رواية فيصل العاق الفصل الرابع عشر 14 – بقلم هدى زايد

رواية فيصل العاق – الفصل الرابع عشر

صفع الباب خلفه استدار بجسده كله يطالع الصغير بنظراتٍ تملؤها الغضب، احتمى بـ حياة و كأنها حصنه المنيع، كاد أن يقترب منه فيصل لكنها منعته بحدة و صرامة

– اقسم بالله لو قربت له يا فيصل ما هعديها لك على خير المرة دي أنت إيه بركان و انفجر في الكل ؟!

جذب الصغير رغما عنها كاد أن يتحدث لكنه دخل في نوبة بكاء و هو يقول:

– حاضر حاضر مفهوم مفهوم. مش هكلمها مش هسأل عنها و الله حاضر .

لم يتحمل الصغير هذا الكم من الضغط فجإة و بدون أي مقدمات سقط فاقدًا للوعي، أم الحياة لا أحد يعرف .

تحاملت حياة على نفسها متجهة حيث الصغير في ذاك الوقت الذي هرعت فيه أمه جثت على ركبتيها ثم قالت بلهفة

قوم يا رامي قوم يا حبيبي قوم يا واد و اسمع كلام أمك اللي بتحبك

تسمر فيصل مكانه لم يتحرك قيد أنملة هل صحيح أنه فارق الحياة، أم فقد الوعي من فرط تعذيبه له ! انتشله والده و هو يصفعه بغيظٍ مكتوم صفعات متتالية، ثم قال بغضبٍ جم
– ربنا ينتقم منك يا شيخ إيه الجحود اللي فيك دا !

دفعه تجاه ولده و قال بنبرة آمرة
شيل الواد و اجري بي على المستشفى قوام يلا .

و بالفعل حمل أيوب و ذهب للمشفى، تم عمل اللازم له و بعد الكشف الدقيق تبين أنه يُعاني من إنهيار عصبي حاد ، على الرغم من إنه طفل صغير إلا أنه تعرض لأسوء التعذيب النفسي خرج الطبيب من حجرة الطورائ باحثًا عن والديه هرعت إليه شادية و تسألت بلهفة
– خير يا دكتور ابني جراله إيه ؟!

أوزع نظراته بينهما ثم قال بجدية و عملية
– ابنكم مابيشتكيش من أي مرض عضوي

رد فيصل و قال ساخرًا
– اومال هو ماله بيدلع يعني ؟!

تجاهل الطبيب تلك النبرة و قال :
-من الواضح إنه متعرض لضغط نفسي كبير و دا خلاه اعصابه تنهار

ختم الطبيب حديثه و قال:
– عموما أنا مش هكتب له حاجة لأن محتاج دكتور نفسي و اتمنى تاخدوا لدكتور نفسي .

غادر الطبيب الرواق تاركًا خلفه مشاجرة
جديدة اقتربت شادية من حياة و قالت بنبرة تملؤها الحزن
– منك لله أنتِ السبب في اللي كل ابني في ربنا لا يسعدك و يريح لك بال

ردت حياة بنبرة متوسلة من بين دموعها
– لا ابوس ايدك يا شادية اياكي و الدعوة دي أنا مش حملها

تابعت بنبرة مختنقة قائلة:
ابنك دا أنا كنت بعامله زي ابني اللي لسه
ما شفتوتش و …

و إن شاء الله مش هتشوفي و لو جه يوجع قلوبكم دنيا و آخرة زي ما وجعتوا قلب ابني الغلبان .

اردفت شادية عبارتها مقاطعة حياة التي جحظت عيناها من دعوة تلك الماثلة أمامها منعتها من تكملة دعوتها الفظة قائلة بنبرة متوسلة :
بس كفاية يا شادية حرام عليكي أنتِ صعبة كدا ليه كل حاجة منك أذى حتى دعوتك !

كادت حياة أن تُكمل حديثها لكن وقعت عيناها على زوجها و هو يخرج من غرفة الطوارئ حاملًا ولده بين يده، هرعت نحوه متسائلة بلهفة
– رايح بي فين الواد لسه تعبان يا فيصل ؟!
– الدكتور قال خلاص ينفع يخرج

خرج من المشفى ثم استقل سيارة أجرة و قبل أن يغادر وقف مقابلتها و قال بنبرة لا تقبل النقاش:
-لو لمحتك بتقربي من ابنك اعملي حسابك مش هتشوفي اللي من باقي من عمرك .

ردت شادية بعصبية قائلة:
– يعني إيه انا عاوزة اطمن على ابني و

لم يستمع لباقي حديثها حتى استقل السيارة تا ركًا إياها تستشيط غضبًا من تصرفاته تلك اللعنة عليه و على غضبه مازال يعاملها بغطرسته تلك، كانت تشكو لابيه تلك التصرفات الجنونية، لم يكن بيده فعل شئ لقد نفذ صبر ابنه و على هذا النحو بدأ يفعل ما يحلو له، الأمر كله اصبح لا يعنيه عدا أيوب الذي تبدل حاله من حالٍ لحال أسوء بكثير لمن تكن هذه حياته و لم يتخيلها يوما، و لكن اوقعه القدر بين براثن رجل لا يعرف عن الرحمة شئ من وجهة نظره، أما فيصل فـ كان حاله لا يختلف كثيرًا عن حال ولده و لأول مرة جلس مقابلته يتأمله عن كثب، يالها من لعنة و لا ليس نعمة فهو يحمل الكثير من تفاصيل وجهه، كادت حياة تلج حجرة الأطفال لكن تسمرت قدميها حين استمعت إليه حين قال لـ أيوب بخفوت حتى لا يوقظه
– كان نفسي ابقى أب و يوم ما ابقى أب تبقى أمك شادية !! عارف إن ملكش ذنب في كل عصبيتي و غضبي دا عارف إنك عيل صغير و اللي زيك مابيشلش هم غير هيتفرج على التلفزيون ولا يلعب كورة الاول، مكنش في حسباني اني اخلف من حد تاني غير حياة يمكن متفهمش اللي حصل دا و لا فاهم منين بيودي على فين و دا حالي أنا كمان و يمكن أكتر منك، أنا كنت عايش في حالي و قابل بكل اللي حصل لي و بقول عادي هي الدنيا كدا يوم حلو و يوم مر بس مكنتش أعرف إن المر دا هيبقى امك و أنت، أنا بعمل كدا عشان اوجع قلبها و أنت جيت في الرجلين تصفية حسابات و ناس ملهاش ذنب راحت ابني اللي ماشفش الدنيا راح

مدد جواره و هو يطالع وجهه الملائكي و قال:
– أنت كمان المفروض انك ابني بس أنا مش عارف اتقبل دا و لا راضي بي

استطرد حديثه متسائلًا بفضول :
– يا ترى لما تكبر هتسامحني و لا هتفضل فاكر لي اللي عملته فيك ؟!

ختم حديثه قائلًا بحزنٍ دفين
– وجودك قصادي بيزود جناني و بيخليني اطلع غضبي كله فيك أنت ياريتك تفضل نايم العمر كله و لا تصحى و تمشي قصادي و تحسسني قد إيه كنت غبي طول السنين اللي فاتت دي .

في عصر اليوم التالي

استيقظ أيوب من نومه الطويل الذي تجاوز العشر ساعات كاملة، خرج من غرفته يبحث عن حياة تلك الحنونة التي عوضته عن قسوة أبيه بحث عنها في كل مكان و لم يجدها، عاد لغرفته من جديد، جلس على حافة الفراش
ظل في مكانه لا يعرف مالذي يجب عليه فعله هل يغادر الشقة أم يبقى مكانه، كان يشعر بالجوع خرج من جديد اتجه حيث المطبخ ثم قام بفتح البراد و لم يجد ما يسد جوعه قرر أن يضع البيض داخل إناء من الامونيوم ثم يرفعه على النار كما تفعل حياة
كل صباح، تجول هنا و هناك باحثًا عن القداحة و نسى أمر الغاز المفتوح، وصل إليها أخيرًا قام بإشعال الموقد، و بدأ في صنع وجبته و بين هذا و ذاك فقد سيطرته التام و في نفس الوقت الذي يحاول اطفاء النيران المشتعلة هرع فيصل نحوه حمله أولًا خارج المطبخ ثم بدأ في اطفاء النيران سيطر على الأمر بأعجوبة.

بعد مرور عشر دقائق كاملة

وقف مقابل أيوب متسائلًا بيضقٍ مكتوم
– كنت بتهبب إيه حضرتك لوحدك ؟!

طالعه و لم يرد لكنه عندما كرر والده سؤاله قال:
– أصل كنت جعان و قلت اقلي بيضة زي ما ماما حياة بتعمل

رد فيصل بنبرة ساخرة و هويلج المطبخ مرة أخرى :
– و هو اللي بيقلي بيض بيقلي في لبانة بتاعت اللبن !!
– ماما حياة بتعمل كدا !
– حياة بتعمل بيض مسلوق و بعدها بتحط عليه زبدة عشان كدا بتحسبه مقلي دا أولًا

استدار له و قال بنبرة تحذيرية
– ثانيا بقى لو دخلت المطبخ لوحدك مرة تانية قول على نفسك يا رحمن يا رحيم اتفقنا
– حاضر يا بابا

تنهد فيصل و هو يقلد نبرة أيوب و قال:
– حاضر يا بابا

تابع بنبرته المغتاظة
– هو دا بس اللي فالح في

ختم حديثه قائلًا :
– نهايته ادخل غير هدومك عشان نروح لحياة المستشفى .

رد ايوب بفضول طفولي قائلًا:
– هي جابت النونة خلاص ؟!

رد بنبرة مغتاطة و قال:
– لا لسه طلع طلق مبكر

رد أيوب بعدم فهم و قال:
– يعني إيه طلق مكبر ؟!
– مبكر، مبكر يعني بدري عن معاده بس هي احتمال تقعد في المستشفي النهاردا لحد ما يطمنوا عليها و على النونة .

رد أيوب بإحباط و قال:
– يعني هقعد في البيت لوحدي !!
– لا ها تقعد معايا دا لو مافيش عند حضرتك مانع يعني و لا حاجة، نهايته روح يلا البس هدومك و لا مبتعرفش تلبسها لوحدك ؟!
– لا بعرف
– طب كويس اخلص بقى عشان أنا جاي اخد شوية حاجات و ماشي و مش عاوز اتأخر
– حاضر

بعد مرور ساعة و نصف

جلس فيصل و ابنه داخل سيارة الأجرة، ظل يتأفف بسبب ذاك السائق الذي يتمتع بالبرود التام أشار بيده لـ فيصل و قال:
– معلش يا سيدنا اللافندي خد ابن حضرتك على حجرك عشان في استاذ ها يقعد مكانه

و بسرعة دون تفكير سحبه برفق ثم اجلسه على فخذه كانت الرعشة تدب في اوصاله، هذا القرب الشديد يوتره بشكلٍ لا يوصف، نظر والده له و قال بخفوت:
– بتترعش ليه ؟!
-مش برتعش

حدثه بخفوت و هو يربت على رأسه بهدوء و قال:
– طب اهدأ طب مش هعملك حاجة متخافش .

كلماته تلك كانت مسكن بالنسبة له حقا ادخلت الطمأنية على قلبه، طوال الطريق كلًا منهما يحاول الهروب من نظراتهما لبعضهم البعض
غلبه النعاس و بشكلٍ لا إرادي أو ربما فطري احتضنه محاولًا التشبث به و الاحتماء من حرارة الشمس التي تنعكس على وجهه، همس بالقرب من أذنه و قال:
– الشمس مضايقاك ؟!

حرك ايوب رأسه علامة الإيجاب و هو مازال مغمض العينين، بينما رفع فيصل كفه حاجبًا عنه حرارة الشمس قدر المستطاع إلى أن وصل المشفى أيقظه بهدوء و قال:
– اصحى يا ايوب وصلنا خلاص .

ترجلا من سيارة الأجرة متجهان حيث باب المشفى الرئيسي، كان فيصل قابضًا على كفه و كأنه سيفلت منه في الزحام، أما أيوب فـ كان يلتفت يمينًا و يسارًا، أماكن جديدة يزورها كل ما يحدث منذ اشهر أشياء لم يراها من قبل، وصلا أخيرًا للمصعد الكهربائي
ظل فيصل يضغط عليه لكنه لم يستجيب له
سأل أحد المارة و قال بهدوء
– هو الأسانسير عطلان و لا إيه ؟!
– اه من الصبح
– شكرًا
-العفو

نظر لابنه و قال بتساؤل:
– هتقدر تطلع الرابع على رجلك ؟!

انعقد لسان الصغير و امتنع عن الرد ليس عجزًا بل خوفًا منه، كرر سؤاله فقال بصوته الرقيق
– ايوة اقدر
– طب يلا نطلع .

بعد مرور خمس دقائق

وصلا للطابق الثالث كانت ساقه ترتجفان إثر
صعود سلالم الدرج، لم يعتاد على هذا تُعد هذه مرته الأولى لصعودٍ كهذا، توقف بين الطابق الثالث و الرابع ليلتقط أنفاسه اللاهثة نظر لأبيه ثم قال برجاء:
– مش قادر أنا رجلي وجعتني

رد فيصل و قال بنبرة مقتضبة
– استرجل كدا متبقاش خِرع، و خليك راجل .

حرك أيوب رأسه بعد سماعه لـ جُمل والده الذي اعتاد على سماعها في الفترة الماضية، وضع قدمه على الدرجة الأولى من الطابق الرابع و قبل أن يصل لنصفه جلس على الدرج و قال بإنهاك
– مش قادر رجلي بترتعش يا بابا و الله مش قادر .

تنفس فيصل بعمق و هو يحمله على ظهره ثم قال :
– و أنا في سنك كدا كنت بلف الدنيا كلها على رجلي و اتشعبط على الحيطان .

رد أيوب و هو يحدثه بالقرب من أذنه بفضول
– و كنت بتطلع الرابع على رجلك ؟!
– كنت زي القرد من سطح لسطح و دلوقتي بقيت بطلع الدور الخمسين و اشتغل

كاد أن يسأله لكنه التزم الصمت ما أن ولج حجرة حياة كانت ممددة على الفراش ما أن رأته ابتسمت له و قالت:
– حبيبي حمد الله على سلامتك أنت عامل إيه ؟!
– الله يسلمك يا ماما أنا الحمد لله أنا صحيت من النوم ملقتش حد في البيت !

ابتسمت بوهن ثم قالت بنبرة مختنقة
– ادعي لي يا أيوب ربنا يجيب اخواتك بالسلامة دي تالت مرة يروحوا مني

ردت جدتها قائلة :
– يا بنتي إن شاء الله خير متقوليش كدا و بعدين الدكتور طمنا الحمد لله .

جلس أيوب جوارها كما طلبت منه همست بالقرب من أذنه و قالت :
– مسامحني يا أيوب ؟
– على إيه !
على أي حاجة و كل حاجة صدرت مني ؟!

رد أيوب بعفويته و قال:
– بس أنتِ مش بتعملي لي حاجة وحشة أنتِ بتحميني و تلبسيني و تذاكر لي دورسي حتى اللبن بتخليني اشربه كله عشان ابقى قوي !

ابتسمت لبرائته و هو يتذكر حسناتها وددت لو يغفر لها تلك السيئة الوحيدة التي فعلتها دون قصد و كان هو ضحيتها، طبعة قبلة ناعمة على خده و قالت بخفوت
– ربنا يحفظك يابني و يبعد عنك كل شر .

همس بالقرب من أذنها و قال:
– في سر خطير عاوز احكي لك عليه

سألته بجدية مصطنعة و قالت:
– خطير أوي يعني ؟!

حرك رأسه و قال :
– اوي اوي اوي

كل دا رغي بترغوا في إيه ؟! مش فاهم !

اردف فيصل جملته و هو يوزع ناظريه بينهما
بينما ردت حياة بجدية مصطنعة قائلة:
– أبدًا و لا حاجة دا مجرد كلام عادي يعني قل لي أيوب فطر و لا لسه ؟!

نظر فيصل لـ ولده و قال بتساؤل
-هتقولها أنت و لا هقولها أنا ؟!
-قلها أنت !

سألته حياة بفضول قائلة:
– خير في إيه يا جماعة ؟!

أجابها فيصل بجدية مصطنعة و قال:
– البيه كان هيو لع في البيت النهاردا و حرق اللبانة بتاعت اللبن

ردت بلهفة قائلة:
– في داهية اللبانة المهم أنت كويس يا أيوب ؟!

رد فيصل و قال:
– ما هو زي القرد اهو قصاد ك

بينما بدأ أيوب في سرد ما حدث و هو يقول
– بابا أول ما شاف النا ر مخافش منها و لا جري دا مسك الفوطة و طفئ الحر يقة كلها

ختم بإحباط و قال:
– بس معرفش يعمل البيض بتاعك و معرفتش أكله .

سأله فيصل بجدية مصطنعة قائلًا:
– لا يا شيخ اومال مين اللي واكل نص الطبق أنا و لا ابويا؟!

أجابه ببراءة
– أنا كلته عشان خايف تزعق لي بس هو مش زي بتاع حياة خالص

ختم حديثه بضحكة رقيقة و قال:
– بتعمله مدحرج في نا ر جهنم

ضحك الجميع عليه بينما ردت حياة بحزن مصطنع و قالت:
-شايفة يا ستي راشد و عمايله، عرف الواد التريقة على أكلي ازاي بعد ما كان بيمجد في !

بعد مرور أكثر من ساعتين

انفردت حياة بـ أيوب سرد لها عن لقائه بوالدته و البُعد الذي قابلها به تجنبًا أذى فيصل، عاتبه قائلة:
اخس عليك يا ايوب كدا ! كدا تشوف ماما متحضنهاش و لا تبوسها أنت نسيت إنها مامتك ؟!
– مش ناسي بس أنا خايف
-من مين ؟!
-من بابا فيصل على طول يضربني و أنا خلاص جسمي بقى بيوجعني من الضرب يا حياة !

ضمته لحضنها و قالت بشفقة و عطف
– حبيبي يا ابني حقك عليا ياريت انقطع لساني و لا قلت لأبوك الحقيقة .

تابعت بجدية و هي ترفع ذقنه لتتقابل عيناه بخاصتها ثم قالت:
– سيدنا رسول الله قال إن احق الناس بالحب هي الأم و ذكرها مش مرة و لا اتنين لا دا ذكرها تلات مرات و في ذكر الأب، و ربنا كمان أمرنا بالطاعة الكاملة لبابا و ماما و قال إن الأم ليها مكانة عظيمة اوي و منقولش أف و نقول كلمة حلوة و نكون رحماء بيها

رد أيوب و قال ببراءك
– هو ربنا قال على ماما و بابا و مقالش عليا حاجة !

ابتسمت له ثم قالت:
– طبعا قال

سألها بحماس قائلًا:
– قال إيه ؟!

أجابته بهدوء و حكمة
– قال إن الابن اللي بيسمع كلام أبوه و أمه و بيحبهم و مبيزعلهمش بيدخل الجنة و كمان ربنا بيبعت له حاجة كتيرة حلوة اوي .

رد أيوب بتساؤل و قال:
– هو كدا بابا فيصل هيدخل النا ر
– ليه بتقول كدا ؟!
– أصله بيزعق لجده و دايما يقوله

رفع حاجب عن الآخر و هو يجلس على ركبتيه ثم لوح بيده و بدأ يتقمص دور فيصل و هو يقول
– مكلش دعوة أنت يابا أنا و ابني احنا أحرار

دوت ضحكاتها المكان بعد نجاحه في تقليد والده لم تتحمل تلك الحركات بينما تابع هو تقليده لأبيه بعد أن هبط من الفراش، بدأ يجوب الغرفة ذهابًا إيابًا و هو يقول بغطرسة والده
– أنت جايب لي تسعة و نص من عشرة و هو النص دا راح فين !! ليلتك مش معدية معايا

عاد لنبرته الطفولية و قال:
– يا بابا سماح و هجيب غشرة من عشرة المرة الجاية، لا يمكن لازم تتضرب و هتضرب يعني هتضرب .

فتحت له ذراعيها و قالت بنبرة حانية
– تعال في حضني يا شقي تعال يا واخد حتة من قلبي و عقلي أنت

ركض نحوها و استكان بين احضانها غمرته بحبها و حنانها بينما رفع هو رأسه و قال
– أنا بحبك اوي يا حياة .
– و أنا بموت فيك يا قلب حياة من جوا .

في المساء

قرر فيصل أن يغادر المشفى برفق ولده، لوح لها بيده ثم قال :
– هجاي بكرا يا حياة عاوزة حاجة ؟!

ردت بإبتسامة حانية قائلة:
– عاوزة سلامتك يا قلب حياة

تابعت بجدية قائلة بتذكر
– أوعى يا أيوب تشغل البوتجاز تاني لوحدك لو عاوز حاجة يا حبيبي ابقى خلي بابا يعملها ماشي !
– حاضر .

سار جنبًا إلى جنب دون أي حديث جانبي كأي أب وولده، توقف فيصل أمام المصعد الكهربائي ، ضغط على الطابق الأرضي لحظات و تحرك المصعد، و بعد تجاوز الطابق حسب الترتيب التنازلي، احتك المصعد بالجدار
اتسعت أعين أيوب عن آخرهما و قال بفزع و هو يقبض على ساق والده بقوة شديدة
– يا بابا يا بابا

لن ينكر فيصل أن قلبه انقبض أكثر من أيوب لكنه تماسك و تظاهر بالجمود لأول مرة يتعرض لموقف كهذا، شدد على كتف ولده و قال بحدة :
– اجمد و خليك راجل

تابع كاذبًا
-متقلقش تلاقي النور قطع على طول بيعمل عندي في الشغل كدا

هدأ أيوب قليلًا ثم رفع رأسه و مازال الخوف يطل من عيناها
– هو هو بيحصل كدا عاد ي !
– اه متقلقش

تحرك فيصل تجاه الباب ظل يطرق بيده و هو يهتف باسم أحدهم عله يصل له صوته و يعاونه في الخروج من هنا، و لحسن الحظ أن أحد العمال كان يعلم بالعطل الذي حدث للمصعد رد عليه و طمئنه، هدأ قليلًا ثم نظر لابنه و قال :
– شفت الموضوع سهل ازاي ؟! اهدأ بقى

تنهد بإرتياح و قبل أن يتحدث تحرك المصعد مرة أخرى حركة مفاجئة، هرع تجاه احتضنه
بقوة تنفس بصوتٍ مسموع و هو يقول بذعر من والده
– أنا أنا عملت حمام على نفسي

نظر له والده ثم قال:
– حصل خير حصل المهم إنك بخير

عاد التيار الكهربائي من جديد للمصعد، ساعده فيصل في هندمة ملابسه، ثم نزع عنه قميصه
و قام بربطه حول خصر أيوب و هو يقول
– متجبش سيرة لحد أنت راجل و الرجالة ماينفعش تبقى لتاتة
– يعني إيه لتاتة ؟!
– رغاية يعني و بيسأل كتير
– بس أنا مش راغي أنا بسأل كتير كدا ابقى راجل ؟!

خرج من المصعد و قال بنبرة ساخرة
– لا نص راجل و كفاية رغي بقى عشان مصدع
– حاضر

بعد مرور ثلاثة ساعات كاملة و بعد أن تناول قهوته الساخنة أمام شاشة التلفاز، في انتظار خروج ولده من المرحاض، خرج و هو يتأمل نفسه أمامه ثم قال بتسائل:
– بقى دا بتاعت دي !!
-إيه مش عجبك و حياة ابوك و لا إيه ؟!

رد أيوب ببراءة
– هو أنا اقدر اقول لا
– بتقول حاجة ياض أنت ؟!
– بقول تصبح على خير يا بابا

استوقفه قائلًا بتساؤل:
– مش هتتعشى ؟!

استدار أيوب قائلًا:
– في جبنة ؟!
– لا هعملك بيض مقلي

أشار أيوب بكفيه و قال ببراءة
– لا شكرًا مش عاوز اتعبك انام خفيف احسن

كاد أن يتجه نحو غرفته ليتفاجئ بيدٍ من حديد قبضت غلى مؤخرة رأسه، ليجبره والده تغير اتجاهه من الحجرة للمطبخ، اجلسه على
المقعد ثم قال:
-ميبقاش طالع غيني عشان اقلي لك بيض زي بتاع حياة و جنابك تتريق عليا كل الطبق كله

رد أيوب و قال بتساؤل :
– طب هو فين الأكل ؟!
– ما قدامك اهو
– فين دا ؟!
– ما البيض اهو ياض مالك في إيه ؟!
– هو دا بيض ؟!
– إيه مش شبه اللي بتعمله حياة ؟!

ضحك ايوب رغما عنه ثم قال ببراءة
– بصراحة يشبه كل حاجة إلا البيض بتاع حياة يا بابا .

رد فيصل و قال برجاء
– زق أيامك معايا يا ابني الله يرضى عليك عشان مرتكبش جريمة في البيت دا كل و متعلقش اللي احطه لك اتفقنا ؟
– اتفقنا !

بعد مرور خمسة عشر دقيقة
انتهى من تناول وجبته كاملة بكل أسف خرجا من المطبخ سويا بعد أن انتهى دور كلاهما داخله كان فيصل ينظر لولده و هو يقول بتحذير واضح
-اوعى تقول لحياة إننا طلعنا طبقين صيني من النيش و كسرناهم لـ تحطنا مكانهم دي قوية و تعملها أنا عارفها.

رد أيوب مؤيدًا و هو يجلس على الأريكة المقابلة لـ التلفاز ثم قال:
– عارف

تابع بتذكر و قال:
– بس أنت كمان متقولهاش إني كسرت اللمبة اللي في المطبخ و أنا بحط الطبق احسن دي تعلقني مكانها
– أنت هتقولي دي قوية و تعملها

تابع فيصل بجمود مصطنع قائلًا:
– و بعدين احنا خايفين ليه احنا اتنين و هي واحدة يعني احنا أكتر منها و رجالة
– صح معاك حق
– بس هي قوية و مفترية و ميقدرش عليها إلا ربنا
– صح معاك حق
– دا بس لو قلت لها هاخد طبق من النيش هتخلي أيامي اسود من السواد ما بالك بقى لما تعرف إني فعلا اخدتهم و كسرتهم كمان دا مش بعيد تخلي كل فصلة مني في مكان
– صح معاك حق

رد فيصل على نفسه و هو يرتشف آخر رشفات قهوته ثم قال:
– بس انا هخاف ليه أنا اول ما هشوفها هقولها يا حياة أيوب كسر طبقين من النيش و اقولها لها في المستشفى بحيث ضغط سكر علي عليها مرة واحدة يعملوا معاها اللازم .

يتبع

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية فيصل العاق) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!