رواية في مدينة الاسكندرية – الفصل الرابع
4- زواج أمام الأمر الواقع
صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
تشعر أن جلد يديها قد باش بسبب الماء والصابون السائل ولكن ما باليد حيلة إن لم تنتهي من غسل الأطباق والقدور قبل أن يخرج الجميع من المندرة سوف تعلقها والدتها
رفعت يدها عن القِدر تشعر بتشنج في أعصاب يدها من قوة ضغطها حتى يلمع القدر لمعان كما طلبت والدتها المبجلة مهووسة النظافة، رفعت عينيها إلى شقيقتها التي كانت تقف بجانب باب المندرة تمامًا تسترق السمع لما يدور بالداخل فوالديها وعائلة يوسف يحددون الآن موعد عقد القرآن ويوم الزفاف
قلبت عينيها بضجر وهى تتمتم بينها وبين نفسها :
-حسبي الله، ناس تغسل المواعين وناس بيتحددلها كتب الكتاب
شطفت القدر بالماء بعد أن انهته لتأتي براءة لها مهرولة تصيح بصوت جعلته منخفض حتى لا يسمعها من بالداخل :
-حددوا كتب الكتاب
اعتدلت في وقفتها تنتظر تكملة حديثها وهى سعيدة لسعادتها هذه فأكملت براءة بحماس شديد :
-كتب الكتاب بعد فرح ولد عمك جابر بتلات أيام يعني الخميس اللي جاي
-طب والفرح؟!
-بعده بأسبوعين
ختمت حديثها وهى تخرج هاتفها تبحث عن صورة الفستان الذي حضرته منذ ما يقارب الشهران لكي تصمم واحد مثله في عقد قرانها :
-انا وانتي وماما لازم نروحوا بكرة نشتروا قماش وبعدها نشوفوا خياطة شاطرة عـ
قاطعت شروق حديثها وهى تضمها بقوة غير مبالية بمريول المطبخ المبتل وعلى الأرجح قد ترك أثر على ملابس براءة الجميلة، ولكنها لم تبالي بكل هذا قائلة :
-مبارك يا براءة، متوقعتش أقولها في يوم من الأيام….. بس انا مش عايزة تسيبي البيت وتمشي
بادلتها براءة العناق في لحظة أخوية دافئة نادرة الظهور، ليس وكأنهما كل يوم يتشاجرا على اتفه الأسباب، ليس وكأنهما يلقيان بالمهام على بعضهما وقد يصل بهما الأمر للمشاجرة الكلامية
كل الأخوة على هذا الحال لا يطيقان بعضهما طوال الوقت ولكن يحبان بعضهما بشدة ولا يظهر هذا الحب إلا في مثل هذه المواقف
تقسم شروق أن عينيها قد أدمعت وضاق صدرها من فكرة أن شقيقتها بعد عشرون يوم سترحل من البيت ومن المحافظة بأكملها وتنتقل إلى مكان بعيد عنهم
وفي هذه الأثناء خرجت والدتهما من المندرة على هذا المشهد الجميل فتبسمت بشدة وهى تقترب منهما قائلة :
-ايه يا شروق هتبكي علشان براءة هتتجوز؟!
ولم تنكر الأخرى بل آماءت بسرعة وهى تشدد من عناق شقيقتها التي أخذت تقهقه وهى تحاول إبعاد شروق عنها :
-ايوه ادخلي قوليلهم معندناش بنات للجواز، متخليهومش ياخدوها
ضحكت براءة بقوة تكاد تجزم أن من بالداخل سمعها بينما أبتعدت شروق وهى تمسح عينيها بطرف كمها، تستمع إلى والدتها تقول وهى توجه حديثها إلى براءة :
-ابوكي اتفق معاهم كتب الكتاب الخميس اللي الجاي والفرح بعده بأسبوعين، ها موافقة وامورك هتبقى تمام
نظرت براءة نحو شروق التي أحمر أنفها الصغير ثم عادت بنظرها إلى والدتها هامسة بخفوت :
-ايوه تمام
ربتت والدتها على كتفها داعية لها بالزيجة المباركة ثم نظرت إلى شروق قائلة :
-صبي كوبايتين عصير في الكاسات الجديدة وطلعيهم برا في الصالة علشان اختك هتقعد شوية من خطيبها
زمجرت شروق برفض قاطع لهذا الظلم إذ قالت :
-وما تصب هى ما انا بغسل المواعين من الصبح ولحد دلوقتي مخلصتش
-زي بعضه اعملي انتي وخلصي المواعين ولما تمشي الناس هخليها هى تلم البيت كله وانتي متعمليش حاجة باقي اليوم
وهنا ابتسمت شروق برضا بينما انقلبت ملامح براءة بضيق معترضة :
-ألم البيت كله وحدي؟! طب راعي إني عروسة والعروسة مش بتعمل حاجة
-عروسة يا حبيبتي يوم الفرح والحنة ويوم كتب الكتاب في التلات تِيّام “أيام” دول مش هخليكي تعملي حاجة خالص، غير كده مرمطون في البيت زيك زيها
تركتها ورحلت فصاحت براءة من خلفها بتهكم :
-طب اتجوز بس وانا هخليه يجيبلي خدامة فلبينية
رحلت هى أيضًا بعد أن نادى عليها شقيقها الصغير من البهو كي تأتي حتى تجلس قليلًا مع يوسف ويكون هو المحرم معهما
بينما شروق سحبت الستار القابع أمام المطبخ عندما رأت طيف يوسف يخرج من المندرة وانكبت هى على باقي الأطباق حتى تنهيهم، وفي هذه الأثناء استمعت إلى صوت يونس من خلف الستار وهو يتحدث مع والدتها التي تدله على المرحاض والذي يقع بجانب المطبخ تمامًا
توقفت عن إصدار الأصوات حتى ينتهي ويخرج بينما ظلت هى تشغل نفسها في وضع باقي الأطعمة في الفرن ثم إنتهت أخيرًا من الغسل لتخرج الكاسات الجديدة التي قالت عليها والدتها والتي لا تخرج إلا ليوسف وعائلته، ذلك الوغد الذي سيأخد شقيقتها
صبت عصير المانجو داخل الكاسات ووضعتهم على صنية مزخرفة ثم عدلت من ملابسها ونشفت يديها وارتدت حجابها وخرجت متجهة إلى البهو
حيث كانت تجلس براءة ويوسف على نفس الاريكة مع مساحة شاسعة بينهما بينما شقيقها محمد والذي يبلغ من العمر ستة عشر عامًا يجلس بجانبهما على هاتفه
عجبًا لما لم يثرثر مع يوسف كعادته وعلى الأرجح الأمر يعود لنظرة قوية حادة من براءة، تعلم هذه النظرة المخيفة جيدًا فهى تمتلك واحدة مثلها، وضعت العصير على طاولة الضيافة فتبسم لها يوسف بسمته الهادئة ثم قال بنبرة لبقة تخرج منه طوال الوقت :
-شكرًا يا آنسة شروق
حسنًا هو محترم بشدة لدرجة تجعل من حوله يحترموه، لذا أجابته بنبرة مازحة وهى تعتدل في وقفتها :
-خلاص بقى هتبقى جوز اختي ملهاش لازمة آنسة دي
-أعتقد انتي اللي عودتيني أقولها
هتف بها بنفس نبرتها المازحة فإرتفع خد شروق ببسمة بسيطة تتذكر عندما ناداها في مرة باسمها فأجابته متهكمة أن يناديها بلقب لذا أخذ فترة يناديها هكذا :
-علفكرة لما قولتلك متقوليش يا شروق حاف كان قصدي تقولي يا شروق هانم
قهقه يوسف عليها فرحلت شروق تاركة لهما بعض الخصوصية فابتسم الآخر في أثرها ثم قال وهو يجذب كأس العصير :
-لطيفة أختك بس أحيانًا بحس إنها مش طايقاني وعايزة تقوم تاخدني قلم
-لأ متحسش هى أحيانًا تبقى مش طايقاك علشان هسيبها وأمشي حتى ماما زعلانة وانا والله زعلانة
ختمت حديثها وهى تخفي ضيق حقيقي تشعر به كل فتاة حينما يقترب يوم زفافها وتترك البيت الذي كبرت وترعرعت به، ابتسم يوسف عليها متذكرًا شقيقته رقية وحزنها مع كل يوم يقترب من يوم زفافها
وحين أتى ذلك اليوم كان عبارة عن الكثير من الدموع منها ومن والدته حتى هو ووالده ضاقا لأن زهرة المنزل قطفها آخر وسيزرعها في بستانه، حتى يونس تأثر يومها ولكن من يستطيع ملاحظة هذا غيره
حمحم ثم اردف بلطف محاولًا إخراجها من حالة الشرود التي انتابتها :
-علفكرة اخدت بالي إنك انتي وشروق شبه بعض جدًا بطريقة عجيبة
عقدت براءة حاجبيها لا تفهم ما الشبه بينها وبين شروق، الأخرى قمحية بينما هى بشرتها أسمر قليلًا، شروق نحيفة وهى جسدها أنثوي عريض :
-فين الشبه بيني وبينها مفيش غير لون العيون بني غامق والطول، كمان هى أطول مني سيكا
-لأ قصدي على الشخصية والتصرفات وطريقة الكلام حتى النظرات يعني لما تبقوا على تكة من الانفجار كده ودي شوفتها عليكي كتير تبصي كده للي معصبك منزلة النضارة لتحت شوية رافعة واحد من حواجبك ونظرتك حادة كده اللي هو لو مسكتش هقوم اعجنك، بخاف انا من البصة دي وهى عندها نفس البصة بالظبط
ضحكت براءة موافقة هذه النظرية تمامًا فشخصية شروق تتشابه مع شخصيتها، نفس النظرات والكلمات والتصرفات ونفس المفضلات، ومؤخرًا منذ عدة سنوات نقلت لها عدوى الكسل :
-متوقعتش أقولها علشان كنت شايفاها في وشي علطول حتى لما روحت إسكندرية بس هتوحشني والله
عاد الضيق واحتل صدرها فقال يوسف بنفس بسمته الهادئة :
-ايه رأيك نجيبها عندنا
-يعني ايه تدرس هناك يعني؟؟ مش هتوافق
-لأ هجوزها يونس
ضحكت براءة ضحكة أقرب للسخرية ثم قالت :
-دي هى بنزين وهو نار هتجوزهم فيولعوا في بعض ويولعوا فينا إحنا كمان
-إن جيتي الحق هما هيولعوا فعلًا بس هيبقى على هوى يونس
-مش فاهمة؟؟
-يونس اخويا يموت على اللي يعصبه بحسه والله بيتغذى على نكش الناس اللي حواليه واستفزازهم، يعني ممكن هو وحمزة يدبوا خناقة مع بعض على كوباية مياه، أو لو يونس زهقان يشرب سجاير قدامي علشان عارف إني هتخانق معاه، هو ده مفهوم الحب والإهتمام عند يونس استفزاز الآخرين، مسمعتيش بالمثل اللي بيقول اللي بيحبك ينكشك أهو يونس كده بالظبط
همهمت براءة بتفكير في الأمر ولكن لا تشعر بالراحة لذا قالت مبدية رأيها :
-مش عارفة يا يوسف حاسة لأ الاتنين مش هينفعوا مع بعض، كمان انت وهو بعد شهر هيبقى عندكم تلاتين وشروق من شهرين بس كملت عشرين يعني فرق عشر سنين بينهم واحيانًا الفرق الكبير بيجيب مشاكل، يعني ياسر وعائشة الفرق بينهم برضو عشر سنين وده تقريبًا عامل مشاكل مع عائشة وشايفة إنها ماشية في علاقة مش مظبوطة علشان فيه فرق تفاهم بينهم
آماء يوسف بموافقة ليقرر تغيير الموضوع فقال :
-علفكرة انا قدمت ورقك على الوظيفة
-والله؟! واتقبلت في أنهى مستشفى؟؟
-المستشفى اللي انا شغال فيها طبعًا
-تاني؟!
-وهتبقي في قسم إفاقة وعمليات
-تاني!!
-وهظبط مع مسؤولة التمريض علشان تبقي معايا انا بس في العمليات
-تاني!؟ وأفضل ألف وراك زي البطة في المستشفى كلها تاني!! وتفضل اليوم كله تنادي عليا يا براءة يا براءة تاني!! لا يا بابا صدقت ما سنة الإمتياز راحت لحالها، انا هقعد في قسم مفيهوش حركة على مكتب معززة مكرمة وبطلنا شغل فرهدة علشان انا واحدة صاحبة مرض، يا كده يا أقعد في البيت
ضحك يوسف بعلو صوته حتى وصل له صوت حمزة بداخل المندرة وهو يقول :
-الله يسهلك يا يوسف وإحنا لأ
وضع الآخر كفه على فمه حتى يكتم ضحكاته بينما حدقت به براءة في تذمر :
-يوسف انا مش هرجع اشتغل معاك انت بتهد حيلي بضميرك شوفلك واحدة عندها صحة يا عم
-يعني معندكيش مانع اشتغل مع واحدة غيرك مش هتغيري مثلًا؟؟
ابتسمت له الأخرى بسمة بلاستيكية ثم قالت :
-انا مش من النوع اللي بيغير ثم انت برضو مش من النوع اللي بيلعب بديله، وانا عارفاك وقعدت معاك سنة كاملة، فأمان
ضم يوسف ذراعيه إلى صدره معترض بشدة :
-لأ مفيش منه الكلام ده طالما هتشتغلي معايا في نفس المستشفى هتبقى معايا الست ساعات كلهم تحت عيني
-طب بذمتك مش هتزهق يعني في الشغل قدامك وفي البيت قدامك البنى آدم بيحب التجديد
قلب عينيه بضيق فهو يحاول أن يصنع أجواء رومانسية بجمله ولكن على الأرجح براءة حمقاء ولا تفهم لذا قال بطريقة مباشرة لربما يرى خجلها نادر الظهور عليها :
-مكتفي بوجودك حواليا يا براءة وعايزك معايا في الشغل وبرا الشغل، عايزك أربعة وعشرين ساعة جنبي
حسنًا أخجلها هذا الكلام كثيرًا وودت لو تذهب الآن ولكن منعها يوسف من التحرك حين قال بعفوية منه وبصوت هامس حتى لا يسمع شقيقها الجالس بجانبهما وباله ليس معهم :
-متمشيش خليكي شوية بقالي كتير مقعدتش معاكي ومقضينها تليفونات بس
جلست صامتة هذه المرة وحين حاول يوسف أن يفتح معها موضوع وجد يونس فوق رأسهما يقول بهدوء أقلقه هو :
-معلش يا براءة عايز اتكلم مع أخويا شوية
ودون الإعتراض آماءت بسرعة ثم استقامت من مكانها جاذبة شقيقها معها وتركتهما بمفردهما في البهو، جلس يونس إلى جانب أخيه بملامح مبهمة ثم قال جملة عجيبة فهمها بشكل خاطئ في الوهلة الأولى :
-أبوك وأمك خطبوني يا يوسف
أفرغ يوسف فمه مستعدًا للنطق بشئ ولكن لم يجد فلم يفهم الجملة المركبة بشكل خاطئ :
-قصدك خطبولك؟!
-هتفرق يعني في الضمير اللي في آخر الكلمة!؟ ماشى خطبولي وانا اضربت على دماغي ووافقت في لحظة تسرع
أعتدل يوسف في جلسته ثم تحدث بإنتباه شديد :
-لأ بهدوء كده واحكي ويعني ايه اتسرعت، مش في قاموسك كلمة التسرع دي يا يونس
بدأ يونس في روي ما حدث إذ قبل عشر دقائق وبعد أن تركت شروق براءة ويوسف وجدت والدتها في المطبخ تعد أطباق الكيك وكاسات العصير وما إن رأتها حتى قالت :
-تعالي يا شروق هاتي أطباق الكيكة وانا هاخد صنية العصير
ولم تعترض وفعلت ما قالت ثم تحركت خلفها نحو المندرة، اخذت توزع والدتها العصير على الجميع بينما وضعت هى الأطباق على الطاولة ولم ترفع عينيها في أحد، حتى لم تلاحظ أن أحدهم عينيه عليها منذ البارحة
وليس يونس كما تتوقعون بل عبلة والدته التي تراعي بنظرها على شروق منذ يوم أمس، ومثل اي أم لديها أبناء على مشارف الزواج تجذبها الفتاة المهذبة الجميلة
وشروق تمتلك جمال بسيط عادي وإنما أقل من العادي ولكنها مهذبة والأهم من هذا كله لم يخفى عليها النظرات التي يسترقها ابنها لها في الخفاء، يظن أن لا أحد يراه ولكنها ترى هذا بوضوح، فهذا ابنها أنجبته وترعرع في كنفها وتعلم طباعه وتعلم ما يكره وما يحب
-ازيك يا شروق عاملة ايه؟!
رفعت شروق عينيها نحوها مبتسمة بمجاملة :
-الحمد لله بخير
-حطي جنبها طبق كيكة يا شروق
نطقت بها والدتها وهى تجلس إلى جانب زوجها بعد أن أنهت توزيع المشروبات، شعرت شروق بالحرج من طلبها وقدمت لها الطبق على إستحياء، تود الفرار بسرعة من هنا فهى لا تحب التجمعات العائلية
وإن وُضعت بها تجلس على هاتفها أو تتحدث مع أقارنها في السن، أما جلسات الكبار وحديثهم لا تفهمه ولا تحبه
أخذت منها عبلة ثم شكرتها لتزيد والدتها عليها الحرج عندما قالت :
-حطي باقي الأطباق جنب الباقي
طالعتها شروق بملامح حارقة مخفية ولكن لم تتحدث بكلمة بل كتمتها بداخلها وأخذت باقي الأطباق وأخذت توزع عليهم تتمنى أن تختفي الآن، وعندما وصلت إلى توحيد ابتسمت لها بمزاح قائلة :
-ازيك يا حماتي
وما كان رد فعل الأخرى غير أنها أخذت تحدق في شروق بتعجب فقالت شروق عاقدة الحاجبين مع بسمة مستفهمة :
-نسيتيني صح؟!
وآماء لها يونس وهو جالس على الاريكة التي بجانبها يسحب من الطبق الذي تحمله قطعة كيك أخرى غير التي أخذها :
-هى نسيتك فعلًا بعد ما مشيتي بخمس دقايق بالظبط
تبسم لها محمد متذكرًا ما رواه إسماعيل لهم حين عادوا :
-إسماعيل قالي على اللي عملته توحيد معلش متاخديش على كلامها هى تعبانة
-لأ عادي أنا عارفة إنها تعبانة وربنا يشفيها بس دي كانت فاكرة اسم ابنها وسنه وشغله وعمتي ووالدة حمزة
أتتها الإجابة من حمزة بنفسه إذ قال بنبرة هادئة ليس وكأنه كان سيشن معركة على عمته بسبب حديثها :
-هى كده أحيانًا تفتكر حاجات وتنسي، واحيانًا تألف من دماغها وترفع ضغطنا، دي كانت عايز تجوز نور لأبويا وراسها وألف سيف إنها تطلق أمي منه
علت ضحكات يوسف في الخارج فابتسم الجميع هنا دون تعليق إلا يونس الذي غمغم قائلًا :
-الله يفضحك يا يوسف فضحتنا
وحمزة كذلك الذي صاح بصوت مرتفع حتى يصل ليوسف :
-الله يسهلك يا يوسف وإحنا لأ
أخذت شروق الأطباق الفارغة وانسحبت من المكان تلحقها نظرات عبلة، وما إن اختفت حتى مالت على زوجها قليلًا هامسة :
-محمد ايه رأيك نخطب شروق ليونس
تفاجأ الآخر بشدة من طلبها وفي هذا الوقت بالتحديد إذ قال :
-بتقولي ايه؟! اشمعنا شروق!! وتفتكري يونس ممكن يوافق؟
-عادي انا شايفة إنها جميلة ومحترمة وإحنا هناخد اختها ليوسف والناس دول ذوق أوي ومحترمين وأكيد مربيين بناتهم احسن تربية كفاية لبسهم الكويس وأخلاقهم
راقت له الفكرة كثيرًا فهو قد طلب من ابنه أن يفكر في فتاة من هنا حتى يتزوجها ولا مانع لديه إن كانت شروق أو غيرها، ويفضل أن تكون شروق فهى شقيقة براءة ومن نفس العائلة التي يناسبوها :
-تمام شوفي يونس ولو إني حاسس إنه مش هيوافق
-لأ هيوافق إن شاء الله ولو حصل هنطلبها دلوقتي
-دلوقتي؟!
لم تلقي له الأخرى بالًا واقتربت من ابنها بعدما جعلت كريم يجلس مكانها ثم امسكت بذراعه حتى ينتبه لها ويترك طبق الكيك الذي يتناوله بنهم فابنيّها يدمنان شيئًا يدعى كيك :
-يونس بص عليا
همهم لها الآخر حتى تكمل وباله منشغل بما في يده، فأكملت عبلة بنبرة هامسة :
-ايه رأيك في شروق؟؟
توقف يونس عما يفعل وترك الطبق من يده منتبهًا لها بتركيز فهو يعلم هذه الجملة التي تسبق اسم شروق “ايه رأيك” سمعها عشرات المرات ويعلم ما الموضوع التالي ورغم هذا ادعى عدم الفهم إذ قال بنفس نبرتها الخافتة :
-مالها؟!
-ايه رأيك لو نخطبها ليك
عشر ثواني مرت دون رد فعل منه لا رمشة ولا همسة، عشر ثواني بالنسبة الي عبلة وعشر ساعات بالنسبة إليه حدد بها ما يريد إذ قال بجدية شديدة خالية من أي مزاح أو سخرية :
-تمام
-تمام ايه؟!
-تمام اتكلوا على الله انا موافق
تعلم أن ابنها معجب بشروق وتروق له ولكن صدمتها موافقته السريعة التي جعلتها تحدق به ببلاهة لعدة ثواني، أوافق دون أن يرهق قلبها معه مثل كل مرة؟! والله لولا ملامحه الجادة الآن لظنته يسخر
وبعد ذهولها هذا ارتفعت بسمة متسعة على ثغرها جعلتها تهرول نحو زوجها وتزف له الخبر ومحمد بدوره لم يقل ذهولًا عنها إذ ظل يحدق في ابنه بإندهاش شديد قاطعته عبلة عندما همست له بشئ ثم استقامت من مكانها، وتلىٰ هذا مناداة محمد على حسين قائلًا :
-حسين معلش اتكلم معاك في موضوع مهم وضروري
انعقدا حاجبي يونس بتعجب شديد يحاول إبعاد فكرة أن والده يحادث حسين الآن في موضوعه هو وشروق، وليقطع الشك باليقين قد جر ذراع والدته قبل أن ترحل مع النساء وتخرج من المندرة خلف والدة براءة :
-ماما استني هو بابا هيتكلم معاه دلوقتي؟؟
-آه طبعًا لازم نستعجل في الموضوع قبل ما نرجع إسكندرية
أفرغ الآخر فمه ببلاهة لا يصدق هذه السرعة لتزيد عبلة الطين بله عندما قالت وهى تجذب ذراعها منه :
-وانا هاروح اتكلم مع مامتها علشان نفتح الموضوع من الناحيتين
تركته هكذا مذهولًا ورحلت فحرك بصره نحو والده الذي بدا منشغلًا في الحديث مع حسين بل وعمه محفوظ يشاركهم الأمر وبين الحين والآخر ينظر نحوه دليلًا على أنهم يتحدثون عليه
لقد وضعوه في زواج أمام الأمر الواقع
هزه حمزة قليلًا لا يفهم ما الذي أصاب يونس وكأن على رأسه الطير، وقد كان مستمع لما قالته عبلة الآن نظرًا لأنه يجلس بجانب يونس تمامًا :
-مالك يا يونس متنح كده ليه؟!
-انا هطلع ليوسف
رمي له جملته وخرج بسرعة وقد طرد براءة بالمعنى الخفي وها هو يجلس أمام يوسف المندهش والآن فهم ما يقصده يونس عن كلمة تسرع، هو أعطى موافقته ويظن أنهما سيتمهلان قليلًا في عرض الأمر على والديّ شروق ولكنهما خالفا توقعاته
وقبل أن يفتح فمه بكلمة وجد الشباب يهلون عليهم ويقول إسماعيل بنبرة سعيدة :
-ايه يا يونس مش كنت تقولنا إنك هتخطب
طالعه الآخر بتعجب لا يفهم كيف عرفوا بهذه السرعة ليقول حمزة بنبرة مشاغبة منه :
-الله يسهلك يا عم انت كمان بيخطبولك جوا، بس مش شايف إنك أنت وشروق حاميين أوي على بعض
ولم يبادر يونس بكلمة فهو لا يعلم ماذا يقول في هذا الوضع، أجل هو وافق ولكن لم يتوقع أن يمر الأمر هكذا سريعًا ويضعوه أمام الأمر الواقع، ولربما غدًا يجرونه منذ الصباح الباكر من أجل شراء خاتم الخطبة
برم كريم شفتيه لا يعجبه الوضع إذ قال بتذمر :
-لأ مينفعش كده إسماعيل اتجوز، ويوسف هيتجوز، وانت وحمزة خلاص هتخطبوا، وأحمد ابن عمتكم خاطب وأخوه متجوز وأمير بيحب وانا اللي قاعد زي خيبتها، لا واحدة معباراني ولا انا معبر حد
قهقه حمزة ضاربًا على ظهره بخفة ثم قال :
-لسه يا صغير انت يا كراميلا اشتغل وابني نفسك الأول وبعدين فكر في الحب والجواز
-لا يا عم مليش فيه انا أبغى اتجوز الحين، وجيبولي عروسة الحين
صمت جميعهم عندما أبصروا شروق تتقدم نحوهم وفي يدها محفظة رجالية فأفسحوا لها مجال حتى تقف بينما قالت الأخرى بنبرة مبهمة جادة :
-انا لقيت المحفظة دي في الحمام بتاعت حد فيكم؟!
تحسس جميعهم الجيوب تفقدًا لمحافظهم بينما يونس رفع عينيه على صوتها وما إن وقعت على المحفظة حتى علم انها تخصه وقد نسيها في المرحاض لذا قال سريعًا :
-دي بتاعتي انا نسيتها بعد ما خرجت من الحمام
ولا يدري لما وجهت له هذه النظرة القوية الحادة من دون الجميع وكأنه اقترف إثمًا وتريد أن تصفعه عليه :
-بتاعتك المحفظة واللي جواها بتاعك!؟
ظن أنها تسأل هذا حتى تعلم إن كان صاحب المحفظة أم لا لذا أجاب بنبرة غير مبالية :
-ايوه بتاعتي وحتى افتحي المحفظة هتلاقي بطاقتي فيها
-تمام واللي وراء البطاقة برضو بتاعك
نطقت بها بنبرة حادة آثارت فضول الجميع بها بينما قال يونس بعدم فهم :
-ايه اللي وراء البطاقـ
ابتلع آخر الكلمة وشرد بشكل مخيف ثم اغمض عينيه بقوة وفي هذه اللحظة أراد صفع نفسه على الشئ الذي تقصده شروق والذي نسيه داخل محفظته منذ أكثر من سبعة أشهر
لقد رأت بالطبع صورتها الشخصية داخل محفظته، تلك الصورة التي سقطت من حقيبتها أسفل مكتبه وقد وجدها العسكري أثناء التنظيف وأعطاها له، وبدلًا من تقطيعها أو رميها أو حتى إعادتها لها قام بوضعها داخل محفظته خلف بطاقته الشخصية حتى يتصرف في الأمر ويفكر هل يعطيها لها أم لا
ولأن الصورة كانت مختفية خلف بطاقته نسيها تمامًا وظلت هناك لأكثر من سبعة أشهر دون أن يتذكرها حتى، وبالصدفة الآن تذكرها ولكن بعد ماذا؟ بعد أن رأتها شروق دونًا عن الجميع، والآن ستظنه عاشق ولهان لها ويحتفظ بصورتها داخل محفظته
فارق بين جفنيه ثم زفر ببطء محاولًا بقوة أن يهدئ من روعه ثم قال بطريقة مبهمة حتى لا يفهم الجميع والذين يحدقون بهما في فضول شديد :
-لأ اللي وراء البطاقة مش بتاعتي
-ومتعرفش برضو جات ازاي صح؟!
نطقت بها بنبرة مستهزئة فقال حمزة وهو يمد يده لها حتى تعطيه المحفظة :
-هو ايه اللي وراء البطاقة ممكن أعرف
في ثانية ونصف قفز يونس من مكانه قبل أن يأخذ حمزة المحفظة ويصبح أضحوكة ومحتوى لمدة شهر، حاول أن يجذب هو المحفظة ولكن شروق خبأتها خلفها تحدق به بقوة تريد تفسير سريع لهذا، تنهد يونس من هذا الموقف السخيف وللأسف عليه التبرير :
-هى وقعت من شنطتك لما كانت عندي في القسم
-انت فتشت في شنطتي؟؟
-علشان اتأكد من الحاجات اللي قولتي عليها يوم ما اتسرقت منك
-اممم
-ودي وقعت وحطتها في محفظتي ونسيتها خالص
-وبعدين
زفر يونس بضيق شديد وبدأ الموقف يزداد سخافة وإحراج بنظرات الجميع المسلطة عليهما لذا صاح بعصبية :
-متقوليش اممم وبعدين هو انتي عاملالي تحقيق
-يــــونس
نطق بها يوسف يعلم أن أخيه يشعر بالضغط الآن لذا يتعامل بعصبية، بينما قال كريم والفضول يأكله بالمعنى الحرفي :
-هو أي اللي جوا المحفظة علشان انا دماغي بتفكر في كل حاجة غلط
لم يبالي يونس بما قال بل مد كفه لشروق هاتفًا بجدية شديدة وعينيه البنية تنظر إلى عينيها الواسعة مباشرةً :
-ممكن بقى محفظتي وخدي اللي يخصك انا قولتلك على اللي حصل ومش مضطر أكدب
حسنًا رد مقنع ولكنها لم تقتنع بعد لذا استغلت الموقف حتى تعلم شيئًا كان يحيرها حين كانت حقيبتها مسروقة :
-تمام هديهالك بس اسأل سؤال الأول، شنطتي لما اتسرقت لقيتها في نفس اليوم اللي اتسرقت فيه ولا في اليوم اللي انت ادتهالي فيه؟؟
وبصراحة مفرطة منه أجابها :
-لأ لقيتها في نفس اليوم وخليتها عندي علشان انتي كنتي مستفزة وحرقالي دمي ومش عايز ارجعهالك
ضغطت شروق على فكها بغيظ شديد ثم قالت وهى تفتح محفظته أمام عينيه تخرج الأموال الموجود به دون الاقتراب من شئ آخر :
-حلوة كنتي حرقالي دمي علشان انا مستفزة أكتر مما تتوقع وهحرق دمك أكتر دلوقتي
وضعت الأموال في كفه ثم احتفظت بالمحفظة خلف ظهرها مسترسلة ببسمة قوية، ترد له الصاع صاعين :
-انا متعودتش أسيب حقي والعين بالعين والسن بالسن بس انا هطلع أكرم منك، خد فلوسك علشان ممكن تحتاجها وزي ما شنطتي قعدتك عندك أكتر من أسبوع محفظتك هتبقى عندي لحد ما مزاجي يهفني ارجعهالك، ممكن يوم فرح يوسف وبراءة اللي هو بعد عشرين يوم أو يوم سبوع أول بيبي، على حسب مزاجي بقى
تركته وصعدت الدرج القابع بجانب البهو تمامًا تاركة الجميع يحدق بها في ذهول، أولهم يونس والذي قال بدهشة من جرأتها _التي راقت له كثيرًا_
-انتي قولتي هترجعي المحفظة بعد ما اجاوبك على السؤال
رفعت الأخرى كتفيها بلا مبالاة محدقة به من أعلى الدرج ثم قالت بنبرة إستفزازية :
-رجعت في كلامي
أكملت صعود الدرج وأختفت عن الأنظار ولكن لا يزال يونس يحدق في أثرها بإعجاب واضح، أول امرأة تتجرأ على التحدث معه بكل هذه الجرأة فحتى عايدة ومن خلفها لم يفعلن، ووالدته وشقيقته يهابانه
المرأة الأولى التي تشعل عصبيته، وفي نفس الوقت تطفئ هذه العصبية بطريقة هو حتى لا يفهمها
تحدث حمزة وهو يخرج صوتًا من فمه دليلًا على ذهوله من هذا الموقف :
-انا شكلي هتراجع للمركز التاني في إستفزاز يونس، بس سؤال هى جات وعملت كده وعارفة إنك هتخطبها
اخفض يونس عينيه عن الدرج وقد ارتفع خده الأيسر بإبتسامة جذابة لم تظهر لهم وهذا لأن وجهه للدرج وظهره لهم :
-لأ لو كانت تعرف مكنتش وقفت قدامي، ولما تعرف هترجع المحفظة انا عارف
وضع النقود داخل جيبه ثم تمتم بينه وبين نفسه :
-هى أصلًا كلها لسان بس داخلة دماغي بنت الإيه ومش راضية تخرج
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
رن هاتفها للمرة الثالثة وهى تغلس دون الإجابة تدعي عدم سماعه وبداخلها موجات من الحيرة والتخبط، يرن عليها منذ يومين وهى لا تجيب إلا مرة أو اثنين حين تسئم من محاولاته
شردت منه يوم أمس حين حاول التحدث معها وظلت ملتصقة بجانب والدتها وإنشغاله مع الضيوف قد ساعدها كثيرًا، ولكن في صباح اليوم حين صعدت حتى تنادي دعاء لم تستطع أن تهرب منه
كان يجلس على الدرج حينها بينما دعاء في شقة عمها ماهر مع زوجته تستعير منها حجاب يليق على ملابسها وقد ولجت براءة حتى تستعجلها
لم تهرب حين رأته بل ظلت في مكانها تحدق به ويحدق بها في صمت قاطعه ياسر عندما قال :
-انا عايز أعرف انا عملتلك ايه مش عايزة تكلميني بسببه، حتى لما نزلت أجازة كأنك مش عايزة تشوفيني
طرح عليها المشكلة بطريقة مباشرة فهذا هو ياسر مباشر ولا يحب الطرق الفرعية في الحديث، وها هو ينتظر منها إجابة وهى لا تعلم كيف تأتي بسبب المشكلة
كيف تخبره أنها تشعر بالتخبط من هذه الخطبة وهناك شعور قوي بداخلها يريد أن يفسخها وكلٌ منهم يذهب في طريقه :
-ياسر هو لو حصل حاجة وفسخنا الخطوبة هتوافق من غير مشاكل
صمت الاخر مليًا، مفكرًا في رد عقلاني على سؤالها المراوغ هذا :
-بس إحنا لسه معملناش الخطوبة أصلًا، هو انتي عايزة تفركشي الموضوع ليه يا عائشة
ازدردت لعابها بتوتر تشعر بالتخبط الشديد ووسوسة داخلية تخبرها أن تتحدث دون أن تخاف وتلقي بهذا الهم من على كتفيها :
-انت وعمي عبد الجواد اتكلمتوا مع بابا بعد ما عرفت إن حمزة هيتقدم لنور وهيخطبها خلاص وقبلها بيومين قولتلي إنك عايز تعجل بالجواز
-يعني انتي خايفة من ايه برضو مش فاهم؟؟
-سمعت أمك بتقول لأمي إنكم عايزين تعملوا الفرح قريب بعد ما نور تتجوز وبابا موافق ماما على الكلام ده
ظل ياسر صامتًا يستمع لها بتركيز قأكملت الأخرى تشرح له وجهة نظرها في هذا الأمر :
-وانت طبعًا هتوافق على الموضوع ده علشان انت عايز تتجوز النهاردة قبل بكرة
-أكيد
رمقته عائشة بضيق حقيقي تشير إلى نفسها قائلة :
-طب وانا محدش ليه بياخد برأيي
-مين قال كده؟! الكلام في الموضوع ده لازم ناخذ فيه رأي الكل وأهمهم رأيي ورأيك، انت اللي ليه مش عايزة نتجوز بدري؟؟ انتي خلاص عديتي ١٨ وانا هخليكي تكملي الكلية مش هبطلك يعني
-بس انا مش عايزة اتجوز دلوقتي يا ياسر ولا حتى بعد ما أكمل عشرين زي ما كنتوا متفقين في الأول، انا مش عايزة ادفن نفسي في الجواز وانا لسه في سن صغير، عايزة أعيش سني، يعني حتى بعد ما أخلص كلية لسه بدري
زفر ياسر على مهل ولا يزال جالسًا في مكانه على الدرج وعائشة تقف أمامه :
-عائشة انا عارف إنك مش من النوع اللي بيتأثر بكلام الناس، بس مين لاعب في عقلك وقالك الكلام ده!؟
-محدش لاعب في عقلي مش عيلة انا
نطقت بها بنبرة متهكمة فقال ياسر وهو على نفس هدوءه :
-عائشة انا أعرفك من لما اتولدتي وكبرتي قدام عيني، انا أعرف تفاصيلك كلها يمكن أكتر من نور اختك نفسها، حد اتكلم معاكي في الموضوع وقالك كلام لخبطك؟!
حسنًا راق لها ما قاله وأشعرها بمدى اهتمامه بها لدرجة أنه يفهمها من مجرد الكلام وهذا أكثر ما أعجبها في ياسر وقبلت الخطبة لأجله، عقدت ذراعيها أمام صدرها ثم أجابته بما حدث :
-لما كنت في الكلية في واحدة في سنة أولى كانت متجوزة وحامل وكانت بتتعب قوي في المحاضرات فبتروح وبسبب تعبها ده درجاتها قلت وجابت جيد بالعافية، الموضوع فضل في دماغي بس متكلمتش مع حد وعديته بس لزق في دماغي، ومن أسبوع كده واحدة في مقرأ القرآن لسه منقولة جديد لحلقتي، لسه في الكلية ومعاها بنوتة عندها سنة وكانت بتشرح وضعها للمس وقالت إنها مش هتقدر تلتزم بالمواعيد لما تبدأ الجامعة علشان هى لسه في الكلية وعندها مشاغل كتيرة في البيت وبتهتم ببنتها وبيتها، الخلاصة يعني إنها مش عارفة توفق ما بين بنتها وبيتها وجوزها وكليتها وكمان كليتها عادية أما أنا صيدلة يعني كلية عايزة جهد كبير ومش عايز اجيب أقل من إمتياز في كل سنة، انا مش عايزة أحط نفسي مكانها وابقى متشتتة ما بين أكتر من حاجة وفي الآخر ولا حاجة من دي هتاخد حقها كامل
ارتاح كثيرًا لأنها صارحته بما تشعر فهكذا سيكون الزواج المشاركة في الفرح والحزن وفي المشاكل أيضًا، ومشاركته الأمر يعني انها تقبله في حياتها ولا ينكر هو منذ يومين في قلق من أن عائشة لم تعد تريده أو تقبله
اعتدل في جلسته وقبض على كفيه أمامه ثم أجابها بجدية :
-معاكي حق في اللي قولتيه بس دايمًا يا عائشة في حل وسط، لو انتي خايفة من الجواز بدري للسبب ده فأنا أصلًا مش باجي البلد غير عشر أيام وبغيب خمسين يوم ومش طالب منك غير العشر أيام تبقي مهتمة بيا فيهم وبالك معايا، ولو صادف العشر أيام دول امتحانات الكلية عندك انا مش هنزل البلد وهأجل الأجازة لحد ما انتي تبقي تخلصي
اتسعت البسمة على وجه عائشة وقد حاولت إخفاء إعجابها بعقلية ياسر ورزانته في الحديث وتحاوره معها في حل دون اللجوء لفرض قرار هى لا تريده، ورغم حله السلمي هذا لا يزال هناك مشكلة بل ومشكلة حرجة قد شعرت بخجل من التحدث فيها أمامه
وعندما رأى ياسر ترددها في الإجابة عليه شجعها للحديث قائلًا بمزاح :
-والله ما هعضك لو اتكلمتي، انا قاعد مكاني بعيد أهو
تبسمت بخفة على ما قال ثم قالت بجدية وقد انمحت بسمتها هذه :
-طب والخلفة يا ياسر هتأثر معايا أكتر منك
أنمحت بسمة الآخر وقد ظل لوقت على وضع الصمت وهى تنتظر منه شئ وبعد ما يقارب الدقيقتين قال :
-صعبة دي يا عائشة هتبقى صعبة عليكي أكتر مني، انا أكبر ولد عند ابويا وأمي وهما على نار إني اتجوز وأخلف ولولا إني مش عايز غيرك كان زماني متجوز من كذا سنة، مش عايز حد يسمعك كلمة متعجبكيش وانتي عارفة الصعيد بالذات اللي بتتأخر فيها الواحدة عن الخلفة بياخدوها بالكلام قدامها ووراها
تنهد بهم وهو ينظر إلى موضع قدميه دون إضافة شئ آخر فقالت عائشة وهى تشد حقيبتها على كتفها :
-علشان كده بقولك لو حصل حاجة وفسخنا الخطوبة هتوافق من غير مشاكل وإحنا لسه في أولها أهو حتى لسه مجبناش الدهب
رفع ياسر رأسه لها هاتفًا بجدية صارمة :
-انا مش هسيبك يا عائشة مستنتش العمر ده كله علشان تكبري وتعدي السن القانوني علشان اسيبك لغيري بالساهل كده
حسنًا أصابها بالخجل من حديثه هذا لذا التزمت الصمت وعينيها أرضًا، بينما أكمل ياسر بنفس جديته :
-ابويا وأمي عايزين يعجلوا بالجواز علشان انا بكبر مش بصغر ومعاهم حق انا بقى عندي تسعة وعشرين سنة بس مستعد فوق ده استنى تاني لو مش هيبقى فيه حل غير إننا نستنى، انا بقى عايز أعجل لسبب تاني وهو الحرمانية بيني وبينك والله بجاهد علشان معملش حاجة تغضب ربنا، وكمان إحنا في زمن الفتن صعب واحد يستحمل يفضل نضيف من غير ذنوب، علشان انتي بنت مش فاهمة إحنا الرجالة صعب ازاي عندنا نغض بصرنا ومنعملش حاجة حرام علشان نستنى الحلال، وكل ما بنكبر كل ما الموضوع يبقى أصعب
-يـــاســر
هتفت بها بخجل تمنعه من الاسترسال في الموضوع الذي أخذ يفتحه فمسح الآخر وجهه فاتحًا موضوع آخر :
-ده غير سبب تاني وهو إن انتي بيتقدملك ناس كتير، لسه بس من عشر أيام أيمن قالي في واحد كان بيسأل عمي علي هيرجع أمتى من السفر علشان يطلب إيدك منه، انا دمي بيتحرق مع كل مرة اسمع واحد عايز يتجوزك ومربوط ومش عارف اخطبك رسمي أو اكتب الكتاب بسبب نورهان
تنهدت عائشة وقد تعبت من الوقوف هكذا وكثرة المشاكل التي تواجه علاقتهما لذا قالت :
-ما هما حل من اتنين يا ياسر يا تستنى، يا تشوف نصيب غيري وانا أشوف نصيب غيرك
-أكسر دماغ اللي يفكر ياخدك مني
هتف بها ياسر بنبرة عصبية وهو يستقيم من مكانه ثم وقف أمامها مباشرةً ليظهر فرق طول شاسع بينهما فعائشة ذات قامة قصيرة مثل نور بينما ياسر يتعدى طوله ١٧٥سم
تراجعت بسرعة للخلف عندما استرسل بنفس العصبية :
-يعني انا اقولك يتحرق دمي لو حد طلب إيدك وانتي تقوليلي وانا أشوف نصيب غيرك، ده انا أكسر دماغه وعضمه كمان
خرجت زوجة عمهم ماهر على صوت ياسر وقد كانت صغيرة في السن في مثل عمر ياسر وحسن لذا هى قريبة منهم في التفاهم :
-فيه ايه مالكم انتوا بتتخانقوا؟! علفكرة فيه ناس نايمة جوا
صمت ياسر وقد نسي تمامًا أن النساء ينمن في شقة عمه ماهر، بينما تحدثت عائشة بسرعة حتى تفر من هنا فلا تحبذ رؤية الوجه الآخر من ياسر :
-جهاد قولي لدعاء وبراءة يلا علشان هنمشوا
ختمت حديثها هابطة على الدرج فقال ياسر بجدية وهو يقف على بداية الدرج من الأعلى :
-عائشة لما اتصل عليكي مطنشيش ماشي
اجابته متوترة بأجل ورحلت وها هى تخالف ما قالت إذ رن ياسر فوق الخمس مرات وهى لا تجيب، فرن هاتف نور الذي تمسك به وهى ممددة بجانبها على الفراش فحدقت بها بعدم اهتمام متوقعة أن يكون حمزة، لتجدها فجأةً قالت :
-الو يا ياسر
انتفضت من مكانها حتى تذهب إلى المرحاض وقبل أن تفتح الباب قالت نور وهى تمد لها الهاتف :
-خدي يا عائشة كلمي ياسر
رمقتها الأخرى بغيظ ثم جذبت منها الهاتف بعنف فتركت لها نور الغرفة بعدما رمقتها بتعجب لضيقها هذا، جلست عائشة على الفراش كما كانت تستمع لصوته على الناحية الأخرى يقول بضيق :
-انتي راسك ناشفة ليه مش قولتلك اتصل عليكي تردي ومطنشيش
-مسمعتش التليفون
-هعمل نفسي مصدق
-طب انت متصل ليه؟؟
-مالك يا عائشة مش طايقاني ليه!؟
-ياسر مش حكاية مش طايقاك انا بس مش عارفة آخرة الموضوع ده ايه، تعبت نفسيًا منه
ابتسم الآخر على الناحية الأخرى بسمة جذابة ثم أجاب :
-انا متعبتش منك يا عائشة وزي ما قولتلك الصبح انا استنيتك عمر ومستعد استنى تاني
حكت عائشة خصلات شعرها الناعمة بحرج من حديثه ثم قالت بخفوت :
-لقيت حل طيب؟؟
-لسه بس يا عائشة الجواز لازم علشان يتم يبقى فيه تضحيات وتنازلات
-اتمنى ميكونش قصدك إني أبطل من الكلية يا ياسر
-حبيبتي انا أكتر واحد عارف تعبتي قد ايه في الثانوية علشان تجيبي مجموع عالي واتقهرت على قهرتك لما مقدرتيش تجيبي طب، مش هاجي انا أضيع كل تعبك وأهده، ده انا اللي قدمتلك على الكلية واقنعت أبوكي وأمك يسيبوكي تسافري وتتغربي في بلد تانية، وسبت شغلي في السويس ونقلت إسكندرية علشان بس ابقى جنبك
-ياسر
همهم الآخر بإيجاب مستمعًا لاسمه يخرج من بين شفتيها بنبرة خجولة فأكملت عائشة محاولةً إدعاء الغضب رغم الفراشات التي باتت تحلق في معدتها الآن فهذه أول مرة يلفظ هذه الكلمة :
-احترم نفسك ايه حبيبتي دي
-انا أقسم بالله كده محترم نفسي يارب نخلص من موضوع اختك ده وأعرف على الأقل اكتب كتابي عليكي، علشان لما أعرف إن واحد عايز يتقدملك افقعله عينيه
حمحم محاولًا تهدئة أعصابه التي فارت دون سابق إنذار ثم اكمل بنبرة حانية منخفضة :
-تصبحي على خير يا عائشة وبكرة تلبسي حاجة واسعة علشان الضيوف ولو متطلعيش قدامهم يبقى أحسن، وانا عارف إنك مش هتحبي تطلعي أصلًا سلام
أغلقت بسرعة قبل هو أن يغلق وقلبها يقرع داخل أضلعها بسعادة وقلق، ذلك الياسر يعلم جيدًا كيف يذيبها في حبه أكثر وأكثر، ولكن التعقيدات التي سيمران بها تقلقها
هو يريد التعجيل وهى تريد التأخير ولا تعلم ما الذي سيحدث بعد زواج نور والذي على الأرجح سيكون قريب بشدة
فتحت نور الباب وأطلت إلى الداخل في يدها شطيرة بيض قد أعدتها لنفسها لشعورها بالجوع فقالت عائشة متذمرة :
-طب وانا
-وانا مالي روحي اعملي لنفسك
جلست على الفراش جاذبة هاتفها تعبث به قليلًا بينما تقطم من الشطيرة، ولكن شرود عائشة آثار انتباهها لذا تساءلت :
-مالك تنحتي كده ليه؟؟ قالك ايه ياسر ومش راضية تردي عليه ليه بقالك كذا يوم هو عملك حاجة!؟
ضمت الأخرى قدميها إلى صدرها وأحاطتهما بذراعيها :
-مش عايزة اتجوز دلوقتي عايزة بعد ما اخلص الكلية وحاسة إنه هيجي يوم يقولولوا الفرح الشهر الجاي جهز نفسك
-مفيش حاجة هتم من غير موافقتك يا عائشة، يا أما انتي العروسة يعني أهم واحدة فيهم، الست اللي جات الحلقة بتاعتنا الأسبوع الفات كلامها أثر فيكي صح؟؟
همهمت بإيجاب فقالت نور مربتة على ذراعها بلطف :
-متفتكريش كتير لسه بدري، ولو انتي اصريتي تخلصي كلية الأول بابا وياسر هيقولوا تمام
-انا اتكلمت مع ياسر في الموضوع وقولتله يا تشوف حل يا كل واحد يروح لحاله
-يبقى هيشوف حل علشان مستحيل يسيبك ده بيموت فيكي بالمعنى الحرفي
تبسمت عائشة خجلة فقهقهت نور بصوت مرتفع لا ترى عائشة خجلة كثيرًا فلسان عائشة أطول منها ولا تخجل من أحد وجميع أفراد العائلة يعشقون التحدث معها بسبب لسانها الفصيح، حتى أنها تغار أحيانًا من فصاحة لسانها مع الجميع بينما هى تتلعثم كلما تحدثت :
-يا اختي حلوة اتكسفتي، والله ولقينا حد يكسفك يا أيوش
-هو كان باين قوي إنه بيحبني انا والعيلة كلها عارفة انه متكلم عليا مع بابا، وانا اللي كنت حمارة
-اممم انتي مكنتيش حمارة وإنما كنتي في ثانوية عامة وماما قالت محدش يجيبلك سيرة علشان متتشتتيش حتى ياسر مكنش بيكلمك ولو حب يبعتلك حاجة كان يبعتها معايا انا، لو بيسأل عليكي يسألني انا، كل مرة كان بيرجع من شغله في الأجازة يجيبلك شوكولاتة كتيرة علشان بتموتي فيها ويديهالي علشان ادهالك، وانا كل أسبوع كنت بطلعلك واحدة علشان متشكيش في حاجة، ووقت امتحاناتك كنت بحوشهم وقبل ما ترجعي من الإمتحان احط واحدة على مكتبك وفوقها ستيك نوتس اكتبلك فيها مبارك المادة الأولى واليوم اللي بعده التانية، هو كان يدفع حق الشوكولاتة وانا اكتبلك الورق كل يوم، ويفرح قوي لما يشوفك منزلاها ستوري وانا برضو كنت أفرح لما أشوفك فرحانة
رمقت عائشة شقيقتها بأعين لامعة لتفرد لها ذراعيها داعية نور لعناق فسعدت نور بشدة لحركتها هذه وعانقتها بقوة، لا يتعانقا كثيرًا بسبب رفض عائشة للتلامس فلا تحب أن يضمها أحد أو يلمس وجهها، وبين فترات بعيدة تدعوها لعناق، عندما تكون فقط سعيدة أو تحتاج لدعم
ربما مختلفتان عن بعضهما بشدة ولكنها تحبها وكأنها ابنتها وقطعة منها، تجن إن حدث لها شئ وكادت تفقد أعصابها عندما ظلت عائشة في الكلية لوقت متأخر بالليل دون أن يعلموا عنها شئ
وعائشة ليست أقل من هذا، لا تُظهر فقط هذا الحب كثيرًا ولكنها تحب نور بشدة ومتعلقة بها بل وعندما كانت مراهقة صغيرة في الخامسة عشر من عمرها وعلمت أن أحدهم قد تقدم لنور بكت بشدة رافضة الأمر، وقالت لوالديها أن يرفضا هذا العريس ولا يدعا نور تذهب وتتركهم
ظل هذا العناق الدافئ الصامت لدقيقة كاملة، قاطعه صوت نور وهى تقول بنبرة مشاغبة :
-هو ياسر قالك انه بيحبك!؟
-لأ مقالش لسه بس بيبين بطريقة غير مباشرة يعني إني مهمة عنده
-حلو مستني الحلال علشان يقولك، امسكي فيه الواد ده اللي يخاف ربنا ويستنى الحلال بقيوا قليلين اليومين دول وقربوا ينقرضوا
ضحكت عائشة بصوت مرتفع متذكرة حمزة ذلك المجنون :
-طب وحمزة!؟ أعتقد قالهالك مش بيتكسف ده
-لأ طبعًا يخاف من رد فعلي وعارف هبهدله من هنا للصبح، ده دماغه لاسعة أقسم بالله ولولا إني الطرف اللي بيشد وبحاسبه على الكلمة كان زمانه مركبنا إحنا الاتنين ذنوب قد كده
باعدت بين ذراعيها حتى تريها حجم الذنوب في مخيلتها فضحكت عائشة وضحكت هى أيضًا ليأتي صوت والدتها المرتفع من الغرفة الأخرى وهى تصيح حتى يتوقفا :
-نامي يا بت انتي وهى كفاية علشان هنصحوا بدري ننضفوا ونطبخوا، واللي هقومها ومتقومش هنزل عليها بالشبشب
وضعت نور هاتفها بسرعة على الشاحن ثم عادت الي الفراش حتى تنام بينما مددت عائشة جسدها لا تشعر بالنعاس لذا مالت نحو نور تزعجها مثل كل ليلة لا يجافيها النعاس بها :
-انا مش قادرة أنام
قلبت نور عينيها ولم تجبها فعائشة كل ليلة تفعل هذا، حين تنام كثيرًا بعد الظهر لا يجافيها النعاس في المساء وتزعجها هى، وكزتها عائشة حتى ترد عليها فقالت نور بضيق :
-يا بتي نامي أمك هتصحينا بكرة من الفجر، محدش قالك نامي في الضهر
حدقت الأخرى في السقف حيث تدور المروحة على سرعة عالية لتقول مرة أخرى :
-هتلبسي ايه بكرة؟؟
ولم تجبها نور ليس لأنها نامت ولكن حين لا تجيب عليها تسأم عائشة وتنام وهذا ما حدث بعد قليل بينما ظلت نور تلوب في الفراش تفكر في يوم غد وما سيحدث في يوم غد
وأهمهم وجود حمزة لأول مرة في بيتها، ترى هل سيكون عاقلًا بما يكفي أم سيتصرف بتسرع مثل كل مرة ويخجلها أمام الجميع بكلماته المعسولة…
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية في مدينة الاسكندرية) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.