رواية لن اغفر لها الفصل السابع عشر 17 – بقلم سامية صابر

رواية لن اغفر لها – الفصل السابع عشر

17|سنبدأ مِن جديد.

17|سنبدأ مِن جديد.

(

لم يفِطر قلبي


سوي


فُقدان أعز


الناس


عليهِ

).

________

كان الطفل سيف يلعب في غرفة ملك وهو جالس معها وهي أنشغلت عنه قليلاً للحديث مع شقيقتها شذي لمعرفة كيفية الطهارة من الحيض بطريقة سليمة، وذهب الطفل وهو يلعب نحو الشرفة وظل يلعب علي اطراف الشرفة حتي صعد عليها رفقًا ثم وبدون سابِق إنذار وقع من اعلي حيث الطابق الثالث التي تمكث فيه ملك، وقع علي رأسه لينزف دمًا ويصبح جثة هامدة علي الارض ولم يخرج صوته حتي لو كان يتألم.

صرخت ملك باسمه وهي تسمع ارتطام قوي متوقعة انه سيف، تركت الهاتف وركضت نحو الشرفة لتجده ارضًا بدء الحرس يتجمع حوله صرخت هالعة بكل خوفها:

-سيييف سييييف

ركضت الي الاسفل وهي تبكي بكل ما أتت من قوة ، كانت (حُسنية)، جالسة تشاهد التلفاز بإندماج حتي نهضت بهلع وخوف قائلة:

-ملك فيه ايه يابنتي؟

لم تجيب ملك وواصلت ركضها خارج الفيلا، ركضت خلفها حُسنية بقلق شديد، هوت ملك ارضًا تحمل الطفل بين ذراعيها وهو غارق في دمائه قالت وهي تبكي بشدة:

-أطلبوا الإسعاف بسرعة.. بسرعة.

-حاضر ياهانم.

قالها أحد الحراس الذي ركض وأجرى إتصال بالإسعاف، وما أن رأت حسنية الطفل صرخت بأعلى صوتها مهللة بخوف..

ماهي الا قليل وأتت الإسعاف في المستشفي الموجودة بجوار الفيلا وذهبت بسيف وهي تبكي ولم تتوقف عن كونها السبب في ما حدث للطفل لو لم تنشغل عنه .

بينما علي الجانب الاخر ، نظرت شذي حولها بخوف شديد وارتعاش ولا أحد يجيب فقالت بعصبية:

-محدش بيرد ليه ياتري حصل ايه!

اقترب مينا منها قائلا:

-شذي ؛ أنتِ كويسة؟ فيه حاجة ؟

ابتلعت ريقها بتوتر:

-أختى قفلت وهي بتصرخ بإسم سيف أبن عاصي خايفة ليكون جري حاجة .

-طيب تعالي روحيلهم، وانا هوصلك.

-لاء بس السواق يرد معرفش مش بيرد ليه كان هييجي ياخدني .

اردف مينا بمداعبة:

-لاء ما أنا اتعودت علي كدا بقى ، هعملك أجرة مقابل التوصيلات دي.

ابتسمت بتوتر فقال بهدوء:

-متقلقيش كله هيبقي كويس إن شاء الله ، يالا بينا.

أخذت حقيبتها للرحيل، فقالت فريال بعبوس:

-ما لسه بدري يا شذي؟

-معلش يا طنط بس عشان شكل فيه مشكلة عند أهلي.

-إبقى طمنيني طيب ياحبيبتي وخلي بالك منها يامينا

-حاضر يافيرو

ودعوا فريال ودلفوا الي الاسفل، فأبتسم مينا وفتح لها الباب الخلفي قائلا:

-أتفضلى.

تنهدت بضيق هي ليست سعيدة بتواجدها معه في كل شيء تعلم أنه خطأ ولكن الكثير من الأخطاء نفعلها ولا نُدرك ماهيتها، ومهما كُنّا قريبين لله مازِلنا نُخطأ لولا سَترهُ .

____

وقفت ملك امام غرفة عمليات سيف وهي تبكي وتدعو الله في سرها ان ينجو وألا لن تُسامح نفسها مهما حدث، بينما ظلت حسنية تدعي وتبكي وهي تقول بغضب لملك:

-أنتِ السبب يعني مشوفتيهوش منك لله ياشيخة الواد دا لو حصله حاجة هيكون ذنبه في رقبتك انتِ .

بكت ملك بتعب وهى تقول:

-واللهِ العظيم ياماما غصبٍ عنى، صدقيني مشفتوش فكرته بيلعب ف الاوضة معرفش انه هيدخل البلكونة ..عشان خاطري كفاية تأنيب انا اساسًا مش مسامحة نفسي.

جاء في تلك اللحظة فريد الذي كان يركض بعدما اتصلت به ملك قبل قليل باكية وروت له ما حدث تماماً، ما أن راته اقتربت منه باكيه:

-فريد الحقني..

-ملك أهدي عشاني ان شاء الله سيف هيقوم بالف سلامة هو فين دلوقتي .

-دخلوه عمليات مش عارفة هو ناقص يحصله حاجة .

-الحمدلله قدر الله وما شاء فعل .. طيب عاصي عرف ولا لاء.

قالت وهى تبكى بأرتجاف:

-لاء انا مش عارفة هبلغه إزاي.

-لازم يعرف ياملك لازم ..

أخرج هاتفه ليقوم بالاتصال علي عاصي ولكن خروج الطبيب من غرفة العمليات جعله يتراجع وذهب نحوه سالته ملك بلهفة:

-دكتور ارجوك طمني سيف حالته عاملة إزاي..

نظر لهم الطبيب باسف قائلاً:

-انا اسف .. حاولنا نوقف النزيف بس الموضوع جه متأخر دِماغه متحملتش الخبطة، البقاء لله ..

صرخت ملك وهي تنهار ارضًا باكية بينما صرخت حسنية بحزن شديد وهي تبكي ، وقف فريد مكانه مصدوم بشدة ..

_____

كان عاصي جالس في مكتبه في شركته، وكانت امامه صورة لمحبوبته القديمة أي وهي ونس ، وأخري صورة ليارا، ظل يتأمل كِلاهُما بهدوء، ملس برفق علي ملامح ونس الجميلة التي طالما أحبها ولكن الآن مشاعره ليست كما كانت، لم ينساها ولم يكرهها، ولكنه لم يعُد يحبها كالسابِق، وجد عينيه أحبت وأطالت النظر لتلك الجميلة يارا، التي ولاول مرة يمعن النظر لملامحها، فتاة بريئة ولطيفة للغاية ..

تنهد وهو يجذب صورة ونس في كرتونة اشيائها، ثم قام بالاتصال علي مساعده الشخصي وطلب منه القاء الكرتونة في الزبالة، ووضع معها دبلته منها وخرج بها المساعد، تنهد عاصي قائلاً:

-كدا صفحة ونس اتقفلت، ولازم أنساها نهائي

تابع وهو يلمس صورة يارا بهدوء:

-أما انتِ لازم أعلمك الادب الاول.

رنين هاتفه انتشله مما فيه، اخذ صورتها ووضعها في الدرج، ثم رد علي شقيقته شذي التي أجابت:

-عاصي انتم فين.

-احنا مين؟.

-أصل لا ماما ولا ملك في البيت ، وآخر مرة ملك صوتت وهي بتنده علي سيف .

ابتلع عاصي ريقه بتوتر بشدة وهو يقول:

-طيب انا جاى حالاً

أغلق الهاتف بسرعة، وذهب نحو الخارج وذهب نحو السيارة ليذهب الي المنزل سريعًا ليفهم ما يحدث، وفي طريقه رن بشقيقته ملك التي كانت جالسة ارضًا تنِظُر للسماء بفراغ دون أن تنطق، أقترب منها فريد بتنهيدة وهو يأخذ الهاتف ليرى رقم عاصى، أردف بتوتر:

-لازم أرُد وأبلغه ..

تساقطت دِمُوع ملك دُون أن تتحدث مُطلقًا، أجاب فريد بتوتر قائلاً:

-ألو يا عاصي.

-ملك فين وامى وسيف .. انتوا فين

-هقُولك، بس حاول تتمالك أعصابك .

-ماتخلص ياعم فريد.

-سيف وقع وإحنا في المستشفى.

توقف عاصي فجأة بسياراته وهو يقول بخوف:

-حصله حاجة طمني طمني ابنى فيه حاجة حصله ايه؟؟

-البقاء لله ياعاصى.

_______

وقف تميم أمام ونس وهو يرمقها بتركيزٍ، ثم مال ارضًا ليأخذ بعض الورق الذي وقع منها انتشلته هي من يديه بغضب مردفة:

-ال.. الورق دا بتاعى.

-الورق دا فيهِ إيهِ؟.

-قولتلك بتاعى مش لازم تدخل في حاجة متخصكش .

-بقُولك الورق دا فيهِ إيهِ، هاتي وريني بسرعة .

حاولت الهرب منه بعيدًا بالورق، ولكن رنين هاتف تميم جعله يهدء وهو يخرجه وأجاب علي فريد قائلاً:

-فريد نتكلم بعدين و..

-ابن ونس مات يا تميم.

توقف تميم بصدمة وهو ينظر لونس التي نظرت له بتوتر خوفًا أن يأخذ الورق ويعلم الحقيقة المُرة، أبتلع تميم ريقه بصدمة:

-إنتَ بتقول إيه.. إزاي.

-مش وقته ، تعالى على مُستشفى(…) لو عايز تلحق الغُسل والدفنة، خليها تشوفه لآخر مرة.

اغلق تميم الهاتف وعينيه مُعلّقة بونس كيف سيعترف لها، ولكن يجب أن يقول لها فلا يوجد خيار آخر، قالت بتنهيدة:

-فيه إيه بتبصلى كدا ليه.. اسمع دا ورق خاص بيا، ومش هينفع تشوفه انا حُرة يعنى.

-ونس..

-عاوز إيه…

ابتلع ريقه وهو يقترب منها قائلا:

-هقولك على حاجة بس عايزك تبقى هادية .

نظرت له بتوتر وهي تُخفى الورق خلف ظهرها، أردف بتنهيدة ودموع حارة سقطت من بين عينيهِ:

-سيف ..

هُنا هدأت حركات ونس تماماً وهي تنظر له بعيون قالِقة خائفة مشتتة، قالت وهي تَقترب منه:

-أبنى، مالهُ؟.. أنطق ياتميم سيف حصله ايه طمني عنه

-البقاء لله يا ونس سيف مات .

وقع الورق منها ارضًا وهي تهز رأسها بعنف وتضربه ببطيء ف صدره قائلة:

-إنت بتقول إيه.. انت شكلك اتجننت، انا ابنى مفيهوش حاجة دا عند عاصي أأمن مكان، واساساً انا قُريب جدًا هروح أجيبه وهيبقى في حضني انت بتقول اى تخاريف..

حاولت الرحيل فأمسك يديها فصرخت فيه بكل ما أتت من قوة:

-إبعد عني، إياك ثم إياك تقرب مني..انا هروح أشوف إبني.

-ونس تقبلي الحقيقة بقولك سيف توفي.

-وانا بقولك ابنى عايش ومستحيل يموت

صرخت فيه وهي تبكي وتضربه بضعف شديد، عانقها بتوتر وهو يبكي معها وهي فقط تصرخ باكية وترفض ما يقوله وتنعته بالجنون والكِذب، وأصرت انها توّد رؤية ابنها، لكنها للحظة فقدت القدرة علي أن تقف ووقعت ارضًا وتميم معها فقط يحتضنها بخوف وهي تبكي قلبها يصرخ ألمًا، فُقدان الضني ليس بهين، عقلها يُهيء لها أنها الحقيقة وقلب الأم يرفض، أبنها حيّ وإن رأتهُ ميت .

_______

وصل عاصي الي المُستشفى بعد مرور القليل من الوقت فهو قاد بسرعة جنونيه، حتي كاد يموت ولكنه لم يهتم ركض في أنحاء المستشفى بجنون وسأل عن تواجد ابنه ودلته الممرضة، فركض اليها بخوف وبُكاء طِفل صغير وليس شابًا يافعًا، وجد الجميع امام الغرفة، حُسنية وملك يحتضنان بعضهم البعض ويبكوا، وفريد يقف ينظر للفراغ، ركض نحوه فريد قائلًا:

-عاصى أهدي.

-ابنى فين ابنى فين.

-جوا جوا بس ممنوع الدخول د..

لم يستمع لباقى حديثه وركض للداخل بعنف وهو يتضارب مع الاطبة بغضب ويصرخ حاول فريد التدخل حتي سمحوا له، كان مُغطي بغطاء خفيف ونائم في سلامٌ طفل صغير لم يهنيء بشيء، ومات وهو صغيرًا.. لكنه سيكون بين أبواب الجنة ومافيها، ظل يبكي وهو يحتضن سيف بخوف لانه السبب في موته لو لم يُقصر في حقه منذ البداية لم يقُم بواجبه كأب نهائي، وظل يٌقبل يديه وهو يرتجف مشهد يجعل الحجر يلين، وقد جعل فريد يبكي وهو يقف في أحد الزوايا بخوف، لو مات طفله وأصبح في نفس الموقف، هو أليم ولكن لا يسع سوي قول إنا لله وإنا إليه لراجعُون.

وصلت في تلك الاثناء ونس وهي تركض كالمجنونة لداخل المستشفى وخلفها تميم بعدما ركن السيارة سار خلفها بسرعة وهو ينده بأسمها ولكنها ليست في وعيها، سألت عن غرفة ابنها وهي تبكي دلتها الممرضة بقلق فهذه ثانٍ مرة ترث شخص يبكي ترحمت عليه فيبدو أنهُ مُهم للغاية بالنسبة لكثير من الأشخاص، دلفت ونس الي الغرفة ولم تنتبه لأحد، لتجد عاصي وابنها في هذا الوضع صرخت فيه وهي تضربه بكل عنف منفسه عن غضبها فيه قائلة:

-انت السبب انت عملت في إبني إيه يا ابن** عملت فيه إيه منك لله منك لله بكرهك.. انا انا ابنى مات بسببك بسببك انت..

ظل عاصي يتحمل منها الضربات واللعنات دون أن يتفوه بكلمة فقط يذرف الدموع، أبعدها تميم عنه بصعوبة وضيق لتذهب الي أبنها وهي تصرخ محتضنة إياه قائلة:

-إبنى ما متش، إبني محصلوش أي حاجة.. انا أبنى سليم … انا ماليش غيره ومش هسيبه يروح مني آه انا مش هسيبه ..

كانت كالذي فقدت عقلها فلم تعد ماذا تقول، وإن لاصعب ما يُفطر القلب ليس المرض بل الموت .. ظلت هكذا محتضنة اياه باكية ، ولكن الطبيب نهاهم عن ذالك بضيق:

-إللي بتعملوه دا حرام احترموا قضاء ربنا وحرمة الميت .. واتفضلوا برا الطفل لازم يتغسل ويدفن.

-إللي هيقرب من إبني هموته .. كفاية كفاية اللي راحوا مني بابا وحبيبي وكمان إبني كفاية خدتوا كٌل أحبتي مني.

نظر لها تميم بوجع وهو يتخيل وفاة والدته ولم يستطيع كبح دموعه من الهبوط بألم.

_______

تكومت على نفسها في فراشها وهي تبكي بصمت وعقلها غائب عن الوعي، ليست مدركة لأي شيء بعد دفن والدها هي ليست الا دُمية، افترش الفراش بجانبها وهو يضمها الي حضنه من الخلف، ويخبئها بداخل ضلوعه قائلًا:

-أنا جنبك وكُل حاجة هتتحسن.

لم تُجيب فهي ليست في وعيها بينما قرر هو أن يترك كٌل شيء ويتفرغ لها، خوفه من فقدانها أكثر ما يقلقه، يكفِ والدتهُ، لن يتحمل فقدان أول أمرأة يدُق لها قلبه ..

_____

بينما افترش عاصي فراشه بكل شرود لا تقل عن حالة ونس، وهو يبكي كطفل فقد والدته.. هو الآن ضعيف ضعيف للغاية كثانٍ مرة فقد فيها والده وهو صغير وتحمل كُل شيء، فُتِح الباب برفق لتدلف إليه يارا فهي علمت بما حدث قبل قليل ولم تستطع الا تأتي، جثت بركبتيها امامه وهو تداعب دموعه قائلة بصوتٍ هامس:

-عاصى.

فتح عينيه بخوف شديد ثم هدء واطمئن إنها يارا، قال بنبرة مبحوحة:

-يارا..

-أيوا انا.. جيت وجنبك.

-انتِ سبتيني..

-انا جنبك ياعاصي.

نهضت برفق وهي تدلف الي الفراش بدون خوف، حتي لُو لم تستطع أن تبتعد هو زوجها وهي تحبه ولن تستطيع التخلي عنه ولو أظهرت ذالك فقط أرادت تأديبه، لكن عليها أن تكون بجانبه في أشد محَنة له، عانقها بحب شديد ليدفن رأسه في حضنها وهو يبكي بكل قهر وهي فقط تربط علي كتفه بحنان ..

_______


( سنبدأ من جديد ؛ فعَّسي ما أفسدَّهُ الحادي عشر شهر الماضيين، يُصلحهُ الشهر الفضيّل)

.

______

مرت علي تلك الاحداث شهرين، تغيرت فيِهُم الاحداث كثيرًا إلى حدٍ ما.

كانت ونس كعادتها منذُ شهرين وهي تجلس في الشرفة منزلها تقرء القرآن وتُصلي ولا تأكل أو تشرب الا قليلاً ولا تخرج خارج حدود غرفتها، دائمًا صامته وحزينه وشارِدة، فقد ابتعدت عن كُل شيء حتي أهلها وتميم، وقليل إن قالت كلمة، فالحُزن أفطّر قلبها وجعًا .. ولم تعُد تتحمل أن تقف علي قدمها ثانيةً فهي فقدت الكثير بداخلها من فقدان والدها وحبيبها وجرح عاصي والزمن واخيراً موت طفلها الوحيد الذي تحملت وحاربت لأجله لسنواتٍ .

دلف تميم برفق عليها ليجدها كما هي بالعباءة السوداء، قبل رأسها بكل هدوء فهدأت هي لن تُنكر مؤخراً بدأت تنتظر رؤيته وتهدء عندما تجده بجانبها حتي لو لم تكُن واعيةً بدرجة كافية .

جلس أمامها بهدوءٍ قائلاً:

-كُل سنة وأنتِ طيبة .

نظرت له بتساؤل، فقال ببسمة:

-كٌل رمضان وانتِ طيبة ، بكرة أول أيام رمضان.. هنتسحر النهاردة إن شاء الله.

نظرت للفراغ بهدوء وراحة، فقد جاء أحبُ شهر لقلبها وعقلها، شهر مزيح الهموم وراحة البال والقلب والسكينة والهدوء هي فقط ترتاح في رمضان، ابتسم تميم لتُظهر وسامته قائلاً:

-مامتك برضه قالتلي كدا، قالت إنك بتحبي رمضان.

نطقت بهدوء بعد مُدة من صمتها:

-فِعلاً أنا بحِبه أوي.

-وأنا بحِبها جدًا .

نظرت له بتساؤل، فأشاح بوجهُ قائلا وهو يخرج بعض الأشياء من الحقيبة السوداء:

-زينة رمضان، بحِبها.

لمعت عينيها ببريق، وهي تتذكر عندما عندما صغيرة وتلعب برفقٍ مع الاطفال وتقوم بتعليق الزينة، كم أشتاقت لايام لم يهمها فيها سوي قضاء دروسها، ولعبها في الشارع.. لم تكن ناضجة ومملة ومُتعبة إلي هذا الحد.

أخرج علبة متوسطة الحجم وأخرج منها فانوسًا باللونْ الأحمر وأعطاه لها قائلاً ببسمة:

-دا أول رمضان لينا سوا، كّل رمضان وانتِ معايا .. وكُل سنة وانتِ طيبة .

قالت بمزاح:

-تميم باشا بيقول كلام حلو.

ابتسم بغرور قائلاً:

-لا دا أنا أعجبك.

ابتسمت بهدوء وهي تلتقط الفانوس بسعادة لم تُخفيها، ابتسم قائلا:

-مبسوط إنك رجعتي تضحكي تاني.

أمسك كلها يحتويه بين يديه بحُب وحنو:

-أنا عارف إنك تعبانة نفسيًا ياونس من اللي حصل ودا حقك، بس أفضل حل اننا ندِعي لسيف بالرحمة، نتصدق علي روحه بحاجة كويسة، نفطر ناس صايمة في رمضان بنية التصدق عليه.

-انا مسيبتش ولا فرض من يوم موته، وختمتلته القرآن أربع مرات.. وهعمله صدقة، وحشني أوي بعد عني الفترة اللي فاتت مالحِقيتش أشبع منه ..

مسح الدمعة الطفيفة التي هبطت من عينيها بكُل رِقة، قائلاً:

-انا جنبك وكٌل حاجة هتتحل .. انا النهاردة عملت حاجة وأتمني تسمعيني للآخر.

نظرت له بهدوء فقال بتنهيدة:

-الفترة اللي فاتت بعدت عن الخمرا و.. وموضوع الزنا دا عشان كُنت حابب أبقى جنبك والوقت اللي بغيب فيه لبشوف يارا أو بشتغل، وبدأت اعترف إني تعبان نفسيًا ومحتاج أتعالج، ومحتاج أكون شخص سوِي، ومحتاج أتغير وأعيش الباقي من أيامي في هدوء عشان في أي لحظة ممكن اموت .

قالت بلهفة:

-بعد الشر عليك.

-خايفة عليا؟

نظرت للاسفل ولم تتحدث، فإبتسم لانها تُعتبر إشارة جيدة، فقال بهدوء:

-من بعد موت سيف بكام يوم، كُنت بتمشي في الشوارع وسمعت آذان العشاء دخلت مسجد وفضلت قاعد خايف لاقيت الإمام بيقولي قوم صلي يابني معانا، اتربكت ومقدرتش اقوم انا مبعرفش أصلي واقف بين ايد ربنا معملتهاش في عمري الا كام مرة بس.. شيء مُحزن ومُتعب، قولتله مش متوضي ابتسم وسابني وبعد الصلاة قعدنا نتكلم كتير كانت اول مرة أعيط قدام حد غريب ..

قاطعته :

-بس عيطت قدامي.

-انتِ مش حد غريب ياونس،

إنتِ


أقرب الناس.

نظرت للاسفل بخجل شديد وهي تقول:

-طيب، كمّل.

-حكتله كٌل حاجة عنيت فيها خوفي مشاعري مشاكلي.. كلمني وقالي كلام مش قادر أنساه.. من بعدها رجعت لاقيتك نايمة ، قررت اتوضي وأصلي وقعدت أعيط وانا برتجف

-شوفتك وكُنت مبسوطة .

-عارف، وكُنت مرتاح إنك جنبي لولاكي ولولا إني بشوفك بتصلي مكونتيش أخدت الخطوة دي، انتِ سبب كبير في صلاحي، انا حابب أتغير ومحتاجك معايا ياونس.. بس قبل كُل حاجة لازم اتعالج من عُقدي النفسية ومش هتكسف منها .

-إيه اللي غير وجهة نظرك.

-إنتِ، ومش هقولك السبب الا في وقته.. بس فيه حاجة، انا حجزت للدكتور النفسي بس مش ليا لوحدي، انتِ كمان تعبانة وعندك عُقدة نفسية وهي فقدان أحبتك، ودا اللي شوفته فيكِ.. ولازم تتخلصي منها، عايزين نخرج من الشهر دا بحاجة كويسة ، بنفسية كويسة، وقُرب من ربنا .

مسحت دمعة طفيفة من عينيها هاربة، وهي تتنهد قائلة:

-أنا فعلاً محتاجة أرتاح نفسيًا، انا موافقة أروح بس بشرط .

-قولي.

-تصلي شهر رمضان وتصوم، وتواظب علي العلاج النفسي، لازم تتغير ياتميم.

-أقسم ليكِ أنا عاوز، بس بييجي عليا وقت مش بقدر أتحكم في نفسي معرفش بيحصلي إيه…

-انا جنبك وهنعدي دا كله سوا

أمسك يديها بتشديد قائلاً:

-انتِ لازم تكوني جنبي، عشان أنا من غيرك مش هعرف أعمل حاجة.

تنهد وهو ينهض بحماس:

-قومى بقى عشان نعلق زينة رمضان في أوضتنا وننزل نشوف ندي ومامتك هيتجننوا عليكِ من بدري.

تنهدت بهدوء وهى تنهض برفق معه وقاما بتعليق الزينة، ووقع تميم فظلت هي تضحك وضحك معها، كانت أجواءً لطيفة بعد تعب عاشا فيه معًا بعد أرق نفسي.

____

دلف عاصي الي مقر الشركة، ليجد الجميع متجمع كان في لهفة لرؤيتها، فبقي لها يومين لم تأتي حتي وهو كاد يجن عليها، وجدها جالسة ترتدي فستاناً فضفاضًا وحجابًا طويلاً هادئًا وخلا وجهها من المساحيق التجميليه، ظهر وجهها جميلاً هادئًا، نظر لها عاصي بلهفة وشوق، كم كانت رقيقة تمني لو كانت كذالك منذُ زمن غير مُتكلفة، افاقه صوت جو قائلاً:

-مستر عاصى كيف حالك.

لم ترفع يارا رأسها بل ظلت تلعب بالاوراق بتوتر شديد، جلس عاصي بجانبها ثم همس:

-شكلك حلو أوي بجد.

-رمضان كريم يا أستاذ عاصي.

-كُل سنة وانتِ طيبة يا يارا وانتِ جنبي.. وحقيقي أتمني تفضلي كدا طول السنة، مش رمضان بس.. بجد انتِ شبه الملائكة.

تنهدت وهي تنظر ارضًا قائلاً:

-ياريت نبدء في الشغل مع العلم إني كُل حاجة هتتوقف في رمضان.

ابتسم براحة وهو يطالعها ثم اكمل، نظرت هي له خلسه ثم استغفرت ربها فهي قررت بدأ حياة جديدة بدون ذنوب، لكنها كادت تقتل نفسها:

-يارا الغبية دا جوزك يعني محلل تبصيله.

فرجعت نظرها قليلًا تتامله، فهي اشتاقت حقًا لكن يجب أن تتأكد من حبه لها وتعلمه الادب، نظر لها عاصي قائلا بهمس:

-انا جوزك بصيلي عادي.

احمر وجهها خجلاً ونظرت ارضًا كأنه قرء افكارها، وهو بالفعل بدء يفهمها عن قبل، لو لم تهجره لم يكُن ليعلم حبه لها، هو حقًا تغير تغير كثيرًا نظر ارضًا وبدأو العمل في هدوء.

____

انتهت شذي من فحص ذِراع فريال وهي تقول ببسمة:

-لا دا ضغط بقي عال أوي يا فيرو، متحمليش هم بعد كدا بس خدي بالك من أكلك شوية .

تنهدت فريال وهي تقول:

-هو فاضل في العُمر ايه عشان أهتم بيه ما خلاص.

-حتي لو يافيرو، ربنا عزوجل أمرنا بإننا نحفظ نفسنا ونهتم بيها مهما كلفنا الموضوع.

دلف اليهم مينا قائلاً ببسمة:

-بعدين عايزة تسيبيني لوحدي في الدنيا، انا ليا مين غيرك.

قبل رأسها بحب فضربته بخفة في كتفه قائلة:

-يا واد يا بكاش.

ذهبت شذي وهي تبتسم الي المطبخ لتقوم بتحضير الحساء لفريال، ابتسمت فريال بعد رحيل شذي قائلة بهدوء:

-حساك متغير.

-متغير إزاى بقى؟.

-يعني، مش بتروح المخروبة ولا بتشرب، قاطعت البنات اللي كُنت عارفهم، بتهتم بشغلك وأغلب الوقت في البيت خير يامينا؟.

تنهد مينا برفق قائلاً:

-مش عارف، حاسس إني عاوز أبقي حد صالح أكثر .

-ربنا يهديك ياحبيبي.

-يارب.

تركها وذهب نحو المطبخ ليتبادل الحديث المحبب لقلبه مع شذي، ابتسمت فريال بمرارة وقلق هي تعلم تغيره وما السبب لكنها تخشي عليه، طريق الانحدار من دين المسيحية للاسلامية ليس بالهيّن.

وقف بجانبها وهو يتنحنح، فضحكت بخفة فهي كانت تنتظره في الأساس فقد اعتادت عليه كُل يوم يأتي ويتسأل عن شيء في دينهم بداعي الفضول وهي أحبت ذالك يبدو كطفل يحتاج لمساعدة والدتهُ في الواجب.

نظرت له بطرف عينيها:

-السؤال عن إيه النهاردة.

-شهر رمضان، عرفت إنهُ بكرة أول يوم ليكم، حابب أعرف كُل تفصيله صغيرة وكبيرة .

تنهدت شذي قائلة:

-طيب ياسيدي.. خليني أشرح لك..

_____

يُتبع.

بعتذر عن تأخير الفترة اللي فاتت كُنت مريضة شوية

هنزل ف أغلب ايام رمضان، عشان تنتهي الرواية علي العيد بإذن الله، وهنزل عن حاجات مهمة كتيرة في الدين وتساعدكم في العبادة في رمضان وأتمني انها تفيدكم.

كٌل سنة وانتم طيبين وبخير ، وانتم الي الله اقرب.. أتمني ان يجبر الله خاطري وخاطركُم جميعًا، وأتمني منكم استغلوا شهر رمضان في العبادة ومتخلوش حاجة تلهيّكم الا إذا كانت مُهمة “.

رمضان مُبارك .🌛♥️

الفصل التالي: اضغط هنا

يتبع.. (رواية لن اغفر لها) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق