رواية اسمعني بقلبك – الفصل الأول
دكتور قلب مبيحسش وبنت صمّا بتحس بكل حاجة ..الحب مش محتاج صوت.. محتاج نبض
الساعة الثالثة فجراً مستشفى القصر العيني الجامعي
الممرات الطويلة فاضية إلا من صوت خطوات متسرعة وأجهزة تنفس صناعي تصدر صفيرها
في غرفة العمليات رقم 7 كان الدكتور آسر مراد يقف منحني فوق جسد مريض مفتوح الصدر قلبه ينبض ببطء شديد على الشاشة والفريق الطبي حوله ينتظر قراره.
آسر مراد 34 سنة جراح قلب من أشهر الجراحين في مصر ملامحه حادة وعيناه بنية داكنة تحمل نظرة تركيز مخيفة
يداه الطويلتان المغطاتان بالقفاز الجراحي تتحرك بدقة الساعة
قال بصوت هادئ
المشرط
ناولته الممرضة المشرط في صمت فاى كلمة تشتت تركيزه.
ساعة كاملة مرت والجميع يحبس أنفاسه حتى سُمع صوت جهاز مراقبة القلب يستعيد نبضه الطبيعي.
قال آسر وهو يخلع قفازاته
العملية نجحت
خرج من غرفة العمليات دون أن ينتظر شكر أو تهنئة من الفريق
هذا روتينه اليومي ينقذ حياة ثم يمشي وكأن شيئاً لم يكن.
في الممر الخارجي كانت عائلة المريض تنتظر بقلق أم تبكي وأب يمسك سبحته وشاب صغير عيناه حمراء من السهر.
اقترب آسر منهم بخطوات سريعة وقال بصوت رسمي
العملية نجحت.. المريض في العناية المركزة.. هيفوق خلال ساعات.
انفجرت الأم بالبكاء والدعاء حاولت تقبيل يده لكنه سحبها بسرعة وتراجع خطوة.
قال ببرود
يا فندم أنا بعمل شغلي بس
ومشى تاركاً إياهم دون أي تعبير على وجهه.
الممرضة ريم التي كانت تراقب المشهد من بعيد همست لزميلتها
شوفتي؟ الراجل ده ملوش قلب بينقذ قلوب الناس وهو نفسه مش حاسس بحاجة
ردت زميلتها
بيقولوا إن حصله حاجة من سنين خلته كده.. بس محدش يعرف إيه بالظبط
دخل آسر مكتبه الصغير في نهاية الممر وأغلق الباب خلفه بقوة.
المكتب كان بسيطاً مكتب خشبي وكرسي جلدي وخزانة ملفات
وعلى الحائط شهاداته الجامعية ودرجة الدكتوراه من ألمانيا.
جلس على الكرسي وفتح درج المكتب أخرج منه صورة قديمة
في الصورة كان هو أصغر سناً بكثير ربما 25 سنة
وبجواره فتاة جميلة تبتسم ابتسامة واسعة ذراعه حول كتفها وعيناه تشع سعادة
نظر للصورة طويلاً وفكه يشتد وعيناه تبرق بشيء يشبه الألم المدفون.
همس لنفسه
تسع سنين يا ندى.. تسع سنين وأنا مش قادر أنسى
وضع الصورة في الدرج مرة أخرى وأغلقه بعنف ثم نهض وارتدى معطفه الطويل وخرج من المستشفى.
الساعة الخامسة فجراً
آسر قاد سيارته
وصل لشقته في الزمالك شقة واسعة وأنيقة ديكور مودرن بألوان رمادية وأبيض
دخل غرفة نومه وخلع ملابسه وألقى نفسه على السرير الكبير الفارغ.
كان يعرف أنه لن ينام الأرق صاحبه منذ سنوات.
أغمض عينيه وحاول إسكات الأفكار التي تدور في رأسه لكن وجهها كان يظهر كل مرة يغمض فيها عينيه.
ندى.. الفتاة التي أحبها بجنون والفتاة التي اختفت من حياته فجأة دون أي تفسير.
في اليوم التالي فى المستشفى
الساعة العاشرة صباحاً آسر جالس في مكتبه يراجع ملفات المرضى الجدد.
طرقت الباب سكرتيرته نجلاء
دكتور آسر.. في حالة جديدة محولة من مستشفى خاص.. حالة قلب صعبة.. المريضة محتاجة عملية عاجلة
قال دون أن يرفع رأسه
حطي الملف على المكتب وأنا هراجعه
وضعت نجلاء الملف وخرجت
فتح آسر الملف وبدأ يقرأ بتركيز
اسم المريضة: حياة سامي عبدالرحمن
السن: 30 سنة
الحالة عيب خلقي في الصمام الميترالي تحتاج جراحة عاجلة
قلب الصفحة ليرى صورة المريضة المرفقة بالملف.
تجمد في مكانه.
الصورة كانت لفتاة بملامح هادئة وعيون خضراء واسعة وشعر بني طويل.
لكن الشيء الذي جعله يتوقف عن التنفس لم يكن جمالها.
الشيء الذي جعله يتوقف عن التنفس هو أنها نسخة طبق الأصل من ندى.
نفس الملامح.. نفس العيون.. نفس الابتسامة الخفية في زاوية شفتيها.
قام من مكتبه فجأة وفتح الدرج وأخرج الصورة القديمة.
وضع الصورتين بجوار بعضهما.
التشابه مذهل.. مستحيل يكون صدفة.
قلبه بدأ يدق بسرعة لأول مرة منذ سنوات و يداه ترتجفان وهو يمسك الملف.
نادى بصوت مرتفع
نجلاء
دخلت نجلاء مسرعة
نعم يا دكتور
سأل بصوت حاد
المريضة دي فين دلوقتي؟
ردت باستغراب
في غرفة 312.. بس يا دكتور في إيه؟ حضرتك شكلك متغير
لم يرد عليها فقط خرج من المكتب مسرعاً نحو غرفة 312.
وقف أمام باب الغرفة ويده على المقبض وقلبه يخبط في صدره بعنف.
هل هي ندى؟ هل رجعت بعد كل السنين دي؟
لا.. الملف بيقول اسمها حياة.. مش ندى.
بس التشابه ده مش طبيعي.. لازم يكون في تفسير.
أخذ نفساً عميقاً وفتح الباب.
الغرفة كانت هادئة سرير بجواره جهاز مراقبة القلب والستائر البيضاء تحجب ضوء الشمس جزئياً.
وعلى السرير كانت تجلس فتاة تقرأ في كتاب
شعرها البني منسدل على كتفيها وعيناها الخضراء مركزة على الصفحات.
حين رات الباب يفتح رفعت رأسها ونظرت له.
تجمد آسر في مكانه.
من قريب التشابه كان أوضح وأكثر إيلاماً.
لكن في نفس اللحظة لاحظ شيئاً.
عيناها كانت تنظر له بدون أي علامة تعرف وكأنها تراه لأول مرة في حياتها.
ثم رفعت يدها وأشارت إشارة غريبة بأصابعها.
إشارة فهمها آسر فوراً.
لغة إشارة.
المريضة صماء.
هل حياة هي ندى؟
م أنها مجرد تشابه غريب يفتح جروح الماضي
وما السر الذي جعل ندى تختفي من حياة آسر قبل تسع سنوات؟
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية اسمعني بقلبك) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.