داخل انام شوية حاسس إني تعبانة و محتاج ارتاح محدش يصحيني لو سمحت .
– و الأكل ؟!
– مليش نفس .
ما إن ولج غرفته اتجه مباشرةً حيث الشرفة ليتنفس الهواء عله يريح صدره، هدرت بصوتها و هي تقول يعصبية مفرطة:
– أنت ازاي يا حيوان تقف في البلكونة و أنا واقفة
– مكنتش اعرف انك واقفة يافريدة
– بس اخرس متجبش اسمي على لسانك القذر دا
– حاضر
– و كمان بتقول حاضر
ولاها ظهره ليلج غرفته لكنها استوقفته قائلة:
– استنى عندك أنت ازاي تسبني و مشي أنا مش بتكلم يا حيوان أنت !
رد بنبرة غاضبة حاول قدر المستطاع كظمها
– اسمعي بقى لمااقلك أنا سكت عليكي كتير أنا مش حيوان ولولا الظروف الزفت اللي وقعت فيها دي كان زماني بقيت وكيل نيابة محترم و اسمي دا مسمع في كل مكان
ابتسمت بسخرية و قالت:
– و هو اللي زيك يمسك منصب مهم زي دا فوق لنفسك أنت طلعت نزلت أنت شمام .
كور قبضة يده ثم ضرب بها السور الزجاجي الفاصل بينهما اطبقت على جفنيها بعنف شديد
سرعان ما فتحتهما لتواجهه من جديد و هي تقول:
– أنت فعلا حيوان و كسر السور دا هيوصل لبابا وهخلي يرميك في الشارع يا شمام
قرر أن يعود كما تعودت عليه لينهي هذا الجدال و قال:
– لو جدعة روحي قولي لابوكي و أنا كمان هقوله
اعتدلت في وقفتها و قالت:
– تقوله إيه بقى إن شاء الله ؟!
رد بهدوء حد البساطة:
– انك كنتي في حضني من شهر فات و اللي كان رقبتك دا مش من الارسكاف
أصدر تأةتأة و هو يتابع حديثه:
– لا دي لمساتي لبنته المصونة اللي كانت بتتسحب في انصاص الليالي و تطلع لي عشان نعيش اللحظة سوا و الدليل على كلامي سلستك اللي لسه محتفظ بيها ياروحي
كزت على أسنانها بغيظٍ مكتوم و هي تسبه بأبشع السباب و لكن بداخلها، أما هو انتظرها حتى دخلت غرفتها ليتنفس بعمق، مجرد تهديد لن ينفذه لكن على ما يبدو أنه نجح فيه بالفعل و لكن هل سيستمر هذا التهديد كثيرًا .
*******
بعد مرور عدة أسابيع
الوضع كما هو لن يتغير كثيرًا عند البعض و البعض الآخر كان التغير جذري بالنسبة له، تحسنت حالة ” كارم” الصحية و المزاجية عن ذي قبل مازال تحت إشراف الطبيب لكن سمح له بالخروج مع العائلة كي لا يشعر بالتقيد و لكنه رفض ذلك قرر أن يقضي باقي أيامه حتى ينتهي من علاجه بشكل نهائي، أما أخته فـ كانت حالتها الصحية مضطربة نوعا ما تسيطر عليها بالعقاقير، مازال يتردد على مسامعها حديث الطبيبة حين قالت لها
( خلال العشر سنين الجايين يا كارما لو محصلش جواز و حمل هنشيل الرحم، أنا آسفة بس مقدرش اخبي عليكي حالتك أنتِ مش مجرد مريضة و أنا بعالجها أنتِ صاحبة عمري)
انتشلها من بئر ذكرياتها جلوس أخيها و هو يمد لها كوبًا من الشاي الساخن ابتسم لها وقال بهدوء:
– عملت لك كوبية شاي انما إيه حكاية
ردت الإبتسامة بأخرى نابعة من قلبها لعودته للحياة من جديدة، بدأت تتناقش معه حول هذا و ذاك إلى أن انتهت قائلة:
– و الله يا كارم مش عارفة الموضوع دا هاينفع و لالا بس احنا ممكن نعمل محاولة يمكن تنفع و ممكن لا بس اهو نكون عملنا اللي علينا
تدخلت والدتهما في الحديث و هي تضع أطباق الكعكة بالشوكولاتة التي يعشقها ولدها
من يدها ابتسمت و قالت:
– و إيه بقى اللي عاوزين تحاولوا فيه و خايفين ؟!
اعتدلت ” كارما” و هي تتناول الصحن لتعطيه لأخيها و قالت:
– كارم بيفكر يكلم البنك عشان نأجل بيع الفيلا و الشركة في المزاد
ردت والدته بنبرة جادة
– وطب ما هو البنك محتاج فلوسه يا ابني المتأخرة و اللي لسه مدفعتش هتعمل إيه فيهم ؟!
بلع لقيماته بهدوء و قال:
– ما هو مافيش غير قسطين بس اللي اتأخرنا في سدادهم و القسط التالت معاده لسه بعد تلات شهور من دلوقت و لو كلمت البنك ممكن نجدول الاقساط دي و نحط شرط في حالة عدم السداد يزود الفايدة
ردت “كارما” باقتراح وقالت:
– طب أنت ناوي تتحرك إمتى ؟!
– أنا اتحركت فعلًا
– بجد يا كارما متقولتش يعني حاجة زي كدا ؟!
– مكنتش حابب اعشمكم في حاجة يا ماما غير لما اتأكد من كل حاجة
سألته ” كارما” بفضول قائلة:
– طب و أنت دلوقتي واقف على إيه ؟!
رد” كارم” بهدوء:
– اللي باقي إننا نفتح المصنع و نرجع المواظفين الشركة و نشتغل بس للأسف م هينفع
ردت والدته بتساؤل:
– و ليه مش هينفع ؟!
– مافي حد هايشتغل ببلاش يا ماما دا غير إن مرتباتهم واقفة بقالها شهرين و داخلين في التالت
ردت” كارما” باقتراح
– احنا ممكن ندفع لهم نص المرتبات و الباقي مع الشغل بقى و احنا بنسدد للبنك
سألها بإحباط
– تفتكري دا حل هيرضيهم ؟!
ردت بحماس:
– طبعًا، و متنساش إن بابا الله يرحمه كان مغرقهم في خيره و كان حاسس بيهم فأكيد هيردوا له الجميل و يقفوا جنبا .
حرك رأسه علامة الحيرة و هو يحك مقدمة رأسه ثم قال بنبرة حائرة:
– مش عارف يا كارما مش عارف
كزت والدته على شفتها السُفلى مفكرة في حلًا آخر ما هي إلا ثوانٍ و قالت بهدوء
– بصوا أنا مكنتش حابة اعرفكم بس طالما بنفكر سوا يبقى لازم نقف جنب بعض
انتبه لها أبنائها بجميع حواسهما بينما تابعت هي بجدية:
– أنا بعت الأرض اللي في البلد و جابت مبلغ حلو مش وحش حاولي مليون و نص و حطتهم ديعة في البنك عشان نأكل و نشرب منهم
رد” كارم” و قال بهدوء
– ايوة يا ماما بس اديكي قلتيها بنأكل و نشرب منهم و كمان الوديعة هتخسرك كتير لو اتكسرت !
– لا هو معادها عدا من ست شهور فاتوا بس أنا مرضتش اتصرف في الفلوس تعال معايا بكرا نروح نسحب الفلوس و ادفع مرتبات المواظفين نصها مثلا عشان يتحركوا معاك هما كمان عندهم بيوت مفتوح و مذنبهمش حاجة يشتغلوا ببلاش .
ردت ” كارما” و قالت بحماس :
– و أنا كمان هروح معاكم البنك
سألها “كارم” بفضول:
– ليه ؟!
نظرت لهما ثم قالت بهدوء:
– أنا كنت شايلة دهبي في البنك و كمان بعت عربيتي لواحدة صاحبتي صحيح هي خدتها بنص تمنها بس اهو بالنسبة لي كان قرش متشال لوقت زنقة .
ردت والدتها قائلة:
– و ليه مقولتليش حاجة زي كدا ؟!
– كنت بخاف اتكلم في سيرة فلوس أو دهب قدام كارم
نظرت له و قالت بعتذار
– أنا آسفة و الله مش قصدي حاجة بس
قاطعها باسمًا و قال:
– متعذريش يا كارما أنتِ مغلتطيش إنا كنت غلط في كل شئ و الحمد لله إنها عدت على خير .
بعد حديث دام لأكثر من ساعة تقريبًا سألته والدته بفضول:
– هتنزل تلف على المواظفين و العمال إمتى ؟!
– من بكرا بإذن الله
– خلاص و إنا و كارما هنروح بكرا البنك نخلص مشوارنا و إن شاء الله خير .
قاطعها صوت ناقوس باب الشقة، وقف عن مقعده متجهًا فتح الباب وجدها ماثلة أمامه
تنفس بعمق و هو يشيح بوجهه للجهة الأخرى
تجاوزته ثم ولجت دون أدنى كلمة، جلست على الاريكة و قالت بكل هدوء:
– طنط ماما بتسأل عليكي و بتقولك فينك مش باينة ليه ؟!
– ابدًا يا بنتي كنت مشغولة شوية مع كوكي أصلها كانت تعبانة شوية
نظرت لها و قالت:
– سلامتك يا كوكي
– الله يسلمك يا حبيبتي
نادا والدته و قال بهدوء:
– ماما أنا داخل انام تصبحوا على خير
جذبتها من يدها و قالت بنبرة هامسة:
– قولي لأخوكي يديني السلسلة بدل ما اعرف بابا
ربتت على ظهر يدها و قالت:
– اهدي بس عشان ماما بدأت تلاحظ
نظرت ” فريدة” لها و قالت:
– هو مافيش كيكة ليا و لا إيه يا طنطي ؟!
– اه طبعا ليكي ياروحي ثواني و هجيب لك عنيا.
دفعتها و هي تقول:
– قومي بقى قولي له قبل ما يتخمد
– بعد الشر على اخويا
– ياختي الشر اخوكي ذات نفسه يلا بقى
ما إن ذهبت إليه وجدته يغلق الضوء تنحنحت ثم قالت بهمس:
– كارم معلش عشان خاطري اديها السلسلة عاوزة تلبسها في شبكة أيوب
رفع رأسه عن الوسادة و قال:
– قولي تضرب دماغها في الحيط ملهاش عندي حاجة و خليها تقل في أدبها كدا كتير و تتقل حسابها معايا كويس
– طب معلش عشان كوكي عندك يا كارم اديها لها و لو عملت لك حاجة تاني اعمل ما بادلك
فرغ فاه ليرد عليها لكنهما تفاجأ باقتحامها الغرفة بعد أن سمعته يتوعد لها، رفعت سبابتها و قالت بتحذير واضح
– بص بقي يا بتاع أنت سلسلتي تيجي لي بدل ما افرج عليك أمة محمد كلها و ساعتها هتقول ياحيطة داريني
تصنع الغضب و هو يهب واقفًا من نومته مما جعل أخته و تلك المجذوبة تركضا حيث الردهة وقفت أمامها و قالت:
– الله يسامحك دا مابيجيش معاه التهديد دا ما هجيبهالك لازم دخلتك دي
الكيكة يا ديدا مالك واقفة ليه يا حبيبتي ؟!
اردفت والدة كارم عبارتها و هي تقف بينهما تناولت الصحن من بين يدها بغيظٍ شديد و قالت و هي تندفع بجسدها للخارج:
– متشكرة يا طنط ابنك سد نفسي خلاص
كادت تبكي من فرط غيظها منه بينما نظرت والدته لابنتها و قالت:
– مال فريدة و عملها إيه كارم اخوكي ؟!
– مافيش ياماما دي كانت بتسأله حاجة في المنهج و لما مافهمتش حاجة منه اتعصب عليها
– و دا كلام بردو؟!
– معلش ياماماهي هتعذره بس هتزعلها شوية
– طب هاتي طرحتي اروح اراضيها
ردت ” كارما” بسرعة و قالت:
– لالا أنا هبقي اروح اصالحها
******
بعد مرور عدة أيام
و تحديدًا يوم خطبة ” أيوب وسميرة” كانت واقفة مولاية له ظهرها أما هو كان يحمل بين كفيه باقة من الزهور الحمراء، حذرته بوعيد قائلة:
– عارف يا أيوب اول ما الف وشي ملقتكش بتعيط هعمل فيك إيه ؟!
رد” أيوب” ساخرًا و قال:
– لايا سمامر ماقلقيش منزيوم ماخطبتك و أنا مبعملش حاجة في حياتي غير إني اعيط
– بتقول حاجة ؟!
– بقول لفي بقى خلينا نخلص في أم الليلة دي
استدارت بجسدها كله له و الإبتسامة تزين ثغرها على الرغم من وزنها المبالغ فيه إلا أنها تمتلك جمالًا لا بأس به، و مساحيق التجميل التيوضعتها اظهرت ذلك ببراعة، ابتسم وهو يقول بمزاح:
– مبروك يا ستي
ردت بإحباط قائلة:
– إيه مبروك دي اومال فين العياط
– عياط يا سميرة هو أنتِ كنتي موتي
– بس بعد الشر عليا دا كلام تقوله دبش حتى في يوم خطوبتك !!
تنهدت بعمق ثم قالت:
– نهايته أول ماندخل القاعة عاوزك لما تيجي الفقرة اللي العريس بيشيل فيها العروسة تشيلي و تلف بيا
– تصدقي الدنيا لفت بيا من الكلام بس مابالك بالفعل نفسه
رد بنبرة مغتاظة و قال:
– اشيل مين يا سميرة فاكرني لودر !!
ربتت على كتفه بنغج و قالت:
– شيلني يا ايوب و مضحكش الناس علينا دا أنا خطيبتك بردو و بعدين أنا عاوزة احس إني معركة صعبة لكني استحق يا دوبي
نظر ليدها ثم عاد ببصره و قال بإقتراح :
– بقولك إيه تسيبك من فقرة الشيل و الخط دي و بعد الشبكة نطلع على مسمط العجمي نضرب لنا طبق مشكل ؟!
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية فيصل العاق) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.