رواية 3 شهور – الفصل الرابع
يوسف !..صباح الخير… إنت كويس؟
أنا كويس.
التعب باين عليك كل يوم أكتر من الأول. أنا خايف عليك، ومش عايز أخسرك. أرجوك خلينا نحاول ونبدأ علاج. هتخسر إيه؟ كده كده عاجلًا أو آجلًا هتسيب الكورة غصب عنك، يبقى نحاول.
يا سيف قلتلك ميت مرة، أنا هموت كده من غير علاج. هموت في الملعب، أنا عايز كده، ودي إرادة ربنا وأنا موافق عليها.
بس ربنا خلق الطب والدواء، ولسه عندك فرصة. نسافر بره وناخد أحسن علاج. تغور الكورة لو هتبقى السبب في موتك!
مش فارق معايا، أنا أصلًا مبقتش قادر أمشي. بنزل الصبح بس عشان ساره متحسش بحاجة.
طب وأهلك؟ وهي؟ مش حرام عليك تجرحها وتسيبها للمرة التانية؟
يوسف قرب من سيف وحضنه جامد.
خلي بالك من أهلي، خلي بالك منهم، ومتقولهمش إني كنت عارف. متخليهمش يحسوا إني كنت بتوجع.
وهي… خلي بالك منها وراقبها دايمًا. كل سنة في عيد ميلادها ابعتلها بوكيه ورد أحمر وهديه من الفلوس اللي سايبها معاك.
دي وصيتي.
سيف انهار من العياط.
ليه بتعمل فينا كده؟ ليه؟..
سيف افتكر أول ما استلم التحليل فتحه ومفهمش حاجة. ترجمه من على النت، وكانت الصدمة.
ان يوسف اتشخص سرطان فى مرحلة متأخرة، بس لسه فيه أمل بالعلاج.
لما واجهه، رفض. قال مش هيسيب الكورة ويقعد يتعالج، وإنه هيموت في الملعب. ورفض إن أي حد يعرف، لا أهله ولا حد غيره.
حاول معاه كتير، لكن قرر يكمل اللي باقي في حياته في الكورة ومعاها.
الدكتور قال إن لو ما بدأش علاج، فاضل له 3 شهور أو اكتر شوية الله اعلم بس مبقاش كتير .
رضي بالمدة. طلب من أهله يرجعوا مصر، وقرر يتجوزها. طلب من أهلها يضغطوا عليها، وعمل نفسه مش فاكر أي حاجة.
كل اللي عمله ده كان عشان يعيش الباقي معاها.
سبب إنه كان مانعها تدخل أوضته… كان ده.
عند ساره…..
دخلت الأوضة. الحمد لله الباب كان مفتوح.
قفلت ورايا، واتصدمت.
صور كتير ليا… وأنا صغيرة. صور مع طفل تاني، واضح إنه هو.يوسف!.
استغربت إزاي يعرفني وإحنا صغيرين. والأغرب إني كنت مبسوطة في الصور.
أول ما شفتهم، دماغي وجعتني جامد.
صور أبيض وأسود بتجري في دماغي، وكلام بيتكرر:
ما تمشيش…
أنا هرجع تاني…
هرجع عشانك…
تعالى شوف، ماما عاملة ورق العنب…
إحنا هنسافر بكرة…
إنت هتمشي؟
مش عايزة أشوفك تاني…
خلي دي معاكي لحد ما أرجع…
وبعدها…
صوت خبطة…
وسكون.
رجعت كل حاجة.
هو ده…
حبيب الطفولة.
لا… لا… مستحيل.
ده حلم… أكيد حلم.
معقول هو اللي عمل كل ده؟ موضوع الفرح وكل حاجه؟
معقوله انا بنت الجيران اللى كان بيقول عليها!!؟
قعدت أعيط وأدور في الأوضة زي المجنونة على أي حاجة تفهمني.
لحد ما لقيت أدوية كتير على المكتب اللي جنب السرير. قربت، بصيت عليها، وفهمت.
شهقت بصوت عالي، والدموع نزلت من غير ما أحس.
معقول ده السبب؟
هو ده اللي خلاه يمنعني أدخل أوضته؟
عشان الصور…
وعشان الدوا…
يوسف… تعبان؟؟!.
رجعت البيت بعد ما اتقابلت مع سيف، ووصيته، وبعد عياط كتير، وبعد زنّ كبير إني أحاول حتى محاولة، وأنا رفضت.
التعب كان بيزيد. طلعت أوضتي، قربت من المكتب بدوّر على الدوا… ملقتوش.
فجأة سمعت صوت جاي من ورايا:
بتدوري على ده؟
اتشلّيت مكاني من الصدمة. في اللحظة دي أدركت إنها عرفت كل حاجة وافتكرت اكيد كل حاجه.
لفّيت براحه، عيني جات في عينها. كانت منهارة من العياط.
ليه؟ ليه يا يوسف ساكت كل ده؟ ليه بتتوجع لوحدك في صمت؟ هو… هو التعب اتمكن منك اوى..؟
سِكت. وسكوته أكدلي اللي كنت خايفه اسمعو.
وشه وشكله مش زي أول مرة شوفته، مش ده يوسف اللي عرفته.
انهارت وقعت على الأرض بعيط. قرب مني، قعد قصادي، حضني، وبكينا سوا.
مش قادرة أتخيل إن بداية الماضي ونهاية المستقبل يبقوا في نفس اللحظة.
عشان خاطري يا يوسف، عشان خاطري متوجعش قلبي.
تعال نسافر، نروح ألمانيا، أمريكا، أي بلد… أكيد لسه في أمل.
بص في عيني وقال بهدوء:
أنا كان فاضلي حوالي 3 شهور، والمدة قربت تخلص. طبعًا الموت علمه عند ربنا، بس مبقاش ينفع. أنا مش عايز غيرك… تفضلي معايا في اللي باقي وبس.
طبعًا ما كنتش متقبلة فكرة موته خالص.
علّمني حاجات كتير أوي، كان بيصلّي بيا، محافظ على ورد القرآن، وبيجبرني أقرأ معاه، وينصحني بالحجاب ويقربني من ربنا.
عدّى ممكن اسبوع بعد ما عرفت مرضه، وكل يوم التعب بيزيد.
بقيت أنام وأنا خايفة أصحى ملاقيهوش بيتنفس.
بفضل قريبه منو، أحط راسي جنب قلبه وأسمع دقاته عشان أطمن إن لسه فيه بكرة.
رفض إن أهله يعرفوا أي حاجة، واحترمت ده.
كفاية إنه هو بيتعذب كل ثانية.
قررت أعمل أي حاجة تفرحه.
صحيت مرة من النوم، بصيت جنبي وخوفت أقرّب. قربت راسي من قلبه… الحمد لله، لسه بيتنفس.
حضنته جامد وقومت.
لبست وخرجت على محل محجبات، اشتريت دريسات واسعة وخمارات كتير، وقررت أتحجب… عشاني، وعشان ربنا، وأكيد عشان يوسف.
رجعت، غيرت هدومي، لبست الدريس والخمار، وطلعت فوق.
كان صاحي ماسك التليفون.
كنتِ فين؟ كنت لسه هرن عليكي…
اتصدم لما شافني بالحجاب. حضني جامد وقال:
مبروك يا حبيبتي، فرحان بيكي أوي والله.
وكان فرحان بيا اوى
نزلنا عملت فطار وفطرنا.
قال إنه عايز يروح النادي شوية. ما قدرتش أرفض.
لبست الحجاب وكان شكلي حلو أوي. القرب من ربنا جميل فعلًا.
كان فرحان بيا أوي واتصورنا كتير في اليوم ده.
روحنا النادي، نزل لعب شوية مع صحابه. كان بقاله فترة مش بيروح، بس ما أعلنش اعتزاله.
كنت ببص عليه وهو بيلعب ويبصلي ويضحك.
مكنتش متخيلة إن في لحظة هتيجي ويمشي فيها.
فجأة وقف، بصلي وابتسم…
وبعدها وقع على الأرض…….
عرفت إن اللحظة اللى كنت خايفه منهاجت خلاص…..
(بعد أسبوع…)
صحيت، وأول ما فتحت عيني كنت بتمنى أشوفه.
كنت بتمنى أكون بحلم.
بس أول ما فتحت عيني لقيت بابا وماما قدامي.
أنا فين؟ فين يوسف؟
ماما قربت ومسكت إيدي وهي بتعيط.
إنتي كويسة يا حبيبتي… فاكرة آخر حاجة؟
يوسف… يوسف يا ماما فين؟
بابا قرب، مسك إيدي، وبص في الأرض وبعدين رفع راسه.
يوسف تعيشي إنتي يا بنتي… راح للي خلقه.
لا… لا… لا…
يوسف كويس، هيخف.
قالّي قبل كده كتير: أنا هرجع عشانك. هيرجع صح؟
يوسف… أرجوك ارجع، متوجعش قلبي.
بعد انهيار كبير، وأنا لسه تعبانة، أصريت أروح المقابر.
وجعني أوي إني ما شوفتهوش آخر مرة.
لبست حجابي، أهلي استغربوا بس شجعوني وقالولي حلو.
افتكرت كلامه لما قالى:
مبروك يا حبيبتي، مبسوط بيكي أوي….
وصلت المقابر لوحدي.
قربت من قبره:
المرحوم يوسف محمد بدران.
قلبي وجعني.
افتكرت كلام بابا وماما، إنه جه قبل العزومة وأنا مش في البيت، وكان مستعجل يتجوزني.
افتكرت إحساسه وأنا بحكيله عن نور، وهو ساكت.
وإحساسه وأنا مش فاكراه.
نفسي يرجع يوم واحد… ساعة واحدة… أصلّح كل ده.
قعدت هناك لحد الليل، ورجعت.
رجعت بيته، طلعت أوضته، نمت على سريره.
فضلت في الحزن ده كتير…
بس عمري ما نسيته، ولا هنساه.
دلوقتي عدّى سنتين على وفاته، وبكتب قصته كتاب.
اللي زي يوسف يستاهل يتكتب عنه.
وحتى بعد موته، هدية عيد ميلادي بتوصلني منه عن طريق صاحبه.
سايب فلوس مخصوص عشان الهدايا تبقى منه.
منسانيش حتى وهو ميت.
يا ريت لو كان في إيد الإنسان يغير القدر…
كنت غيرت كل حاجة…
إلا يوسف..
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية 3 شهور) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.