رواية في مدينة الاسكندرية الفصل السادس 6 – بقلم صابرين عامر

رواية في مدينة الاسكندرية – الفصل السادس

6- وقد تمت الخطبة
عيدية العيد وكل عام وانتم بخير بمناسبة عيد الفطر المبارك وإن شاء الله هيكون فصل كمان بكرة على العصر كده فصياح كتير بقى في الكومنتات 🤍
صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
وقفت بجانب النافذة التي تطل على الشارع وقد اغلقتها بإحكام حتى تستمع منها لما يدور بالخارج، إذ كانوا يتحدثون منذ ما يقارب النصف ساعة على زواجها هى وحمزة ويبدو أن حمزة يريد عقد القران قبل سفره بينما والديها يرفضان هذا الاستعجال
نظرت إلى عائشة خلفها والتي كانت تجلس على الاريكة لا يعجبها ما تسمعه فلما كل هذا الاستعجال وجب أن يتعرفوا على حمزة وطباعه أكثر قبل أن يزوجوه شقيقتها الوحيدة
فذلك الأبله يريد عقد القران قبل سفره والزواج بعد شهر، هل أصابها العته ليظن أن والديها سيقبلان؟!
حل الصمت في الخارج فعقدت نور حاجبيها متسائلة ولم يدم هذا التساؤل إذ وجدت والديها يدخلان المنزل، يتجهان نحوها هى بالتحديد فأعتدلت في إستعداد لما قد يقولانه
جذبت صفية ابنتها وجعلتها تجلس أمامها هى وزوجها ثم بدأت هى الحديث قائلة بجدية شديدة :
-نورهان حمزة عايز يتجوزك علطول مفيش خطوبة، عايز هو وأهله نجيبوا الشبكة بكرة وآخر الأسبوع كتب الكتاب وبعد شهر أو شهر ونص الفرح
دارت نور بعينيها بينهما بحيرة ثم قالت :
-طب وانتوا رأيكم ايه؟!
وأجابها على بنفس الجدية إذ قال :
-بصي الرأي هيبقى رأيك وانا وأمك شايفين بلاش استعجال في كتب الكتاب لو حصلت مشكلة بينكم هيبقى طلاق
-بس مطلقة بيضة زي ما بتقولوا
-بس طلاق يا بتي وده مفيهوش هزار
عبثت نور في أصابعها بتوتر وحيرة فقالت صفية بإقتراح :
-انا وابوكي شايفين تبقى خطوبة عادية بس هما مُصرين يعملوا كتب كتاب مع يوسف فقولنالهم نسألوا البت فأنتي ايه رأيك
ازدردت الأخرى لعابها بتردد قائلة :
-انا شايفة كتب الكتاب أحسن وبعدها نأجل الفرح علشان التعارف شهرين، تلاتة، سبعة بس كتب الكتاب يمنع الحرامانية انا مش عايزة طول الخطوبة أفكر في الكلام اللي المفروض يتقال واللي المفروض مقولوش، وفي الشبهات والمكالمات والرسايل وهو طبعًا هيتكلم كتير وانا بصراحة مش عايزة أعمل حاجة واقعد أفكر هى حرام ولا حلال
اعترضت صفية على ما تقول فعقد القران خطوة قوية لا رجعة بها :
-يا بتي لو حصل مشكلة هتبقى مطلقة، المفروض كتب الكتاب ميتكتبش غير قبل الفرح بيومين
-بس انتي يا ماما كتبتي كتابك انتي وبابا قبل الفرح بسنة وخالتي فايزة وعمي حسين قبلها بسنتين، انا شايفة كتب الكتاب أحسن من الخطوبة انا بقولك مش عايزة اعمل حاجة فيها شبهة، أكيد انا عارفة حدود كتب الكتاب بس احسن بكتير من الخطوبة اللي من غير حاجة دي
تحدث والدها منهيًا الحوار :
-يعني انتي خلاص موافقة كتب الكتاب يبقى آخر الأسبوع؟!
صمتت نور عن الرد وفكرت بهما قبل أن تجيب إذ قالت مترددة :
-يعني لو انتوا مش معاكم دلوقتي فلوس فبلاش يبقى آخر الأسبوع ويبقى وقت تاني
-لا معانا الحمد لله انتي موافقة كتب الكتاب دلوقتي والفرح نتفقوا عليه بعدين علشان حكاية شهر واحد ده مش موافق عليها
سحبت الأخرى قدر كبير من الأكسجين ثم زفرت على مهل تعيد التفكير في الأمر في عقلها ثم قالت بقرار أخير لا رجعة به :
-ايوه يا بابا موافقة
جذب علي زوجته وخرجا للناس فنظرت نور إلى شقيقتها التي كانت تتخذ وضع الصمت طوال الحديث ثم سألتها عن رأيها هى فقالت الأخرى بجدية خالية من المزاح :
-انتي خلاص طلعتيهم وقولتي رأيك
-ماشي قولي رأيك انتي كمان يعني هو انا هكتب بكرة لسه آخر الأسبوع يعني ممكن تحصل حاجة والموضوع يتلغي
-والله انا برضو شايفة إن كتب الكتاب أحسن علشان الحرامانية وحمزة ده شكله من النوع اللي مش بيعرف يمسك لسانه
ابتسمت نور على تفهم عائشة فهذا أكبر سبب لإختارها لعقد القران السريع وهذا لأن حمزة لا يمسك لسانه معها وسيتحدث ويتغزل دون توقف لذا اختارت الحلال السريع أفضل من القلق من شبهات الخطبة الكثيرة
وهذا هو رأيها الشخصي
اعتلت بسمة خجولة على وجه نور تستمع لصوت الزغاريت في الخارج من عمتها أسماء بالتحديد، غطت بسمتها بسرعة بحرج من وجود عائشة والتي ابتسمت لها بحب وضمتها بذراعيها بخفة ثم قالت :
-مبارك
بادلتها نور هذا العناق ثم ابتعدت عائشة عندما ولجت والدتها وضمتها بقوة وكأن هذا عناق الوداع ثم قالت بسعادة شديدة :
-مبروك يا حبيبتي مبروك ربنا يجعله خير ليكي
بادلتها نور هى أيضًا وقد تشنج وجهها لشدة ابتسامها ثم ابتعدت والدتها عنها تفتح باب داخلي لغرفة في منزلهم لها شبابيك كبيرة مفتوحة في الحوائط تسمى “برندة” وتكون في العادة في مقدمة المنزل وأشبه بمجلس للضيوف
-هتعملي ايه يا ماما
تساءلت بها نور لا تفهم لما تفتح والدتها البرندة وجميع الضيوف يجلسون في الخارج، لتجيبها صفية وهى تنظر بعينيها في المكان ترى إن كان كل شئ مُرتب بشكل تام أم لا :
-هفتح البرندة علشان تقعدي انتي وحمزة فيها
-واقعد ليه انا وحمزة مش لازم رؤية شرعية ما هو شافني وانا شوفته
هتفت بها نور معترضة على هذه الجلسة فحتى هذه اللحظة لا تزال تخجل من حمزة كثيرًا ولم تعتد عليه بعد، لتقول صفية بحزم وكأنها تأمرها لا تخيرها :
-قال عايز اقعد معاها عشر دقايق وابوكي قال ماشي، وبعدين مش هتقعدوا وحدكم عيشة هتقعد معاكم
اتسعت البسمة على وجه عائشة ولكن لم تكن بسمة سعيدة بل أخرى خبيثة فهى تنتظر هذه اللحظة منذ زمن، إذ قالت وهى تفرك كفيها وكأنها تستعد لنصب فخٍ لدجاجة مسكينة :
-وانا موافقة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ساعدت جدة زوجها على أن تقف معها حتى تخرج من هذه الغرفة قليلًا وتتناول الغداء معهم في الخارج مع حفيدها الذي قد تشاجرت معه منذ قليلًا وكلاهما اسمع الآخر من الحديث اللاذع ما لذ وطاب وكأنهما رجلٌ وزوجة ابيه التي لا يطيقها
استندت ونس على هاجر بنصف جهدها والنصف الآخر تلقيه على عكازها، لقد كبرت واقترب معاد اللقاء وهى ليست حزينة أو خائفة بل مشتاقة لرؤية زوجها وابنتها ووالديها الذين تركوها في هذه الدنيا وسبقوها منذ سنواتٍ عجاف
وما يريحها أن كلا حفيديها تزوجا وسيأسس كلًا منهما أسرته الخاصة
جلست بتعب على أحد مقاعد البهو أمام طاولة متوسطة الحجم تحمل من الطعام كل ما لذ وطاب، تلك الدبة زوجة سفيان بارعة بشدة في طهو الطعام :
-مراتك شاطرة بتعرف تطبخ يا سفيان وأكلها يفتح النفس مش زي الخايبة مرات عمر مش عارفة حتى تعمل شوية ملوخية، ابقي علميها يا هاجر تكسبي ثواب في الواد عمر تعب قلب سِته من أكلها
ابتسمت هاجر كاتمة ضحكتها على ما قالت فوالله لو سمعت رقية لقلبت وجهها لباقي اليوم فلا تقبل أبدًا أن يسخر أحدهم منها أو يقلل من شأنها حتى عمر نفسه لا يستطيع فتلك الفتاة لديها شخصية عنيدة
نطق سفيان بكلمة بسم الله ثم شرع في تناول الطعام ثم قال وهو يهمهم متلذذًا بجمال طعام زوجته :
-كان المفروض تدخلي سياحة وفنادق مش فنون جميلة يا لوزة خسرت الفنادق شيف شاطرة زيك
زادت البسمة على وجه هاجر لثنائه عليها ثم قالت بمراوغة :
-إحنا لسه فيها تحب أنزل اشتغل شيف
نفي سفيان ما قالته وهو يلوك الطعام داخل فمه ثم قال ببسمة متهكمة :
-لأ يا حبيبتي أغير على أكلك، مش عايز حد ياكله غيري ولا يدوق حلاوته غيري
قلبت هاجر عينيها تعلم أنه يخدعها بحديثه المعسول هذا أو كما يقول المثل “ياكل بعقلها حلاوة” ويفعل هذا حتى لا تفكر في الأمر وهى تعلم وراضية، وفي الواقع لا تحتاج أبدًا لعمل ولكن تحب أن تشاكسه لذا قالت :
-عمر بيحب برضو ياكل من أكلي
-وماله مننا وعلينا وبعدين رقية بتعمل تجارب في أكلها وتأكله وهو مستحمل وساكت بلاش نيجي عليه إحنا كمان
-وعمو ثروت عجبوا الأكل بتاعي وقالي ابقي علمي مراتي وصفاتك
نطقت بها هاجر وهى تقلب في طبق المعكرونة أمامها وعلى محياها بسمة ماكرة فقال سفيان بتعجب وقد ابتلع ما في جوفه :
-مين عمو ثروث ده؟!
تنهدت ونس بضجر للقادم والذي لن يعجبها تمامًا إذ تمتمت بحنق وهى تقرص هاجر من أسفل الطاولة :
-قولتيله ليه يا مزغودة دلوقتي يولع فيكي وفي ثروث الغلبان
رفعت صوتها مجيبة على سفيان والذي انتظر الإجابة بملامح هادئة بذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة :
-ده جارنا يا سفيان مراته مكنتش موجودة وعياله يا عيني رجعوا من المدرسة جاعنين وشموا ريحة الأكل اللي عملاه مراتك وانا شوفتهم قاعدين على السلم صعبوا عليا قولت لهاجر تغرفلهم أكل وهى مقالتش لا وبعتتلهم طبق مليان محشي، آخر اليوم أبوهم جاب الطبق وشكرها بس كده
-اممم وقالها شكرًا وبس كده؟!
مصمصت ونس شفتيها دون إجابة ففي الواقع ذلك المدعو ثروت لم يترك كلمة مدح مبالغة بها لم يقلها لهاجر حتى قامت هى بطرده بطريقة غير مباشرة قبل أن يصل الأمر لنقطة غير حميدة ويعلم سفيان، والذي إن علم ما قاله ذلك الأخرق سيذهب الآن ويحرقه حي
فلم تنسى حتى الآن الشهر الماضي حين كانت هاجر تتسوق في السوق أسفل المنزل وتشتري طلبات للبيت وأحد الشباب الفاسقين كان يلحق بها ويغازلها بألفاظ ركيكة دنيئة وقد قلقت هى من التصرف بمفردها واتصلت على سفيان أن يأتيها
ولا يقل لكم ماذا فعل بذلك الشاب قد قام بتحطيم عظامه على المعنى الحرفي، ولم يتجرأ أحد على التدخل لسببين وهو أن هذا الشاب ذو سمعة سيئة ويستحق، والآخر لأن الجميع هنا يعلم أن حفيدها ضابط وهم يخشون التحدث معه حتى
ولولا تدخل عمر ذلك اليوم وأوقف أخيه لكان فقع عيني ذلك الشاب، ومنذ ذلك الحين يمنع هاجر من النزول في هذه المنطقة إلا حين الضرورة القصوى وإن احتاجت شئ تبعث عمر يشتريه لها حين يكون هو بعيدًا في عمله
والآن هذه الخرقاء التي تجلس إلى جانبها تقول له أحد الجيران قد تذوق أكلها واعجبه ومدحه وهى تعلم أن سفيان لديه طبع الغيرة الشديدة، تريده أن يحرقها ويحرقه هذه البلهاء فقط لكي تراه يغار عليها وتتكيف من الوضع
نظرت نحو هاجر ما إن أعاد سفيان السؤال مرة أخرى بنبرة أكثر حدة هذه المرة :
-سكتوا انتوا الاتنين ليه؟! قال ايه عمو ثروت ده؟؟
ازدردت هاجر لعابها بتوتر ثم نظرت إلى ونس بأن تنقذها من الموقف فضربت الأخرى كفيها ببعضهم ثم قالت بعد أن رمقتها بنظرة حارقة :
-قولتلك قالها شكرًا وراح لحاله وانا بعتله أكل مش علشان سواد عيونه ده علشان العيال وبطل خنقة وغيرة يا سفيان متبقاش زي أبوك كان مطلع عين بنتي بغيرته
-الراجل اللي مش بيغير على أهل بيته يبقى ناقص رجولة يا جدتي وهى حلوة بزيادة أعمل إيه يعني انا، أخبيها ازاي من الرجالة اللي عاملة زي الدبان بيجروا على أي حاجة حلوة، ده من شهرين واحد جاي يطلبها منك فاكرها اختي انا وعمر
نظر نحو هاجر التي كانت تجلس أمامه وتخرج القلوب الحمراء من عينيها ثم قال بنبرة حانقة :
-قولتلك نعمل فرح والناس كلها تعرف قولتي مش عايزة غير حاجة هادية والقريبين مننا بس يعرفوا، اعمل فيكي ايه دلوقتي
ابتسمت هاجر خجلة على حديثه بينما صاحت به ونس رغم تعب صوتها :
-قولتلها لأبوك وهقولهالك انت كمان احبسها وحطها في بترينه إزاز واتفرج عليها من برا، ربنا ياخدكم انتوا الجوز رفعتوا ضغطي
وضعت يدها على صدرها وقد امتعض وجهها ألمًا فقفزت هاجر من مكانها بسرعة قائلة :
-هاروح اعملك الأعشاب اللي قال عليها الدكتور
-ايوه يا اختي روحي وانتي هبلة زي بنتي الله يرحمها كانت تحرق دم فياض وتشعلل غيرته وفي الآخر تجي تشكي منه
ملأ سفيان كوب ماء وأعطاه لها سريعًا ثم قال :
-خدي اشربي وبطلي كلام هتفطسي مننا
أخذت منه ونس الكوب وشربت منه القليل ثم قالت بجدية شديدة :
-سفيان خف على البت من غيرتك دي متخنقهاش
-بس هى مش معترضة
-طبيعي متبقاش معترضة في الأول أي واحدة هتحب تشوف جوزها بيغير عليها وهى هبلة ما شاء الله بتقولك على اللي يعصبك علشان تشعللها، بس انتي بتزودها يا سفيان مانعها تنزل تحت لوحدها لما تكون هنا إلا في أضيق الظروف ومخليها تقفل كل الشبابيك لما تكون واخدة راحتها هنا، بدأت تضيقها عليها يا سفيان ولكل بني آدم طاقة تحمل
زفر سفيان بضيق يعلم أنه يضيقها في بعض الأحيان ولكن هذا الطبع وراثي به منذ كان صغيرًا يغار بشدة على ما يخصه فما بالك بزوجته ذات الملامح الجذابة والجسد الانثوي، وهم في مجتمع حقير النساء تنظر قبل الرجال :
-مش بإيدي والله بحبها وبغير عليها حتى من قبل ما تبقى مراتي، وبالنسبة لإني مانعها تنزل لوحدها علشان مفيش كلب يضايقها وانا مش موجود، وبخليها تقفل الشبابيك هنا ليه مش علشان شوفت واحد بيبص عليها من بلكونته قبل كده وهى قاعدة هنا بالبجاما، وأقسم بالله لولا إنك قفلتي الباب بالمفتاح عليا من جوا علشان مخرجش وأعمل مصيبة لكنت روحت رميته من بلكونته
قلبت الأخرى عينيها بضجر تعلم أن لا فائدة من الجدال معه وأكتفت بذكر أمر أخير قبل أن تأتي هاجر :
-سفيان بطلب منك بس متدوس اوي في موضوع الغيرة لحد ما هى تطق منك، سبق وأبوك عملها زمان لدرجة أمك زعلت وقعدت هنا أسبوع مش عايزة تروح معاه وراسها وألف سيف متدخلش بيته غير لما يخف غيرة وتحكم، وطبعًا انت شايف أبوك معاه حق ومش هتقتنع بكلامي
آماء لها سفيان وابتسامة باردة ارتسمت على وجهه فصاحت به ونس قائلة :
-خلاص أولع يا ابن فياض
عادت هاجر ومعها كوب أعشاب من أجل ونس ثم وضعته أمامها قائلة بلطف :
-بالشفا يا قلبي
-انا قلبك مش هى
نطق بها سفيان بمزاح فابتسمت له هاجر وقد لمعت عينيها البنية وبين هذه النظرات الطويلة بينهما ضربت ونس على كفيها بالتزامن مع طرق الباب :
-يا صــبــر قولتلكم روحوا شقتكم انا مش عايز قلة أدب هنا، قوم روح افتح الباب تلاقيه عمر جه
دلفت هاجر بسرعة الي الداخل حتى تغير ملابسها ولم يفتح سفيان الباب إلا عندما وجدها اغلقت الباب عليها من الداخل، ففتح هو لشقيقه مبتسمًا أنه يراعي وجود هاجر هنا أثناء غيابه ويطرق الباب بدلًا من أن يفتح بمفتاحه الخاص
ولج عمر معانقًا شقيقه، متفاجئًا بوجوده هنا :
-سفيان رجعت بدري المرة دي…. انت كويس؟!
نطق بها بقلق من الخدوش الطفيفة التي على وجهه، وقد شعر أن به خطب فلا يأخذ سفيان أجازة سريعة هكذا إلا إن كان مصاب أو به شئ
ابتسم سفيان بخفة وجذبه حتى يدخل ثم أغلق الباب فصاح عمر بسرعة متذكرًا رقية التي كانت تصعد الدرج خلفه :
-استنى يا سفيان رقية لسه طالعة على السلم
فتح الباب سريعًا ليجد زوجته تقف في منتصف الدرج، تحدق بملامح مذهولة مهددة بالبكاء ثم قالت :
-انتوا قفلتوا الباب عليا ليه؟؟ جدتك مش عايزاني ادخل علشان مش بعرف اطبخ
ضحك عمر بخفة وقد هبط هذه الدرجات القليلة حتى يصل إليها قائلًا :
-طب وايه علاقة الطبيخ بده دلوقتي ثم سفيان قفل الباب كان فاكرني جاي لوحدي
جذب يدها معه حتى تصعد فقالت رقية جاذبة ذراعه :
-عمر قول لجدتك متفتحش موضوع الطبيخ ده وتعايرني علشان مش بعرف أطبخ، انا بضايق والله بس بسكت علشانك
-معلش استحمليها وبعدين هى بتحبك والله بس مش بتحب الستات اللي مش بتفهم في شغل البيت
ولج إلى الشقة وهى خلفه ليقترب من جدته مقبلًا كفها فربتت على خصلاته بحنو ثم قالت :
-عامل ايه يا حبيبي اتأخرت النهاردة ومجتش بدري؟!
-معلش رقية كانت عايزة تيجي معايا واتأخرنا شوية عند الدكتورة
نظرت ونس نحو رقية فاقتربت منها الأخرى وقبّلت جبينها ثم قالت :
-ازيك يا تيتة
-بخير الحمد لله عاملة ايه في الحمل؟!
أجابها عمر وهو يجلس إلى جانبها مشتاقًا لرائحتها وحنانها، ولطعام هاجر أيضًا إذ جذب طبق معكرونة بشاميل يشتم رائحته بتلذذ :
-هى كويسة انا اللي تعبان معاها
ضمته ونس تحت جناحها ثم قالت :
– كُل يا حبيبي شكلك هفتان
آماء عمر يوافقها الرأي ولكن لا يستطيع أن يتحدث بسبب وجود رقية بالطبع، نظرت ونس إلى سفيان ثم استرسلت رافعة انفها إلى أعلى :
-يلا خد مراتك وامشوا جه عمر حبيبي خلاص
وأجابها الآخر بلا مبالاة وهو يحشر الطعام داخل فمه :
-ماشي آكل وآخدها وامشي، ولا بلاش آكل؟!
-آه بلاش تاكل روح كُل في بيتك
همهم عمر متلذذًا بالطعام يكاد يجزم أنه لم يتذوق طعامًا في جمال طعام هاجر، ذمت رقية شفتيها تراقبه يتناول بنهم وكأنه لم يتناول الزاد منذ أسبوع :
-على مهلك يا عمر ولا هو الأكل حلو أوي
كاد عمر أن يرفع المعلقة الأخيرة في الطبق إلى فمه ولكن تراجع واخفضها مجيبًا عليها بملامح مستنكرة :
-لا مش حلو بس انا باكله جبر خاطر
أكل المعلقة الأخيرة ولم يهن على قلبه أن يتركها ثم أكمل وهو يضم ذراعيه إلى صدره :
-علشان متزعلش بس وتقول عمر مش بيرضى ياكل من الأكل اللي انا بعمله
ابتسمت عليه رقية وهى تعلم أنه يقول هذا من أجل ألا تحزن وتغار من هاجر لأن الجميع يمدح في طهوها بينما هى لا تجيده، رفع سفيان رأسه لشقيقه يراقبه بتهكم وعدم رضا وهو يلوك الطعام داخل فمه فقال عمر متنحنحًا :
-احم سفيان ما تجيب حتة الفراخ اللي قدامك دي أدوقها شكلها كده مش
-لأ
نطق بها سفيان قبل أن يكمل الآخر حديثه ثم استرسل بنبرة مستهزئة :
-من الصبح بتتريق على مراتي وانت طفحت نص البشاميل وأنا سكتلك، كلمة زيادة هديك باللي في رجلي، ولا انت خايف على مشاعر مراتك وانا حلوف يعني؟!
جذبت رقية قطعة دجاج على طبق واعطته لعمر ثم قالت ببسمة بسيطة :
-خد يا عمر انا عارفة اني أكلي مش حلو زي هاجر وانت أصلًا بتاكل نص أكلي بالعافية علشان متزعلنيش
ولجت هاجر إلى البهو وبين يديها شاي أخضر اعتادت أن تعده بعد الغداء، ابتسمت بسمة لطيفة للموجودين وبعد السلامات والتحيات، جلست إلى جانب رقية ثم قالت :
-رقية هو انتي في الأسبوع الكام في الحمل؟؟
-التامن ليه؟!
اتسعت البسمة على وجه هاجر ثم قالت بسعادة :
-وانا برضو الدكتورة قالتلي انا في الأسبوع التامن
نظر عمر نحو سفيان والذي كان مبتسمًا بهدوء فقال متسائلًا :
-هو انت عرفت يا سفيان؟!
-هو انتوا كلكم كنتوا تعرفوا؟؟
-ايوه لأن هاجر لما تعبت كنت انا ورقية موجودين، عامةً مبروك يا حبيبي ربنا يجيبه بالسلامة وتقوم اللوزة بتاعتك بالسلامة
نطق بها عمر بحب وهو يربت على فخذ أخيه فرفع الآخر يده بسرعة من على فخذه وقد امتعض وجهه بألم فقال عمر بصوت خافت :
-سفيان انت كويس؟؟
آماء سفيان وهو ينظر إلى هاجر التي انشغلت في الحديث مع رقية عن أمور الحمل ثم قال بمزاح حتى لا يلح عليه عمر في السؤال :
-انا تمام وبما ان الاتنين حوامل وماشيين في نفس الوقت فمن دلوقتي لو انا خلفت بنت انا اللي هسمي زينب
رفض عمر بسرعة معاندًا كالأطفال :
-لأ انا قولت الأول لو خلفت بنوتة هسميها زينب على اسم أمي
-ولد عيب انا الكبير يا عمر انا اللي اسمي الأسم
رفعت رقية إحدى حاجبيها بتهكم لا يعجبها الحديث إذ صاحت بإنزعاج :
-لأ ثواني معلش هو انتوا ليه تختاروا وإحنا ملناش حق نختار وإحنا اللي هنتعب في الحمل مش انتوا وإحنا اللي هنربي مش انتوا، يعني إحنا نختار وانتوا تسجلوا اللي هنختاره
وافقتها هاجر ما تقول إذ آماءت برأسها عدة مرات قائلة :
-معاها حق إحنا بنتعب يبقى إحنا نختار ثم افرض خلفنا ولدين أو بنتين، أكيد يعني مش هنسمي الاتنين زينب!!
ابتسمت ونس ثم قالت بحل وسط من وجهة نظرها قائلة :
-إن شاء الله لو الموضوع كمل الأول على خير يبقى واحدة اسمها ونس على اسمي، اسم جديد وحلو، والتانية يبقى اسمها زينب على اسم بنتي الله يرحمها
نظرت نحو سفيان وعمر ثم استرسلت بنبرة تحذيرية :
-بس لو واحد خلف ولد اوعوا تسموا فياض بلاش تجيبوا للعيال عقد نفسية
لوى سفيان شفتيه بسخرية ثم أجابها بفظاظته المعتادة :
-فياض يجيب عقد نفسية وونس لأ، ثم ايه ونس ده اللي انتي شايفاه جديد، انا عمري ما شوفت في حياتي حد اسمه ونس في مصر كلها غيرك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
رفع كوب النسكافيه إلى شفتيه يستمع إلى رنين الهاتف ولكن بدون رد، عقد حاجبيه بضيق فلما لا تجيب على المكالمات منذ أن تمت خطبتهما، لقد مر يومين على الأمر وحتى الآن تحادثه بالرسائل وكأنها تخجل من محادثته شفهيًا
حاول مرة أخرى وهذه المرة عاقدٌ على إن لم تجب سيذهب لمنزلها الآن، ولم يمر الكثير وأجابت عليه فقال متعديًا أي كلمة ترحيب وبنبرة جادة خالية من المزاح :
-عارفة لو مكنتيش رديتي عليا يا نور انا كنت هجيبلك البيت واطلع جناني عليكي
تحركت نور من مكانها بسرعة وخرجت من الغرفة التي تجلس بها مع والدتها وبراءة وخالتها ثم أجابت عليه بنبرة خافتة :
-معلش كنت قاعدة مع ناس مش عارفة أرد على التليفون
-قاعدة مع مين؟!
-بتخطب لواحد غيرك
نطق بها بمزاح ثقيل نوعًا ما فأجابها حمزة بنبرة هادئة أقرب للجمود وهو يحتسي ما في الكوب :
-مين ده؟!
-واحد من ولاد عمامي
-مين فيهم بالظبط ما شاء الله عندك ولاد عم كتير
هتف بها بسخرية لاذعة يعلم أنها تمزح وأراد أن يكمل هذه المزحة فقالت نور بدون مزاح هذه المرة :
-واحد كان هيموت عليا بس انا رفضته زمان ولما عرف إني هتخطب راسه وألف سيف محدش ياخدني غيره
هذه المرة شعر أنها لا تمزح ونور لم تكن تمزح بالفعل فالبارحة وصل لها هذه الخبر من والدها وهو يحادث والدتها ولكن والله إن وقف على شعر رأسه لن تتزوجه، اخفض حمزة الكوب بعنف حتى شعر أنه شعر أن حدث به شق :
-نور يا حبيبتي بلاش هزار في الكلام ده، انا آه كاتب مرهف المشاعر ومحامي ورزين في شغلي بس عندي فولت جنان عالي واسألي عني عمتك، أقسم بالله اتجنن عليكي
حمحمت نور بصوت مرتفع تشعر أنها قد أفسدت الأمر لذا قالت بخفوت :
-انا عند براءة تعبانة شوية وبزورها، وعلفكرة كنت بهزر يا حمزة
-يا قلب حمزة
اتسعت عينيها بصدمة من سرعة تقلب مزاجه والآن قد صدقته فيبدو أنه بالفعل مجنون، بينما استرسل الآخر في حديثه وقد ضحك بخفة على صمتها الناتج عن صدمة وخجل بالطبع :
-طب وقبل كده لما برن مش بتردي ليه؟!
-انت بترن بالليل وانا ببقى نايمة
-وبالصبح يا نور بطنشي ليه، بتكلم معاكي رسايل تردي علطول لكن تليفون لأ، بطلي تقل يا نور والله بيجنني
ضمت نور شفتيها بتوتر ثم تلعثمت في حديثها محاولةً الإجابة عليه :
-انا مش بنقـ…. مش بقتـ…
صمتت بسرعة لا تستطيع إكمال الكلمة حتى ولهذا السبب لا تجيب على مكالماته حتى لا تخطئ في حديثها وتتلعثم وتظهر كبلهاء أمامه، رفعت بسرعة الهاتف على أذنها قائلة بإختصار :
-انا هقفل سلام
-بحبها
زادت دهشتها بهذه الكلمة العجيبة التي لا تناسب الموقف حتى أنها شعرت أنه يحادث أحد آخر ولا يزال الخط مفتوحًا لذا قالت :
-الو
-معاكي ومتقفليش انا بحب لخبطتك في الكلام، أحيانًا مش بفهمك بصراحة لما تتكلمي بسرعة وأعتقد الموضوع وراثة من ابوكي لأن حرفيًا نص كلامه لما جيت اتقدملك مكنش مفهوم وأمك كانت شغالة مترجم لما تشوفنا ضعنا في نص الكلام
ضحكت نور على حديثه فهو محق به، كلام والدها سريع والذي أمامه لا يفهمه وهى قد ورثت هذه الصفة منه :
-بابا كلامه سريع بس مش ملخبط زيي
-ليه بيحصلك كده طيب
همهمت بينها وبين نفسها مترددة في الإفصاح عن هذا الأمر ولكنه بعد أيام سيكون زوجها والزواج عبارة عن مشاركة :
-علشان مش بتكلم كتير وبقعد ساكتة طول الوقت، بحب اسمع بس مش بحب اتكلم علشان كده لو اتكلمت بتلخبط في الكلام علشان مش متعودة اتكلم كتير
-اخدت بالي يا نور وعايزة أسألك ليه بتحبي الصمت، في كل مرة كنت بشوفك في تجمع عندنا أو عند عمي محفوظ ساكتة طول الوقت، تسمعي اللي حواليكي ومركزة في الكلام بس مش بتشاركي أبدًا، حتى لما كنت قاعد معاكي ساكتة وانا اللي بفتح الحوار لحد ما زهقت، ولما كنا بنختار الشبكة مكنتيش بتتكلمي بتسمعي أذواق اللي حواليكي بس من غير مشاركة ولا كأن الموضوع ده يخصك انتي، حتى أكتر من مرة ابوكي وأمك يقولولك اتكلمي وقولي عايزة ايه
تنهدت نور بثقل رغم البسمة البسيطة المرتسمة على وجهها، وقد نسيت مَن بالداخل وأخذت تتحدث معه :
-من وانا صغيرة الموضوع ده عندي وعمل تراكمات لحد ما بقيت على وضع الصمت طول الوقت، من وانا صغيرة بحس كلامي مش مقبول أو لما اتكلم محدش بيهتم، مش بعرف اتكلم ولا اعمل صداقات، انا من الابتدائي لحد الكلية معنديش صحاب ومش ببالغ يعني مش بعرف أعمل صحاب ونتكلم كتير على الشات ونطلع سوا ونتشارك الآراء زي باقي البنات، كل تطبيقات السوشيال عندي فاضية حتى بنات عمامي مش بكلمهم كتير، حتى مع عيلتي بيتكلموا مع بعض ونهزر حتى مع ولاد عمامي، شروق بتحب جمال قوي وتحب تتكلم معاه بحسه توأمها وبراءة ودعاء يموتوا في استفزاز حسن والكل بيحب عائشة علشان لسانها حلو، بحس إني مش متشافة وسطهم فبقعد ساكتة واسمع ومتكلمش إلا لو حد وجهلي كلام، ولو قاعدة مع ابويا وامي وأختي التلاتة يحبوا يناكفوا في بعض وانا بقعد اتفرج عليهم، عيب شخصية تقريبًا عندي بس مش مضايقة من الموضوع اتعودت عليه علشان كده بحب اقرأ بخلق مع نفسي عالم تاني بعيد عن اللي برا
-سبحان الله غادة رقم اتنين أوي معادا موضوع القراءة هى مش بتحب تقرأ
لم تفهم نور ما يعنيه فقال حمزة وهو يسترق النظر لخارج الغرفة فيبدو أن أبناء اعمامه قد عادوا من الأسفل لذا قال منهيًا الحوار :
-هقفل علشان الولاد رجعوا وهياخدوني محتوى لما يسمعوني بكلمك فـ هبقى أتصل عليكي بعدين، نور انتي لو مش متشافة مكنتيش وقعتيني فيكي، كفاية عنيكي يا حبيبتي اللي بتخطف قلبي دي لوحدها مدوباني فيكي
خجلت نور بشدة من غزله الصريح بها لذا قالت بسرعة بنبرة متلعثمة :
-متتكلمش كده حز… يا حمزة…. حرام
ضحك الآخر على لعثمتها اللطيفة ثم قال بنبرة مشاكسة :
-طب مع السلامة يا قلبي
أغلقت نور مستغفرة ربها منه وله، لما لا يصبر قليلًا ذلك الرجل ألهذا الحد قتله الشوق وفيضان المشاعر؟!
أما حمزة ما إن أغلق معها حتى وجد كريم فوق رأسه، يضع كلتا يديه في خصره ثم قال مقلدًا ما قال بطريقة ساخرة :
-بتكلم مين يا قلبي؟؟
تبسم الآخر على منظره ثم أجاب بهدوء، ضاممًا ضحكاته عنه :
-بكلم نور
-وبتقولها كده في وشي طب راعي مشاعري طيب
نطق بها بتذمر وكأنه امرأة تغار على زوجها من زوجته الثانية، تحرك حمزة من مكانه نحوه ثم قام بضمه بقوة قائلًا ببسمة متسعة :
-كراميلا
بداله الآخر العناق ثم قال مدعيًا التذمر :
-يا نعم
-ما تجيب بوسة
دفعه بسرعة بعيدًا عنه فسقط حمزة على الاريكة وهو يقهقه بقوة بينما صاح كريم قائلًا :
-انا كريم يا حمزة مش نور، انت دماغك لسعت وحالة الجفاف عندك بقيت صعبة أوي
خرج بسرعة من الغرفة وقد اصطدم في يوسف في طريقه فأعتذر منه يوسف وولج إلى الغرفة حتى يغير ملابسه ويستعد للخروج، نظر بطرف عينيه إلى حمزة الممدد على الاريكة ونظره للسقف وهناك بسمة ضاحكة على وجهه مثل المجانين :
-حمزة تجي معانا؟
انتبه له الآخر ثم اعتدل وجلس نصف جلسة قائلًا :
-اجي فين؟!
-إسماعيل ولؤي عايزين يروحوا الأرض وقالوا لحسن وهو قالهم ماشي وانا وكريم رايحين معاهم نتفسح شوية في الزرع، تيجي معانا؟!
واستقام الآخر من مكانه بسرعة ثم قال :
-اجي وماله أهو الواحد يطلع من علبة السلامون دي حاسس إني قربت اتسلق من الحرارة هنا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
بدأت تشعر بثقل في جفنيها والنعاس يداهمها الآن بعد أن فارقها الليل كله، غفت بإرهاق وصوت والدتها يعلو فوق رأسها بتلاوة القرآن وهى تضع كفها تمامًا فوق رأسها، بينما براءة ممددة على الفراش ورأسها فوق قدمي والدتها
ظلت والدتها تتمتم بالقرآن بخفوت وهى تمسح بيدها على رأس ابنتها تشعر بالخوف عليها، وحولها تجلس صفية وبناتها وشروق واختها الكبيرة “جمالات” والدة ياسر وحسين يقف بجانب الباب يتنهد من حين إلى آخر لا يدري ماذا أصاب ابنته
توقفت فايزة عن تلاوة القرآن فور أن دلفت نور والتي ما إن رأت براءة قد غفت بعد معاناة حتى قالت محاولةً خفض صوتها قدر المستطاع :
-الحمد لله نامت؟!
تمتمت صفية حامدة ربها هى أيضًا ثم حولت نظرها لشروق التي كانت تجلس بجانب براءة تمامًا وعينيها عليها بقلق وخوف حقيقي فلا تزال ترتعش خوفًا كلما تتذكر ما عاشته أمس بسبب شقيقتها التي انقلب حالها الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل أثناء بحثهم عن تصاميم فساتين مميزة لعقد القران
شعرت براءة بالصداع المفاجئ وتركت الهاتف واستقلت قليلًا مغمضةً عينيها دون أن تنام بينما بقيت هى على الهاتف تكمل البحث، وفجأةً استمعت لشقيقتها تشهق بقوة وجسدها يختض بعنف في الفراش وكأن أحدهم يجثوا فوقها ويقبض على عنقها
تيبست بالمعنى الحرفي من الرعب حتى أنها لم تشعر بنفسها وهى تصرخ بعلو صوتها تنادي على والدها، ولأن الأجواء كانت ليلية والصوت يسري اتاه حسين ركضًا من الأسفل والنوم لا يزال في عينيه ليجد ابنته في حالة من التشنج والمحاربة من أجل التنفس
لم يفهموا ماذا أصابها ولأن والدتها امرأة متدينة تفقه كثيرًا في أمور القرآن والدين شعرت أن ابنتها قد أصابها مس أو ما شابه لذا أتت بماء وقرأت عليه قرآن ثم سكبته فوق رأس ابنتها
دقيقة مرت وعادت براءة طبيعية وكأن شيئًا لم يكن وعندما سألوها قالت أنها شعرت بشئ يجثوا فوق صدرها يمنعها من التنفس، لا تستطيع التكلم ولا دفعه ولا الاستنجاد بشروق وهى تسمعها تصرخ وتنادي
فسر والديها أن ما حدث ما هو إلا جاثوم وحتى شروق أكدت هذا خاصةً وأن براءة شبه غفت بعد أن داهمها ذلك الصداع، ولكن بعد هذا تعقدت الأمور إذ حين حاولت براءة أن تنام كانت تقفز مرتعبة من نومها وكأن هناك من يزورها في الحلم ويرعبها حتى تستيقظ
وما زاد تعجب الجميع أنها تهتف باسم يوسف وكأن من يثير رعبها في الحلم هو يوسف، ظلت هكذا طوال الليل تغفي دقائق ثم تقفز من نومها مرتعبة خائفة فاقترحت والدتها أن تستحم بماء دافئ ولكن الأمور زادت سوءًا
إذ أثناء ما كانت تغير براءة ملابسها في المرحاض خرجت لهم نصف عارية والرعب على قسمات وجهها، تقسم بالله أنها شعرت بأحد يدور حولها داخل المرحاض وهى لا تراه
وهنا تأكد والديها أن براءة بها شئ غير طبيعي لذا عندما طلعت الشمس ذهب والدها مسرعًا لأحد الشيوخ الذي يعرفهم وأتى به بسرية تامة _ولا تعلم لما_ وعندما رآها الشيخ قال أنها مصابة بسحر
حتى الآن لا تصدق ما تفوه به فعن أي سحرٍ يتحدث، ولما قد يفعل أحدهم لبراءة سحرًا وهى لا أحد يعلمها بسبب عشق براءة للجلوس في المنزل، تكاد تجزم أن اختها إن سارت في شوارع قريتهم لن يعلم أحد ابنة مَن هذه، فمن الذي قد يفعل لها سحرًا
علمت خالتها جمالات وخالتها صفية وبالطبع والدتها هى من أخبرتهما وأتين مسرعتان لهذه الورطة من وجهة نظرهن، وقد قالت خالتها جمالات أنها قد تكون كوثر زوجة عمهم وهذا الاحتمال الأكبر ولكن عليهم التأكد قبل إيقاع الظلم على أحد
ربما كوثر امرأة سيئة بغيضة ولا أحد يطيقها في العائلة ولا حتى زوجها وهى لا تطيق والدتها وخالاتها، ولكن لم يشهد أحد أن قامت بسحر لأحد أفراد العائلة بسبب حقدها، وهذا ما قاله والدها حتى لا يظلموها
وكما أن كوثر مشغولة في زواج ابنها منذ أسبوع ولا وقت لديها للحكة بالمعنى الحرفي فمتى إذًا قامت بالسحر؟؟ وبقى هذا السؤال معلق دون إجابة وقد تركوه على جنب وها هم يعالجون براءة بالقرآن والأذكار مثلما قال الشيخ
وها هى شقيقتها غفت بعد معاناة دامت سبعة عشر ساعة منذ ليلة أمس حتى عصر اليوم، تحدثت صفية قاطعة الصمت على الجميع وهى تقول بجدية :
-فايزة أوعوا تقولوا ليوسف وعيلته
أيدتها الأخرى دون تفكير وهى تربت بخفة على وجه ابنتها الغافية على قدميها :
-أكيد محدش هيقول، هنقولوا يعني البت اتمست كفاية وحدة شهروها في البلد هيبقوا هما الاتنين
أسرّتها شروق في نفسها ولم تتحدث ولكن عائشة اعترضت هاتفة بعقلية تسبق سنها :
-معلش أعتقد المفروض يعرفوا علشان لو هو سابها وهى تعبانة يبقى ميستهالش
تحدث حسين بإعتراض، مؤيدًا حديث زوجته وصفية :
-بس هى مش عيانة عياء عادي دي ممسوسة بسحر لو عرفوا هيتفركش الموضوع كله وهى بعد يومين المفروض كتب كتابها الناس تقول ايه السبب واللي حصل ويحطوا ويزيدوا من عندهم، وعليه ده كله؟!
وقفت شروق من مكانها صائحة بنبرة غاضبة وقد فاض بها خوف والديها وعائلتها من الناس على حساب صحتهم وراحتهم هم، في البداية هى والآن براءة :
-الناس الناس النـــــاس يحرق *** الناس كــلـــها
تركت لهم الغرفة وخرجت فتبعتها عائشة حتى تهدئ من روع الأخرى وقد ظلت نور تجلس في مكانها تفكر فيما قالت لحمزة، لقد أخبرته أن براءة متعبة ولكن لم تخبره ما التعب فهل تقول لهم أنها فعلت هذا أم لا
خرجت من فقاعة تفكيرها على صوت والدتها وهى تجذبها معها لخارج الغرفة ثم قالت :
-نورهان روحي البيت انتي واختك هاتوا ربيع للطير وودوله وهاتوا لبسكم وحاجتكم علشان هنطلعوا من هنا على الفرح
-طب ما نروحوا نلبسوا في البيت ونرجعوا تاني
-الطريق طويل وانا مش عايزة اسيب خالتك حايرة مع بتها لوحدها
-تمام بس هى خالتي هتروح الفرح وتسيب براءة كده ولا براءة تقدر تيجي
-مش عارفة هشوفها دلوقتي، روحي انتي الحقي قبل ما الشمس تغيب
آماءت لها نور وفعلت ما طلبته إذ أخذت عائشة وعادا إلى المنزل وفي الطريق رأت نور من على مرمى البصر حسن ومعه بعض الشباب يتوغلون في الحقول وقد رجحت أن حمزة وأبناء اعمامه هم من معه، ولكن لم تعلق وأكملت الطريق للبيت
أما على الناحية الأخرى كان حمزة والبقية يتبعون حسن الذي كان يسير في المقدمة على طريق ترابي ضيق وحقول الذرة تحيطهم من الجهتين، وحتى الآن لم يصلوا إلى أرضهم
توقف لؤي في مكانه ثم صاح بتعب قائلًا :
-يا خالي هو إحنا لحد دلوقتي لسه موصلناش؟؟
-لأ لسه وبعدين ايه اللي انتوا لابسينه ده، حد يجي غيط مزروع شامي بنص كم؟!
رفع يوسف منكبيه بجهل مثله مثل البقية ثم قال :
-طب وإحنا هنعرف منين؟؟ لو فاضل كتير يلا نروح ادينا اخدنا فسحة
وأجابه كريم بنبرة متهكمة قائلًا :
-فسحة ايه معلش اللي خدناها!؟ بقالنا نص ساعة بنمشي وسط متاهات الدرة دي، هو كده فسحة؟؟
توقف حسن أمام أرض كبيرة مزروعة بالفول السوداني القصير على الأرض فأستدار إليهم قائلًا :
-تعالوا ارتاحوا شوية هنا وبعدها نروحوا علشان ألحق البس للفرح
جلس إسماعيل على جنب بجانب حسن بينما اخذ البقية يتجولون في هذه القطعة الزراعية والآن فقد استطاعوا إلتقاط أنفاسهم، بعدة عدة دقائق ارتفع صوت من اللامكان ثم ظهر رجل يرتدي ملابس بالية شبه متسخة بالتراب وبعض البقع الخضراء
ظهوره المفاجئ هذا آثار فزع البعض بإستثناء حسن الذي استقام من مكانه ثم اتجه إلى هذا الرجل وقد حيّاه بهدوء :
-ازيك يا ممدوح عامل ايه
نظر الآخر لمن خلف ظهر حسن ولكن لم يبالي كثيرًا بل وجه حديثه لمن أمامه قائلًا :
-تمام الحمد لله لو هتعبك تعالى ارفع معايا شيلة الدراو “برسيم صيفي للحيوانات” على الحمارة
-ماشي دقيقة
نظر حسن خلفه للبقية ثم قال بصوت مرتفع حتى يسمع جميعهم :
-هرفع الشيلة على الراجل وجاي محدش يروح بعيد علشان متوهوش علشان لما آجي نمشوا علطول
اختفى حسن عن أنظارهم بين أفرع الذرة الطويلة بينما بقى إسماعيل مكانه يعبث في هاتفه قليلًا والبقية يلتقطون الصور بهاتف كريم لأن كاميرته ممتازة
دعس كريم بالخطأ على إحدى عشبات الفول السوداني المزروع وقد ماتت أسفل قدمه فهبط سريعًا يحاول عدلها لأن حسن حذرهم من الضغط عليها ويفضل السير بين الفراغات
كان كريم مشغولًا بما يفعل وحمزة يلتقط له بعض الصور مع يوسف في أكثر من وضعية فلا يأتيان كل يوم إلى حقول زراعية بهذه المساحة، كان الجميع منشغل لدرجة أن أحدهم لم ينتبه لخروج حسن من مكانه ثم قال بصوت مرتفع :
-يلا علشان نمشوا
نادى إسماعيل على أبناء عمه حتى يحضروا فلبيا يوسف وحمزة وتحركا لخارج الأرض هذه بينما كريم لم ينتبه لهم وظل يحاول أن يعدل أغصان الزرعة الصغيرة التي داس عليها فانتبه حمزة لغيابه وعاد بسرعة له وبقى يوسف على جنب وعينيه تنظر من حين لآخر لطيف حسن الذي يسير على نفس الطريق الذي أتوا منه
جذب حمزة شقيقه وجعله يقف قائلًا :
-بتعمل ايه هنمشي خلاص قوم
استقام بالفعل معه وتحرك ثلاثتهم خلف يوسف الذي عاد ونظر للطريق بسرعة بحثًا عن حسن أو البقية ليجد شاب ينحني أرضًا ويبدو أنه يلتقط شيء، يرتدي مثل ملابس حسن تمامًا حتى أنه لم يفرق أنه ليس هو
تحرك ذلك الشاب إلى اليمين متوغلًا لطريق آخر فقال كريم بتعجب :
-هو رايح فين إحنا مرجعناش من الطريق ده؟!
دفعه حمزة بسرعة لكي يتحركوا ولا يضيعوا أثره قائلًا :
-يمكن طريق مختصر هو يعرف أكتر مننا
توغلوا خلفه بسرعة ولكن كان ذلك الشاب يسلك طرقًا كثيرة ويمشي بسرعة فنادى عليه يوسف لكي يتوقف قائلًا :
-يا حسن دقيقة استنى مش عارفين نمشوا بسرعة
أستدار الآخر نحو المنادي وقد أبصر ثلاث شباب لم يرهم من قبل في قريتهم، ولم يبالي بهم كثيرًا وتحرك قبل مغيب الشمس حتى يعود لمنزله
بينما أخذ الثلاثة صدمة جعلتهم ينظرون لبعضهم ببلاهة شديدة وأول من تحدث كان حمزة والذي صاح بيوسف قائلًا :
-يخربيتك ده مطلعش حسن وواحد لابس زيه معرفتش تفرق ليه يا غبي
حرك الآخر رأسه بعدم فهم وهو نفس يجهل كيف أخطأ بينهما وكيف لم يلحظ أن لؤي وإسماعيل لا يسيران معه :
-مش… مش عارف طب إحنا هنروح فين دلوقتي!؟
سار حمزة بسرعة في الإتجاه الذي سار منه ذلك الشاب ثم قال :
-نروح وراه يمكن يخرجنا من هنا أو نسأله نطلع ازاي
ورغم أن هذا كان الإختيار الوحيد إلىٰ أنه كان أسوء إختيار، إذ ضيعوا أثر ذلك الشاب أيضًا بين أفرع الذرة الطويلة والتي يتعدى طولها طولهم هم وتخفيهم عن الأعين
وبعد عدة دقائق استمعوا لصوت حسن ينادي من بعيد عليهم وقد اكتشف لتوه أنهم غير موجودين معهم، ولكن للحظ السئ كلما تحركوا لا يصلون أبدًا وكأن صوته يبتعد ولا يقترب
أخذ يوسف يحك في جلده بقوة والذي ترك أثر لونه أحمر مع خطوط حمراء كثيرة، رفع رأسه إلى حمزة والذي كان يحاول الإتصال بأحد يأتي ويخرجهم من هنا ولكن بدون فائدة فلا إشارة هنا أبدًا، وهذا لأن شركة الإتصالات التي يستخدم حمزة شريحتها بعيدة عن هذا المكان كل البعد لذا الإشارة منقطعة
اخفض هاتفه بيأس قائلًا :
-الإشارة قاطعة عندي شوفوا تليفوناتكم انتوا
-انا تليفوني مع لؤي كان بيصور به علشان قال كاميرته حلوة
-وانا تليفوني سيبتوا في البيت على الشاحن
رمقهما حمزة بملامح جامدة لبضع ثواني ثم قال مقلدًا امرأة سمعها تتشاجر صباحًا مع طفلها :
-يا صلاة النبي يعني إحنا كده توهنا؟!

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية في مدينة الاسكندرية) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!