رواية فيصل العاق – الفصل الرابع والعشرون
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
ربتت على كتفه بنغج و قالت:
– شيلني يا ايوب و مضحكش الناس علينا دا أنا خطيبتك بردو و بعدين أنا عاوزة احس إني معركة صعبة لكني استحق يا دوبي
نظر ليدها ثم عاد ببصره و قال بإقتراح :
– بقولك إيه تسيبك من فقرة الشيل و الحط دي و بعد الشبكة نطلع على مسمط العجمي نضرب لنا طبق مشكل ؟!
ابتسمت على حديثه المرح و الذي لم يفشل في مرة واحدة ليجعلها تبتسم، سألته بفضول قائلة:
– هو أنت ليه مرفضتنيش يا أيوب طالما مبتحبنيش ؟!
سكت مليًا ثم قال بنبرة صادقة:
– أنا صحيح مبحبكيش بس بردو عمري ما كرهتك
تابع بجدية و قال:
– و صحيح أنتِ صفرا من ناحية أختي بس لو فكرتي تزعليها اقسم بالله لأموتك .
سرعان ما اختفت إبتسامتها ردت بنبرة مغتاظة و قالت:
– تطبخ الطبخة و في الآخر تحط فيها كومة رملة يا ايوب يا ابن عمي، دبشة هتجوز طوبة بترمي في وشي طوب .
رد بجدية و قال:
– لا م دبش هتلاقي معايا كل حاجة دلع و ضحك وهزار طول ما دماغك دي بعيدة عن أختي و هتلاقي قلة الأدب و الايد الطويلة بردو و لسان متعرفيش آخره فين لو هوبتي ناحيتها فـ أنتِ و دماغك بقى شوفي حابة مين يمسك الشيفت و أنا اعيش وياكي .
تأبطت ذراعه بعنف و قالت بنبرة مغتاظة
– يلا نمشي من هنا الفرح ناقصه عريس و عروسة .
******
بعد مرور عدة أيام
ولج “فيصل” من باب البيت و هو يحمل الكثير من الفاكهة التي تحبها ابنته وضعها على سطح المائدة ثم ناداها، أتت إليه كهادتها تركض تستقبله بين احضانها و توزع قبلاتها على وجهه، خرجت والدتها و هي تلوي ثغرها وقالت بسخرية:
– بدأنا وصلة الدلع بدري النهاردا
وضعت الصحن على المائدة و جلست على المقعد و هي تقول:
– بقى أنا بنادي عليكي بقالي ساعة ونص عشان تعملي السلطة تقولي لي
تابعت و هي تقوم بتقليدها
– مش قادرة ياماما ضوافري هتبوظ يا ماما
استكملت بجدية و قالت:
– أصل بدلع يا ماما و اول مابابا دخل الجري و الضحك ليه هو و لينا احنا التعب و بس
رد “فيصل” و هو يداعب خدها بحنو و حب
– تعيش و تدلع على أبوها هو أنا عندي كام فريدة يعني دي واحدة بس
– طب يا خويا ربنا يهني فيصل بفريدة
جلست “فريدة”على المقعد المجاور و قالت:
– هاتي اساعدك يا ماما و اعمل السمبوسة
رد والدها و قال:
– لا صوابعك توجعك
رفعت “حياة” حاجبيها ناظرة له بدهشة و ذهول شديدان ثم قالت:
– ليه و هو أنا كنت العبد الحبشي يا فيصل ؟! ما أنا مرمية في المطبخ من واحدة الضهر ألا ما سمعت منك حتى كلمة تسلم ايدك .
رد” فيصل” و نو ينظر لابنته و قال:
– وقعتينا في الغلط
وقفت ” فريدة” عن مقعدها حاملة الأكياس متجهة حيث المطبخ رد والدها و قال:
– الشنط تقيلة عليكي ياحبيبتي استني اشيلهم معاكي
ردت” حياة” قائلة بحسرة:
– عيني عليا اللي شيلت الدنيا و حطتها وملقتش اللي يقولي عنك يا حبيبتي .
تركت ما بيدها ثم رفعت كفيها و قالت:
– ارزقنا يارب باللي يقولنا عنك يا حبيبتي
تفاجأت بقبلة عميقة على خدها الأيسر تبعها قبلة على ظهر يدها و هو يقول:
– عنك يا حبيبتي .
ابتسمت ما إن رأته يجلس جوارها على المقعد
يساعدها في صنع السلطة، حدثته بنبرة حانية و قالت:
– شوف أنا قلبي و ربي راضيين عنك يا ايوب ياابني دنيا و آخرة
التفت “فيصل” نحوها وقال بنبرة مغتاظة
– اشمعنى دا اللي راضية عنه و أنا و بنتي واقفة لنا على الواحدة .
– دايما بيجبر بخاطري مش زي ناس كدا اعرفها مافيش حاجة عندها غير تغيظ فيا !
ظل يقطع الخصراوات في صمت يبتسم بين الحين و الآخر على مزاحهما، جلس والده مقابله و قال بجدية:
– الواد سيد حاسبك و لا لسه؟!
– اه حاسبني امبارح و جيت عشان اديك الفلوس لاقيتك نايم هقوم اجيبهم لك بعد الغدا
رد والده و قال بهدوء:
– لا خليهم معاك مش عاوزهم
رد ” أيوب” باسمًا و قال:
– كتر خيرك يا حج منتحرمش منك يارب
تابع والده بتذكر و قال:
– هو أنت خارج مع خطيبتك النهاردا ؟!
– اه بس بعد الغدا هنروح نشوف شقة كدا كنت هأجرها .
رد “فيصل” و قال بتحذير:
– متخلهاش تشبط في شقة إيجارها عالي ولا بعيدة عن المنطقة خلي هنا جنبي
– حاضر
– و لو في تأمين عالي و لا حاجة و مش معاك تكمل عرفني
– إن شاء الله يا حج متقلقش أنا لسه بدور
ما أن غادر والده نظرت له ” حياة” و قالت بخفوت
– و الله ما كان ليك الجوازة دي يا ابني لكن نقول إيه لأبوك و تحكيمة رأيه !
رد بنفس النبرة و قال:
– ابويا فاكر إن متجوز كارما و لا ناوي عشان كدا بيدبسني على اساس إن كدا لو في حاجة مستخبية تظهر فـ أنا بريح دماغي و بقوله حاضر خلاص السن مبقاش زي الأول و مش كل شوية خناق و مشاكل بقى ياما .
– تقوم تتجوز واحدة لابتحبها و لا بتحبك و
صمتت عن باقية حديثها ثم قالت:
– استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم الواحد مش عاوز ياخد ذنب حد بس هي مكنتش تليق لك يا أيوب .
ابتسم لها و لم يعقب على حديثها، كانت إبتسامته باهتة حزينة تتحدث عن حاله و مازيشعر به من ضغوط نفسية و جسدية لايريد التكلم عنها في الوقت الحالي، أو وقت لاحق، هولا يريد التكلم من الأساس سيظل هكذا كتوم لا يخبر أحد عن ما بداخله .
******
بعد مرور ساعتين
يا أيوب الحقني أنا اتحشرت !
قالتها ” سميرة” و هي تقف بين السوريين وقف ” أيوب” مستندًا بظهره خلف ظهرها العريض ثم قال بصعوبة بسبب دفعه لها
– ما ليكي حق تتحشري هو أنتِ شوية داأنتِ كتير على السلم بردو
ردت ” سميرة” و هي تفرك بجسدها متوعد له
– بس نخرج من العمارة الزفت ووالله يا أيوب ماهسيبك
– بس نخرج الأول ادعي لعلها ساعة استجابة
بعد محاولات عديدة نجح في إحداهما زفر بإرتياح بعد ما خرجت من السور الأسمنتي
نظرت له و هي تعتدل في جلستها على الأرض
– أنت عارف تاني مرة تقولي نروح العمارة و نتفرج على شقق من غير أسانسير هعمل فيك إيه !
جفف حبات العرق المتكومة على جبينه و قال:
– ابقي تعالي قابليني لو خدتك في حتة تانية قومي قومي خلينا نروح
– هات ايدك قومني
مد يده لها و حاول شدها لكنها لم تتحرك ترك يدها و قال بعصبية:
– لا بقولك إيه فوقي معايا كدا قومي خفي نفسك كدا أنا خلاص مش قادر فرهدت
كاد ت أن تقف لكنها تراجعت عندما وجدته يجلس جوارها ينفث لفافة التبغ ، نظرت لهثم قالت بعصبية
– هو أنت يا جدع أنت معندكش أي ذوق خالص كدا يعني تسيبني واقعة على الأرض و قاعد تشرب سجاير !!
– هعمر دماغي و هقوم أو بصي اتدحرجي لحد أول سلم العمارة و أنا هاجي وراكي
اتدحرج أنت بتكلم أنبوبة
أنبوبة يا سميرة دا أنتِ المستودع نفسه و أناساكت عشان أنت بنت عمي اسكتي و خليني لملم لساني
لا اتكلم يا ابن فيصل اتكلم و طلع اللي في قليك طلع
بقولك يا سميرة ملكيش دعوة بابويا أنا مجتش جنب ابوكي
ابويا ياحبيبي ارحم من ابوك
ابوكي يا حبيبتي واكل ورث ابويا ارحم مين و أنا واخدك خلاصة حق اسكتي اسكتي
لا اتكلم طلع اللي في قول متخافش مش هجاي جنبـ….
لم تكمل حديثها بعد ما دفعه في كتفه دفعة ظنت انها بسيطة لكنها لم تتوقع أنه سيسقط من على سلالم الدرج دبت على صدرها و قالت بفزع
يا لهوي أيوب يا أيوب جرا لك حاجة ؟!
اعتدل أيوب في جلسته ثم رفع إبهامه و قال :
– عشرة على عشرة يابنت عمي نتقابل بقى في الآخر لو وصلت المستشفى و محدش انقذني
********
داخل قسم العظام بأحدى المستشفيات
جرا إيه يا سميرة مش قلنا بلاش هزارك البايخ دا الواد اتكسر على ما تتجوزي هيبقى شبه لفة القطن .
اردف ” فيصل” عبارته و الغيظ الشديد يقطر من عيناه بينما ردت ابنة أخبه بنبرة لا تعجبه قط حين قالت:
– أنا مجتش جنبه يا عمي انا كل اللي قلته له دمك خفيف يا اسمك إيه !
رد ” أيوب” و قال بنبرة مدعي التعب الشديد و البكاء:
كدابة يابا قالت لي إنك واكل ورث أبوها و هي وافقت عليا خلاصة حق و قالت انها هتعمل فيا ما بدى لها لحد ما اقول اغثوني و أنا بقولها اهو اغثوني يا ناس منها
نظر لها عمهاو قال بعتاب :
بقى كدا ياسميرة ؟!
تابع بضيق و قال:
– أنا بردو اللي كلت ورث ابوكي
-محصلش يا عمي
-حصل يابا و هي بتكدب
– أيوب أنا قلت لك كدا ؟!
-شايف يابا بصتها ليا هتموتني مش عاوز اتجوزها أنا عاوز عروسة تانية على قدي كدا مش واحدة عاوزة عشرة يشيلوها معايا !
– شايف خفة دم ابنك يا عمي ؟!
– ماله ابني بقى مش عجبك خلاص بقينا وحشين يا سميرة دلوقتي ! عموما احنا فيها
– جدع يابا فضها سيرة أنا ابقى لك منها.
– بصي يا سميرة احنا نكتب الكتاب الخميس الجاي
– اكتبه ازاي و ابنك في الجبس كدا ؟!
– مش مشكلة ماهو لسه في ايده اليمين سليمة
– بس أنا اشول يابا نأجل الجوازة
هتمضي و تبصم كمان يا ايوب قلت إيه بقى و هتعيط كمان في الفرح !
-لا متقلقيش كدا كدا هيعيط
-بتقول حاجة ياايوب ؟!
-بقول حسبي الله و نعم الوكيل
-في مين يا واد ؟!
فيا عشان ماشوفتش القمر اللي قدامي دا من زمان
قصدك سميرة اه شفت اختيارات ابوك حلوة ازاي ؟!
حلوة بعقل دي هتأكل من عقلي حتة يابا يلا منه له
يلا يا سميرة خدي ايوب و خليه يمشي شوية زي ما الدكتور قال
حاضر يا عمي يا ايوب
شيليني
ايه
ايه بقولك شيليني أنا متكسح بسببك و مش قادر امشي و عاوزاشوف انا ادبست ولالا
بقي عاوز تشتال مش كدا ؟!
اه
طيب تعال بقى
ابني سيبي الواد يابت هيروح في ايدك
متخافش ياعمي ابنك في امان
– قلت سيبي الواد يا بت مش حِملك
القته بعنف ثم قالت بنبرة مغتاطة:
– اهو عندك اهو
– آآه يا رجلي و آآه يا كلي آه .
*******
بعد مرور عدة اسابيع
لم يحدث شيئًا جديد يذكر سوى تحسن حالة ” أيوب” الصحية و عودته للعمل، و عرض الزواج من أحد الجيران لأخته “فريدة” و التي وافقت بسرعة لم يتخيلها أحد، و لم يفسر أيًا منهم سبب سرعة الموافقة التي تمت بعد ثاني لقاء، أما عائلة أيمن فالوضع لديهم أفضل من ذي قبل بكثير، كل شئ تحسن و بسرعة عكس توقعات الجميع عدا “كارما” فـ صحتها تدهورت في الفترة الأخيرة
بعد أن حاولت السيطرة عليها أكثر من مرة
ظلت راقدة في فراشها و الصمت يحتل ملامح وجهها يصل لمسامعها صوت الزغاريد و الفرحة التي تعم المكان لم تستطع المشاركة بسبب النزيف الذي تعرضت له مما سبب لها هبوط شديد، و لكن والدتها شاركت بكل ما تستطع مشاركته.
في مساء نفس اليوم
ماما إيه الدوشة دي ؟!
قالها ” كارم ” و هو يخرج من غرفته، تقابلت معه والدته عند الردهة و قالت بإبتسامة واسعة
– دا النهاردا خطوبة فريدة عقبالك يا حبيبي
ابتسم بخفة ثم قال:
– تسلمي يا ست الكل
تابع بتذكر و قال:
– انا عاوز فنجان قهوة
– معلش يا كارم تعمله أنت احسن حياة طلبت مني اعمل المكرونة بالبشاميل دي و ايدي مش فاضية
– تمام
– متتغداش بقى عشان تعرف تأكل مع الضيوف
– لا انا مش رايح الخطوبة
– ازاي بس دا انا قلت لهم انك هنا و هتيجي
– معلش يا ماما قولي اي حاجة مش هقدر احضر الخطوبة عندي شغل فوق راسي
– خلاص براحتك يا حبيبي
بعد مرور عدة دقائق
أنت كارم اخو كارما مش كدا ؟!
قالتها “سميرة” و هي تقف في الشرفة بعد أن انهت مكالمتها التفت لها و قال بهدوء:
– ايوة انا خير في حاجة ؟!
– لا ابدا انا بس بسال
– طيب
– يعني مش هتسألني بسال ليه ؟!
– لا
-طب انا هقولك طبعا عارف فريدة بنت عمك فيصل مش كدا ؟!
رد بكذب و قال:
– يعني شوفتها كام مرة بس متكلمتش معاها قبل كدا بتسألي ليه ؟!
-ابدا اصلي سمعتها بتدعي عليك وقت آذان العصر و بتقول لاختك انك
– اني إيه ؟!
– إنك لا مؤاخذة يعني مش راجل
– تمام حاجة تاني ؟!
– هو إيه اللي حاجة تاني انا بقولك بتقول ايه عنك
– ايوة المفروض ان اعمل ايه يعني اضربها !!
– لا بس تعرفها مقامها و تعرفك انك راجل و لالا
– طب ما اعرفك أنتِ أنا راجل و لالا
– أنت قليل الأدب و انا اللي غلطانة اني وقفت و كلمتك اصلا .
لاحت إبتسامة جانبية و قال:
-نصيحة مني تكسبيها بدل ما تشتري عدوتها وعداوة خطيبك .
غمز بطرف عينه قبل أن يلج غرفته و قال:
– دي هي اللي على الحِجر و مفتاح أي باب مقفول و اللي زيك محتاج يكسب كتير عشان يعيش وسط ناس مش طايقاه بس عامل نفسه اعمى عن الحقيقة .
بلعت لعابها بغصة لقد دعس على جرحها بكل برودة أعصاب ضربها في مقتل كما يقولون
هي لاتُعني شيئًا بالنسبة لعائلة عمها و على رأس العائلة “أيوب” مهما حاولت كسب قلبه دائما تواجه جميع محاولاتها بالفشل الذريع .
عدة السويعات و أتى العريس المنتظر و جلس جوار عروسته ليلبسها مصوغاتها الذهبية الإبتسامة بالكاد ترتسم على وجهها
لو شئنا الدقة لـ قبنا أن البكاء هو الشعور الوحيد الذي يسيطر عليها الآن، قابلت المباركات و التهاني من الجميع، عيناها معلقتان على باب شقته ودت لو يخرج لتخبره بأنها تعافت و تخطت الرعب الذي كان يتسبب فيه، كلما حدثها خطيبها ردت عليه بشرود تام هي لا تصغى إليه من الأساس و لم تشعر بالسعادة معه و لكنها مجبرة على تمثيل ذلك بعد أن عنادت قلبها وعقلها ووافقت عليه.
مر اليوم بسلام تام رغم التوتر الذي سيطر بعض الشئ عليهم إلا أنه كان يومًا لطيفًا نوعا ما .
******
في عصر اليوم التالي
كانت واقفة في شرفتها تشاهد المارة، وقعت عيناها عليه و هو يترجل من سيارة جديدة
الإبتسامة تكاد تصل لأذنيه من شدة سعادته
ولج المنزل و صعد الدرج و هو يقفز بين سلالمه وصل أخيرًا لشقته ظل يطرق بيده تارة و بالأخرى على يقرع الناقوس، فتحت والدته و جدته يميل بنصفه العلوي وهو يقول بنبرة تملؤها السعادة و الفرحة الشديدة:
– مبروك يا أحلى نادية في الدنيا كسبنا أهم جولة في مشوارنا
ردت والدته بعدم فهم و قالت:
– جولة إيه يا ابني ؟!
استقام بجسده رافعًا ذقنه للأعلى بشموخ و قال:
– ابنك العزيز رجع الشركة و المصنع و هيبدا شغل من بكرا
ردت بسعادة تفوق سعادته و قالت:
– بجد صحيح يا كارم ؟!
– و غلاوة كارم عندك حصل يا أم كارم و قريب جدًا هنرجع الفيلا .
من شدة سعادتها رفعت يدها للأعلى لتدوي الزغاريد في كل مكان، خرج على إثرها “فريدة متسائلة بفضول:
– خير يا طنط مين نجح ؟!
ردت والدته بسعادة:
– دا كارم رجع الشركة و المصنع و هيبدأ شغله من تاني و قريب هنرجع الفيلا كمان .
ترك ” كارم” الردهة دون أن يستدار ليتقابل معها وقال بهدوء:
– عن أذنك يا ماما هرتاح شوية .
كزت ” فريدة” على أسنانها بغيظٍ شديد في كل مرة تريد اغاظته و الدعس عليه بقدمها يفر هاربًا لن ترحمه ماحيت و لن تمرر ما بداخلها هكذا، تحدثت كلماتٍ بسيطة مع والدته ثم سألتها عن ابنتها فأخبرتها بموعدها لدى الطبيبة و اوصدت بابها بهدوء .
*******
بعد مرور عدة أيام
كانت الأيام رتيبة على الجميع لم يحدث شيئًا جديد سوى التزام “كارم” بكل ما خطط له و نفذ وعده للبنك مما جعل البنك يمدد له المُهلة
الأيام التي يعيش الآن هي الأفضل على الإطلاق أما هي فـ تعيش اسوء أيامها، بدأ مستواها الدراسي ينحدر بسبب اهملها لدراستها يكاد التفكير يفقدها عقلها، ولج والدها عليها ذات مرة وجدها تبكي بشدة فـ سألها بلهفة
– مالك يا قلب أبوكي مين اللي قدر يخليكي تعيطي كدا ؟!
كفكفت دموعها سريعًا ثم قالت بكذب:
– لا أبدًا يا بابا دا في مادة كدا كل ما بحاول المها و احفظها مش عارفة خالص ف غلبت معها فقومت عيط .
– دا كلام بردو ؟! تغور المذاكرة و الدراسة كلها و لادمعة من عيونك الحلوة دي تنزل .
رد والدها بنبرة حائرة و قال:
– مش عارف اساعدك ازاي بس يارتني يابنتي كنت قدرت اساعدك مكنتش اتأخرت أبدًا.
تابع بتذكر و قال:
– اقولك الواد كارم كان في الكلية اللي أنتِ فيها أمك قالتلي قبل كدا اقوله يعملك ملزمة تذاكري منها
ضحكت رغما عنها و هي تقول:
– ملزمة إيه يا باب بس دا أنا عاوزة اقل من الملزمة ملخص مادة كاملة يتلم في ورقتين و مش عارفة اعملها ازاي دي !
– بتضحكي عليا يا بنت الكلـ… و أناقلبي هيتقطع عشانك
– بعد الشر عليكي يا حبيبي .
تابع بإحباط و قال:
– أنا اصلا مش عارف اطليها منهازاي دا أمك بتقولي إنه بيخرج من بيته الساعة سبعة الصبح مبيرجعش غير اتناشر بليل وساعات واحدة كمان يعني اللي بينامهم كام ساعة اقوله يقعد و يلخص لك فيهم ازاي بس .
كزت على شفتها السفلى مفكرة بأنها بهذه الطريقة ستؤلمه و تنتقم منه أو هكذا ظنت فقررت أن تستخدم اسلحتها مع والدها، حاوطت كتف أبيها من الخلف ثم مالت عليه وقالت بنبرة تمبؤها الغنج كما اعتاد في مثل هذه المواقف .
– اتصرف بقى يا فصيل مش أنت اللي فكرت لي في حل كمل جميل للآخر
– ما هو يا بنتي الواحد لازم يكون حسيس بردو دا شاب و طالع عينه في شغله عشان يقف على رجله من تاني
– مليش دعوة أنا عاوزك تكلمه ويضغط نفسه يوم مش مشكلة
– سيبها بس دلوقتي لما اشوف يوم إجازته إيه
ردت بحزن مصطنع و قالت:
– خلاص يا فيصل مش عاوزة حاجة و خليني اسقط كدا و سميرة و أمها يشمتوا فيا و ساعاتها بقى هزعل وقلبي يوجعني و كل دا عشان أنت مستخسر تساعدني .
رد بلهفة و قال:
– بعد الشر عليكي ياحبيبتي لا خلاص أنا هستنى كمان ساعة مش هنام يكون هو جه و هقوله يعمله لك .
بعد مرور ساعة
صعد على سلالم الدرج بتعب شديد في كل خطوة يخطوها يرى الفراش أمامه، كم يتمنى أن يرتمي عليه الآن، استوقفه “فيصل” و سرد له ما دار بينه و بين ابنته، ابتسم له وقال بهدوء:
– حاضر يا عمي عنيا اديني بس يومين و هخلصه
رد ” فيصل” بخجل و قال:
– مش عارف اقولك إيه و الله بس أنا محتاجه بكرا يالكتير دي عليها امتحان بكرا الضهر
– حاضر اديني ساعتين تلاتة و يكون عندك الملخص .
ما إن ولج من باب شقته ارتمى على الأريكة في انتظار وجبة العشاء التي حضرتها له والدته غلبه النعاس ، كانت مشفقة عليه ودت لو يدخل غرفته دون طعام لكن كيف و هو يقول أنه جائع، ذهبت إليه هزته في كتفه برفق ثم قالت:
– كارم كارم. قوم يا حبيبي العشا جهز خلاص .
انتفض إثر هزة أمه له تمتمت بالبسملة ثم قادته حيث المائدة، تناول نصف وجبته بسبب النعاس الذي اجتاح عقله و جسده، سار حيث غرفته ببطء شديد إثر التعب ارتمى بجسده على الفراش و قبل أن يضع رأسه على الوسادة قال بتذكر:
– الملخص بتاع فريدة امتحانها .
حاول إن يستعيد نشاطه من جديد لكن لن يُجدي أي من محاولاته نفعًا لذلك قرر أن يتجه حيث المطبخ ليعد قدحًا من القهوة .
جلس المقعد و بدأ في كتابة أهم الملخصات التي ستساعدها كثيرًا، لم ينعم بالنوم لكنه انتهى من مهمته الذي كلفه بها “فيصل”
خرج في تمام الساعة السابعة صباحًا، قرع ناقوس باب شقة “فيصل ” و انتظر من يفتح له وقف و الإبتسامة تزين ثغره مد له الورقتين ثم قال:
– اتفضل يا عمي دا الملخص اللي إن شاء الله مش هيخرج منه الامتحان و ربنا معاها يارب
معلش يا كارم يا ابني عارف إني بتقل عليك بس هعمل إيه معلش
ولا يهمك يا عمي أنت تؤمر
مايؤمرش عليك ظالم يا ابني اتفضل اشرب قهوة
دا تمن المراجعات يعني ؟!
اخس عليك متقولش كدا أنامش على بعزمك عليها و بترفض ؟!
بهزر معاك يا عمي معلش اعذرني مضطر امسي لاني اتأخرت على شغلي
تدخلت حياة و هي بيدها قدحان من القهوة و قالت بإبتسامتها المعهودة:
– خمس دقايق اللي هتشرب فيهم القهوة مش هيوقفوا الدنيا يعني ادخل ادخل
ولج ” كارم ” بعد إصرار شديد من كلاهما عليه
جلس على الأريكة الجلدية في انتظار ” فيصل”
الذي أتى وبيده ابنته قائلًا:
– اهي فريدة بنفسها جاية تشكرك على مساعدتك ليها ياكارم
جلس على مقعده ثم قال بتباهي
– يلا يا فريدة سمعي كارما المرافعة بتاعتك
تابع و هو ينظر أليه و قال بسعادة:
– فريدة بتتدرب مع محامي شاطر اوي اوي هنا المنقطة معاه من و هي في سنة أولى و ماشاء الله عليها بقت شاطرة شطارة، يلا يا حبيبتي قولي المرافعة .
– انهي مرافعة يا بابا ؟!
– بتاعت الست اللي ضربت جوزها بغطا الحلة يا ديدا و خسرتيها
نظر لـ كارم و قال بنبرة مرحة:
– دي بس اللي خسرتها عشان الست اتصالحت معجوزها خلاص و قالت هكمل حياتي عشان عيال ي
نظر لها و قال باسما
– هو أنتِ خسرتي القضية ؟!
ردت بنبرة مغتاظة:
– أنا مخسرتهاش هي اللي خسرتني أنا حاولت و يكفيني شرف المحاولة عموما لسه في قضايا كتير هكسبها و أنا لسه صغيرة و العمر قدامي
رد ” فيصل” و قال باسما
– ايوة كدا يا قلب بابا عاوزك قوية كدا عموما أنا في ضهرك و كل ما هتقع في ايدي قضية صعبة هابعتهالك
تنحنحت ” فريدة” ثم قالت بهدوء
– بلاش يا بابا من فضلك عشان حضرتك بتجيب لي قضايا ميؤس منها و المفروض اني محامية مش ساحرة
ردت ” حياة” و قالت بنبرة مرحة:
– سيبكم من الكلام دا و قولوا لي يلا تحبوا تتغدوا إيه عشان اعملوا أنا قررت اضحي النهاردا و اعمله لكم على مزاجكم انتوا
ردت ” فريدة ”
أي حاجة ماما مش هتفرق
نظر فيصل له و قال باسما
– طول عمرها قنوعة و بترضى بأي أكلة امها تعملها أنا مش عارف ليه اخواتها مطلعوش زيها كدا سبحانه مخلف بنت و فردتين جزم
*******
بعد مرور يومين
تقابلت معه في الجامعة مدت له يدها لتُعطي له هاتفه المحمول الذي تركه في منزلهم بعد ما عزم والدها عليه قدحًا من القهوة حدثته بنبرة مقتضبة و قالت :
– اتفضل تليفونك نسيته عندنا
-شكرا
-العفو
– تعبتي نفسك وجبتي ليه ما انا قلت لماما تاخده من عندكم لحد ما ارجع
-ماهو انا عرفت كدا لما ماما اتصلت بيا و كنت أنا اصلا في السكة، فقلت ابعته لك بس كنت أنت جوا عند الدكتور مجدي
– تمام شكرا مرة تانية
– عن أذنك
– اتفضلي
– فريدة
– نعم
– ممكن اسألك سؤال
– اتفضل
-هو أنتِ لسه بتدعي عليا ؟!
-افندم ؟!
-زي ما سمعتي كدا لسه بتدعي عليا ؟!
-و بتسأل سؤال زي دا ليه ؟!
لأن من يوم اللي حصل بينا و حياتي مش راضية تتعدل ابدًا لو لسه بتدعي عليا ارجوكي كفاية أنا مش حِمل دعوات حد
بص أنا من وقت اللي حصل و بحاول اتجنبك تماما بس للأسف كل حاجة حوالينا بتجمعنا انا لو كنت دعيت عليك مرة فـ عشان قلبي محروق وقتها
و دلوقتي ؟!
قلبي محروق اكتر أنت بالنسبة لي ماضي اسود مش عارفة اتخلص منه و المصيبة الاكبر إن سبت لي جزء منك جوايا سبته و مشيت و المفروض إنه يموت بس بكل أسف بيكبر جوايا كل يوم عن التاني و بابا لو عرف صدقني ابواب جهنم على الارض و اتفتحت
ليه كل دا ؟!
عشان أنا حـ…
يتبع
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية فيصل العاق) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.