رواية فيصل العاق – الفصل السادس عشر
ردت حياة بعتاب و قالت:
– اخس عليك يا ايوب و هو أنا يا حبيبي مش زي ماما ؟!
– أنا بحبك و الله بس أنا نفسي يبقى عندي ماما زي صحابي
رد فيصل و قال بعتاب
– و هي حياة مش زي أمك ؟!
تنهد أيوب بضجر و هو يشيح بوجهه للجهة الأخرى لم يعد يعرف كيف يخبرهم ما يريده الوصف و ما الذي يريد أن يصفه لهم، عدل والده له وجهه و قال بنبرة اهدأ من ذي قبل
– قل لي عاوز تقول إيه ؟! أنا سمعك احكي لي
انهمرت دموعه و كأن والده ضغط على جرحه حدثه بقلبٍ منفطر قائلًا
– أنا عارف إن ماما حياة بتعملي كل حاجة حلوة و بتنيمني في حضنها بس مش هي ماما نفسي اشم ريحتها زي زمان و تقولي بحبك يا رامي
انفجر أيوب في والده و قال من بين نحيبه
– أنا مش عاوز ابقى ايوب أنا عاوز ارجع رامي تاني و عاوز ماما ترجع لي اشمعنى أنا اللي ماما تروح ليه أنا اللي يبقى لي اسمين رجع لي ماما يا بابا و خد أي حاجة أنت عاوزها مني
ضمه فيصل لحضنه في عناقًا طويلًا، سقطت دموعه رغمًا عنه الوضع الذي آل إليه أيوب لم يتوقع يوما أن سيصل به إلى هنا، اخرجه من حضنه و اجبره على النظر إليه و قال بنبرة مختنقة
– اسمع أنت راجل عارف يعني إيه راجل يعني لازم تبقى قوي مبتخافش من حد و لا من حاجة و لا حتى في حاجة تهزك مهما كانت كبير
هز فيصل رأسه بجدية و قال
– عارف إنك مش فاهم كلامي ولا عارف أنا بقول إيه بس هتفهم دا بعدين انما دلوقتي خليك زي ما أنت ايوب اللي أنا عارفه و نفسي اشوفه دايما قوي و شاطر في مدرسته .
يعني أنا لو عملت كل حاجة أنت عاوزها مني كدا ماما هترجع لي !
قال أيوب عبارته بصوتٍ هادئ و نبرة تملؤها الرجاء بأن لا يخذله و يجيبه بما يريد سماعه
ابتسم له و قال بنبرة حانية
– احنا هنروح لها كل يوم ونتكلم معاها لحد ما تهزق مننا
تنهد بجدية موجهًا سبابته نصب عيناه و قال
– بس لا في خروج للمقابر لوحدك بليل ولا في هروب من الدورس عشان تروح لها أنا المرة دي عدتها بمزاجي المرة الجاية هزعلك مني
ختم حديثه بجدية مصطنعة و قال
-و هي كمان هتزعل شوف بقى لو عاوزها تزعل منك زعلها أنت حر !
كفكف الصغير دموعه و قال بنبرة متحشرجة إثر البكاء
– لا خلاص يا بابا اوعدك مش هعمل كدا تاني .
بعد مرور يومين
كان يقف أمام قبر والدته يدعو لها و يناجي ربه بأن يخرجها من نومتها تلك ليحضتنها فقط لعناقًا صغير ثم تعود للقبر من جديد ظن أنه عندما يلُح في الدعاء سيتجاب له الله
فقد الأمل و زفر بضيق نظر لوالده و قال:
– هو ربنا مش عاوز يستجيب ليه يا بابا مع إن دعيت كتير اوي
نزل لمستواه و قال بإبتسامة خفيفة
– مين قال كدا ربنا بيستجيب
– طب ما ماما لسه نايمة اهي مخرجتش
– لا مش هتخرج
– ليه ؟!
– عشان هي تعبانة و ربنا وداها مكان احسن من هنا بكتير
نظر أيوب للقبر ثم عاد ببصره لوالده و قال:
-بقى هي دلوقتي في مكان احسن من هنا هو في احسن المكان بتاعنا !!
– يوووه في مكان كلنا نفسنا نروحه
– مكان إيه دا ؟!
– الجنة، الجنة يا أيوب ربنا يوعدك بيها يارب يا حبيبي اهي مكافأة كل واحد تعب في دنيته و شاف فيها كتير
– يعني ماما في الجنة ؟! ما هي كانت تعبانة !
طالعه فيصل في صمت للحظاتٍ ثم قال بهدوء
– ادعي لها تكون في الجنة يا حبيبي ادعي لها هي خلاص انقطع عملها في الدنيا و فاضل لها أنت الأمل الوحيد، اللي هايدخلها الجنة بدعائه ليها اوعى تنسى امك يا أيوب و دايما تفتكرها في دعائك .
– حاضر يا بابا مش هنسى أبدًا.
داعب فيصل خديه وقال بحماس
– يلا روح اسقي الزرعة عشان تكبر و ماما تفرح بيها
ركض أيوب و نفذ أمر والده كل ما يسعد والدته على وجه التحديد ينفذه دون أدنى مناقشة ظنًا منه أنها ستعود بين الحين و الآخر مر عام تلو الآخر و هو ينتظرها حتى مر أكثر من خمسة و عشرون عام، كان يمني نفسه خلالهم أن والدته ستعود، وقف أمام حوض الزرع يسقيه كعادته اليومية انتهى أخيرًا نفض يده و جلس جوار القبر، حدثها بهدوء قائلًا بنبرة ساخرة :
– أنا فيصل وقعنا مع بعض زي العادة ضربني و بهدلني لما عرف إني لسه بعرف عمي أيمن
نفث دخان لفافة التبغ و قال بنبرة حائرة
-طب و أنا اعمل إيه يعني ياما !أنا الراجل طول عمره معايا وعمري ما شفت منه حاجة وحشة و لسه لحد النهاردا بيعاملني على إني ابنه حتى بعد ما اتجوز و خلف بدل العيل اتنين
اطلق تنهيدة عميقة و قال:
– عارفة لو ابويا يكلمني بيني و بينه أنا معنديش مانع لكن يقل مني قدام اخواتي الصغيرين
اعتدل في جلسته و اعترف
– مش هنكر إني كياد رقم واحد بس هو بردو اللي الدخلة و الخارجة يعايرني بيكي
تابع بعتذار وقال:
-معلش يا غالية مليش غيرك افضفض و اشكي له همي .
ختم حديثه بإبتسامة مريرة قائلًا:
– ما تاخديني في حضنك زي زمان ياما و اهي تبقى نار جنهم و لا جنة ابويا، ما هو أنا اللي زيي هيدخل الجنة على أي اساس ! لا صوم و لا صلاة و لا حتى مريح ابويا في دنيته من كله يعني .
بعد مرور ثلاث ساعات
استيقظ من نومه على صوت حارس المقابر
ناداه أكثر من ثلاث مرات، فتح عيناه بصعوبة
متسائلًا بصوتٍ يغلبه النعاس
– عاوز إيه يا عم جاد الله !!
– الساعة تلاتة الفجر يا ابني قوم احسن الدنيا بردت و باين عليها هتمطر
انتفض أيوب من مكانه و كأنه لدغ للتو ظل يبحث عن متعلقاته يمينا و يسارا و هو يقول
– قلت كام الساعة ؟!
– تلاتة الفجر !
-و دا اسمه كلام يا راجل ما أنت عارف إني لما بغفل بتروح عليا نومة كنت صحيني
-صراحة ربنا صعبت عليا قلت اسيبك تريح شوية ما أنا عارفك كنت مسافر و لسه راجع
وضع الوشاح الأسود على رقبته و تإمد من أنه يحمل كل شئ ثم نظر له و قال
-و أنت جاي تعمل في شهم و جدع دلوقت ! دا ابويا هايعلقني سلام سلام
كان يسير بخطواته الواسعة و السريعة و التي كانت أشبه للركض، اصطدم بكتفها. كادت أن تسقط لولا محاصرته لخصرها و تشبثه بجسدها دام الصمت للحظاتٍ طويلة قبل أن يسألها بنبرة خافتة
– أنتِ بتعملي إيه هنا يا كارما ؟!
غابت الكلمات عن ذهنها مهما حاولت تبرير الموقف لن يُجدي نفعًا، نظفت حلقه و قالت بكذب
– أصل أنا آآه كنت جاية أزور جدو و
رد أيوب متسائلًا بنبرة متعجبة قائلًا
– تزوري جدك الساعة تلاتة الفجر و لوحدك ؟! دا أنتِ عمرك ما عملتيها ! دا أنتِ بتخافي من خيالك .
وقعت عينه على يدها المرتجفة التي تقبض على أمبول صغير، قبض على كفها لير٥عه قليلًا بينما حاولت هي التملص منه و نزع يدها من يده، ثبتها بقوة و نزع منها الأمبول قرأه ثم قال بنبرة ذاهلة
– أنتِ بتضربي حقن يا كارما ؟!
ردت بتلعثم قائلة:
– لا دي حقنة مسكنة واآ
– هو الهيروين بقى مسكن !
قبض على ذراعها بعنفٍ و قال من بين أسنانه بنبرة مغتاظة
-بتضربي الحقن دي من إمتى يا بنت أيمن ؟!
اغررقت عيناها بالدموع و عجزت عن محاولة الدفاع حتى عن نفسها بينما تابع هو قائلًا:
– ابوكي لو عرف هيروح فيها يا شيخة منك لله طول عمره شايلة على كفوف الراحة و أنتِ حطيتي راسه في الوحل
دفعها بعيدًا عنه و هو يقول
– مين عرفك طريق الزفت دا يا بت ؟!
سكتت و لم ترد تابع تساؤلاته و مازالت عاجزة عن الرد لم يتحمل هدوئها هذا قبض على خصلات شعرها بقوة مما جعلها تتفلت منها صرخة عالية نسبيًا، كانت نظراته له لا تبشر بالخير أبدًا، علاقته بعائلة زوج والدته ليست مجرد علاقة عابرة بل يعتبرونه أخ ثالث لهما و البكر بالنسبة لأيمن، و هذا ما جعل فيصل يستشيط غضبًا من ولده، ضربها على وجهها عدة مرات و قال:
– بتضربي الحقن دي من إمتى ؟!
ردت كارما بنبرة متحشرجة قائلة:
– معرفش
دفعها بقوة بعيدًا عنه كادت أن تسقط لكنها حافظت على توازنها، اغتاظت من ضربه لها فقررت أن ترد على تساؤلاته بحدة وهي تقترب منه لتأخذ الأمبول و قالت:
– ملكش دعوة بيا و هات الحقنة دي
مليش دعوة اومال مين اللي له دعوة يا بنت الكـ … يا …..
للمرة الأولى التي ينفعل عليها بهذا الشكل و أيضا مرتها الأولى التي تتلقى منه هذا الكم من السباب اللاذع و تلك الالفاظ البذيئة
لم تكن أنه يحمل هذا القناع، أو بالأحرى سقط قناع الأخ الكبير الذي يحاول تأيدة دوره نجحت في إعادة الأمبول لها و قامت بإخفائه
داخل جيب سروالها الأبيض، كادت إن تغادر المكان لكنه قبض على مؤخرة رأسها و قال:
– على فين يا حلوة فاكراني هسيبك كدا تعدي عادي و رحمة امي ما أنا سيبك و هعرفك إن الله حق .
ابتسمت له بسخرية و قالت:
-ما بلاش تحلف بالغالية مش دي بردو اللي اتجوزت ابويا و هي حامل فيك و لا أنت نسيت إن ابنك سجنها في قضية ز نا و
كادت أن تكمل حديثها لكنه لم يمهلها فرصة التنفس حتى، ظل يصفعه على خدها الأيمن صفعات متتالية و هو يقول بوعيد
– و حياة الغالية لأعرفك مين هو ايوب يا بنت أيمن معلش ما أنتِ دماغك خرمانه عشان كدا مش فايقة لي أنا بقى هفوقك بطريقتي .
كاد أن ييجذب تجاه الشارع الرئيسي للخروج لكن سرعان ما جذبها من خصرها و توارئ خلف الجدار، استندت بجسدها على الحائط
و صدرها يعلو و يهبط، بينما حدثها بخفوت محذرًا إياها
– ششش و لا كلمة الحكومة معدية .
لحظات عصيبة تمر بها ودت لو تصرخ به و بأخيها و العالم الذي اجتمع في تلك اللحظة ليدمرها و أخيرًا مرت الدورية الخاصة بالشرطية لتتفقد الاماكن المشبوهة، تنفست الصعداء بعد أن مر الأمر على خير، كادت أن تذهب لكنه استوقفها قائلًا:
– على فين يا اختي استني
– ملكش دعوة بيا
– و كمان ليكي عين تتكلمي اخرسي خالص بدل ما اديكي كف يعدلك
رمقها بإشمئزاز ثم قال
– اعدلي هدومك دي و ظبطي خلقتك وتعالي ورايا .
هندمت ملابسها و خرجت من خلف الجدار بعد أن أشار لها عبرت البوابة الجدارية الرئيسية للمقابر
ما أن خرجت استقلت سيارتها و قبل أن يطأ أيوب قدمه في السيارة قادتها بسرعة فائقة، وقف مشدوهًا ظل ينظر حوله يمينا و يسارا محاولًا استيعاب ماحدث للتو لم يستطع عقله تفسير كل هذا هو حتى الآن يرفض عقله ترجمة أن كارما أيمن المنشاوي تلك الفتاة التي أتممت عامها العشرون ليلة أمس هي نفسها تلك المدمنة التي تتعاطى المواد المخدرة
من فرط غيظه الشديد لم يشعر بنفسه و هو يسير ما يقارب الساعتين وصل لبيته أخيرًا وصلا قبل بزوغ الشمس عبر البوابة الحديدية و هو يُلقي السلام على الجالسين أمام منازلهم، صعد سلالم الدرج بهدوء توقف عند باب شقة والده في انتظار من يفتح له
وقعت عينه على اعتاب الشقة المقابلة تذكر والدته التي لم تفارق عقله تمتم بخفوت و قال:
– الله يرحمك ياما و يجعل مثواكي الجنة
انتبه لفتح الباب و يد تجذبه من ظهره، لتقفز فوق كتفه لكنها تفشل لقصر قامتها، ضحك و سخر منها لكنه لم تقبل هذه السخرية، تركته و قبل أن تلج غرفتها استوقفها قائلًا بجدية مصطنعة
– هتعملي فيها زعلانة و مش هتاخدي مصروفك ولا هتاخدي مصروفك و مش هتزعلي أنا بقول تعملي زعلانة اوفر لي
كاد أن يعيد النقود دتخل جيبه لكنها كذبتها منه و قالت بإبتسامة واسعة
– هاخدها و اعمل زعلانة عادي
أول ما افتكرت إن ليك بيت يا بيه جاي لي خمسة الفجر ليه مكان ما كنت يا صايع
اردف فيصل عبارته و هو يدفع بأيوب تجاه باب الشقة بينما رد. المغلوب على أمره و قال:
– يابا كنت في شغل هعمل إيه يعني ؟!
– تعمل اللي كنت بتعمل قبل ماتيجي هنا يا بيه
– وحد الله يابا و دخلني اريح لي ساعتين
وقف فيصل على باب الشقة من الداخل و في المقابل ولده رد بنبرة مغتاظة قائلًا:
– تلاقيك كنت عند أيمن و سهران معاهم هي عادتك ولا هتشتريها يا ابن شادية ما خلاص كبرت عليا ومبقاش لك كاسر بس معلش أنا هعرف اصلح غلطي. يلا من هنا يا ابن شادية .
ردت فريدة شقيقته الصغرى وهي تجذب ذراع أخيها وقالت:
– دخله يابابا عشان خاطر فريدة عندك دا أيوب مكنش عندهم دا كان بيجيب لي حاجات حلوة زيه
رد والده بنبرة ساخرة و قال بجمود مصطنع استطاع و بجدارة أن يقف به أمامها
– حاجة حلوة زيه دافعي له ياختي دافعي له وخبي عنه دايما هي عادتك أنتِ كمان و لا هتشتريها يابنت الكـ…
هبط أيوب سلالم الدرج بينما نظرت فريدة شقيته لوالدها و قالت بحزنٍ طفولي و هي تدب قدمها أرضًا
– يوه بقى يا بابا كل يوم تنكد على أيوب و هو مش بيعمل حاجة حرام عليك بجد
– ادخلي جوا وبطلي تدبي كدا على الأرض رجلك وجعاكي من امبارح يا بنت الكـ..
ولجت غرفتها و دموعها تنساب على خديها بينما رد تمتم فيصل بخفوت و نبرة تملؤها القلق عليها
– البت بتعيط و عينها هتوجعها لازم توجع لي قلبي بنت الكلـ..
تابع بتوسل وهو يدفع حياة قائًلا:
– معلش يا أم فريد ادخلي لها وخليها تبطل عياط البت عيناها دبلت من كتر العياط و خليها تأكل قبل ما تنزل بدل ما تدوخ زي كل مرة
– و الله ما حد مدلعها غيرك إيه يعني دبت رجليها في الأرض الدنيا اتهدت ما الغلبان قلب الدنيا وحطها وفي الاخر طردته
– دا راجل و كمان صايع انما دي بنت دلوعة وبنتي الوحيدة اسيبها بعني لما تتطق من كتر العياط
ردت حياة بنبرة مغتاظة و قالت:
– لا سبني أنا لما تتفقع مرارتي منك و من دلعك فيها
-نسيت البت بتعيط جوا ونتكلم في مرارتك هتتفقع ولا لسه
ردت خياة بنبرة مغتاظة قائلة:
– ما اتفقعت خلاص .
داخل فيلا أيمن المنشاوي
جلست كارما على ركبتيها وهي تُعطي لأخيها كارم الإبرة الطبية بيد مرتعشة و عيناها تزدحم بالدموع
لحظات و جلست جواره تلتقط أنفاسها، نظر لها و قال بتساؤل
– كارما كارما أنتِ كويسة ؟!
هدرت بصوتها الجهوري و قالت:
– لا مش كويسة و لا من اللي معاك دلوقت دا شئ كويس بسببك أنت أنا النهاردا عديت بمراحل و حاجات أول مرة اعدي بيها نظرات الناس ليا كانت بشعة
تابعت بإشمئزاز وقالت
– حتى طريقتهم وهما بيادخوا مني الفلوس ولا كلامهم كان بشع كل حاجة كانت بشعة
بلع كارم لعابه و قال
– حقك عليا أنا خلاص مش هابعتك هناك تاني دي آخر مرة اخده فيها أنا خلاص هبطل
– أنت كل مرة تقولي دي آخر مرة و خلاص هبطل لا بتبقى آخر مرة ولا أنت بتبطل يا كارم
تسابقت دموعها لتهطل على خديها و هي تحتضن وجهه بين كفايها و قالت بنبرة متوسلة
– كارم عشان خاطري يا كارم بطل بقى اللي بتاخده دا بابا لو عرف هيروح فيها
– حاضر اوعدك إني هبطل من بكرا
– أنا نفسي يجي بكرا دا بقى يا كارم أنا خايفة يجي بكرا و تكون أنت مش موجود أنت اخويا الكبير اللي المفروض يشيل عني الهم مش أنا اللي ابقى شايلة عنه الهم
ابتسم قبل أن يرخى جفنيه و قال
– دا كلهم سنتين بس يا كوكا
غط في نومًا عميق مكانه نظرت له و انسابت دموعها أكثر من ذي قبل لقد تبدل بين ليلة و ضحاها النائم على أرضية الغرفة شخصًا لا تعرفه و تتمنى أن يختفي لابد له أن يختفي، تمتم بخفوت و قالت بمرارة
– منه لله اللي عمل فيك كدا يا كارم منه لله و ربنا ينتقم منه .
بعد مرور يومين
عاد أيمن من سفره و نيران الغضب و الغيظ تملئ قلبه و عقله بحث عن ولده في كل مكان حتئوجده داخل المطبخ يعد قدحًا من القهوة، وقف مقابلته و قال بتساؤل
– أنت سحبت بـ 250 الف جنيه من حسابي يا كارم ؟!
– اه يا بابا بس
لم يكمل حديثه بل قاطعه والده بصفعة مدوية و قبل أن يتلقى الثانية توقفت كارما بينهما محاولة الدفاع عن أخيها توسلت والدها مرارا و تكرارا لكنه لم يستمع إليها رد والده بتساؤل و قال:
– قل لي يالا عملت بيهم أه بتسرقني يا كارم بتسرف الفيزا مني وتقولي ضاعت ماشي مع مين يلا و بتصرف عليها فلوسي و لا بتتعاطى إيه من ورايا ؟!
لم يتحمل كارم كلمات والده الصداع الذي عصف برأسه أقوى بكثير من كارثة والده الذي تحدث فسها الآن هدر بصوته و قال بكذب
– ما تسأل بنتك بتسألني أنا ليه هو أنا خدتهم ليا يعني !
– يعني إيه ؟! يعني أختك شريك معاك !!
– لا والله يا بابا أنا عمزي ما قربت من فلوسي اللي هي باسمي هقوم اخد بتاعت حضرتك ليه يعني
– يا سلام يا اختي عاملة لي فيها شريفة دلوقتي مش دي الفلوس اللي سحبتيها عشان تجيبي بيها الحقن
بلع والد لعابه بصعوبة بالغة و قال:
– حقن إيه ؟!
رد كارم و قال
– الهانم بتضرب حقن و مش عارفة تبطلها
ردت كارما بعتاب و لوم
– اخس عليك يا كارم بقى بعد اللي عملته عشان تقول عني كدا يا اخويا !!
تابعت بثقة وقالت:
– تعال يا بابا حللي وشوف إن كنت مدمنة ولالا
ختمت حديثها بجدية
– وطالما وصلنا لحد هنا يبقى اخويا يحلل هو كمان والمدمن فينا يتعالج .
بعد مرور ثلاث ساعات
قرر أيوب أن يصحبهم لمعمل تحاليل تابع لمنطقته حتى لا تعرف الصحافة و الاعلام تلك الطامة الكبرى لرجل أعمال مثل أيمن المنشاوي، كان يقف أمام ايوب و يتسأل بدهشة و ذهول شديدان قائلًا:
– بنتي أنا اللي ربيتها ومحرمتش من حاجة تطلع حامل و ابني الوحيد يبقى مدمن هي دي كلمة شكرًا اللي المفروض اخدها منهم يا أيوب ؟!
سانده أيوب و قال بهدوء و حكمة
– اهدأ يا عمي اهدأ عشان نعرف نحلها صح
– نحل إيه ما خلاص راسي اتحطت في الطين و اللي كان كان خلاص
رد أيوب و قال بحكمة
– احنا لازم نلم اللي حصل ونشوف ابو اللى في بطنها مين و نجيبه من قفاه و نخلي يكتب عليها رسمي
رد أيمن و قال بإنكسار
– طب ابني الكبير اللي كنت بحلم ليل نهار إنه يبقى حاجة خلاص كدا !
– متقلقش كله هايعدي بإذن الله هنعالجه و كله هيبقى زي الاول و احسن
لم يتحمل أيمن هذا الكم من المصائب التي وقعت على عاتقه، سقط أرضًا و تم نقله لأقرب مشفى بعد عمل اللازم له تبين أنه اصيب بأزمة قلبية و على ما يبدو أن الخروج منها غاية الصعوبة، دخلت كارما غرفة الرعاية وقفت مقابلة أبيها تناولت كفه بين راحتيها المرتعشة طبعت على ظهر يده قبلة ناعمة تساقطت دموعها فوق كفه، نظرت له و قالت بمرارة
– حقك عليا و الله يا حبيبي ما حطيت راسك في الطين زي ما اتقالك أنا بنتك أنا كارما تربيتك و تربية ليلى الست اللي حاجة بيت الله مرتين معقول تبقى دي تربيتها !!
فتح والدها جفنيه بصعوبة بالغ ثم نظر لها نظرة تملؤها العتاب هزت رأسها علامة النفي و قالت برجاء
– و الله يا بابا ما حصل ماتبصلي البصة دي ابوس ايدك
دوت صافرت الانذار علامة على توقف جميع الأجهزة الحيوية. انخفاض في جميع المؤشرات تدخل سريع من طاقم الاطباء في محاولة منهم لإنقاذ حياته لكن إرادة الله فوق كل شئ، هدرت بصوتها الجهوري و هم يخرجونها من الغرفة، سقطت ارضًا و بكت بقلبٍ مفطور قائلة:
– بــــابـــــا !
خرج الطبيب و قال بأسف لـ أيوب
– عملنا اللي علينا و لكن في النهاية دي إرادة ربنا البقاء لله .
سقطت دموع أيوب رغما عنه سرعان ما كفكفها وهو يقول بصوتٍ مختنق
– الدوام لله وحده .
بعد مرور ساعة
كانت كارما جالسة على سلالم درج المشفى في انتظار خروج والدها، منعتها والدتها من القاء نظرة الوداع أو الوقوف في عزائه كادت أن تقترب منه ما إن خرج من الغرفة لكن منعتها والدتها قائلة:
– حسك عينك تقربي منه كفاية إنك السبب في موته كمان عاوزة تقفي في عزاه و غسله يا بجاحتك ياشيخة
– ماما ارجوكي
– أنا مش أمك و لا أنتِ بنتي و لو عندك ذرة كرامة اياك تقربي من بيتنا
تدخل أيوب قبل أن تضربها مرة أخرى و قال
– خلاص يا خالتي خلاص كفاية كدا الناس هتتفرج علينا و أنتِ يا كارما تعالي معايا .
بعد مرور نصف ساعة
وقف أمام شقة أيمن القديمة المقابلة لشقة فيصل قام بفتحها ثم طلب منها الدخول
وقف و قال:
– اقعدي هنا لحد ما اخلص اجراءت الغسل و الدفن و بعدها راجع لك تاني
أيوب
نادته بصوتٍ محشرج و نبرة تملؤها التوسل
– أنا عاوزة احضر جنازة بابا
– معلش يا كارما بلاش عشان ميحصلش مشاكل مع أمك تاني دا بيت ابوكي القديم و الناس هنا كلها عارفة عم ايمن الله يرحمه افتحي البيت وخدي العزا بس بلاش تحضري الجنازة .
– مظلومة و الله يا أيوب
– لو كنا متقابلناش من يومين و شفت في ايدك اللي شفته كنت قلت جايز تكون مظلومة بس بعد كل دا مظنش تكون فعلا كدا عموما دي حياتك و أنتِ حرة فيها بس عرفي ابو اللي في بطنك إنه يجي بالذوق و يعترف بدل ما اجيبه أنا بمعرفتي .
نظر لها و قال بعتاب
– ياخسارة يا كارما كنت فاكرك محترمة .
يتبع
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية فيصل العاق) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.