رواية ملك بلا مملكة الفصل التاسع عشر 19 – بقلم اسماعيل موسى

رواية ملك بلا مملكة الفصل التاسع عشر 19 – بقلم اسماعيل موسى

كانت الليلة ساكنة فوق الأرض المحرمة، والقمر معلقا عاليا فوق الأشجار الكثيفة بينما كانت الرياح تمر ببطء بين التلال والصخور، لكن ذلك الهدوء لم يكن حقيقيا، فقد كان يامان يشعر منذ ساعات بأن شيئا يقترب من حدود أرضه.
وقف فوق حافة صخرية مرتفعة يراقب الغابة المظلمة بعينيه اللامعتين، وكانت حواسه الجديدة تلتقط كل حركة في الليل، كل ارتجاف في الهواء، وكل نبضة حياة بين الأشجار، ثم أخيرا سمعها بوضوح، خطوات كثيرة تتحرك في الظلام بخفة غير طبيعية، خطوات لا تشبه خطوات البشر.
ظهروا بين الأشجار بعد لحظات، صفوف طويلة من مصاصي الدماء يتقدمون بصمت بعيون حمراء تلمع في العتمة، وكانوا عشرات بل مئات يتحركون بثقة كأنهم يعتقدون أن الأرض أمامهم خالية، تقدم في مقدمتهم محاربون يرتدون دروعا سوداء وتحمل أيديهم سيوفا طويلة لامعة. كانوا جيشا حقيقيا جاء ليعبر الأرض المحرمة ويجعلها ممرا لهم.
لكنهم لم يعرفوا أن هذه الأرض لم تعد أرضا عادية.
وقف يامان على الصخرة دون أن يتحرك حتى أصبحوا قريبين من حدود الغابة، ثم أطلق زئيرا عميقا هز الليل كله. توقف الجيش فجأة، وارتفعت رؤوسهم نحو التلال حيث يقف.
قفز يامان من فوق الصخرة بقفزة هائلة، وسقط بينهم كنيزك أسود ضرب الأرض بقوة جعلت التراب يتطاير حوله، وفي اللحظة التالية بدأ القتل.
اندفع بينهم بسرعة لا يمكن للعين أن تتبعها، وكانت مخالبه تتحرك كوميض حاد يشق الظلام، أول مصاص دماء اقترب منه لم ير سوى ظل يمر أمامه قبل أن تنفصل رأسه عن جسده وتسقط على الأرض.
الثاني حاول أن يرفع سيفه لكن يامان كان قد وصل إليه بالفعل، مزق صدره بضربة واحدة جعلت جسده ينقسم تقريبا إلى نصفين.
ارتفع صراخ مصاصي الدماء في الغابة بينما بدأوا يندفعون نحوه من كل اتجاه. لكنهم كانوا يواجهون شيئا لم يعرفوه من قبل.
كان يامان يتحرك بينهم كعاصفة سوداء، يقفز فوقهم ثم يهبط بينهم ممزقا الأجساد، وكانت قوته الجديدة تجعل كل ضربة منه قاتلة. كان يمسك أحدهم من عنقه ويرميه بعنف نحو الأشجار حتى تتحطم عظامه قبل أن يصل الأرض، ثم يدور فجأة ليشق بطن آخر بمخالبه.
لكن يامان لم يكن وحده في تلك المعركة
فوق صخرة قريبة ظهرت جود، عيناها تلمعان في الضوء الفضي للقمر، وقد تحركت بين الأشجار بخفة لا تقل خطورة عن حركته، كانت تمسك بسيف طويل ورمح قصير على ظهرها.
قفزت من فوق الصخرة داخل المعركة كظل سريع، وغرزت سيفها مباشرة في قلب أول مصاص دماء اقترب منها قبل أن تسحبه وتدور لتقطع رأس آخر بضربة نظيفة.
كانت تتحرك بسرعة مذهلة، تقاتل إلى جانب يامان كأنهما جزءان من عاصفة واحدة تضرب الجيش.
أحد مصاصي الدماء حاول أن يهجم على يامان من الخلف، لكن جود رأت الحركة قبل أن تتم، فقفزت نحوه وغرست رمحها في ظهره بقوة حتى خرج طرفه من صدره.
صرخ المخلوق قبل أن يسقط أرضا بينما سحبت جود الرمح والتفت لتواجه ثلاثة آخرين يندفعون نحوها. تحركت بينهم بسرعة وهدوء قاتل، وتحت ضوء القمر كانت ضرباتها دقيقة وقاسية.
أما يامان فقد أصبح شيئا مرعبا داخل صفوفهم. كان يقفز من جسد إلى جسد، ويمزقهم بلا رحمة، وكانت الأرض تمتلئ بالأجساد المقطعة والدماء السوداء. حاول بعضهم الهرب نحو الغابة لكن سرعته كانت أكبر من الجميع، كان يلحق بهم خلال لحظات ثم يسقطهم واحدا بعد الآخر
استمرت المعركة وقتا قصيرا لكنه كان كافيا لتحويل ساحة الغابة إلى مقبرة
أخيرا لم يبق في المكان سوى الصمت وصوت أنفاس يامان الثقيلة بينما كانت جود تقف وسط الجثث وهي تمسح الدم عن سيفها.
رفع يامان رأسه نحو الغابة المظلمة وكأنه يتأكد أن أحدا آخر لم يبق حيا، كانت الأرض المحرمة قد رفضت الغزاة،
تقدم نحو جود ببطء بينما كان القمر يضيء الساحة المليئة بالجثث، وقال بصوت منخفض لكنه قاسٍ
هذه أرضي،وأي جيش يحاول عبورها سيجد المصير نفسه.
وصل الخبر إلى قلعة سولين قبل الفجر بقليل عندما اندفع رسول مصاصي الدماء عبر البوابات الحديدية وهو مغطى بالغبار والدم الأسود،كانت القلعة تقف فوق الجبال الباردة مثل كتلة من الظلال، أبراجها العالية تخترق الضباب والرياح تعوي حول جدرانها الحجرية القديمة.
توقف الحراس عندما رأوا حالة الرسول وفتحوا له الطريق بسرعة حتى وصل إلى القاعة الكبرى حيث كانت سولين تجلس على عرشها الحجري الطويل،كانت القاعة مضاءة بمشاعل خافتة وكان القادة يقفون على جانبيها في صمت ثقيل.
رفع الرسول رأسه بصعوبة وقال بصوت متقطع إن الجيش الذي أرسل لعبور الأرض المحرمة قد دمر بالكامل وإن المحاربين الذين نجوا بالكاد استطاعوا الهرب.
ساد صمت ثقيل في القاعة،لم تتحرك سولين للحظات لكنها رفعت رأسها ببطء وكانت عيناها تلمعان في الضوء الأحمر للمشاعل ، لم تكن تبدو غاضبة في البداية بل بدت وكأنها تفكر بعمق في ما سمعته.
اقترب أحد القادة وقال بتوتر إن ما حدث لا يمكن أن يكون عملا عاديا لأن القوة التي وصفت في التقرير تتجاوز ما عرفوه عن يامان من قبل.
ابتسمت سولين ابتسامة باردة عندما سمعت ذلك ثم نهضت من عرشها ببطء،كان رداؤها الأسود الطويل ينساب خلفها وهي تتقدم نحو منتصف القاعة.
قالت بصوت هادئ لكنه حاد إن الفيروس الذي زرعته في جسد يامان كان يجب أن يضعفه لا أن يجعله أقوى، وهذا يعني أن شيئا غير متوقع قد حدث.
ثم نظرت إلى القادة حولها وقالت إن ذلك لا يغير الحقيقة الأساسية وهي أن يامان أصبح الآن عقبة يجب سحقها قبل أن تتحول أرضه إلى حصن لا يمكن اختراقه.
أمرت بإشعال كل مشاعل القلعة واستدعاء القادة العسكريين من الأبراج والمعسكرات،وخلال ساعة كانت القاعة تمتلئ بقادة الجيوش ومحاربي النخبة الذين ينتظرون أوامرها.
وقفت سولين أمامهم ورفعت يدها ليعم الصمت ثم أعلنت أن الوقت قد حان لإرسال جيش حقيقي إلى الأرض المحرمة، لم يعد الأمر مجرد محاولة عبور بل أصبح حربا كاملة.
أمرت بتجهيز فيالق مصاصي الدماء المدرعة واستدعاء الصيادين الليليين الذين يتعقبون الوحوش في الجبال، كما أمرت بإخراج الأسلحة القديمة المخزنة في مخازن القلعة وهي الرماح الفضية والسيوف المسمومة والسهام التي صنعت خصيصا لقتل الكائنات المتحولة.
ثم أضافت أن المعركة القادمة لن تعتمد على العدد فقط بل على القوة الساحقة،
طلبت من المهندسين الحربيين تجهيز المنجنيقات الثقيلة التي تقذف النار السوداء وأن يتم تجهيز الوحوش المقيدة في الأقفاص الحديدية لإطلاقها في أرض يامان عند بدء الهجوم.
كان القادة يستمعون بصمت وهم يدركون أن ما يحدث الآن ليس مجرد حملة عسكرية بل بداية حرب إبادة ،وقف الكل صامت ولسان حالهم يقول هل يستحق شخص واحد كل تلك القوة الساحقه ؟
ارتفع صوت قادم من آخر القاعه يدق بعصاة الأرض الصلبة
انت مره اخرى؟ الم يكفيك أننى اخرجتك من السجن ؟
كان الحكيم الأعمى ،اقدم سلالات مصاصى الدماء ،المستشار الذى تكرهه سولين وتحب ان تسمعه
قال الحكيم ،عوضا عن تقيمى حربآ ضخمه من أجل شخص واحد يمكنك اختيار طريق بديل ؟
او حتى ابرام معاهده تضمن لك عبور أمن فى أرض الذئب الحارس؟
اتريد ملكة أقوى مملكة مصاصى الدماء ان تبرم معاهده من أجل ذئب واحد ؟
لما لا تجعله يشاركنى الحكم ايضآ ؟
همس الحكيم، اذا لم تكونى تعرفى قوة الذئب مثلى لما اتخذتى كل تلك الاحتياطات الضخمه ،لا تكابرى يا سولين
حافظى على نصرك ،لا تفقديه من أجل ذئب ؟
صمتت سولين بينما قال الحكيم، أحذرك يا سولين ،النبؤه تتحقق ،الذئب الحارس لن يهزم وستكون نهايتك على يده.
وقفت سولين أخيرا أمام النافذة العالية التي تطل على الجبال المظلمة ونظرت إلى الأفق البعيد حيث تقع الأرض المحرمة،
قالت بصوت منخفض لكنه مليء بالتصميم إن يامان قد فاز بمعركة واحدة فقط لكن الحرب لم تبدأ بعد.
ثم التفت إلى القادة وأعلنت قرارها النهائي بأن جيشا أكبر بعشرة أضعاف سيخرج مع أول ليلة قمر كامل وسيتقدم بكل الأسلحة والوحوش حتى يتم سحق يامان وتدمير أرضه بالكامل.
وفي تلك اللحظة بدأت أبواق الحرب تدوي في القلعة بينما كانت الجيوش تتحرك في الأسفل استعدادا لأكبر حملة عسكرية تقودها سولين منذ قرون.
أما في الغابة البعيدة داخل الأرض المحرمة فكان يامان لا يزال يجهل أن العاصفة الحقيقية لم تصل بعد.

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية ملك بلا مملكة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!