رواية فيصل العاق الفصل الخامس عشر 15 – بقلم هدى زايد

رواية فيصل العاق – الفصل الخامس عشر

بعد مرور عدة أيام

عادت حياة للمنزل من جديد، كانت حالتها الصحية شبه مستقرة، فقررت الخروج بعد إصرار كبير منها على الجميع، أما فيصل فكانت حياته مع ولده في استقرار كبير و تطور فريد من نوعه، تقرب إليه كثيرًا

و بدأ في بداية عهد جديد، لكنه لم يخلو من التحذيرات المباشرة و العقوبات عندما يخطئ، كل شئ حتى الآن لا غبار عليه إلا من رؤيته لوالدته التي تقطن في الشقة المقابلة و مع ذلك لم ترأهُ حتى في أحلامها توسلت لـ فيصل و لو أمرها تُقبل قدمه لن تتأخر في فعلها، ضاق صدرها و طلبت العفو و السماح و لم يعفو، عاد لـ عمله من جديد و ترك أيوب في منزله كـ رجل و ليس ولد صغير لا يعتمد عليه، و في نفس اليوم الذي سافر فيه فيصل، وقفت حياة أمام شقة شادية انتظرتها حتى تفتح لها و ما هي إلا دقائق معدودة ووقفت بوجهها الشاحب و جسدها الهزيل

اتسعت عيناها و هي تتفحصهما جيدًا، مالت بجذعها لمستواه حضنته و قبلته و ضمته لصدرها، خرج من حضنها و قال:

– حاسبي يا ماما هتخنقيني

– حقك عليا يا روح ماما يا عقل ماما يا قلب ماما من جوا

ابتسمت حياة ثم قالت بهدوء

– أنا هاسيب لك أيوب يا شادية هاسيبه لك طول مدة سفر فيصل

تابعت برجاء قائلة:

– بس بالله عليكي يا شيخة ما تقولي لـ فيصل احسن يبهدل الد نيا خلي أيوب عندك و اليوم اللي هايجي في فيصل هايبات عندي عادي لحد ما يرجع شغله تاني بالسلامة

ردت شادية بإمتنان قائلة:

– أنا مش عارفة أشكرك ازاي يا حياة أنتِ ردتي لي روحي من تاني ربنا يبارك يارب .

ابتسمت حياة قائلة :

– أول مرة تدعي لي يا شادية

– بعد الهنا اللي شافه ابني معاكي لازم ادعي لك ليل نهار بعد وقفتك معايا. و رجعتي لي ابني لحضني لازم ادعي لك أنا دلوقتي بس اطمنت على ابني معاكي .

بعد مرور عدة أسابيع

لم يحدث شيئًا جديدًا يذكر سوى حياة مليئة بالسعادة و الحب في عالم أيوب، عاد كسابق عهده مع والدته نوم هادئ دون خوف من الغد، و ضحكاته تملئ المكان بعد نجاحه في جميع المواد الدراسية و أخيرًا حنان والدته الذي بدأ يشعر به أضعاف ما كانت تُعطيه له، حتى والده سابقًا كما يقول عنه زاره داخل المدرسة ذات مرة، احتضنه بقوة نثر قبلاته على وجهه و يداه، اخرجه من حضنه محتضنًا وجه بين كفيه متسائلًا بلهفة

– عامل إيه يا حبيبي ؟! كويس بتأكل كويس ! بتشرب حلو !! قل لي غيرت مدرستك ليه مش مرتاح فيها ؟! فيصل بيعمل لك إيه يا رامي ؟! رد ساكت ليه !!

رد أيوب و قال :

– أصل حضرتك سألت كتير اوي و أنا نسيت أول سؤال !

– حقك عليا يا حبيبي حقك عليا يا رامي أنا بس كنت ملهوف عليك

– أنا مش اسمي رامي أنا اسمي أيوب

عقد أيمن ما بين حاجبيه و قال بنبرة متعجبة

– ازاي الكلام دا ؟! يا رامي ؟! و لو أنت مش اسمك رامي اومال اسمك إيه ؟!

– اسمي أيوب بابا فيصل سماني أيوب و الكل دلوقتي بيناديني أيوب مافيش غير ماما بس اللي بتقولي يا رامي

رد أيمن بنبرة مغتاظة و قال:

– فيصل دا منه لله عمره ما هيورد على جنه

رد أيوب بعتاب و قال:

– ليه كدا يا بابا دا بقى كويس معايا اوي و بقى بيخليني اتفرج على التليفزيون براحتي زي الأول

– ليه هو كان بيعاملك وحش ؟!

– في الأول بس لكن دلوقتي بقينا كويسين مع بعض أنا نبعملش اللي يضايقه و هو بطل يضربني

– كمان بيضربك !!

– دا كان زمان

رد أيمن و قال بتساؤل

– قل يا رامي مرتاح في المدرسة دي ؟!

حرك الصغير رأسه علامة النفي ثم قال:

– لا مش حابب المدرسة و لا صحابي على طول بيضربوني حتى المستر بيضربني عشان باخد عنده درس

– أنت ازاي ساكت ؟!

– انا قلت لبابا و هو جاي لي النهاردا بعد الفسحة

وقف أيمن عن الأريكة الخشبية ما أن وصل لمسامعه صوت ناقوس نهاية الاستراحة، صافحه ثم غادر المدرسة على وعد بلقاءٍ جديد .

بعد مرور ساعة

طرقات خفيفة ثم تحدث بعدها فيصل قائلًا بجدية

– حضرتك استاذ أحمد ؟!

– ايوة أنا خير حضرتك مين ؟!

– فيصل والد أيوب فيصل اللي حضرتك ضربته عشان ياخد عندك درس

رد المُعلم بغطرسة و قال

– أنا مضرتوش عشان ياخد عندي درس ولا حاجة أنا ضربته عشان مش شاطر

رد فيصل بعصبية وهو يقبض على ياقة قميصه ثم قال:

– وحتى لو مش شاطر متمدش ايدك على ابني

حاول المُعلم التخلص من يده القابضة على ياقك قميصه وهو يقول بحدة

– أنا هوديك في داهية أنت بتتعدى على موظف حكومي أثناء تأيدة وظيفته و دي فيها حكم و محكمة

رد فيصل بنبرة ساخرة وهو مازال يقبض على ياقة قميصه

– سلامات يا محكمة

تابع بنبرة تحذيرة وقال:

– أنت عارف لو مديت ايدك على ابني تاني هعمل فيك إيه ؟!

بين شد و جذب بين فيصل و المعلم هرع مجموعة من المعلمين للفض بينهم، انتقل بعد مرور نصف ساعة فيصل و المعلم لغرفة المدير، ظل يحدثهم بعصبية مفرطة و هو يحتضن ولده ثم كشف عن ذراعه و قال:

– اتفضل شوف دراع الواد عامل ازاي تعليم إيه و زفت إيه، ابني أنا مش شاطر ازاي و هو بشهادة كل المدرسين احسن طالب و كل الكشاكيل بتاعته معاه وواخد الدرجة النهائية

تابع حديثه و قال:

– هنروح بعيد ليه ؟! الواد عندكم اهو امتحنوا وشوفوا مستواه.

بعد مرور ساعة كاملة من المشاجرات و الآحاديث المقتضبة. غادر فيصل و معه ولده الذي ظل صامتًا، بينما كان والده يحدثه بجدية قائلًا:
– أي حد يضايقك تاني قل لي، ساكت ليه متتكلم و لا القطة كلت لسانك ؟!

أنا خايف يابابا !

قالها أيوب و هو يقف وسط الطريق، توقف فيصل أيضا نزل لمستواه و قال بتساؤل:
– خايف من الأستاذ ؟!
– لا خايف عليك يضربك الأستاذ

ابتسم بخفة ثم قال
– متخافش ابوك أسد و لا أنت عندك شك في كدا ؟!

تابع بجدية و قال:
– أنت بردو متعملش شقاوة و لا تقعد تقلد أي مدرس عشان محدش يتلكك عليك

رد أيوب ببراءة و قال:
– أنا مش بعمل أي حاجة خالص

رد فيصل و قال بنبرة ساخرة
– خالص، برئ يا بيه !

استقام بجسده ثم تابع سيره دون أي آحاديث جانبية جديدة، لاحظ فيصل أن أيوب يحرك كتفه بين الفنية و الأخرى محاولًا تخفيف الحِمل عن ظهره، استوقفه متسائلًا بجدية
– هي الشنطة تقيلة عليك ؟!

رد أيوب بكذب و قال:
– شوية

قبض فيصل على يده الحقيبة و قال بجدية
– طب هاتها عنك اشيلها أنا شوية

لم يعترض أيوب كلمة والده ليس خوفًا منه كعادته بل استغلالًا لقوة فيصل التي تفوق قوته عشرات المرات، بينما نظر له أبيه و قال بتساؤل
-بقى دي مش تقيلة دي ؟! دي تهمة ! بتشيلها كل يوم لوحدك دي ؟!
-اه و ساعات ماما حياة تشيلها عني بس من ساعة ما تعبت و قربت تولد كدا و أنا اللي بروح و باجي لوحدي

أشار فيصل لسيارة الأجرة استقلها ثم اتخذ مكانًا ليجلس عليه، و ضع ابنه على فخذه و قال بخفوت
– هشترك لك في عربية تجيبك و توديك بدل بهدلتك دي كل شوية

رد أيوب بإبتسامة واسعة و قال:
– بجد يا بابا ؟!

ابتسم له فيصل إبتسامة واسعة ثم قال:
– بجد يا قلب أبوك

ختم حديثه بقبلة عميقة على وجنته، تسمر أيوب للحظة بعد قبلة أبيه، رمش بأهدابه عدة مرات حتى يتأكد إلى ما وصلت له أذنيه، قربه فيصل ليحتضنه بقوة، همس بالقرب من أذنيه و قال:
– متخافش من أي حاجة و لا من حد طول ما أبوك في ضهرك

نظر له أيوب و لم يعقب على كلمات والده التي نزلت على صدره أثلجته و طمئنته لاعوام قادمة بينما مسد فيصل على خده و قال بنبرة حانية :
– طول ما أنا في ضهرك اعرف إنك في أمان و محدش هيقدر يمد ايده عليك .

وصلا أخيرًا إلى المنزل عبر البوابة الحديدة
ثم صعد سلالم الدرج و قبل أن يلج شقته استوقفته شادية و قالت بتوسل
– ابوس رجلك يا فيصل خليني اشبع من رامي

أزاحه فيصل خلفه ظهره و هو يقول بنبرة حادة
– ملكيش عندي عيال رامي دا مش ابني أنا ابني اسمه أيوب دوري على ابنك بعيد عني

ردت شادية بجنون قائلة:
– كفاية بقى حرام عليك ابوس ايدك كفاية أنا مش طالبة كتير كل اللي طالبة انه يفل معايا يوم واحد حتى لو كل أسبوع

ابتسم بشماتة و قال:
– ولا ساعة واحدة حتى يا شادية انسي، ابنك بقى على اسمي و إنك تشوفيه تاني دا
بمو تك يا شادية .

هدرت بصوتها الجهوري من بين دموعها قائلة بصراخ
– هشوفه يا فيصل غصب عنك و عن أي حد يمنعني عن ابني و بكرا تقول شادية قالت

خرجت حياة على إثر صرخاتها حاولت تهدأتها ثم وعدتها بأنها سوف تفتح الأمر مع زوجها و تحاول تغيير رأيه الصارم، و بين هذا و ذاك جلست شادية على أعتاب بابها في انتظار خروج ابنها كعادته اليومية و لكن هذه المرة لم يخرج طال الأنتظار و هي على جلستها تلك

داخل شقة فيصل

جلس مقابلة ولده و قال بهدوء مريب و هو ينظر له بنظراتٍ لا تُبشر بالخير أبدًا :
– أنا هنسى اللي فات و هنسى إنك سمعت كلام حياة و قعدت مع شادية طول فترة غيابي

رد أيوب بنبرة مرتعشة قائلًا:
– أنت عرفت منين يا بابا
-مش هكدب عليك و اقولك العصفور و الكلام الأهبل دا لا جدك وقع بلسانه من غير ما يقصده و أنا بكلمه و مشيت الموضوع عشان متقولش إني بضربك في الفاضية و المليانة
أنت كبرت و بقيت راجل مش كدا ؟!

حرك أيوب رأسه و قال بصوتٍ مبحوح
– كدا
– طب يا أيوب دي ست وحشة عملت كل حاجة حرام ربنا قال عليها لا ما ينفعش تتعمل هي عملتها يبقى دي ينفع تكلمها تاني و لا تعرفها ؟!

رد أيوب ببراءة و قال:
– بس دي ماما و ربنا أمرني إني اسمع كلامها و اقولها حاضر لكن لو قالت لي اشرك بالله و العياذ بالله اسيبها و امشي من قدمها بس ادعي لها ربنا يهديها .

صك فيصل على أسنانه بغيظٍ شديد ثم قال بغيظٍ مكتوم
-أنت مين قالك الكلام دا ؟!
– ماما حياة

اطبق فيصل على جفنيه بقوة شديد و هو يضرب بقبضته فوق زجاج الكومد، حاول الأ يخرج غضبه الشديد عليه و يتحلى بالصبر
نظر له و قال بهدوء مريب
– متسمعش كلامها، اسمع كلامي و بس شادية مش أمك دا اسمها بس اللي في الشهادة انما هي واحدة مش كويسة فاهم و لالا ؟!

بلع أيوب لعابه بصعوبة و هو يحرك رأسه ثم قال بتوجس
-مفهوم يا بابا
– جدع يا أيوب، قوم بقى يا حبيب بابا غير هدومك عشان نتغدا سوا .
– حاضر .

في المساء

كانت جالسة على حافة الفراش المقابلة للجهة الأخرى تستمع لحديث زوجها و تعليماته الصارمة لم تعقب على أيًا منهم إلى أن انتهى
من تحكماته تلك، نظرت له ثم قالت بتساؤل :
– خلاص خلصت كلامك قصدي تحكماتك ؟!

عادت ببصرها لشاشة التلفاز ثم قالت بصرامة
– أنا بقى مش هوافقك في عنادك و اقهر شادية يا فيصل و طول ما انا فيا نفس و ربنا مديني عمر هفضل احنن قلب ابنك على أمه

اغتاظ منها نهض من الفراش و قال بغصبٍ جم
– يعني إيه ؟! هو أنا باخد رأيك دا أنا بأمرك و ليا عندك حق الطاعة

وقفت عن حافة الفراش متحاملة على نفسها و هي تقول بنبرة لا تقل عن نبرته
– الطاعة دي لما تطلب مني طلب يخصني مش و أنت بتطلب مني املى دماغ ابنك بكلام عن أمه و اشوه صورتها في نظره .

رد فيصل بنبرة مغتاظة قائلًا:
– كدا يا حياة ؟!
-ايوة كدا و طول ما أنا عايشة مش هاسيبك تسمم أفكاره يا فيصل و اللي عندك اعمله .

لأول مرة تقف أمامه تتجبر عليه من وجهة نظره ترفض أمره الذي ظن أنها ستقف معه و لن ترفضه، نظر لها و قال بغضبٍ مكتوم
– مش دي شادية اللي سقطتك مرة قبل كدا يا حياة ؟! مش دي اللي كانت بتوقع بنا عشان انكد عليكي واطلقك زي اللي قبلك ؟!

ردت عليه بنفس النبرة و قالت:
– و هي بردو اللي بسبب دعوتها عليا ربنا مكمليش حملي في النرة التانية و ياعالم التالتة هتكمل و لالا أنا مش حِمل دعوة حد مظلوم يافيصل

ضحك بسخرية و قال بتساؤل:
– بقى. شادية مظلومة ؟!

تابع بنبرة مغتاظة :
– ناقص تقولي لي إن فاضلها تكة و يطلع لها جناحين ؟!
– و احنا كمان مش ملايكة يا فيصل و بنغلط و هنغلط بس غلط عن غلط يفرق كفاية عليا حسابي متشيلنيش حساب غيري

حرك فيصل رأسه علامة الإيجاب و قال :
– عندك حق كفاية عليكي حساب نفسك

اندفع بجسده تجاه باب الغرفة مناديًا ابنه بصوته الجهوري، انتفض على إثره أيوب سأل والده بنبرة مرتعشة و قال:
– نعم يا بابا

رفع فيصل سبابته تجاه الباب و قال:
– لو لمحت طرف خيالك برا أنا مش بس
هضر بك لا دا أنا هو لع فيك فاهم يعني إيه هو لع فيك ؟! الست اللي برا متقربلهاش و لو شفتك بتكلمها أنت حر اتفقنا ؟!
-حاضر

خرجت حياة و قالت بنبرة غاضبة
-حرام عليك اللي بتعمله في الواد يا فيصل

استدار نصف استدارة و قال:
-اخرسي أنتِ مش عاوز اسمع صوتك

بعد مرور عدة أيام

كان أيوب يصعد سلالم الدرج و بالأحرى يحتضن الجدار تماد تجزم شادية أنه ود أن يدخل بجسده داخل الحائط بسبب تعليماته أبيه تلك توقف عند باب شقته وجد والدته تفتح له ذراعيها طالبة منه العناق لكنه لم يرد عليها، همست من بين دموعها و قالت برجاء
– تعالي عشان خاطري يا رامي تعالي دا حضن واحد و الله ما هطلب منك تاني متخافش يا واد ابوك مش هنا

طرق الباب بسرعة حتى تنجده زوجة أبيه قبل أن يضعف و يركض تجاه أمه، فتحت له الباب
و قبل أن توصده هتفت شادية برجاء
– يا حياة يا أم قلب أبيض استحلفتك بالله تخلي يحضني حضن واحد بس و بعدها مش هطلبها تاني و الله

اندفعت حياة نحوها جلست على ركبتها و قالت بمرارة :
– استحلفتك أنتِ بالله يا شيخة كفاية كدا الواد اخد ضرب يكفي عمر بحاله يكره نفسه
لو بتحبي ابنك اتحملي شوية كمان لحد ما القضية اللي رفعتيها تكسبيها

لطمت شادية بيدها فخذيها و قالت :
-قضية !! ما اتنازلت عنها و ضحك عليا فيصل

ردت حياة بدهشة و قالت:
-يعني إيه ؟! يعني كان بيخليكي تتنازلي عن قضية الحضانة عشان في الآخر يضحك عليكي ؟!
– ايوة يا حياة فيصل كان بينيمي يا حياة عارف إني مليش أهل يقفوا له و عمل كل دا و محدش عارف يوقفه عند حده

ردت حياة بوعيد قائلة:
-اقسم لك بالله ما هعديها له على خير ابدًا

كادت أن ترد لكن وصل لمسامعها صوت غلق البوابة الخارجية نظرت عبر السور وجدته يلج
هرعت نحو أيوب و قالت:
-ادخل غير هدومك بسرعة اجري

نظرت لها و قالت بتحذير
– ايامي تفتخي بؤقك مع فيصل على إن ايوب كان واقف هنا أنا بقولك اهو .

ولجت المنزل باحثة عنه ما أن وجدته قبضت على كفيه الصغيران و قالت بتحذير
– عارف لو نطقت و قلت لابوك اننا اتكلمنا مع أمك هعمل فيك إيه ؟! إياك يا أيوب أنا بحذرك اهو .

بعد مرور عدة أسابيع

تدهورت حالة شادية الصحية و الجسدية و أيضًا النفسية، اضطربت عن الطعام، كنوع من الضغط على فيصل، لكنه لم يرأف بها كلما حاول السماح يذكره الشيطان فعلتها و يؤكد أنها امرأة لا تستحق العطف أو الشفقة، تم نقلها للمشفى العام و تم عمل اللازم لها كنوع من الإجراءت الروتينة لكن الحالة التي آلت إليها مؤخرًا كانت سببًا رئيسًا في عدم استجابتها لأي دواء، زارتها حياة في إحدى المرات نظرت لابنها نظرة الوداع ثم رفعت بصرها بصعوبة لـ حياة و قالت بنبرة بالكاد تكون مسموعة:
– خلي بالك من ابني، ابني أمانة في رقبتك يا حياة

سقطت دموع حياة حين استمعت لوصيتها حركت رأسها علامة النفي و قالت:
– دي أمانة كبيرة مش قدها يا شادية قومس بالسلامة وربي ابنك بنفسك

لاحت شبح إبتسامة ساخرة، بلعت ريقها ثم قالت
– أنا خلاص ماشية يا حياة، و ابني أمانة في رقبتك

في المساء

ذهب فيصل إلى المشفى بعد توسلات من حياة بأن ينفذ رغبة شادية الأخيرة، ظن أنها تبالغ لكن عندما ذهب تأكد من حديثها، جلس مقابلتها على المقعد الخشبي استمع لها حين قالت:
– سامحني يا فيصل

طال النظر في وجهه ينظر لها بتيه سألها بنبرة مختنقة و قال:
– اسامحك !! مش عارف صعب عليا ليه مع إني بسامح الكل حتى اخواتي، بس يمكن مش قادر اسامحك عان أنتِ وجعتيني أكتر منهم وجعك ليا فوق طاقة تحملي

فرت دمعة من محبسها مسحها بسرعة فائقة و هو يتابع بجدية
– ربنا هو اللي بيسامح يا شادية

نظر لها و قال :
– هدعي لك ربنا يخفف عنك عذابك انما اسامحك صعبة صعبة اوي عليا .

بلعت لعابها بصعوبة بالغة ثم قالت
– خلي ابني هو اللي يقف على غُسلي و ينزل معايا قبري و ياخد عزايا

سقطت دمعتها و هي تقول:
– أنا مليش بعد ربنا غير ابني و دي خدمته الأخيرة ليا.

غادر فيصل المشفى بعد أن استمع للوصايا العشر منها، جلس داخل غرفته شاردًا في ذكرياته معها منذ أن تعرف عليها حتى هذه اللحظة سقطت دمعة من عيناه، مسحها بسرعة قبل أن يرأه أحد، ولجت حياة و قالت بهدوء
– العشاء جاهز يا فيصل

حرك رأسه علامة النفي و قال :
– مليش نفس يا خياة اتعشي أنتِ و أيوب وخـ…

بتر حديثه رنين هاتفه نظر له بتوجس ما أن علم أنه رقم المشفى، التقط الهاتف بتردد في بادئ الأمر لكنه استجمع قوته و ضغط على زر الإجابة قائلًا بجمود مصطنع
– و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته، ايوة أنا فيصل خير !

اطبق على جفنيه ثم قال :
– إنا لله و إنا إليه راجعون حصل إمتى ؟! حاضر جاي حالًا .

شادية ماتت يا فيصل مش كدا ؟!

اردفت حياة عبارتها بمرارة و هي تحاول بشتى الطرق كتم دموعها، بينما كان هو يحاول التماسك قدر المستطاع لم يكن هذا الوقت المناسب للإنهيار، بدل ثيابه على عجل
ثم خرج من غرفته اتجه حيث غرفة ولده
كان جالسًا على حافة فراش يلون في دفتره
جلس جواره فيصل و قال بجمود
– أنت راجل مش كدا ؟!
– اه راجل حضرتك دايما تقولي خليك راجل و أنا اهو راجل
– النهاردا هيبان أنت راجل و لالا

سأله أيوب بعدم فهم و قال:
-يعني إيه ؟!

أجابه بجدية دون أدنى مقدمات
– أمك ماتت خلاص راحت و مش راجعة تاني

اتسعت أعين أيوب و هو يستقبل خبر وفاة والدته ترقرقت الدموع في مقله،و فرت دون تحكم لكن منعه فيصل و هو يجفف له دموعه قائلًا بجمود
– مش وقت دموعك

قبض على ذراعيه برفق وتابع بجدية قائلًا:
– اعمل حسابك إن الدنيا حطتك في أول اختبار و خد من دا كتير في حياتك، قبل ما تقعد تعيط زي الستات، اجمد و خلص المطلوب منك و بعدها اقفل على نفسك و عيط براحتك انما دلوقت أنت لازم تقف على غسل أمك و تنزل معاها قبرها دي وصيتها ليك خدمة أخيرة هتقدم لها .

بعد مرور عدة ساعات

وقف أيوب على سلالم درج القبر و قبل أن يهبط مع والده استوقفه جده قائلا:
– يا ابني الواد صغير و اللي أنت بتعمله دا غلط عليه !

نظر فيصل لولده الذي تبادل معه النظر ثم هبطا الأثنان، كانت أقدام الصغير تتخبط في بعضهم البعض، لأول مرة يتعرض لموقفًا كهذا
أما فيصل فـ كان في عالمًا آخر، ظل ينظر للكفن الأبيض و الدموع تتجمع في مقله
نظر لابنه و قال بصوتٍ مبحوح
– سامح أمك يا أيوب
– على إيه ؟!
– على اللي وصلتنا له دلوقت

رد أيوب دون فهم و قال:
– مسامحك يا ماما .

وصل صوت والده لمسامعه آمرًا إياه بالخروج
صعد أيوب بينما بقى فيصل، نظر لها و قال بنبرة مختنقة
– حاولت أأقسي قلبي و اقول مش مسامحك معرفتش ضعفت هنا لسه بتعرفي تأثري عليا
حتى و أنتِ ميتة

ختم حديثه و قال:
-ربنا يغفر لك و يتجاوز عن سيئاتك، ربنا يعفو عنك سامحتك و قلبي مش فاكر لك حاجة غىر الحلو سامحتك عشان لما احط مكانك الاقي اللي يسامحني .

خرج من قبرها بجموده المعتاد ذاك الرجل الذي لم يتحرك قيد أنملة أو يهتز لموقفًا كهذا بينما بداخله ذاك الرجل الهش الذي اكتشف أنها مازالت تؤثر عليه رغم كل ما فعلته به و أكبر دليل على ذلك هو مسامحته لها، عاد لبيته و جلس داخل غرفة ابنه محتضنًا إياه، مسد على ظهره و قال:
– ادعي لها يا أيوب ادعي لها ربنا يثبتها عند السؤال
– حاضر و ادعي إيه تاني يا بابا ؟!
– و ادعي لي أنا ربنا يخفف عني وجعي

نظر له أيوب و قال بتساؤل:
– أنت موجوع يا بابا ؟!
– اوي، اوي يا أيوب
– طب ما تروح لدكتور ؟!
– أنت دكتوري يا أيوب خليك جنبي و متبعدش عني ثانية .

بعد مرور عدة أيام

وضعت حياة صغارها كانت تُعاني بسبب حملها
فهذا الحمل يختلف كل الاختلاف عن أي حمل سابق فهي تحمل بأحشائها توأم و أخيرًا
وضعتهم بعد عناء شديد، كان أيوب يعيش فترة راحتها في بيت أهلها، مع أبيه الحياة بينهم تغيرت تماما و اصبحت أفضل بكثير عن ذي قبل، يظل فراق والدته يسبب له فراغًا كبيرًا كان يقف مع والده في المطبخ يُعد وجبة العشاء ركض حيث الباب وهو يقول بعفوية
– حاضر يا ماما جاي اهو .

لفت انتباه فيصل حركاته تلك انتظر حتى عاد له و سأله بهدوء
– مين كان بينادي يا أيوب ؟
– أصل أنا سمعت صوت ماما في ودني و هي بتناديني عشان تحضني فـ جريت عليها عشان احضنها زي ما كان نفسها و لما فتحت الباب ملقتش حد .

بلع فيصل لعابه بغصة مؤلمة ثم قال:
– كل ما تيجي أمك على بالك ادعي لها بالرحمة و قول الله يرحمك يا أمي
– حاضر
– و طلع لها صدقة جارية
– حاضر

تبسم فيصل و قال بجدية مصطنعة
– أنت عارف يعني إيه صدقة جارية ؟ و لازبتقول حاضر و خلاص
– لا
– اومال بتقول حاضر ليه ؟!
– أصل خايف تضربني عشان مش فاهم
– تعال نتفق اتفقا
– إيه هو ؟!
– نبقى اصحاب لا أنت تعمل حاجة تزعلني و لا أنا امد ايدي عليك اتفقنا ؟!
-اتفقنا، يعني إيه بقى صدقة جارية ؟!
– يعني حاجة كانت نفسها فيها و ملحقتش تعملها و لما أنت تعملها حاجة دي مع حد تاني هي هتحس بيها بالظبط، و ينفع تتطلع فلوس على روحها دي بردو اسمها صدقة جارية و كمان تعمل حاجة لحد و تطلب منه يدعي لها دي بردو صدقة جارية، زي مثلا نعمل كولدير مية نوصلها وصلة مية. نحط حاجة في الجامع باسمها و طول ما الحاجة شغالة هتفضل الناس تدعي لها بالرحمة و هي تاخد ثواب، و متنساش كل يوم بليل قبل ما تنام تقولها الله يرحمك يا أمي ؟!

رد أيوب بتساؤل وقال:
– طب أنا لما اقول كدا هي هتسمعني ؟!
-طبعًا كل ما تتدعي لها بالرحمة الملايكة هتاخد الدعاء و تقدمه لها و هي بقى تسأل مين اللي دعا لي الدعوة الحلوة دي الملايكة ترد و تقول دا دعاء أيوب ابنك

سأله أيوب بفضول و قال:
– هي الملايكة عارفة اسمي ؟!

أجابه فيصل و قال
– ايوة طبعًا عارفين و كل ما تدعي لها الملايكة هيقدموا لها الدعاء و هي هتسألهم مين اللي دعا لي هيقولولها أيوب ابنك دعا لك بالرحمة .

عادت لبيتها بعد أسبوع من مكوثها داخل بيت جدها ظلت تستمع لـ أيوب و هو يسرد لها عن
فرحت لعودة العلاقات بين الابن و أبيه، و حين كان يخبرها عن الأحداث التي حدثت في غيابها ولج فيصل من باب البيت يحمل بيده الكثير من المشتريات ابتاعها خصيصًا لـ أيوب
لكنه قرر أن يشاكسه كي يرى ردة فعله، جلس على الأريكة ثم نظر لـ حياة و غمزها بجانب عينه عاد ببصره له و قال بجدية مصطنعة
– أنا جبت كل حاجة طلبتيها لـ فريد و فريدة
و مخلتش نفسهم في أي حاجة و جبت لك كمان طلباتك بصي كدا و قولي لي رأيك ؟!

ردت حياة بإبتسامة بشوشة و قالت:
– تسلم ايدك يا حبيبي
– الله يسلمك يا حبيبتي و أنت يا أيوب إيه رأيك في الحاجات اللي جبتها ؟!

رد أيوب بسعادة حقيقة و قال:
– حلو اوي يا بابا تسلم ايدك
– الله يسلمك معلش بقى يا أيوب أنت المرة الجاية عشان الفلوس مكفتش معايا

نظر له بإحباط و قال بنبرة تملؤها الحزن:
– مش لازم يا بابا أنا عندي لبس كتير و لعب كمان

رد فيصل و قال بإبتسامة وايعة وهو يحمله عن الارض رافعًا جسده للأعلى ثم قال من بين ابتسامته
– يا واد يا قنوع يا اللي مبتزعلش أنت يا واد

تابع وهو يطبعه قبلته الحانية على خده و قال
– هو أنا ليا خير و بركة غيرك ازاي يعني أنا مجبلكش ؟! و لو مكنش ابوك يجيب لك مين هايجيب لك يعني ؟!

رد ايوب و قال بعفويته
– أنا مكنتش زعلان يا بابا صدقني

رفع فيصل حاجب عن الآخر ثم قال
– كدا ؟! طب يلا يا حياة لمي كل حاجته و نرجع المحل تاني .

لالا خلاص يا ماما حياة أنا كنت بكدب خلاص مترجعيش حاجة بالله عليكي

قالها أيوب و هو يركض تجاه هداياه و ضمها بقوة بينما ردت حياة بنبرة معاتبة زوجها قائلة:
– اخس عليك يا فيصل كدا تزعل ايوب دا حتى شطور و طلع الأول على الفصل النهاردا

سأله والده بجدية و قال
– أنت طلعت الأول بجد ؟!

حرك أيوب رأسه علامة الإيجاب ثم قال بسعادة غامرة
– طلعت الأول و الفصل كله صقف لي و قالي برافو يا أيوب و أنا قلت لهم متشكر متشكر

رد والده وهو يحمله من جديد و قام بتقليده قائلًا :
– متشكر متشكر! خارج أنت من أيام الابيض و الأسود ؟!

تابع بجدية و قال:
– عموما مبروك يا سيدي و ليك عندي هدية نجاحك اللي تطلبه
– اللي اطلبه ؟!
– اللي تطلبه
– طب أنا طالب اسافر معاك الشغل و اشوفك و أنت شغال في الادوار العالية
– هو أنا قلت اللي تطلبه صحيح بس مش للدرجة دي يعني، و بعدين محدش بياخد ولاده معاه في الشغل، فـ اطلب طلب تاني غير دا

رد أيوب بتوجس في بادئ الأمر و قال:
– لو قلت لك هتزعق لي ؟!
– لا قول و متخافش
– أنا عاوز احط فلوس في الجامع اللي بيتبني عند ماما

عقد فيصل ما بين حاجبيه و قال بنبرة متعجبة
– و أنت عرفت منين إن في جامع بيتبني هناك ؟!

نظر أيوب لحياة التي عاتبته بنظراتها ثم عاد ببصره لوالده و قال بقلق
– أصل
– أصل إيه ما تنطق ؟!
– أصل أنا كل يوم بعد المدرسة بروح لماما احكي لها عملت إيه في المدرسة و اسقي الزرعة اللي زرعتها هناك و باجي

رد فيصل بغضبٍ مكتوم و قال:
– بتروح كل يوم لوحدك المقابر و تقعد هناك لوحدك ! هو أنا مش قلت مافيش مرواح هناك لوحدك دي تاني ؟!

رد ايوب بنبرة مختنقة و قال من بين دموعه المتجمعة داخل مقله
– أصل أنا كل يوم و أنا خاوج من المدرسة بلاقي اصحابي بيجروا على مامتهم و أنا لا فـ بروح ازورها عشن يبقى عندي ماما زيهم

رد حياة بعتاب و قالت:
– اخس عليك يا ايوب و هو أنا يا حبيبي مش زي ماما ؟!
– أنا بحبك و الله بس أنا نفسي يبقى عندي ماما زي صحابي

رد فيصل و قال بعتاب
– و هي حياة مش زي أمك ؟!

تنهد أيوب بجر و هو يشيح بوجهه للجهة الأخرى لم يعد يعرف كيف يخبرهم ما يريده الوصف الذي يريد أن يصفه لهم، عدل والده له وجهه و قال بنبرة اهدأ من ذي قبل
– قل لي عاوز تقول إيه ؟! أنا سمعك احكي لي

انهمرت دموعه و كأن والده ضغط على جرحه
و قال
– أنا عاوز ماما حياة بتعملي كل حاجة حلوة و بتنيمني في حضنها بس مش هي ماما نفسي اشم ريحتها زي زمان و تقولي بحبك يا رامي

انفجر أيوب في والده و قال من بين نحيبه
– أنا مش عاوز ابقى ايوب أنازعاوز ارجع رامي تاني و عاوز ماما ترجع لي اشمعنى أنا اللي ماما تروح ليه أنا اللي يبقى لي اسمين رجع لي ماما يا بابا و خد أي حاجة أنت عاوزها مني

يتبع

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية فيصل العاق) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!