رواية ملك بلا مملكة الفصل العشرون 20 – بقلم اسماعيل موسى
مع غروب الشمس بدأت السماء تميل إلى لون أرجواني داكن فوق حدود الأرض المحرمة، وكانت الضبابات الثقيلة تتجمع ببطء فوق المياه الراكدة في المستنقع الملعون،هناك على حافة تلك الأرض التي لا يجرؤ أحد على عبورها منذ زمن طويل بدأ جيش سولين في التوقف أخيرا بعد مسيرة طويلة عبر الغابات والجبال.
امتدت صفوف مصاصي الدماء على طول الضفة الموحلة للنهر الذي يفصل المستنقع عن قلب الأرض المحرمة، كانت الخيام السوداء ترتفع واحدة بعد الأخرى بينما اشتعلت مئات المشاعل التي انعكس ضوؤها الأحمر فوق الماء الداكن، تحرك الجنود بصمت منظم وهم يثبتون الرايات الطويلة التي تحمل شعار سولين، وكان الشعار يرفرف ببطء في الرياح الباردة القادمة من داخل الأرض المحرمة.
في الخلف كانت المنجنيقات الضخمة تُنصب فوق التلال الطينية، ووقف المهندسون الحربيون يربطون الحبال السميكة ويختبرون أذرع الرمي الثقيلة،وعلى مسافة أبعد كانت الأقفاص الحديدية الكبيرة تُدفع فوق العربات، وكانت تتحرك ببطء بينما يصدر من داخلها هدير وحوش مقيدة لم يرها معظم الجنود من قبل.
أما الصيادون الليليون فقد انتشروا على أطراف المعسكر، عيونهم تراقب الغابة المظلمة في الجهة الأخرى من النهر وكأنهم ينتظرون أن يظهر شيء من الظلال،
كان الجيش هائلا، آلاف المحاربين يقفون الآن عند حافة،الأرض التي رفضتهم من قبل،ورغم ذلك لم يعبر أحد النهر بعد.
فالماء الذي يجري بين الضفتين كان الخط الفاصل بين عالمين، وبين ضفتيه كان المستنقع الملعون يتنفس ببطء ككائن حي قديم، تطفو فوق مياهه فقاعات داكنة بينما ترتفع أبخرة باردة من بين الأعشاب السوداء.
وفي قلب الأرض المحرمة، وعلى مسافة بعيدة فوق التلال الخربة التي تشرف على النهر والمستنقع، وقف يامان وجود يراقبان المشهد.
كانا يقفان فوق صخرة مرتفعة تتآكل حوافها منذ قرون، ومن هناك كان يمكن رؤية أضواء المشاعل التي لا تنتهي في الأسفل،لم تكن مجرد حملة عسكرية،كان جيشا كاملا.
وقف يامان صامتا، عيناه تلمعان في ضوء القمر بينما كان ينظر إلى الصفوف الممتدة من الجنود والخيام والآلات الحربية.
كان يسمع أصواتهم بوضوح حتى من تلك المسافة، صرير الحديد، وقع الأقدام، وصوت الوحوش المحبوسة في الأقفاص.
وقفت جود إلى جانبه وقد عقدت ذراعيها فوق صدرها وهي تنظر إلى السهل الممتد أمامها،قالت بصوت منخفض
لم أرى جيشا بهذا الحجم من قبل
لم يرد يامان في البداية، ظل يراقب المعسكر الضخم للحظات طويلة قبل أن يقول بهدوء،لقد جلبت كل ما تملك
تحركت الرياح فوق التلال فرفرفت عباءة جود قليلا وهي تضيق عينيها نحو الأفق المشتعل بالمشاعل.
قالت إنهم آلاف يا يامان رد وهو لا يزال يراقب المعسكر
أعرف،ثم أشار ببطء نحو النهر الذي يفصلهم عن الجيش
لكنهم لم يعبروا بعد
نظرت جود إلى الماء الداكن الذي يلمع بين الضفتين وقالت
المستنقع الملعون لن يسمح لهم بالمرور بسهولة
ابتسم يامان ابتسامة خفيفة لكنها كانت تحمل شيئا من القسوة
ولا أنا
ساد الصمت للحظة بينما كانا يراقبان الجنود في الأسفل وهم يتحركون كبحر من الظلال تحت ضوء المشاعل.
ثم قال يامان أخيرا
غدا سيحاولون العبور
التفتت جود إليه
وماذا سنفعل
نظر مرة أخرى إلى الجيش الهائل ثم إلى الغابة الممتدة خلفهما، إلى الأرض التي يعرف كل شجرة فيها وكل صخرة،
ثم قال بصوت هادئ لكنه حاسم،سيتعلمون لماذا يسمونها الأرض المحرمة.
ظل يامان واقفًا فوق التلال الخربة يراقب أضواء جيش سولين التي تملأ الأفق عند المستنقع الملعون، وكانت المشاعل تبدو من بعيد كأنها نهر من النار يمتد على طول الضفة الأخرى من النهر.
وقف صامتًا لوقت طويل بينما كانت الرياح الباردة تمر فوق الصخور الجافة وتحمل معها أصوات الجنود والوحوش المقيدة في المعسكر.
قالت جود وهي تنظر إلى الأفق المشتعل بالمشاعل إنهم أكثر مما توقعت، وإذا حاولوا العبور مع الفجر فستكون معركة لا تشبه أي شيء واجهاه من قبل.
لم يجب يامان فورًا، بل ظل ينظر إلى الظلام الممتد خلف الجبال البعيدة وكأنه يبحث في ذاكرته عن شيء قديم. ثم قال أخيرًا بصوت منخفض إن هذه الحرب لن تُحسم بالقوة وحدها، فالأرض المحرمة واسعة لكن جيش سولين أكبر مما يمكن لشخصين إيقافه.
التفتت جود نحوه وسألته عما يفكر فيه،
قال يامان إن هناك من يعرفون هذه الأرض كما يعرفها هو، محاربات قديمات لا يخضعن لممالك البشر ولا لمصاصي الدماء. ثم نطق الاسم الذي لم يُذكر في هذه الغابة منذ زمن طويل، محاربات الإنكا.
قال إنهن يعشن خلف الجبال السوداء في الهضاب الحجرية،المتجمده ، قبيلة من النساء المحاربات اللواتي أقسمن منذ قرون على حماية الطرق القديمة ومنع جيوش الظلام من عبور الأرض. كانت جود قد سمعت قصصًا عنهن من قبل لكنها لم تكن تعلم أن يامان يعرف طريقه، أو أنه ذهب إلى أرضهم وحارب ضدهم وساعدهم فى حربهم قبل رحيلة
مد يامان يده نحو صدره وأخرج من بين ثيابه قلادة حجرية صغيرة عليها نقش قديم يشبه شكل ذئب وقمر. قال إن هذه العلامة كانت هدية من قائدتهن منذ سنوات عندما ساعدهن في معركة ضد صيادي الظلال،ثم قال إن الوقت قد حان لطلب الدين القديم.
رفع رأسه نحو السماء وأطلق عواء طويلًا عميقًا خرج من صدره كنداء قديم يتردد بين الجبال،لم يكن عواء ذئب عادي، بل نداء حرب يعرفه من عاش طويلًا في تلك الأرض،
تردد الصوت فوق التلال والصخور ثم اختفى في المسافات البعيدة خلف الجبال،وقفت جود تستمع إلى الصدى وهو يبتعد في الليل وقالت بهدوء إن الأمل أن تسمعه محاربات الإنكا قبل أن يبدأ الهجوم،لكن قبل أن يجيب يامان سمع شيئًا آخر يتحرك بين الصخور خلفهما،التفت الاثنان في اللحظة نفسها،ظهرت ظلال عدة تتحرك ببطء بين الأعشاب الجافة عند سفح التلال الخربة،لم تكن حركة جيش ولا حيوانات برية، بل مجموعة صغيرة تتقدم بحذر شديد وكأنها تخشى أن تُكتشف،اقتربت الظلال أكثر حتى أصبح شكلها واضحًا في ضوء القمر،كانوا رجالًا ونساءً لكن أعينهم كانت تحمل ذلك البريق الأصفر المميز، ووجوههم تحمل ملامح التحول التي يعرفها يامان جيدًا،مستذئبون،كانوا نحو عشرة في البداية ثم خرج آخرون من خلف الصخور حتى أصبح عددهم أكثر من عشرين. كانت ثيابهم ممزقة وأجسادهم مليئة بالجروح القديمة، وكأنهم هاربون من مطاردة طويلة.
وقفوا عند حافة التل ينظرون إلى يامان بحذر واضح،
تقدم أحدهم خطوة للأمام وكان أكبرهم سنًا، وقال بصوت خافت إنهم هربوا من قبضة سولين بعد أن استخدمتهم في حروبها لسنوات طويلة.
قال إنهم سمعوا أن الذئب الحارس عاد إلى الأرض المحرمة وأنه الوحيد القادر على الوقوف أمام جيش مصاصي الدماء،
نظر يامان إلى وجوههم واحدًا واحدًا. كان يرى الخوف في أعينهم، خوف من الجيش الذي ينتظر عند المستنقع وخوف من المصير الذي قد يواجهونه إذا فشلوا.
قال الرجل بصوت متعب إنهم لم يعودوا يملكون مكانًا يهربون إليه، فإذا انتصرت سولين فسيُعاد أسرهم أو يُقتلون، وإذا خسر يامان فسيجتاح الجيش الأرض كلها.
ساد الصمت فوق التلال بينما كانت الرياح تمر بين الصخور.
نظر يامان إلى النهر البعيد حيث تلمع مشاعل جيش سولين ثم عاد بنظره إلى المستذئبين الواقفين أمامه.
قال أخيرًا بصوت هادئ لكنه قوي إن من يقف في هذه الأرض لن يكون عبدًا لأحد بعد اليوم.
رفع رأسه نحو الجيش البعيد ثم قال إن المعركة القادمة لن تكون سهلة، ومن يقاتل معه قد لا يرى شروق شمس أخرى.
لكن أحد المستذئبين تقدم خطوة وقال إنهم يعرفون ذلك، وإنهم يفضلون الموت أحرارًا على العودة إلى قيود سولين،
وقفت جود تنظر إليهم ثم قالت بهدوء إن التلال الخربة لم تشهد تجمع هذا العدد من المستذئبين منذ أجيال.
وفي تلك الليلة، فوق الصخور القديمة التي تطل على الأرض المحرمة، بدأ يتشكل أول حشد صغير يقف إلى جانب يامان في مواجهة الجيش الذي ينتظر خلف المستنقع.
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية ملك بلا مملكة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.