رواية ملك بلا مملكة الفصل الحادي والعشرون 21 – بقلم اسماعيل موسى

رواية ملك بلا مملكة الفصل الحادي والعشرون 21 – بقلم اسماعيل موسى

جلس يامان فوق إحدى الصخور المرتفعة في التلال الخربة بينما كان الليل يزداد عمقًا من حوله وكانت أضواء معسكر سولين لا تزال تلمع قرب المستنقع الملعون مثل بحر من المشاعل الحمراء وكان صوت الجنود يصل أحيانًا مع الرياح التي تمر عبر الوادي
كان المستذئبون الذين وصلوا حديثًا قد تجمعوا عند سفح التلال بعضهم يجلس قرب نار صغيرة والبعض الآخر يراقب النهر في صمت أما جود فكانت تقف بعيدًا قليلًا تتفقد حواف التلال وتحرس الطريق الصاعد
لكن يامان لم يكن ينظر إلى أي منهم فقد كان غارقًا في التفكير وظل يراقب المعسكر البعيد لفترة طويلة دون أن يتحرك ثم قال بصوت منخفض كأنه يحدث نفسه إن هناك شيئًا لا يبدو منطقيًا في ما تفعله سولين
رفعت جود رأسها نحوه لكنها لم تقاطعه بينما قال وهو لا يزال ينظر إلى المشاعل البعيدة إن جيشًا بهذا الحجم لا يُحشد من أجل رجل واحد حتى لو كان ذلك الرجل يقف في طريقهم
سكت لحظة ثم أضاف ببطء لماذا ترسل سولين كل هذا الجيش لقتلي أنا
تحركت الرياح فوق التلال ورفرفت عباءته قليلًا بينما كان عقله يحاول ترتيب الصورة فأشار بيده نحو صفوف المنجنيقات التي كانت تُنصب خلف المعسكر وقال إن ذلك هو ما يزعجه أكثر
قال المنجنيقات
التفتت جود لتنظر إلى المكان الذي يشير إليه بينما تابع يامان وهو يضيق عينيه نحو الأفق إن المنجنيقات تُستخدم لقصف المدن والأسوار
ثم أضاف بنبرة تفكير أعمق لكن هذه الأرض لا مدن فيها
مد يده نحو الغابة الممتدة خلف التلال وقال ولا قلاع
ثم نظر إلى الأرض الجرداء حولهم وقال ولا حصون
سكت للحظة طويلة قبل أن يقول ببطء إذن ماذا سيقصفون
ساد الصمت فوق التلال بينما كانت النار الصغيرة في الأسفل تتراقص في الرياح وظل يامان يحدق في المعسكر وكأن شيئًا ما بدأ يتضح في ذهنه
قال أخيرًا بصوت أخفض سولين لا تحاربني فقط
نظرت إليه جود وقالت ماذا تقصد
لم يجب مباشرة بل نظر إلى النهر الذي يفصل الأرض المحرمة عن المستنقع الملعون ثم إلى التلال ثم إلى الغابة العميقة خلفهما
قال ببطء جيش بهذا الحجم ثم أشار نحو الأقفاص التي تحتوي الوحوش في المعسكر وقال وهذه الوحوش ثم أشار إلى المنجنيقات الثقيلة وقال كل هذا ليس لقتل رجل واحد
تنفست جود ببطء وقالت إذن لماذا
ظل يامان صامتًا لحظة طويلة قبل أن يقول لأنها لا تريد عبور الأرض فقط
التفت إليها أخيرًا وعيناه تلمعان في الظلام وقال إنها تريد تدميرها
تحركت الرياح عبر الأعشاب الجافة فوق التلال بينما كانت أضواء جيش سولين تلمع في البعيد وقال يامان وهو ينظر إلى تلك الأضواء إذا كانت سولين ترسل كل هذه القوة فهذا يعني أنها خائفة من شيء هنا أكثر مما هي خائفة مني
ثم همس لنفسه ببطء لكن ماذا يوجد في هذه الأرض يخيف ملكة مصاصي الدماء إلى هذا الحد
كانت السماء قد أصبحت رمادية قبل الفجر بقليل عندما بدأ أول تحرك في معسكر سولين عند المستنقع الملعون.
خفتت أصوات الجنود فجأة ثم ارتفع صرير الأقفاص الحديدية وهي تُفتح واحدة بعد الأخرى، وكانت الوحوش داخلها تتحرك بعصبية كأنها تشم رائحة الأرض المحرمة لأول مرة.
وقف يامان فوق التلال الخربة يراقب الضفة الأخرى من النهر بينما كانت جود تقف إلى جانبه والمستذئبون خلفهما في صمت ثقيل. كان الضباب يعلو فوق الماء الداكن عندما تحركت أولى الظلال في المعسكر.
قالت جود بصوت منخفض إنهم يبدأون،فتح الحراس الأقفاص الكبيرة أولًا واندفعت منها كلاب ضخمة سوداء ذات عيون حمراء وأسنان طويلة لامعة. لم تكن كلابًا عادية بل مخلوقات شرسة هجينة تربت في ظلال مملكة سولين لتكون أدوات صيد لا ترحم، كانت تتحرك بسرعة جنونية فوق الأرض الطينية ثم قفزت واحدة بعد الأخرى عبر الممرات الضحلة في النهر،لكن خلفها خرج شيء أسوأ
ارتفعت أصوات غرائب في المعسكر عندما فُتحت الأقفاص الأخرى، وخرجت منها حيوانات عجيبة لم يكن من السهل معرفة أصلها. بعضها يشبه الذئاب لكن أجسادها كانت أكبر بكثير وأطرافها غير متناسقة، وبعضها يحمل رؤوسًا كالدببة فوق أجساد ممدودة كأنها صُنعت من أجزاء مختلفة. كانت تلك هي الحيوانات العجينة التي يصنعها سحرة سولين من بقايا الوحوش والدماء القديمة.
اندفعت تلك المخلوقات عبر المستنقع الملعون ككتلة من اللحم والأنين والزمجرة، تقفز فوق الطين والمياه الداكنة متجهة نحو الأرض المحرمة،قال أحد المستذئبين خلف يامان بصوت مرتجف إنهم يرسلون الوحوش أولًا ليختبروا الأرض،
لكن يامان لم يتحرك،ظل واقفًا فوق الصخرة يراقب الموجة السوداء من الكلاب المتوحشة والحيوانات العجينة وهي تقترب من التلال. كانت سرعتها هائلة حتى أن الأرض بدأت تهتز تحت أقدامها.
ثم أخيرًا تحرك،قفز يامان من فوق الصخرة وهبط عند سفح التلال قبل أن تصل الوحوش بلحظات. كان جسده قد بدأ يتحول مرة أخرى، تمددت عضلاته واشتدت قامته حتى أصبح شكله أقرب إلى الذئب الضخم الذي تخشاه تلك الأرض،
اندفعت أول الكلاب نحوه بزئير حاد،لكنها لم تر سوى ومضة من الحركة.
قفز يامان بينها بسرعة هائلة وضرب أولها بمخالبه فاندفع جسدها في الهواء وارتطم بصخرة قريبة بقوة كسرت عظامها، الثانية حاولت القفز على كتفه لكنه أمسكها من فكها وطرحها أرضًا ثم مزق حلقها بضربة واحدة،لكن الموجة لم تتوقف،
عشرات الكلاب المتوحشة والحيوانات العجينة اندفعت نحوه من كل اتجاه، وكانت أصواتها تملأ الوادي كعاصفة من الزمجرة والنباح.
تحرك يامان بينهم كإعصار أسود، يقفز فوق ظهورهم ويضرب بمخالبه وأنيابه، وكانت أجساد الوحوش تتطاير حوله مع كل ضربة. مزق أحد المخلوقات نصفين عندما حاول الانقضاض عليه من الخلف ثم دار بسرعة وأسقط اثنين آخرين بضربة واحدة من ذراعه القوية،وقفت جود فوق التل تراقب القتال بينما كان المستذئبون خلفها مشدوهين بما يرونه،لم يكن القتال متكافئًا،كان يامان يقاتل كأنه جزء من تلك الأرض، يتحرك بين الصخور والأشجار بسرعة لا تستطيع الوحوش مجاراتها،لكن فجأة حدث شيء غريب،عندما اندفعت مجموعة جديدة من الحيوانات العجينة نحوه توقف يامان فجأة عن الحركة،وقف في وسط السهل بينما كانت الوحوش تحيط به من كل جانب، ثم رفع رأسه ببطء،في تلك اللحظة برق شيء في عينيه، ضوء لامع حاد كوميض القمر فوق الثلج.
خرج من صدره عواء عميق مختلف عن أي صوت أطلقه من قبل، صوت قديم بدائي جعل الهواء نفسه يهتز حوله،
توقفت الكلاب المتوحشة فجأة،تجمدت الحيوانات العجينة في أماكنها،بقيت الزمجرة في حناجرها للحظة ثم خفتت ببطء،كانت عيونها كلها مثبتة على يامان،خطا خطوة واحدة نحوها وعيناه لا تزالان تلمعان بذلك الضوء الغريب.
ثم حدث ما لم يتوقعه أحد،انخفضت أول الكلاب ببطء حتى لامست الأرض بأنفها،تبعها مخلوق آخر،ثم ثالث.
خلال لحظات كانت معظم الوحوش التي اندفعت للهجوم تقف الآن أمامه في خضوع واضح،
بعضها جلس على قوائمه الخلفية والبعض الآخر خفض رأسه كما لو أنه يقف أمام سيده الحقيقي،وقفت جود فوق التل مذهولة وهي ترى ذلك المشهد.
همست لنفسها إنهم يتصرفون وكأنهم يعرفونه،
أما يامان فقد وقف وسط الدائرة من الوحوش وعيناه ما تزالان تلمعان بذلك الضوء العميق
كان المشهد يبدو كأن تلك المخلوقات تشعر بشيء يجري في دمه، كأن الدم الذي يسري في عروقها نفسها يعرف ذلك الذئب الحارس ويخضع له.
بعيدًا عند الضفة الأخرى من النهر كان جنود سولين يراقبون ما يحدث في صمت مذهول،فقد أُطلقت الوحوش لتقتل،
لكنها الآن تقف أمام عدوها كأنها وجدت سيدها الحقيقي.

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية ملك بلا مملكة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!