رواية اسمعني بقلبك – الفصل الثاني
مش كل اللي بنشوفه بيكون حقيقى بس الكارثة لما الحقيقة تبقى شبه كابوس قديم عمرك ما نسيته
وقف آسر عند باب الغرفة 312
رجليه مش قادرة تتحرك.. عينيه متعلقة بالبنت اللي قاعدة على السرير.
هي رفعت راسها من الكتاب ونظرتله نظرة عادية.. نظرة واحدة بتشوف شخص غريب داخل أوضتها.
لكن هو؟
هو كان بيشوف شبح من الماضي قدامه.
نفس العيون الخضراء الواسعة.. نفس الشعر البني الطويل.. نفس شكل الوش
ندى؟
لا مش ممكن.
ندى اختفت من تسع سنين.. ولو كانت عايشة مكانتش بالشكل ده.
بس التشابه مرعب.. مرعب لدرجة خلت قلبه يقف.
حياة حست بنظراته الغريبة عليها.
الراجل ده واقف عند الباب وباصصلها بطريقة مخوفاها.
عيونه ثابتة عليها.. وشه شاحب وكأنه شاف عفريت.
رفعت إيديها وعملت بيها إشارة بتسأله فى حاجة؟
لغة إشارة.
آسر فهمها فوراً.. سنين الطب علمته يقرأ المرضى بكل أنواعهم.
هي صمّاء.
الصدمة التانية خبطته.
ندى مكانتش صمّاء.. ندى كانت صوتها أحلى حاجة سمعها في حياته.
يبقى دي مش ندى.
بس مين؟
ليه شبهها للدرجة دي؟
اتحرك أخيراً ودخل الأوضة بخطوات بطيئة.
حاول يرجع لشخصيته المهنية الباردة.
طلع من جيب البالطو الأبيض نوتة صغيرة وقلم وكتب فيها
أنا دكتور آسر مراد.. جرّاح القلب اللي هيعمل العملية
مد ليها الورقة.
حياة قرأتها وهزت راسها بالإيجاب وابتسمت ابتسامة خفيفة مهذبة
ابتسامتها.. حتى ابتسامتها زي ندى.
آسر حس بصداع مفاجئ وضغط في صدره.
كتب تاني
هحتاج أكشف عليكي دلوقتي وأسمع القلب.. تمام؟
قرأت وهزت راسها.
قرّب منها وطلع السماعة الطبية من رقبته.
قال بصوت هادئ رغم إنها مش هتسمعه
ممكن تاخدي نفس عميق؟
بس بعدين افتكر إنها مش بتسمع فكتب الجملة على الورقة.
قرأتها وأخدت نفس عميق.
وضع السماعة على صدرها فوق القلب.
إيده ارتجفت.
للمرة الأولى من سنين.. إيد آسر مراد الجرّاح بترتجف.
مش من صعوبة الحالة الطبية
من قربه منها.
من ريحتها اللي فكرته بريحة زمان.
من عينيها الخضراء اللي باصاله في صمت.
حياة حست بتوتره.
هي اتعودت تقرأ الناس من حركاتهم ونظراتهم.. الصمم علمها ده.
الدكتور ده مش طبيعي.. في حاجة في عينيه غريبة.
حزن؟ صدمة؟ ألم؟
مش قادرة تحدد.
بس حاسة إنه باصصلها وكأنه بيشوف حد تاني.
آسر سمع نبضات قلبها.
النبضات كانت غير منتظمة الصمام فعلاً فيه مشكلة كبيرة.
الحالة صعبة لكن مش مستحيلة.
عمل العملية دي قبل كده عشرات المرات.
بس المرة دي مختلفة.
المرة دي المريضة شبه الحب الوحيد في حياته.
سحب السماعة وابتعد خطوة.
كتب في الورقة
الحالة محتاجة عملية في أقرب وقت.. هنعملها خلال أسبوع
أي أسئلة؟
قرأت حياة الورقة وفكرت لحظة ثم أخدت القلم من إيده وكتبت بخط جميل مرتب
العملية خطر؟ ممكن أموت؟
قرأ آسر السؤال وحس بوخزة في صدره.
بنت في الثلاثين بتسأله ببساطة لو هتموت.
كتب بصراحته المعتادة
كل عملية قلب فيها نسبة خطر. بس أنا هعمل اللي عليا
نسبة النجاح 85%
قرأت وابتسمت ابتسامة غريبة
ابتسامة واحدة مستسلمة للقدر.
كتبت
يعني في احتمال 15% أشوف بابا في الجنة؟
آسر قرأ الجملة وحس بحاجة غريبة في صدره.
مش شفقة.. حاجة تانية.
البنت دي بتتكلم عن الموت بخفة ليه؟
هل هي زهقانة من الحياة؟
ولا مستسلمة؟
ولا شجاعة لدرجة مش طبيعية؟
كتب من غير ما يفكر
مش هتشوفيه دلوقتي لسه بدري
قرأت الجملة ونظرت له نظرة طويلة.
نظرة مليانة كلام مش قادرة تقوله.
نظرة خلته يبلع ريقه بصعوبة.
فجأة انفتح باب الغرفة ودخلت سيدة في الخمسينات.
ملامحها تعبانة لكن فيها بقايا جمال قديم.. شعرها فيه شيب كتير وعينيها فيها هالات سودا من السهر والقلق.
قالت بصوت مرهق
الحمد لله يا دكتور إنك جيت.. أنا والدة حياة
آسر التفتلها.. ولحظتها حصلت الصدمة التالتة.
الست دي.. وشها مش غريب عليه.
فين شافها قبل كده؟
فكّر.. فكّر بسرعة
وفجأة الذاكرة رجعت.
الست دي كانت أم ندى.
آسر حس إن الأرض بتتحرك تحت رجليه.
أم ندى؟
ندى اللي اختفت من تسع سنين؟
يعني البنت دي
حياة
أخت ندى؟
كل القطع بدأت تترتب في دماغه.
التشابه مش صدفة.. دول أخوات.
بس ليه محدش قاله إن ندى كان ليها أخت؟
وفين ندى دلوقتي؟
وليه الأم بتتصرف وكأنها مش عارفاه؟
سميحة نظرتله باهتمام وقالت
حضرتك دكتور آسر مراد صح؟ سمعت إنك أحسن جرّاح قلب في مصر.. ربنا يبارك في إيدك يا دكتور
كلامها عادي.. ولا أي علامة إنها فاكراه.
بس إزاي؟
هو كان هيبقى جوز بنتها
كان بيزورهم في البيت
إلا لو.. إلا لو هي بتتعمد تتجاهله
آسر قرر يلعبها صح.
قال بصوت رسمي بارد
أهلاً يا فندم.. الحالة محتاجة عملية عاجلة زي ما قولت لبنتك. هنعملها الأسبوع الجاي إن شاء الله
سميحة هزت راسها بامتنان
ربنا يخليك يا دكتور.. حياة هي كل اللي فاضلي في الدنيا
كل اللي فاضلي في الدنيا
يعني في حد تاني راح.
يعني ندى..
ندى راحت فين؟
آسر مقدرش يمسك نفسه.
سأل بصوت حاول يخليه عادي
حياة بنتك الوحيدة يا فندم؟
سميحة ترددت لثانية.. ثانية واحدة بس.. بس آسر لاحظها.
قالت بسرعة
أيوه.. بنتي الوحيدة
كدابة.
آسر عارف إنها كدابة.
ندى كانت موجودة.. كانت بنتها كانت خطيبته.
ليه بتنكرها؟
ندى ماتت؟
ولا في سر تاني؟
حياة كانت بتراقب الحوار بعينيها.
هي مش بتسمع لكن بتقرأ الشفايف كويس.
شافت أمها بتقول بنتي الوحيدة
وحست بالألم المعتاد في صدرها.
ندى
أختها الكبيرة اللي اختفت ومحدش بيتكلم عنها.
أمها بتتصرف وكأن ندى ماكانتش موجودة أصلاً.
وحياة من سنين بتحاول تفهم.. وأمها بترفض تتكلم.
آسر حس بنظرة حياة عليه.
التفتلها لقاها باصصاله بتركيز.
عينيها الخضراء بتسأله أسئلة مش قادر يسمعها.
هي حاسة بيه؟
حاسة إنه يعرف حاجة؟
قرر إنه لازم يعرف الحقيقة.
مش عشانها.. عشانه هو.
تسع سنين من العذاب.. تسع سنين من الأسئلة بلا إجابة
دلوقتي الإجابة قدامه.
في الأوضة دي.. بين الأم اللي بتكدب.. والبنت اللي مش بتسمع.
قال وهو ماشي نحو الباب
هشوفك يا حياة قبل العملية اطمني
مش إنها سمعته.. بس هو قالها.
قالها عشان نفسه يقولها.
خرج من الغرفة ومشي في الممر بخطوات سريعة.
دماغه بتشتغل بسرعة جنونية.
لازم يعرف.
لازم يفهم.
ندى اختفت ليه؟
وحياة دي مين بالظبط؟
وإيه السر اللي الأم بتخبيه؟
وصل مكتبه وقفل الباب وراه.
قعد على الكرسي وفتح الدرج.
طلع صورة ندى القديمة وحطها قدامه.
و فتح ملف حياة وطلع صورتها.
حط الصورتين جنب بعض.
التشابه مذهل.
لكن في فروق بسيطة لو دقق.
حياة أصغر شوية وملامحها أنعم.
وفي عينيها حزن مختلف.. حزن واحدة عايشة في صمت من سنين.
بس ليه ندى اختفت؟
ليه سابته من غير كلمة؟
وليه أمها بتنكر وجودها؟
هل ندى ماتت؟
هل ندى اتجوزت حد تاني وعايشة في مكان تاني؟
ولا في حاجة أكبر من كده؟
آسر قرر
هو هيعالج حياة.. دي وظيفته ومسؤوليته.
لكن هو كمان هيعرف الحقيقة.
حتى لو الحقيقة دي هتفتح جروح كان فاكر إنها اتقفلت.
وفي نفس الوقت
في غرفة 312
حياة كانت قاعدة لوحدها بعد ما أمها راحت تجيب أكل.
قاعدة بتفكر في الدكتور الغريب ده.
في نظراته اللي كانت بتدور جواها.
في الطريقة اللي كان باصصلها بيها.
وكأنه بيشوف حد تاني.
من هو آسر مراد ده؟
وليه حاسة إن في رابط بينه وبين حياتها؟
رابط هي مش فاهماه لسه
أخدت الموبايل وكتبت في جوجل
دكتور آسر مراد جرّاح قلب
ظهرت نتايج كتير.. مقالات ولقاءات وصور.
بدأت تقرأ
وفجأة
صور قديمة من 9 سنين
شافت صورة خلت قلبها يقف.
صورة آسر وهو أصغر.. واقف جنب بنت بيضحكوا سوا.
البنت
البنت دي
ندى.
أختها ندى.
إيد حياة ارتجفت وهي ماسكة الموبايل.
الدكتور ده كان يعرف ندى؟
كان إيه ليها؟
وليه أمها عملت نفسها مش عارفاه؟
الأسئلة بتكتر.
والأسرار بتتكشف واحدة واحدة.
وآسر وحياة.. من غير ما يعرفوا.
بدأوا يدخلوا في دوامة هتغير حياتهم للأبد
هل حياة هتعرف سر أختها؟
وهل آسر هيلاقي الإجابات اللي بيدور عليها؟
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية اسمعني بقلبك) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.