رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الخامس 5 – بقلم صابرين عامر

رواية في مدينة الاسكندرية – الفصل الخامس

5- هذا اليوم العالمي للإحراج
الفصل هينزل النهاردة بدلًا من يوم الجمعة هدية مني للسكرة شهد علي وتصاميمها الجميلة💜
صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
الإبتسامة متسعة على ثغرها من هذه الأذن إلى هذه الأذن، وفي يديها تقبع محفظته تحدق بها بسعادة، لم تكن تعلم حين أخذت منه المحفظة أنه تقدم لخطبتها، حتى الآن لا تستطيع تصديق هذا ولم تكن تتوقع أن يفعلها
لكن هل تم الأمر بشكل تقليدي أم هو من طلب هذا بنفسه، فالأمر يشكل فارق كبير بالنسبة إليها، إن كانت خطبة تقليدية فهذا يدل على أنها كأي فتاة غيرها بالنسبة إليه وإن طلب منه والديه أن يتقدم لدعاء ابنة عمها كان ليوافق
وإن كان هو من طلبها بنفسه فهذا يدل على أنها تشغل تفكيره أو هو معجب بها، ويح قلبها إن كان معجب بها فستطير سعادةً لهذا
خبأت المحفظة بسرعة أسفل الوسادة عندما استمعت إلى خطوات براءة تفتح باب المرحاض وتأتي إلى هنا وبعد ثواني فتحت باب الغرفة وولجت إلى الداخل ثم ألقت جسدها على الفراش بأرهاق شديد قائلة :
-آه يا ضهري كان لازم انضف البيت كله دلوقتي ما كنتوا اجلتوا الموضوع لبكرة
لم تجد أي رد فعل من شروق لذا اعتدلت بسرعة وجلست أمامها هاتفة بسرعة :
-هو فعلًا يونس اتقدملك يا شروق؟؟ سمعت أبوكي وأمك بيتكلموا معاكي في المنضرة بعد ما الناس مشوا
آماءت لها الأخرى ولا تزال البسمة المتسعة على وجهها فقالت براءة مبتسمة بشكل تلقائي على سعادتها الواضحة :
-ومالك فرحانة ليه اوعي تقولي هتوافقي؟!
-وموافقش ليه ماله يعني مش وحش
-بس ده أكبر منك بعشر سنين يا شروق وافتكر يعني إنك قولتي مش هتجوز واحد أكبر مني بأكتر من خمس سنين ورفضتي واحد علشان أكبر منك بتسع سنين ورفضتي الدكتور عاصم علشان أكبر منك بـ ١٥ سنة
حسنًا محقة فيما تقول كان شرط أساسي عندها أن لا يكون شريك حياتها أكبر منها بأكثر من خمس سنوات، ولكن ماذا تفعل في قلبها الذي أحب ذلك الضابط، تنحنحت وهى تعتدل في جلستها قائلة :
-طب ما انتي من ضمن مواصفات زوجك المستقبلي إنه يكون أسمر وكنتي بتقرفي من الرجالة البيضة بزيادة ايه النظام بقى مع يوسف؟ اتغير ليه؟!
-بس يا يوسف دكتور
نطقت بها براءة ببسمة بلهاء فقالت شروق ضاحكة :
-ويونس ظابط
-خمسة جد طيب انتي هتوافقي على يونس علشان هو عاجبك وعينك منه صح؟!
همهمت شروق بإيجاب وهى تعبث في أصابعها النحيلة فقالت براءة متسائلة :
-طب وماما وبابا؟؟
-موافقين بس مستنين رأيي انا، وطبعًا سمعوني كلام كتير في مميزاته وشايفين إنه كويس وإنه ظابط وعارفين أخلاقه وتربيته وأهله
-استني على كلمة أخلاق وتربية دي، ده مستفز ويوسف بيقول بيتغذى على إستفزاز الآخرين
-طب ما دي حاجة حلوة علشان يبقى فيه شد وجذب بيني وبينه متبقاش الحياة كده روتينية مملة
-طب بيشرب سجاير
-هخليه يبطلها ما بابا كان بيشرب سجاير وبطلها
عقدت براءة حاجبيها متعجبة سرعة إجاباتها :
-لا ده انتي واقعة مش بس عاجبك
ربعت شروق قدميها أمامها ثم استرسلت بنبرة حماسية :
-بصي على الموضوع من كذا جهة هنبقوا سلايف وهنسكن في نفس العمارة وهنتجوز اتنين أخوات
-امم خلاص على بركة الله تعرفي هيعملوا الخطوبة أمتى بقى؟!
-مش لما أوافق الأول
رفعت الأخرى إحدى حاجبيها بتهكم فقالت شروق بغرور مضحك :
-ايوه طبعًا لازم أبان تقيلة وقولتلهم سيبوني أفكر لحد الصبح
ضحكت براءة بشدة على حديثها ثم استقامت من مكانها حتى تضع كريماتها المسائية بينما جذبت شروق المحفظة من أسفل الوسادة ووضعتها داخل حقيبتها من ثم عادت إلى الفراش كما كانت، تفكر في أحلام وردية لها مثل أي فتاة يتقدم لها عريس، تظل تخطط وتخطط حتى لأسماء أبنائها المستقبليين…
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرج من المرحاض يمسح حبات العرق التي تكونت على جبينه فقط في الدقائق التي كان يرتدي فيها ملابسه، الشقة التي يباتون فيها ليست صغيرة وإنما مغلقة من كل النواحي، وإضافة لهذا البيوت في الشارع ملتصقة ببعضها فلا يوجد منفس للهواء أن يدخل
هذا إن كان هناك هواء من الأساس فهم في منتصف شهر يوليو والأجواء بها تغلي بالمعنى الحرفي وهم غير معتدون أبدًا على مثل هذه الحرارة
دلف إلى الغرفة التي يبات بها هو وشقيقه وابني عمه بينما بقية أبناء أعمامه يباتون في الغرفة المجاورة وياسر وحسن يباتان معهم في الشقة حالة احتاجوا لشئ بالليل
زفر بضيق وهو ينظر إلى عداد المروحة والذي كان على آخر درجة ورغم هذا يشعر أن المروحة لا تأتي بهواء بارد بل بهواء ساخن، حرك أنظاره إلى هذا التجمع إذ كان جميع أبناء أعمامه يجلسون في نفس الغرفة وهذا ما يزيد سخونة الأجواء
كان ينام كريم على الأرض فاردًا ذراعيه وبجانبه لؤي ابن عمهم على نفس الوضعية، وعلى الاريكة الخشبية يجلس يوسف وإسماعيل يمسكان بقطع كرتون ورقية يحركانها أمامهما بسرعة لربما تأتي ببعض الهواء، وهناك أحد يقف في الشرفة وعلى الأرجح يكون يونس
تمدد حمزة على الأرض بجانب كريم أسفل المروحة مباشرةً ليقول كريم بغيظ يلوم به هو ويوسف :
-بذمتكم حد يجي الصعيد في الجو ده؟! هو عقلكم كان فين؟؟
وأجابه حمزة بضيق شديد يجذب الوسادة من على الاريكة حتى ينام على الأرض هذه الليلة :
-يعني هو أبوها كان وافق في الشتاء وانا اللي قولت مش هاجي غير في الصيف
اخفض يوسف ذراعه بعدما تعب من التهوية بالورقة أمام وجهه ثم قال :
-يا جماعة انا فاكر إني شوفت تكييف في واحدة من البلوكات في البيت ده، في أنهى شقة المكيف بقى؟؟
-في شقة خالي ماهر مش هنا
نطق بها إسماعيل وهو يخفض ذراعه أيضًا من التعب فقال لؤي بسرعة وهو يقف من مكانه :
-حلو هاروح أقول لأمي انا هنام معاكي علشان بحلم بكوابيس ومش عارف أنام
تركه البقية يرحل وما هى إلا دقائق ووجدوه يدلف مرة أخرى بملامح متذمرة يدفعه حسن أمامه وهو يتمتم بعدة كلمات حانقة، ولج ياسر خلفهم وفي يده طبق كبير ممتلئ بالبلح وعندما وجدهم مستيقظين جميعًا هتف متعجبًا :
-انتوا لسه صاحيين لحد دلوقتي دي الساعة ١١ ونص؟؟
أجابه كريم وعينيه تركزت على الطبق ولكنه لم يطلب حتى لا يكون ضيف وقح :
-الجو حر بطريقة لا تطاق والمروحة دي بتجيب هواء سخن مش هواء بارد
جلس ياسر بجانب إسماعيل على الاريكة ووضع الطبق بينهما ثم قال :
-معلش بكرة تروحوا عند عمي علي الهواء الطبيعي كله عنده
لم يفهم حمزة ما يقصده فشرح إسماعيل ما يقصده ياسر إذ قال :
-ده علشان خالي علي بيته وسط الزرع وكده مش زي البيوت هنا لازقة في بعض فهتلاقي الجو هناك حلو، وبصراحة حتى المنظر حلو لما روحت هناك السنة اللي فاتت كانت المناظر حلوة تفتح النفس
ولج يونس من داخل الشرفة بعدما أنهى إتصال مع أحد زملائه، وعندما قابلته الحرارة هذه خلع قميصه الذي يرتديه وقد نسي أنه لا يرتدي غيره فصاح به الجميع على هذا المنظر ومنهم كريم الذي غطى عيني لؤي هاتفًا بقنوط :
-ايه يا يونس معانا مراهق عيب تخدش بصره بمنظرك ده
لم يرتدي يونس القميص وإنما أخذ يبحث في الحقيبة الخاصة به هو ويوسف عن آخر أخف من هذا فقال حسن مغلقًا الشرفة :
-خدوا راحتكم بس نقفل البلكونة علشان الجيران قدامنا
ارتدي يونس تيشرت بدون أكمام ثم قال :
-لأ افتحها لو قفلتها هنموت مخنوقين
جلس على الاريكة الأخرى بعدما جذب طبق البلح من كريم فقال الآخر بحنق :
-طب ليه قلة الأدب دي بقي
-هو كده وبطل طفاسة يا كريم عيب يا بابا ولاحظ اننا في بيت ناس، وآخر حد بيقوم من على الأكل كل يوم هو انت
صاح به الآخر بحنق وهو يسرق من الطبق بلحتين وهذا كل ما طالته يداه :
-بلاش أكل وابني جسمي يعني ثم هما اللي أكلهم حلو ولولا إن باخد بالي محدش فاضل غيري على الأكل مش هقوم
وقف ياسر من مكانه وخرج إلى الشرفة يحادث أحد على الهاتف بينما قال حسن يرى طبق البلح قد نفد :
-أنزل اجيبلكم تاني
شعر الجميع بالحرج من طلب المزيد إلا لؤي والذي كان معتاد على خاله حسن كثيرًا لذا قال :
-آه بالله عليك يا خالي لو فيه تاني هات وهات معاك مياه ساقعة
إستجاب حسن وقد استقام من مكانه حتى يأتي بما طلبوه وفي هذه الأثناء قال كريم بنبرة هامسة لشقيقه :
-حمزة لو قولتله يجيب أكل معاه ليا هيبقى عيب؟؟
رمقه الاخر بنبرة حادة فذم كريم شفتيه بتذمر وصمت ولكن حدس حسن أخبره أن كريم يريد شئ لذا قال :
-عايز حاجة اجبهالك؟؟
-لأ مش عايز شكرًا
نطق بها حمزة بلطف فرمقه كريم بنظرة متذمرة أشبه بطفل يريد حلوى من الضيوف ولكن والدته تمنعه من فتح فمه حتى، ابتسم حسن ضاحكًا عليه ثم قال :
-قول قول عايز ايه متخافش منه
همهم كريم بحرج ثم قال :
-لو لقيت سندوتش تحت هاتلي معاك لو هتعبك يعني
-لا مفيش تعب هشوفلك حاضر
خرج حسن من الشقة وهبط للأسفل بينما قال كريم ببسمة متسعة :
-عيلتكم كريمة اوي يا إسماعيل
وكزه حمزة بخفة في ذراعه قائلًا بسخط :
-آه كريمة بس متتعودش تطلب كتير يا كريم عيب، أبقى اشتري كيس شيبسي حطه في الشنطة هنا، ولما تجوع بالليل كُله
رمقهما يونس من خلف شاشة هاتفه ثم قال بنبرة ضاحكة مغلفة بالسخرية :
-شكلكم زي واحدة وابنها أوي، متقمص دور الأم يا حمزة
اعتدل حمزة وجلس نصف جلسة ثم خلع قميصه القطني وبقى بالذي أسفل نافخًا بضيق لشدة الحرارة الغير معتاد عليها، يشعر أنه يريد أن يستحم مرة أخرى رغم أنه لم يمر إلا ربع ساعة على خروجه من المرحاض
نظر نحو يونس الذي بدا منسجمًا مع هاتفه لذا قال ببسمة عابثة :
-بتعمل ايه يا يونس في التليفون ومتنح فيه أوي!؟
رفع عينيه له لثانية ثم اخفضها مرة أخرى هاتفًا ببرود :
-ملكش فيه ولم نفسك عني
-شكله بيكلم الجو، هو من ناحية وأخوه من الناحية التانية
نطق بها كريم وهو يشير إلى يوسف الذي انسجم مع هاتفه ويبتسم من حين إلى الآخر حتى أنه لم ينتبه لما قاله كريم
-عقد يونس حاجبيه لم يفهم ما يقصده كريم من كلمة “الجو” لذا قال :
-يعني ايه الجو؟! ثانية قصدك عليها؟ لأ مش بكلمها علشان مش معايا رقمها أو ثواني معايا من لما كانت شاهدة على القضية بس برضو مش هكملها
استقام حمزة من مكانه وجلس إلى جانبه ثم قال بجدية :
-متتقلش أوي يا يونس البت تطفش، خلي لسانك حلو معاها ومتنشفهاش عليها
-اخلي لساني حلو وهى واخدة مني المحفظة ومش راضية ترجعها
نطق بها بنبرة ساخرة فقال إسماعيل بنبرة رجل خبير :
-أيًا يكن ايه السبب اللي خلاها تاخد المحفظة بس حركتها عجبتك شوفتها في عينيك يا يونس
ثقل يونس ولم يجب عليهم وأدعى النظر إلى هاتفه فأخفض حمزة الهاتف بيده ثم قال بجدية خالية من المزاح :
-تاخد مني نصيحة وتقبلها؟!
تنهد الآخر ثم آماء برأسه مستعدًا لسماع نصائحه فقال حمزة وهو على نفس جديته :
-النبي قال على البنات أو النساء على الوجه العام رفقًا بالقوارير يعني البنت أرق من الإزاز لو شديت في مسكتك ليها هتتسكر في إيديك ولو رخيت خالص هتقع من إيديك، لكل واحدة طريقة خاصة آه بس كلهم بيجوا بالحنية والإهتمام، تديها إهتمام تديك قلبها
تنهد يونس مرة أخرى يشعر بصعوبة تنفيذ ما يقول ورغم هذا أستمر إلى الإستماع إليهم إذ أضاف إسماعيل قائلًا :
-ميتخافش على حمزة علشان كاتب وفاهم دماغ البنات، وميتخافش على يوسف علشان شفاف وعفوي الخوف من تقلك انت يا يونس خف تقل البنت تحب الواد التقيل آه بس لما يكتر تقله ويكتر طناشه ليها هتزهق
-مش فاهم
نطق بها يونس بضيق وهو يضم ذراعيه إلى صدره فقال يوسف وهو يرفع عينيه عن الهاتف :
-لأ فاهم يا يونس بس عارف نفسك مش هتعرف تنفذ
-عليك نور انا مش هعرف أنفذ علشان مليش في الجو ده، انا راجل جد لا شفاف وعفوي زيك ولا رومانسي وفاهم دماغ البنات زي حمزة، طبعي كده مش هعرف أغيره
رفع حمزة إحدى حاجبيه ثم تساءل بطريقة مباشرة دون التطرق لمقدمات :
-هى عجباك وداخلة دماغك صح؟؟
همهم الآخر وهو يقلب عينيه في السقف مدعي اللامبالاة :
-عادي بنت زي باقي البنات
صاح به حمزة وهو يلكمه في كتفه بعنف قائلًا :
-يخربيتك متكبر تقول عجباك، أومال مين اللي كان مولع من الغيرة النهاردة الصبح من كلام عمتك ده انت كنت حتة وتقوم تفطسهم هما الإتنين وتجيب أمير من إسكندرية معاهم تفطسه
رمقه يونس بطرف عينيه ولم يجب فقال كريم وهو لا يزال ممدد أرضًا وبجانبه لؤي يستمع بصمت يأخذ خبرة منهم :
-معاه حق واول إمبارح لما فضلت تمدح في عاصم انا أعتقد لولا يوسف مسكك كنت هتديها قلمين
-طب متجبليش سيرة الراجل ده علشان مقومش أدوس في بطنك
ختم يونس حديثه العنيف ملقيًا الوسادة على رأس كريم بعنف فتأوه الآخر لقوة الضربة المفاجئة، وتلىٰ هذا صياح حمزة به أن يتوقف ولا يخرج عن الحوار :
-يونس انت لو فضلت كده هتطير البنت من إيديك وانا شايف إنها عجباك وأوي كمان ونظرًا لخبرتي في نظرات البنات هى عينها منك وانت تموت على اللي يرد عليك الكلمة بعشرة أمسك فيها بقى واتجوز خلاص هتدخل التلاتين من غير جواز
ضغط يونس على فكه وقد آماء له محاولًا إدخال ما قال في عقله :
-ماشي يا حمزة شكرًا لنصايحك حاجة تاني
-اتمنى بس تعمل بالنصيحة ومتنشفش دماغ الجاموسة اللي جوا راسك دي
رمقه يونس بنظرة حادة وقد ضم قبضته منتويًا صدمها في أضلعه ولكن دلوف ياسر من الشرفة منعه من ذلك، وهذه البسمة التي كانت على وجه ياسر جعلته يتساءل قائلًا :
-مالك يا ياسر بتضحك للهوا كده ليه؟؟
ضحك حمزة بخفة متوقعًا أنه كان يحادث شقيقة نور التي لا يتذكر اسمها الآن :
-بيحب يا عم عقبالك
تنهد ياسر بعمق ثم عاد بظهره نحو الحائط محدقًا في حمزة دون الجميع :
-اتجوز نور وخلصني منها يا حمزة عايز اتجوز انا كمان
-تعرف تقنعلي عمك أكتب كتابي مع يوسف؟!
رمقه الآخر بتشنج فهل يريد هذا الأحمق أن يخطبها غدًا وبعد ستة أيام ايام يعقد القران :
-عايز تكتب كتابك بعد ما تتقدم ليها بست أيام؟! ده انا بقالي تلات سنين مش عارف أعملها
تحدث يوسف بضحكة مكتومة موجهًا حديثه لحمزة :
-انا بقالي سبع شهور خاطب وانت شوفت ازاي بالعافية اقنعت أبوها نكتب الكتاب انت عايز موضوعك يتم في أسبوع كده عادي
رمقهما حمزة بملامح هادئة ثم قال بنبرة كانت أشبه بالتهديد :
-انا مليش دخل بيكم انا مش هتحرك من البلد دي غير وانا كاتب كتابي ومحدد معاد الفرح ومش هيكون أبعد من شهر، يا كده يا ارتكب فيكم جناية انا صبري عليها هى وأبوها بدأ ينفد
ابتسم إسماعيل على ابن عمه المجنون ثم قال :
-روح نام يا حمزة سيب الموضوع ده لبكرة يمكن تحصل معجزة وأبوها يوافق مين عارف
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في ظهر اليوم الثاني كانت الساعة الثالثة قبل العصر والشمس تقدح فوق رؤوسهم وهم يسيرون في هذا الشارع الطويل الذي يحيط به الحقول من الجهتين، وبعض البيوت القليلة تحت الإنشاء كانت تقابلهم ويبدو أن لا أحد يسكن بها إلا الأقلة
زفر كريم بتعب وهو يضع يده فوق رأسه في محاولة واهية لمنع أشعة الشمس ثم قال موجهًا حديثه إلى عمه محفوظ الذي يتقدم الجميع لأنه من يعرف الطريق :
-يا عم محفوظ مقربناش نوصل هما الناس دول ساكنين في الصحراء ده كله طريق؟!
-لما يخلص الطريق ده هنوصل هما ساكنين آخر الشارع ثم صحراء ايه ما الزرع قدامك أهو يمين وشمال
-اومال انا حاسس ليه إننا ماشين في صحراء، الشمس لحست دماغي يا نـــاس
مسح وجهه من العرق الذي بدأ يتصبب منه ثم نظر إلى لؤي الصغير ابن شقيقته والذي كان يسير ممسكًا يد رحمة وفوق رأسه قبعة صغيرة تحميه من الشمس :
-بقولك ايه يا لؤي يا حبيب خالو ما تجيب الطاقية اللي على راسك دي ربنا يخليلك أبوك
خلع لؤي القبعة بطيب خاطر ومد يده له بها ولكن منعته غادة من هذا ووضعت القبعة على رأس ابنها مرة أخرى صائحة بكريم بغيظ :
-اتلم يا كريم وسيب الطاقية بتاعته الشمس سخنة عليه وهيتعب
ذم الآخر شفتيه متذمرًا ثم أجاب :
-ما الشمس سخنة عليا انا كمان وبدأت اتعب، انا بسيح حرفيًا
-انت شحط كبير هو لسه طفل ميستحملش
زفر بضيق وأكمل سيره متجهًا نحو حمزة الذي يمسح وجهه كل دقيقة من العرق ولكن لا يتحدث كعادته وكأنه مجبر على الصمت :
-حمزة هات منديل
أعطاه الآخر العلبة دون مجادلة فأخذ منه كريم منديل يمسح جبينه ثم قال وهو يرمق ملابس حمزة التي استيقظ في الصباح المبكر حتى ينتقيها بذوق، وظل ساعتين بالمعنى الحرفي منها ساعة في الحمام والساعة الأخرى يرتدي ملابسه ويهندم خصلات شعره ويختار عطر مميز من أجل أن يصبح في أفضل حالاته
ولكن للأسف أتت الشمس وافسدت كل هذا :
-حمزة هدومك باظت من العرق يا خسارة الساعتين اللي فضلت ترتب نفسك فيهم
توقف الآخر سريعًا وقد رفع ذراعيه مبصرًا العرق قد طبعت لون غامض في منطقة الإبطين على قميصه ذو اللون الكحلي وللأسف يبدو ظاهرًا
-يلا يا حمزة وقفت ليه؟؟
نطق بها يوسف وهو ينظر إلى ابن عمه الذي أصبح في المؤخرة فتقدم الآخر نحو والده وعمه قائلًا بعجلة :
-بابا ما تيجوا نأخر المعاد للعشاء بدال الغداء
رمقه الآخر بنظرة سريعة ثم أجاب برفض :
-مينفعش الناس مستنين هناك وعمتك توحيد زمانها وصلت، والله لو كنت أعرف هنمشي كتير في الشمس دي كنا خدنا أي مواصلة كلنا
وبعد ما يقارب الخمس دقائق وصلوا إلى آخر الشارع الذي يسيرون به وقد كانت نهايته عبارة عن ثلاث بيوت منهم بيت أمامه شارع متسع وهناك الكثير من المقاعد به بالإضافة إلى اريكة خشبية كبيرة تسمى هنا “دِكَة” يجلس عليها ثلاث أشخاص
توحيد وعلي وصفية اللذان استقاما بسرعة لإستقبالهم، وبعد ربع ساعة من السلامات استقر كلٌ في مكان بينما وجلت أسماء مع صفية إلى الداخل حتى تساعدها في صب الطعام
رفع عثمان أنظاره إلى منزل علي، كان منزل كبير في مساحته ولكن يتكون من طابقين فقط، الأرضي والطابق الثاني غير مكتمل البناء ومثل أغلب المنازل في الصعيد يكون السطح به مكان مخصص للفرن البلدي المبني من الطين ويحيط هذه المنطقة “خوص بوص” فلا يخلو أي منزل صعيدي من هذا الركن
نظر حول المنزل والذي كان يحيطه الزرع الأخضر من جهتين بينما الجهتين الأخرتين يطلان على شارع منهم هذا الشارع الذي يجلسون به
استقام علي مناديًا على لؤي ابن شقيقته حتى يساعده ثم ولجا إلى داخل المنزل وخرجا معهما طاولتين كبيرتين قاموا بوضعهما في الشارع فقال حمزة متسائلًا :
-هو إحنا هنتغدى عادي كده في الشارع
سمع علي ما قاله فأجابه هو قائلًا :
-بيتنا هنا مختصر محدش بيعدي كتير، مش شارع رئيسي يعني وكل سنة في رمضان في العزايم بنفطروا في الشارع، هنا هوا ووَسَع أحسن من الكتمة جوا
أما في الداخل كانا نور وعائشة يعملان كخلية النحل وكانت نور تتمم على آخر الأشياء وبشكل كبير هى من قامت بطهي كل الطعام فتركت لها والدتها أمور الطهو وقامت هى وعائشة بترتيب المنزل
ولجت أسماء إلى داخل المطبخ مبتسمة بإتساع للروائح التي اخترقت انفها :
-الله الله تسلم إيد اللي عمل، مين اللي طبخ بقى؟؟
أجابتها نور بسرعة وهى تصب العصير من الخلاط إلى الدورق حتى تضعه في الثلاجة :
-انا اللي عملته كله
نظرت أسماء نحو صفية فآماءت الأخرى مؤكدة حديث ابنتها :
-مخلتش حد يمد ايده غيرها علشان لو سألوا أقولهم نور
استمعوا إلى صوت ناهد قادمة من الباب فخرجت صفية في استقبالها بينما بقيت نور في المطبخ فعلى جثتها ان تخرج لناهد وهى ترتدي هذه الملابس التي ترتديها منذ المساء
إذ كانت ترتدي بلوزة بنصف كم لا تتناسب أبدًا مع لون البنطال فمن التي ترتدي ملابس متناسقة في المنزل، وناهيك عن رائحتها المختلطة بالثوم والبصل والعرق، إذ ان المطبخ هنا وبسبب الموقد يغلي من الحرارة
كما أن خصلاتها مشعثة من الامام ومربوطة من الخلف ولا تريد أن ترى ناهد “حماتها المستقبلية” شعرها الاشعث هذا، ولا حتى تريد أن يراه حمزة في يوم من الأيام حتى لا يتنمر عليها وسترى حلًا لهذا بعد الزواج
اقتربت من حائط المطبخ دون أن تخرج إلى مدخل المنزل تستمع لما تقول ناهد إذ أعطت لوالدتها علبة كرتونية متوسطة الحجم لم ترها هي فأخذتها منها صفية دون أن تعلم ما بها ثم شكرتها قائلة :
-ليه بس التعب ده تعبتي نفسك وكلفتي
تبسمت لها ناهد بطيب خاطر ثم قالت وهى تنظر إلى أركان المنزل حولها :
-مفيش تعب ده إحنا هنبقى أهل، اومال فين العسل اللي هتبقى مرات ابني؟؟
نادت صفية على ابنتها بأن تأتي وتلقي التحية على ناهد فهزت نور رأسها بنفي دافعة شقيقتها للخارج بسرعة، ودون حتى أن تستوعب عائشة شئ وجدت نفسها أمام ناهد ووالدتها وعمتها أسماء
نظرت بسرعة إلى نور بنظرات حارقة فأغلقت الأخرى الستار مانعة أي أحد من اغتلاس النظر إلى الداخل، قهقهت أسماء بشدة على حركتها قائلة :
-معلش اتكسفت فزقت عائشة لبرا
ضغطت عائشة على قبضتيها بحرج ثم اقتربت من ناهد وألقت التحية عليها ثم اعطتها والدتها العلبة حتى تدخلها وقد نفذت ما قالت ودلفت إلى الداخل، بينما قالت ناهد ببسمة لطف :
-تحبوا أساعدكم في حاجة لو انتوا مزنوقين، سبق ونور واختها وبنات عمها ساعدوني لما كنت مزنوقة في عزومة، ما شاء الله على تربيتهم، وأخلاق وجمال
ابتسمت صفية بفخر بتربية ابنتها ثم قالت :
-شكرًا يا حبيبتي الله يخليكي مش عايزة أتعبك، ابعتيلي بس لؤي من برا
خرجت ناهد بالفعل حتى تنادي على لؤي بينما اقتربت صفية من المطبخ هاتفة بجدية :
-يلا يا نور ادخلي اتشطفي وغيري هدومك وألبسي الطقم الجديد اللي اشتريته
خرجت نور المطبخ مجيبة عليها بتردد :
-هو انا ضروري اطلع يا ماما
-ايوه يا ماما ضروري اومال مين هيطلع يقدم الشاي وبعديها العصير، هما مش جايين علشان غداء ما انتي عارفة
-طب انا عارفة، وعارفة برضو إنهم عارفيني وحمزة عارفني أكتر منهم يعني مش ضروري أطلع ورؤية شرعية والكلام ده اتفقوا انتوا واللي هتتفقوا عليه انا تمام معاكم، بس اطلعهم إنسي
ختمت حديثها وفرت إلى الداخل قبل أن تنطق والدتها بشئ لتجد عائشة ترمقها بنظرة حادة صامتة فقالت نور ببسمة مازحة :
-معلش يا اسطا جات فيكي
لم ترد عليها عائشة وفي هذه الأثناء دخلت عليهما صفية هاتفة بغضب محاولةً خفض نبرتها :
-يعني ايه مش هتطلعي اومال اطلعلهم أمي
-طلعي عائشة
-وهما جايين يخطبوها هى ولا انـتـــي
سارعت عائشة في تهدئة والدتها حتى لا يصل صوتها للضيوف في الخارج فقالت نور بإستعطاف :
-يا أمي هتكسف اطلع انا، وبيقوا كلهم باصيين عليا
-وتتكسفي ليه ما انتي عرفاهم
حاولت مرة أخرى إقناعها فقالت صفية برفض قاطع :
-البسي وحطي الشاي وهنادي عليكي من برا ومحدش هيقدم الضيافة غيرك النهاردة يا بت علي
ختمت حديثها وتركت لهما الغرفة وخرجت حتى تصب الطعام وقد نادت على عائشة حتى تلحق بها وتركا نور وحدها في الغرفة، وهذه أتتها حالة الإحراج المبالغ به، إذ أخذت تقفز في مكانها بضيق وتتمتم بعض الكلمات الحانقة
لا تحب أن تخرج وتقدم الضيافة للضيوف العاديين فما بالك لو هؤلاء الضيوف قد أتوا لخطبتها
استسلمت للأمر وبدأت بتجهيز نفسها وقد أرتدت الملابس التي قالت عليها والدتها والتي اختارتها هى وعائشة لها منذ أمس، إذ كانت عبارة عن بلوزة صيفية جميلة مزركشة باللونين الأصفر الهادئ والأسود، والجيب الأبيض المفضل لديها وحجاب متسع باللون الأبيض
اقتربت من العلبة الموضوعة على الطاولة بفضول إذ كانت علبة حلويات وقد تنمت ألا تكون بداخلها حلوى بالعسل، وقد خاب ظنها وأبصرت المفضل لديها في الحلوى، قطع كيك فاخرة أو ما تسمى “جاتوه”
تعجبت اختيارهم لهذا وقد تساءلت هل هذا من باب الصدفة أم أنهم يعلمون أنها تفضل الجاتوه على جميع أصناف الحلوى
أما في الخارج أخذ لؤي يوزع أطباق الطعام المختلفة على الطاولات هو وعائشة التي خرجت مجبرة من والدتها، ابتسم عثمان ممازحًا ابن أخيه إذ قال :
-ايه لؤي شغال من وقت ما جيت كأنك من صحاب البيت
ذم لؤي شفتيه بتذمر دون إجابة، لا يدري لما منذ أتى وزوجة خاله لا تطلب إلا منه هو، هل لأنه الأصغر أم لانه ابن أسماء، ولكن لما لا تعمل رحاب وإسماعيل وفقط هو
مَل حمزة وهو ينتظر خروجها ولا تخرج، وبعد عدة دقائق مال قليلًا نحو والدته قائلًا بحرج :
-ماما انا محتاج ادخل الحمام أقول لمين؟؟
رمقته الأخرى بنظرة غاضبة وكأنه أخبرها أنه يريد التسكع في الشوارع وشرب الخمر مع رفاق السوء، وإجابتها جعلته يشك فيما قال إذ قالت ناهد بهمس غاضب :
-اتلم يا حمزة
-ايه اتلم يا حمزة هو انا بقولك نازل اصيع في الشوارع؟! بقولك عايز ادخل الحمام
-مش دلوقتي بعد الغداء
-وانا هفضل كاتمها جوايا لحد بعد الغداء؟؟
-اسكت يا حمزة وعدي يومك من غير جنان
زفر حمزة بضيق وقد أخذ يحرك قدمه بإنزعاج ثم اقترب من والده هذه المرة والذي هم ببدئ تناول الطعام فمنعه من غرز الملعقة في الأرز قائلًا بهمس :
-بابا مش هنطلع من هنا غير قبل ما تحددوا كتب الكتاب
-إن شاء الله يا ابني بس سيبني آكل
-ماشي كُل بس بجد لو متفقناش على كتب كتابي يبقى مع يوسف انا غير مسؤول عن تصرفي
-طب آكل الأول وبعدين نشوف، وكُل انت كمان واقعد ساكت شوية متفضحناش
صمت حمزة بالفعل وشرع في الأكل وتعرف عليه بسهولة إنه من صنع نور بالتأكيد، ولا تسألوه كيف علم فهو نفسه لا يعلم، وبعد الغداء أخذ الجميع يتشارك أطراف الحديث ولكن موضوعه هو لم يكن من ضمنهم لذا استأذن على لدخول المرحاض وقد أخذه علي بنفسه له ثم خرج
وتلىٰ خروجه هذا خروج نور بسرعة خلفه من المطبخ وفي يدها الشاي وقد، أستوقفته قبل أن يخرج من الباب :
-بابا بابا استنى خد الشاي معاك
رمقها الآخر لبرهة من الزمن ثم أشار لها بأن تأتي خلفه وتقدم هو نحو الضيوف، فضربت نور الأرض بقدمها بغيظ فحتى والدها تحالف عليها، استمعت إلى صوت قادم من المرحاض ولكن لم تهتم فعلى الأرجح أحدهم في الداخل وعليها الآن أن تفكر فيما تفعل
سوف تخرج وعينيها في الأرض بالطبع فلن تستطيع رفعها في أحدهم ولا في حمزة على الوجه الخاص، ثم تترك الصنية لهم على أقرب طاولة وتفر هاربة للداخل، ثم تتصرف والدتها في التوزيع عليهم
تنفست بقوة ثم خرجت تشعر بالحرج الشديد وقد رفعت عينيها لجزء من الثانية حتى ترى أين قد وضعوا الطاولة، ولترى أيضًا أين موقع حمزة حتى تبتعد عن مرماه
وقد خاب كل هذا عندما طلبت منها والدتها بصوت مرتفع أن توزع عليهم ووالله لولا أن هذه السيدة والدتها لسبتها الآن، ولكن للأسف ستنال ذنبًا على هذا
اقتربت من أول الجالسين حتى تعطيه الشاي وقد كان محمد والذي أخذه منها وشكرها بلطف ثم مرت على باقي الرجال دون أن ترفع عينيها من على صنية الشاي، وعندما وصلت إلى للشباب قد زاد حرجها أضعافًا، تخجل من الشباب أكثر من الرجال الكبار لسبب غير مفهوم
مرت على إسماعيل ويوسف ويونس دون أن يتحدث أحدهم ولكن كريم أضاف لمسة خاصة عندما قال محدقًا في باقي الأكواب :
-حمزة مش بيحب الشاي ليه معملتيش نسكافية
وهنا رفعت رأسها بشكل لا إرادي تنظر إلى باقي الموجدين ولكن لم تجد حمزة من ضمنهم، عجبًا هل لم يأتي معهم وترك هذا اليوم؟!
ابتسم كريم بمكر وهو يسحب كوب شاي له ثم قال :
-متبصيش كتير جه معانا بس دخل الحمام
توتر حالها بشدة حتى أنها لم تدري ماذا يقول لسانها إذ هتفت بتلعثم :
-انا مكنش…. مكنتش ببص عليه
ضحك جميع الموجدين على تلعثمها فزاد خجل نور أضعافًا حتى أنها تركت الصنية لوالدتها هاتفة على نفس نبرتها السريعة المتلعثمة :
-انتي كملي… كملي وزيع
نكز يوسف كريم في ذراعه هاتفًا بضحكة مكتومة :
-حرام عليك كسفتها
-انا كسفتها؟! طب استنى واسمع وشوف العجايب اللي هيعملها حمزة
نادى علي على ابنته حتى لا تذهب فيجب أن تجلس معهم ولكن الأخرى ادعت الصم وأكملت طريقها للباب لتجد جسد طويل قد سد عنها المرور، يرتدي ملابس راقية تبدو باهظة ولديه خصلات طويلة سوداء حالكة ولحية نابتة وبشرة قمحية، وأعين بنية تحدق بها في تعجب
بئسًا هذا اليوم العالمي للإحراج
تنحت بسرعة إلى جنب حتى يمر بعدما ظلت لثلاث ثواني تحدق به بدهشة لظهورها أمامها فجأةً من اللامكان، ثلاث ثواني كانت قادرة على جذب عقل حمزة لجمال عينيها في ضوء النهار
احتار في لون عيني هذه المرأة، فهى في الإضاءة العادية وبالليل عسلي أقرب للبني، وفي النهار عسلي أقرب للأخضر، بينما عندما تبكي تصبح شئ آخر فائق الجمال إذ تنقلب عينيها للون الأخضر الباهت
سمع عن الأعين المتغيرة كثيرًا ورأى مثلها أكثر، فزوجة عمه أسماء تمتلك نفس الأعين تمامًا، ومؤخرًا لاحظ أن والدها يمتلك نفس الأعين وعمها حسين وحسن، ولكن ماله لا يرى في جمال عينيها منافس؟!
هبط درجتين ببطء شديد وود لو يقترب منها ويرفع له رأسها التي تخفضها كلما تراه من حياءها منه، ولكن صبرًا يا حمزة حين تصبح زوجتك ووالله لن يقتصر الأمر لديه على النظر لعينيها فقط
شعرت نور أنه مر ساعتين على وقوفه هكذا دون حركة وما يزيد الطين بله هو تحديق الجميع بهما وكأنه عرض سينمائي، تحدث علي طالبًا من ابنته الدخول بشكل غير مباشر لربما يتحرك ذلك الأبله الواقف أمامها :
-نورهان حمزة مش بيشرب شاي اعمليله نسكافية
آماءت نور بسرعة دون أن ترفع رأسها :
-تمام
وقف حمزة أمامها يمنع تحركها مضيفًا عدة طلبات، يسرق بعض الوقت معها :
-اعمليه بمياه بس من غير لبن
-تمام
-وتلات معالق سكر
-تمام
-ولو هتعملي كوباية صغيرة يبقى معلقتين بس
رفعت عينيها له بغيظ لكثرة طلباته هذه فهل يظن نفسه في مقهى، وبشكل عفوي صاحت بعصبية طفيفة قائلة :
-تمام تمام ينفع اعدي
ابتعد من أمام الباب فمرت الأخرى بسرعة بينما عاد حمزة وجلس إلى جانب والده والذي رمقه بنظرة جانبية وإحدى خديه قد رُفع ببسمة على تصرفات ابنه
نظر نحو محفوظ بأن يبدأ الحديث هو بما أنه أخاه الكبير وأكبر فرد في عائلتهم، بغض النظر عن توحيد وحالتها الصحية، وترك محفوظ كوبه على الطاولة أمامه ثم دلف إلى صلب الموضوع دون مقدمات لا فائدة منها فالجميع يعلم ما الهدف من وجودهم اليوم :
-علي قبل ما تسافر من ست شهور من إسكندرية قولتلك بعد ما تخف بنتك استنى زيارة مني انا واخويا عثمان علشان نطلبها منك لابن أخويا حمزة، وادينا جبنا عيلتنا كلها علشان نطلب القرب منك في بنتك نور
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط من سيارة الأجرة بهلاك جسدي وليس فقط تعب، يشعر أن كل عظمة بجسده تشتكيه إلى ربه وتقول “يا سفيان جسدك أمانة فلما تقضي عليه بسبب عملك الانتحاري”
وهو انتحاري بالفعل فكاد يموت في هذه المهمة لولا ستر ربه الذي يعلم أن لديه اخ وجدة وزوجة قد يحدث لهم شئ إن مات هو، رفع رأسه إلى البناية الشبه متهالكة التي تسكنها جدته والتي تصر اصرارًا عجيبًا أن لا تغادر هذا المكان إلا إلى قبرها
ولج إلى الداخل بخطوات شبه بطيئة بسبب جروح جسده والرضوض المخفية أسفل ملابسه، كان على شعرة من الموت ولولا صخرة توقفت في طريقه لكان سقط من أعلى الجبل أثناء مهمة القبض على جماعة إرهابية يسكنون الجبال
توقف أمام شقة جدته وقد استخدم المفتاح ليفتح الباب متوقعًا بسهولة من التي ستستقبله ككل مرة، وها هى تظهر بعد أن فتح الباب تحدق به بعينين بنيتين وتحرك ذيلها الطويل وكأنها ترحب به
ارتفع خده الأيسر ببسمة خفيفة ثم ولج وأغلق الباب وهبط قليلًا إلى قطة زوجته البنية التي تنتظره على الباب في كل مرة وكأن هذه القطة تشتم رائحته عن بعد :
-ازيك يا لوزة رقم تو أومال فين صاحبتك
ارتفع صوت الخلاط من المطبخ بطريقة مزعجة فعلم أن هاجر بالداخل لذا اتجه بخطوات غير مسموعة إلى هناك ولكن قبل أن يصل سلك طريقًا آخر إلى غرفة جدته
فتح الباب بخفة ليجد جسدها مكوم على الفراش القديم وعلى وجهها قناع أكسجين وبجانب الفراش الاسطوانة، بينما على الكومود هناك الكثير والكثير من الأدوية فحالة جدته الصحية متدهورة هذه الفترة
اقترب من الفراش وقد جذب مقعد صغير وجلس إلى جانبها يراقبها وهى نائمة بصمت، وبعد عدة دقائق فتحت ونس عينيها على حركة بجانبها لتجد حفيدها الكبير يربت بكفه على وجهها بخفة
ابتسمت من أسفل قناع الأكسجين ثم نزعته عن وجهها حتى تتحدث معه إذ قالت بصوت خافت متعب :
-شكلك تعبان يا ابن زينب، قولتلك سيب الشغل اللي هجيب أجلك ده زي ما جاب أجل أبوك وأمك
ضحك الآخر بخفة على لاذعة لسانه حتى في أسوء حالاتها :
-يا حجة الأعمار بيد الله طب ده انا كنت هموت لولا ستر ربك، اللي يسيبها على ربه ميتخافش عليه
احتل القلق قسمات وجهها الذي ملأه التجاعيد وعلامات كبر السن فقال سفيان بحنو بالغ :
-متخافيش انا كويس لسه فيا عمر
-خاف على نفسك يا سفيان انت مراتك ملهاش حد غيرك، تروح فين من بعدك
-لو حصلي حاجة ليها رب أحن مني ومن الكل عليها، ثم دي وارثة فلوس لا تعد ولا تحصى تشتري الحتة المعفنة اللي ساكنة فيها دي كلها
ختم حديثه بنبرة مازحة فعلمت الأخرى ما الحديث الذي سيتطرق إليه لذا قالت برفض قاطع :
-مش هسيب بيتي يا سفيان انسي الموضوع وبلاش تفتحه مش كل يوم انت وعمر نفس الحكاية
تنهد سفيان بضجر لرفضها هذا فكم من مرة عرض عليها هو وعمر أن تأتي وتسكن معهم حتى ولو ستجلس في شقة والديهما حتى تكون بجانبهم وفي راحة أكثر من هذا المكان، وفي كل مرة لا يتلقيان إلا الرفض :
-طب ايه رأيك تقعدي في المستشفى أحسن برضو من المكان ده
-لأ انا مش عايزة أموت في المستشفى عايزة أموت في بيتي هنا
-طب ليه الكلام ده دلوقتي؟! ليه تضايقيني
رفعت ونس كفها المجعد وربتت على يده بخفة مبتسمة له بحب وحنان خالص :
-خلاص روح شوف مراتك وروحوا لشقتكم علشان ترتاح شوية
-لأ مش هنمشي هنفضل معاكي هنا
-يا سفيان مراتك طول فترة غيابك معايا ومش سيباني، وعمر كل يوم بيجي عندي هنا وقالي لما سفيان يرجع من الشغل وياخد مراته ويرجعوا شقتهم هيجيب مراته ويباتوا معايا هنا
ابتسم سفيان على تفكير أخيه ثم قال :
-هو عمر جه النهاردة ولا لسه؟!
-لأ لسه مجاش روح يلا لمراتك علشان عندها خبر حلو عايزة تقولهولك
عقد الآخر حاجبيه متسائلًا فتحركت ونس في مكانها تحاول إلزام لسانها ولكن عندما تساءل سفيان عن الخبر قالت له بسرعة :
-بص مكنتش عايزة اقول وأخرب المفاجئة اللي عايزة تعملها بس انت عارفني ست ميتبلش في بوقي فولة، مراتك حامل ما شاء الله وفي الشهر التاني باين ما أعرف التالت والله ما فاكرة قالت الكام، بس المهم يعني الحمد لله ربنا هيكرمك بعيل أخيرًا قبل ما تموت يا بعيد
قهقه سفيان بعلو على آخر حديثها فقالت ونس وهى تعقد حاجبيه بضيق لصوت الخلاط المرتفع هذا :
-يلا روح لمراتك وأعمل نفسك متعرفش حاجة، وقولها تطفي الخلاط ده انا دماغي وجعتني
وضعت قناع الأكسجين كما كان على وجهها فترك لها سفيان الغرفة حتى ترتاح، ثم اتجه إلى المطبخ حيث سيجد زوجته التي تعشق الطهو أكثر منه، اتكأ على الباب يراقبها بتركيز شديد لكل تفاصيلها وهى تواليه ظهرها منشغلة فيما تفعل
إذ كانت تخلط بعض الطماطم كصلصة وكل حين والآخر تمسح وجهها من العرق بسبب حرارة الموقد، ترتدي ملابس بيتية ضيقة عليها بشدة، ربما لأن وزنها قد زاد عن ذي قبل، تعقد خصلاتها الناعمة للأعلى بطريقة مبعثرة تعطيها مظهر فوضاوي لذيذ
وقفت على مقعد قصير حتى تأتي بقدر من فوق المطبخ الخشبي، فعض سفيان على طرف شفته يرمق منحنياتها بكثب ثم قال :
-مش قولتلك يا لوزة بلاش اللبس الضيق ده هنا ممكن عمر يجي على غفلة ومتلحقيش تغيري
استدارت هاجر بسرعة إلى صوته مندهشة من وجوده فمتى قد حضر وهى لم تسمع صوت الباب، هبطت بسرعة من على المقعد ملقية نفسها في أحضانه فكتم سفيان آلامه وخرج على هيئة أنين خافت منه لشدة اندفاعها إلى صدره وهى تقول بسعادة لعودته مبكرًا هذه المرة :
-حمد الله على السلامة يا سفيان جيت بدري المرة دي قولت هتيجي بعد اسبوعين عدى عشر أيام بس
ضمها سفيان بخفة وقد لامس كفه بطنها البارز بشكل غير ملحوظ، متذكرًا حديث جدته عن كونها تحمل الآن قطعة منه ومنها في رحمها، أسند رأسه على كتفها ثم هتف بمزاح :
-تخنتي يا لوزة وبقى عندك كرش
ابتعدت عنه قليلًا ثم وضعت يدها على بطنها هاتفة بسعادة شديدة التمعت في عينيها البنية :
-لا ده مش كرش، كنت خايفة لما اتأخر الحمل كام شهر إني فرصتي في الحمل بقيت قليلة علشان سقطت تلات مرات بس الحمد طلعت حامل يا سفيان في شهرين ونص، هيجي لينا آسر
ابتسم سفيان بشكل تلقائي لبسمتها هذه ثم استند بظهره على الحائط كما كان هاتفًا ببسمة حنونة :
-نفسك ايه يا هاجر اعملهولك!؟
ورفعت الأخرى منكبيها ولا تزال محتفظة ببسمتها :
-مش عايزة حاجة
-ليه مش عايزة حاجة يا هاجر؟! حتى الفرح رفضتي نعمله وعملنا كتب كتاب عادي، ورفضتي تجيبي فستان منفوش زي باقي البنات وجبتي فستان عادي حتى لونه مكنش أبيض
هزت هاجر رأسها لا تفكر في أن تحضر شئ فهى مكتفية بما لديها وتحب الحياة البسيطة لا المظاهر المبالغ بها :
-مش عايزة حاجة يا سفيان معايا كل حاجة، انت بس تعالى معايا عند الدكتورة، عندك أجازة كبيرة المرة دي صح؟؟
آماء لها سفيان بإيجاب دون التحدث بشئ فقالت الأخرى بريبة تشعر أن به خطب ما فلا يتحدث ويداهرها كعادته كلما يأتي إجازة :
-مالك يا سفيان؟! هو انت….. مش فرحان؟؟
علم سفيان لما تقول هذا لذا اعتدل في وقفته وأمسك بخديها الممتلئين بيديه وضغط عليهما بقوة في حركة يعشق بها إغضابها
حاولت الأخرى إبعاد كفيه عن وجهها صائحة بتذمر :
-براحة بس متدوسش أوي كده ناعمين ميستحملوش ايديك
فرك سفيان وجهها بين كفيه الكبيرين مبتسمًا على الأصوات المتذمرة التي تخرجها :
-ايه يا بت الحلاوة دي، ايه الخدود دي والشعر ده
جذب خصلاتها بقوة وفك عقدتها فضربت هاجر يده متراجعة للخلف بسرعة ثم صاحت به وقد أحمَّر وجهها بشدة لشدة فركه :
-خلاص يا سفيان كفاية اطلع برا عايزة أكمل الغداء
-ســـفيــــان
نادت ونس على حفيدها من غرفتها فأجابها سفيان وهو يتحرك نحو هاجر بنوايا خبيثة :
-نعم يا جدتي
توقف بسرعة في مكانه وقد أتسعت عيني هاجر يخجل تسمع ونس تقول :
-الناس حوالينا بطلوا قلة الأدب الحاجات دي تعملوها في بيتكم مش هنا خدها وروحوا شقتكم طالما وحشاك أوي كده
اكتسح الخجل وجه هاجر وقد أدارت جسدها بسرعة نحو الموقد تكمل ما كانت تفعله بينما سفيان حرك عينيه بضجر مجيبًا عليها بصوت مرتفع حتى يصل إليها :
-محصلش حاجة أصلًا نضيفي انتي نيتك
-يا كداب أومال ايه براحة متدوسش دول ناعمين عيب يا قليل الرباية منك ليها
شهقت هاجر بصدمة مخفية وجهها بين كفيها بإستحياء شديد فيبدو أن ونس قد سمعت ما قالت وفهمته بشكل خاطئ تمامًا، وقف سفيان في منتصف الردهة بين المطبخ وغرفة جدته :
-ده انا كانت ماسك خدودها
-كداب
-والله خدودها
-برضو مش مصدقة
هم سفيان بالرد عليها فجذبته هاجر بسرعة تمنعه ثم قالت :
-خلاص كفاية الناس حوالينا سمعوا كل حاجة يا سفيان
واتاه صوت ونس من الداخل وهى تقول بصوت حانق ظهر به التعب :
-خد مراتك يا سفيان وروح شقتك وابعتلي عمر حبيبي مؤدب مش بيتعبني ولا يرفعلي ضغطي زيك ولا له في قلة الأدب
دلف لها سفيان رغم محاولة هاجر الواهية في جذبه وهذا لم يمنعه من قول هذا إذ قال بنبرة متهكمة :
-هو انا متجوزها عرفي دي مراتي؟! ثم حتى وانتي تعبانة حاطة نقرك من نقري اتقي الله ده انتي في آخر أيامك

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية في مدينة الاسكندرية) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!