رواية لأنك أنت – الفصل الرابع
(( لأنك أنت ))
_ الفصل الرابع _
لم تفق سوى على صوت أبواق سيارة متجهة نحوها وقبل أن تتدارك نفسها كان الآوان قد فات وصدمتها السيارة فسقطت على الأرض تصرخ متألمة فقد أصيبت قدمها من اصطدام السيارة، ثم رفعت رأسها لأعلى تجاه السيارة فرأت شابًا وسيمًا بجسد رياضي وملابس مهندمة وهيئة كلها وقار وهيبة حتى سيارته فخمة مثل مظهره.. اسرع نحوها وجثى على الأرض أمامها وراح يسألها بارتيعاد وقلق:
_أنتي كويسة يا آنسة .. أنا آسف والله بس أنتي اللي طلعتي قدامي فجأة، لو حاسة بأي الم يلا بينا على المستشفى
التفتت فيروز خلفها على أثر صوت حازم الذي كان يركض خلفها مسرعًا عندما رآها على الأرض بعدما صدمتها السيارة، فعادت بنظرها إلى الشاب مجددًا وهزت رأسها له بالموافقة رغبة في الفرار من حازم فقط ليس لألمها أو إصابتها.. بينما حازم فقد وصل لها ومسك بساعدها وساعدها على الوقوف يسألها بصوت قاسي لا يحمل أي حنو:
_أنتي كويسة ؟
رمقته فيروز شزرًا دون أن تجيب عليه وكان سليم يراقب ما يحدث بشك ( الشاب صاحب السيارة التي صدمتها ) حتى خرج صوت حازم الغليظ وهو ينظر لسليم ويقول بحزم:
_حصل خير يا أستاذ هي بس دايما بتعدي الطريق كدا من غير ما تاخد بالها، الحمدلله جات سليمة
رمق سليم فيروز بنظرة شك وسألها ليطمئن:
_أنتي تعرفيه ؟
ابتسم حازم ساخرًا وضغط بقبضته على لحم ذراع فيروز بعنف يمنعها من الإجابة ورد هو بدلًا عنها:
_ اعرفها ازاي.. دي مراتي
كانت فيروز تنقل نظراتها النارية من حازم إلى سليم بأخرى مستغيثة وهمت بأن تكذبه وتخبر سليم الحقيقة عله يساعدها لكن حازم مال على أذنها وهمس لها بصوت مرعب يهددها:
_ اقسم بالله لو فتحتي بقك يا فيروز وقلتي أي حاجة لأخليكي متشوفيش أخوكي تاني وأنتي عارفة إني اقدر اعملها
تسارعت نبضات قلبها رعبًا فور ذكره لأخيها الصغير وشعرت بلألأة العبرات في عيناها لكنها تمالكت أعصابها ونظرت لسليم تتمتم مؤكدة على معلومة حازم:
_أيوة ده جوزي
هتف حازم بحنق موجهًا حديثه لسليم وهو يجذب فيروز من ذراعها جابرًا إياها على السير معه:
_طريقك اخضر يا أستاذ ربنا يسهلك
سارت فيروز معه قسرًا ببطء بسبب ألم قدميها بينما سليم فظل متسمرًا يتابعهم بنظرات قوية وعدم ارتياح وقرر متابعتهم ليتأكد ما إذا كان ذلك الرجل زوجها حقًا أم أنه رجل يبتزها ويحاول أذيتها، لكن بعد خطوتين بضبط ارتفع صوت رنين هاتفه فأخرجه وأجاب على مروان هاتفًا يإيجاز:
_أنا في المنطقة جمب البيت يامروان بعمل حاجة بس واجيلك
وصله صوت مروان المرتعد يقول:
_ سيب أي حاجة في إيدك وتعالي حالًا ياسليم أنا دخلت البيت لقيت عم صبحي واقع على الأرض ومش بيفوق شكلها غيبوبة سكر
تصلب سليم بأرضه وهتف مفزوعًا وهو يغير وجهته متجهًا إلى منزل صبحي:
_اتصل بالإسعاف يامروان فورًا وأنا دقيقتين وأكون عندك
***
داخل منزل عوني الطوخي…..
كانت تقف كاميليا بالمطبخ مع أمينة التي تقوم بتحضير العشاء وممسكى بيد سكين واليد الأخرى طماطم تقوم بتقطيعها، بينما كاميليا فكانت جالسة على مقعد الطاولة الصغيرة المتوسطة في منتصف المطبخ وشاردة بالتفكير في سليم، وحالته المريبة التي كان يتصرف بها بالأمس بعد عودته لـ يارا، حتى انتشلها من بحور الاستنتاج والتوقع الغارقة فيها صوت أمينة وهي تهتف متذمرة:
_الصراحة ياست كاميليا أنا مش عاجبني موضوع أن سليم رجع للحرباية الصفراء اللي اسمها يارا دي
تنهدت كاميليا الصعداء بنفاذ صبر وردت مبتسمة بأسلوب حازم:
_ياولية خليكي في نفسك وبلاش تحشري نفسك في كل حاجة
هتفت أمينة معترضة بثقة وقوة:
_ محشرش نفسي ازاي يعني ده سليم أنا مربياه معاكي ياست كاميليا ومعزته من معزة ولادي، لازم احشر نفسي خصوصًا لو كان موضوع مفيهوش خير ليه
لوت كاميليا فمها بقلة حيلة وقالت ساخرة منها:
_وأنتي بقى إيه عرفك ياست العريف أنه مش خير ليه
حدقتها بطرف عيناها وقالت باستهزاء:
_وهي الحرباية بنت علاء النجار دي هيجي من وراها خير ازاي، اقطع دراعي من هنا لهنا أما كانت البنت دي وراها حاجة كبيرة وابقي قولي أمينة قالت
رفعت كاميليا حاجبيها وسألتها بشك:
_يارا أنا واثقة ومتأكدة أنها بتحب سليم وعشان كدا أنا وافقت أنهم يرجعوا لبعض، ولا أنتي بقى يالئيمة أنتي عارفة حاجة ومخبياها عني ؟!
زاغت أمينة بنظراتها المرتبكة بعيدًا عن كاميليا وقالت متهربة من سؤالها:
_ لا هخبي إيه عنك أنا بس بقولك احساسي
استقامت كاميليا واقفة وهي تبتسم بخبث بعدما تيقنت من شكوكها واقتربت منها لتنظر لها بقوة وتقول في مكر:
_أحساس ده إيه يا ست صباح الشحرورة.. انطقي يا أمينة علطول إيه اللي عارفاه عن يارا
ازدردت أمينة ريقها باضطراب ثم قالت بهمس ونظرة خبيثة كلها غضب:
_ أصل أنا سمعت قبل كدا سليم وهو بيتكلم مع أمير وبيطلب منه يراقب يارا وبعدها انفصلوا وامبارح سمعتهم وهما بيتفقوا على حاجة بس معرفتش إيه هي بظبط لكن اللي سمعته كان آخر الكلام وكان سليم بيقول لأمير أنه مش هيعدي ده بالساهل وأن يارا ليها حساب معاه وأنها هي وأبوها هيشوفوا منه وش تاني
اتسعت عيني كاميليا باندهاش وظهر القلق على محياها فهتفت بغضب بسيط:
_أنتي متأكدة من الكلام ده يا أمينة ؟!
ردت عليها مؤكدة وهي تومئ برأسها وتشير على أذنيها:
_أيوة أنا سمعتهم بوداني دول والله، عشان كدا بقولك البت دي وراها حاجة كبيرة وسليم كمان كاشفها والله اعلم بقى إيه في دماغه وليه رجعلها تاني
استحوذ الصمت القاتل على كاميليا وهي تفكر بتعبيرات وجه مضطربة ونظراتها متقلبة من فرط القلق.. خوفًا من أن يكون قد اكتشف حقيقة مرضها الكاذب ومساعدتها لها، لا إراديًا وجدت نفسها تهتف سائلة أمينة بتيه:
_تفتكري عرف كل حاجة يا أمينة ؟
غضنت أمينة حاجبيها بتعجب وسألت بعدم فهم:
_عرف إيه بظبط؟!!
فاقت كاميليا لنفسها وتمالكت نفسها وأخفت تعبيراتها المهزوزة وهتفت تجيب على أمينة بإيجاز وحزم:
_ولا حاجة كملي أنتي العشاء يا أمينة عشان الوقت اتأخر وعوني وسليم زمانهم على وصول
أنهت تعليماتها واتجهت لخارج المطبخ وهي تتخبط في مخاوفها.. فإن اكتشف سليم الحقيقة لن يسامحها على استغلالها لضميره والضغط عليه نفسيًا وعاطفيًا حتى يعود لخطيبته، هي منذ خوضها لتلك التجربة الخطيرة كانت تعي بمخاطرها المحتملة لعلمها بطبيعة ابنها القاسية حين يشعر باستغلاله من شخص يثق به.. فأكثر ما يبغضه هو الكذب والتلاعب به وقد يجعله يتحول لإنسان مرعب هي نفسها تفضل في التعرف عليه وتوقعه….
***
داخل أروقة المستشفى كان سليم جالسًا على أحد المقاعد الحديدية المقابلة لغرفة الطوارئ متكئ بمرفقه على قدمه وواضعًا كفه على فمه شاردًا في ذلك الرجل الطيب الذي يصارع الموت بالداخل، حتى سمع صوت صديقه الجالس بجواره يهتف وهو يربت على كتفه:
_متقلقش نفسك ياسليم أن شاء الله يطلع الدكتور ويطمنا
اعتدل سليم وانتصب جالسًا يجيب بقلق:
_يارب يامروان يارب.. أنا نبهت عليه كتير ميهملش في علاجه لكن هو عنيد
مسح مروان على قدم سليم يمده بالطمأنينة:
_قول يارب بس
ردد سليم ” يارب ” وهو يتنهد بخوف ممتزج بتوتره، حتى وجدوا الطبيب يخرج من الغرفة أخيرًا بعد مرور عشر دقائق تقريبًا، فاستقام مروان أولًا وهرول نحو الطبيب يسأله ويطمئن على عكس سليم الذي كانت خطواته ثقيلة ومتعثرة كأنه يخشى التقدم فيسمع ما يخافه ويتوقعه، وكان ما يكن حيث سمع الطبيب يجيب على مروان بأسى ويتقدم بالتعزية:
_ للأسف الحج صبحي وصل المستشفى وهو متوفي مكنش في أيدينا حاجة نعملها، البقاء لله ربنا يرحمه
رفع مروان يده على وجهه وهو يمسح عليه بصدمة ممتزجة بحزنه الشديد ويردد:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله .. إنا لله وإنا إليه راجعون
ربت الطبيب على كتفه مروان وتمتم بحزن:
_ ربنا يصبرك يارب.. تقدروا تخلصوا الإجراءات في الاستقبال وتستلموه
بينما سليم فتقهقهر للخلف وجلس على مقعده مجددًا وهو ينظر أمامه بضياع، وبلحظة مرت أمام عيناه شريط ذكرياته كلها مع ذلك الرجل الطيب الذي كان بمثابة الأب الروحي له، لطالما كان يلجأ إليه حين تضيق عليه الطرق فينير ظلمته بنور حكمته، كان صوت ضميره الحي الذي دومًا ينتشله من الوحل ويعيده إلى صوابه، بلحظات كان ينصاع خلف طبيعته السيئة ويتصرف كما تقوده حياته وبيئته التي نشأ فيها.. أو حتى كما يرغب والده وأهله، فيسلك طريقه إلى صبحي ويجد المواساة لديه فيتحرك كما هو يملي عليه، لكنه الآن فقد ذلك الضوء الأبيض الذي كان ينير ظلمة حقيقته الخفية.
اقترب مروان من سليم ومسح على كتفه بأسى مواسيًا إياه بكلمات تقليدية:
_شد حيلك ياسليم وادعيله بالرحمة
رفع سليم عينيه اللامعة بالعبرات وهمس في قهر وألم:
_ ملحقتش حتى أودعه يا مروان.. راح وسابني وحدي لمين، أنا غلطان كان لازم اراعيه لأني كنت عارف أنه بيهمل في علاجه وتجاهلت
عانقه مروان وراح يربت على ظهره بقوة ويهتف يواسيه:
_متلومش نفسك ياصحبي ده قدر وهو قدره دلوقتي، مفيش حاجة هتقدر تمنع الموت ادعيله وشد حيلك كدا، عشان تاخد عزاه هو كان بيعتبرك ابنه مين غيرك هياخد عزاه ويقف على دفنته
ابتعد سليم عن مروان واستقام واقفًا بعدما شعر باختناق أنفاسه من فرط الحزن والوجع وسار بخطواته مبتعدًا عنه باتجاهه إلى الطريق المؤدي لخارج المستشفى فاستقام مروان واقفًا وهتف وهو يهم باللحاق به:
_رايح فين ياسليم ؟!
توقف مروان عندما رأى إشارة سليم له بيده يأمره بالتوقف وعدم اللحاق به مكملًا هو طريقه دون الالتفات للخلف، فتنهد مروان بأسى وعاد يجلس مجددًا على مقعده حزينًا على فراق ذلك الرجل الذي طالما أحبه بشدة وكان يحمل له معزة خاصة بقلبه…
***
عودة لفيروز التي كانت محاصرة بين براثن حازم ويقبض على رسغها ويجرها معه داخل البناية بطريقه إلى منزلها.. وسط محاولاتها البائسة في الفرار منه لكن كلها باتت دون جدوى، كان يجذبها بقسوة دون اكتراث لإصابة قدمها حتى صاحت هي به بالطابق الأول أمام شقة “جمالات” ونزعت يدها من قبضته بكل قوة:
_ ابعد عني يا حازم أنت عايز مني إيه !
اشتعلت نظراته غيظًا منها وهتف محذرًا إياه:
_اللي أنتي عارفاه ومسيرك هترجعيلي يا فيروز هتفضلي تقاومي كدا كتير وفي الآخر برضوا هترجعيلي
صرخت بغضب وانهيار تام ممزوج بدموعها:
_أنا مش عايزاك ومش بحبك هو الجواز غصب
تقدم منها بخطواته البطيئة حتى أصبح شبه ملاصقًا لها ونظر في عيناها بنظرات راغبة مرعبة:
_لا هو مش غصب وهتوافقي برضاكي وأنتي عارفة الطريقة
تسارعت نبضات قلبها وارتجفت قدميها خوفًا منه وأخذت تتقهقهر للخلف حتى التصقت بالحائط، وبلحظة أدركت أنه ليس بوعيه وقد يفعل بها أي شيء ويكمل ما بدأه قبل الحادث الذي تعرضت له، فهمست متوسلة إياه بعينان مرتعدة وصوت مرتجف:
_أبوس إيدك يا حازم سيبني في حالي وأنا اوعدك مش هقول لأي حد على أي حاجة حصلت بس خليني امشي وادخل عند ماما جمالات
اختفت ابتسامته ونظراته الوقحة وتحولت لأخرى مميتة وهو يهددها:
_أنتي كدا كدا مش هتفتحي بقك وإلا مش هتشوفي أخوكي تاني
هزت رأسها له بالموافقة ودموعها الحارقة تسيل على وجنتيها فعادت هو ابتسامته المريضة ترتسم على ثغره ومال بوجهه عليها فاشاحت هي بوجهها بعيدًا فورًا لتجده يطبع قبلة على شعرها ويهمس:
_يلا تصبحي على خير ياحبيبتي اشوفك بكرا
ثم ابتعد عنها ونزل الدرج مغادرًا البناية تاركًا تصارع في التقاط أنفاسها المحبوسة في صدرها ودموعها لا تتوقف عن الانهمار بغزارة، فتحاملت على نفسها وقادت خطواتها المتعثرة والمتألمة من إصابة قدمها حتى وصلت لباب شقة جمالات وطرقت الباب، فانفتح الباب بعد دقائق قليلة ونظرت جمالات في هيئة فيروز المصرية فضربت على صدرها صائحة بارتيعاد:
ـ يانصيبتي إيه اللي حصل معاكي يا فيروز !!
ارتمت فيروز بحضنها وانهارت باكية بهستيريا فأخذت جمالات تمسح على شعرها وظهرها مهدئة من روعها وتقول بخوف:
_ اهدي يا فيروز وقوليلى مالك طمنيني يابنتي
ابتعدت عنها فيروز وحدقتها بوجهها الرقيق الغارق في الدموع فأغلقت جمالات الباب بسرعة وجذبتها معها باتجاه الأريكة ليجلسوا وتبدأ فيروز بسرد التفاصيل كاملة لها، وبعد انتهائها كانت النيران تخرج من عيني جمالات التي ثارت واقفة وهي تصرخ بانفعال:
_ أنا هروح أحد روحه بإيدي ابن كوثر ال***** ده
قبضت فيروز على ذراعها تمنعها بضعف وتهمس بصوت مبحوح:
_استنى ياماما جمالات عشان خاطري أنا اللي مخليني ساكتة عليهم أني عارفة أنهم يقدروا ياخدوا مني ياسين في أي وقت وأنا مش هقدر اخسره
صرخت جمالات ثائرة:
_تسكتي ده إيه يا فيروز.. الحيوان ده حاول يعتدي عليكي وأنتي بتقولي ياخدوا أخوكي منك هي سايبة ولا إيه طيب يفكروا كدا يعملوها وشوفوا هعمل فيهم إيه
فيروز بألم وانكسار:
_وأنتي هتقدري تعملي إيه ياماما بس.. ما أنتي عارفة اللي فيها وممكن ياخدوه بالقانون ومحدش فينا يقدر يتكلم، أنا مليش أي حق في ياسين وبأبسط قضية هيقدروا ياخدوا الوصاية بتاعته
عادت جمالات وجلست بجوارها مجددًا هاتفة بحزن وإشفاق عليها:
_أنتي مش لوحدك يابنتي أنا معاكي ومحدش يقدر يمنعك من اخوكي ولو في طريقة نقدر نخليكي تاخدي وصايته نعملها فورًا
زمت شفتيها بيأس وردت في خفوت:
_مفيش غير الجواز لو متجوزة سعتها ممكن يبقى في أمل أني اكسب القضية وأخد الوصايا
رفعت جمالات يدها ومسحت على رأسها بحنو متكاملة:
_طيب متشغليش دماغك بكل ده يا فيروز كله محلول أن شاء الله وأهم حاجة دلوقتي مش عايزاكي تكوني ضعيفة ومكسورة قدامهم أبدًا وإلا هياكلوكي واياكي تسيبي حقك أو تضيعيه فاهمة
هزت رأسها بالإيجاب فأكملت جمالات بقلق وهي تكشف عن قدمها:
_وريني رجلك طمنيني عليها لو حاسة بألم شديد يلا بينا نروح المستشفى
_ لا لا هي كدمة بسيطة الحمدلله مفيش حاجة خطيرة
استقامت واقفة وهتفت وهي متجهة للداخل:
_طيب استنى هجبلك مرهم الكدمات وأحطلك منه عشان يخفف الألم شوية
توارت داخل الغرفة وتركت فيروز وحيدة بالخارج عيناها معلقة على اللاشيء بشجن، تستعيد ذكريات والديها والألم ينهش في قلبها نهش حزنًا على فراقهم…
***
في صباح اليوم التالي…..
توقف أمير بسيارته أمام أحد الأندية الترفيهية والعائلية وترجل من سيارته ثم قاد خطواته للداخل ليجد الترحيب الحار والمبجل من أمن البوابة الذين استقاموا واقفين فورًا وهتفوا باحترام:
_صباح الخير يا أمير بيه
ابتسم لهم أمير بلطف مكملًا طريقه للداخل فقابل في طريقه بعد دخوله فتاة تصغره بسنتين تقريبًا وصديقة أحد الأشخاص المميزين لديه ترحب به بحرارة وترتمتي عليه تعانقه بقوة هاتفة:
_ أمير ياااه إيه الغيبة دي كلها.. معقول متجيش كل ده يا راجل ده حتى النادي بتاعك
أبعدها عنه بلطف وأجابها بابتسامة صفراء وعيناه تدور باحثة عن شيء محدد أو ربما شخص:
_معلش بقى يا ريهام مشاغل الدنيا وأنتي عارفة أنا راجل بيزنس مان مش فاضي طول الوقت
قهقهت بقوة على غروره اللطيف وقالت في رقة:
_طبعًا يابيبي مش محتاج تقول.. أنت اااا…
قاطعها وهو محافظًا على نفس ابتسامته و ازداد حنقه الذي ظهر بوضوح على محياه وهو يسأل باهتمام:
_هي مريم فين ؟
لوت ريهام فمها بغيظ فور ذكره لاسم صديقتها وتأكدها من أنه جاء فقط لرؤيتها فأجابت على مضض وهي تشير بعيناها إلى غرفة مكتب الأدارة :
_موجودة في المكتب
أماء برأسه وتحرك باتجاه الغرفة حتى وقف أمامها وطرق طرقات خفيفة ليسمع صوتها تسمح الطارق بالدخول ففتح الباب ودخل، ليجدعا جالسة على مقعد المكتب وبيدها هاتفها تتصفحه باهتمام، كانت مرتدية بنطال قطني واسع من اللون الأبيض يعلوه كنزة قصيرة بحمالات رفيعة من اللون الزهري وشعرها الكستنائي ينساب بحرية على ظهرها مع وجود بعض الخصلات المصففة بعناية تنسدل على جانبي وجهها من الجهتين.. كانت قنبلة من الجمال المتحركة التي تذيب قلبه رغم غيرته التي تأكل قلبها كلما يراها بتلك الملابس الكاشفة لكنها للأسف لا تمنحه الفرصة للتعبير عن مشاعره لكي يظهر غيرته حتى، فمنذ بداية عملهم معًا وتقاسهم النادي بالشراكة بينهم وهو يحاول بكل الطرق الوصول إليها لكن دون جدوى.
رفعت عيناها عن الهاتف فابتسمت برقة عندما رأته وقالت مرحبة به:
_ أهلًا يا أمير أزيك فينك ده كل ده مبتجيش النادي ليه
تقدم نحوها وجلس على المقعد المقابل لها بكل ثقة وواضعًا قدم فوق الأخرى ويجيب بابتسامة امتزجت بنظراته المغرمة بها:
_ لا متقوليش معقول وحشتك!
مالت بوجهه للجانب وهي تبتسم بقلة حيلة وتجيبه بجدية متجاهلة مزاجه وتلمحياته الصريحة:
_كويس أنك جيت النهاردة أن كنت هكلمك عشان في كام حاجة في النادي محتاجة أخد رأيك فيها
هتف مكملًا عبثياته وتلمحياته العاشقة لها وهو يبتسم بنظرة هائمة:
_تصدقي وأنا والله العظيم في واحد غالي عليا أوي نفسي أخد رأيه في كام حاجة بس للأسف مقفل في وشي كل الطرق ومش عارف اعمله إيه.. إيه رأيك أنتي اتصرف معاه ازاي ؟
تنهدت بنفاذ صبر وأجابته بنظرة ثاقبة:
_عارف المثل اللي بيقول اتقي شر الحليم إذا غضب
رد أمير مازحًا بلهجة كوميدية:
_ اسم الله عليه من الغضب هو احنا نقدر نغضبه
ضحكت لا إراديًا لكن سرعان ما استعادت جديتها وقالت بحنق:
_ وبعدين يا أمير أنت فاضي وجاي تهزر ولا إيه بقولك في شغل مهم عايزة اناقشك فيه
تنهد الصعداء بيأس وقال بضيق:
_ طيب خلاص قوليلي إيه اللي عايزة تاخدي رأي فيه
استقامت جالسة من مقعدها واتجهت إلى الأريكة لتجلس وتدعوه للانضمام إليها فاستقام واقترب ليجلس بجوارها وتبدأ هي في سرد ارائها وتعرض عليه بعض الصور في هاتفها لتجديدات وأشياء ترغب في اضافتها بالنادي وكان هو يصغي إليه بكل اهتمام محاولًا التركيز على كلامها لا على كتلة الجمال المتجمعة بجانبه، وبعد انتهائها سألته بحماس وعينان لامعة:
_إيه رأيك في الفكرة بقى ننفذها ولا لا؟!
ابتسم ورد عليه بصوت دافيء ونظرة ثقة ودعم:
_أنتي عارفة أن أنا بثق في ارائك يا مريم وبحب أفكارك وطريقة تفكيرك وأنا شايف أنها فكرة كويسة جدًا ولو أنتي حابة تنفيذها ودرستيها كويس go a head وأنا معاكي فيها طبعًا
تهللت اساريرها بفرحة غامرة واحتضنت كفه بحرارة وامتنان شديد هاتفة بصوتها الناعم:
_ميرسي جدًا يا أمير أنا بجد كنت شايلة هم أنك متعجبكش الفكرة ومتوافقش، اوعدك أنك أن شاء الله هتنبهر بيها لما تتنفذ
اخفض نظره ليديها الناعمة المحتضنة كفه وابتسم بحب ثم رفع نظره وغمز لها بود مجيبًا:
_وأنا واثق فيكي
تركت يده وقالت بتلقائية نابعة من فرحتها:
_اطلبلك إيه تشربه من الكافتيريا؟
لوى فمه بسخرية وقال متصنعًا الانزعاج:
_حمدلله على السلامة دلوقتي اللي افتكرتي كان من شوية هتاكليني وأنت جاي تهزر يا أمير وفي شغل مهم ومعرفش إيه
قهقهت بقوة وهتفت مازحة برقة:
_خلاص بقى ميبقاش قلبك أسود هطلبلك عصير المانجا اللي أنت بتحبه
عادت ابتسامته تشق طريقها لثغره لا إراديًا عندما أفصحت عن معرفتها بما يحب ويكره، بينما هي فاستقامت واقفة واتجهت إلى المكتب وأجرت اتصال بأحد العاملين بكافتيريا النادي وطلبت منهم عصير المانجا المفضل لديه…
***
داخل منزل صبحي….
كان سليم جالسًا على مقعد خشبي بجوار الباب المفتوح على مصرعيه وبجواره يجلس مروان كان كلاهما يتلقي واجب العزاء لصبحي داخل منزله.. مع توافد الجيران ومعارفه للتعزية، كان سليم يتلقي واجب العزاء من الناس بصفته الابن لذلك الرجل الطيب مع عبرات المواساة التقليدية ودعواتهم له بالصبر والسلوان.
كان مرتديًا بنطال وقميص أسود ويحدق باللاشئ أمامه بشرود متذكرًا صبحي الذي فارقه ليلة أمس، معالم الحزن كانت بادية بوضوح على وجهه حتى أن الكلام يخرج بصعوبة من شفتيه، مكتفي فقط بالرد على أي سؤال باجابته المختصرة، فلم يكن في حالة تسمح له بالحديث إطلاقًا، حتى انتشله من حالة السكون الغارق بها صوت رنين هاتفه فأخرجه ونظر في شاشته يقرأ المتصل فاستقام واقفًا واتجه إلى إحدى الغرفة الداخلية ليجيب على كاميليا التي صاحت متلهفة فور رده:
_أنت فين ياسليم من امبارح برن عليك مش بترد عليا كدا ياحبيبي تقلقني عليك
هتف بصوت غليظ وخافت:
_عم صبحي اتوفي ياماما امبارح وأنا باخد العزاء بتاعه
اتسعت عيناها بصدمة ثم تبدلت معالمها للحزن الحقيقي وردت على سليم تواسيه بحنو:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله.. ربنا يرحمه ياحبيبي هو فين بيته طيب ياسليم عشان أجيلك
رد بالرفض التام وإيجاز:
_لا ملوش لازمة تيجي هو العزا في البيت وأنا يومين كدا أن شاء الله وارجع البيت، وبلغي بابا لأني مش قادر اتكلم أبدًا
أجابت كاميليا بالموافقة وأخذت تملي عليه تعليماتها الأمومية بقلق:
_حاضر .. خد بالك من نفسك ياسليم وكُل ياحبيبي متهملش في أكلك بسبب الحزن
لم يجيب على تعليماتها واكتفى بتوديعها وانهي الاتصال ثم جلس على الفراش ومد يده في جيب بنطلله ليخرج مفتاح المنزل الذي أعطاه له قبل أيام قليلة من وفاته.. متذكرًا وصيته له بأن يحفظ حق ابنته المفقودة متأملًا أنها في يوم ستعود.
تجمعت العبرات في عيناه وهو يستعيد كلماته ويتخيل صورته أمامه وصوت الدافئ الذي فارقه، فوجد مروان يقتحم عليه الغرفة يقول بقلق:
_سليم أنا رايح البيت هالة رنت عليا بتقولي يوسف حرارته عالية وتعبان
استقام سليم واقفًا واقترب من صديقه يهتف بقلق وهو يحثه على الرحيل فورًا :
_طيب روح مستني إيه وابقى طمني بعد ما توديه للدكتور، وخير أن شاء الله متقلقش
ثم اتجه إلى شرفة الغرفة بعد رحيل صديقة ووقف للحظة يلقي نظرة خاطفة على تلك المنطقة والشارع، فإذا به يلمح فيروز وهي مارة من الأسفل متجهة إلى منزلها وتحمل بين يديها أكياس ممتلئة بمستلزمات منزلية مختلفة، ولم يجد صعوبة في التعرف عليها وتذكر أنها الفتاة التي صدمها بالأمس، أما فيروز فتلقائيًا رفعت رأسها للأعلى حيث شرفة غرفة العم صبحي التي عرفت بصباح اليوم أنه توفي، لكن تسمرت بأرضها عندما رأت سليم يقف بالشرفة ويتطلع إليها، قذف بعقلها الف سؤال في اللحظة الواحدة أهمهم من يكون ذلك الشاب وما علاقته بالعم صبحي.
لكن سرعان ما اطرقت رأسها أرضًا مجددًا وأكملت طريقها مسرعة إلى منزلها بعدما رأت تلك النظرات الثاقبة في عيناه لها، لم تكن نظراته عادية بل كانت قوية وحادة كنظرات الصقر، ولم تختلف نظراته عن هيئته الصارمة ونظرتها الأولية التي اتخذتها عنه منذ رؤيته بالأمس…
***
داخل منزل عوني الطوخي….
حيث كانت داليا جالسة برفقة أمها وتسرد لها عن خلافاتها المتكررة مع زوجها فهتفت كاميليا تجيب بغضب:
_واضح أن جوزك نسى نفسه ونسى هو كان إيه ويقى إيه بعد ما اتجوزك
ردت داليا بتأثر وحزن شديد:
_ ياماما أنا بحب شاهين وهو كمان بيحبني وأنا عارفة كويسة أنه مش وحش بس أنا مش قادرة افهم هو ليه بقى كدا معايا
هتفت كاميليا بغيظ:
_بيعمل كدا عشان ضمنك والفلوس خلاص جريت في إيده فأنتي لازم تفكريه وترجعيه لعقله يا داليا
أجابت داليا بعصبية حقيقية وحيرة:
_يعني اعمل إيه ياماما ما أنا بهتم بيه والنفسي ومش بخليه محتاج حاجة أبدًا
ازدادت حدة نظرات كاميليا وأملت عليها توجيهاتها بحزم:
_أنا مش بقولك دلعيه واهتمي بيه.. حسسيه أنك مبقتيش مضمونة وممكن في أي لحظة يخسرك سعتها ممكن ترجع تصرفاته تتظبط معاكي
زمت داليا شفتيها بتردد وهمست:
_بس شاهين مش بيجي بالطريقة دي وممكن تقلب بنتيجة عكسية
هتفت كاميليا بتجبر وقسوة:
_امال انتي يعني هتسبيه يعاملك بالطريقة دي وتسكتي.. أبوكي وسليم لو عرفوا اللي حكتهولي ده هيطلقوكي منه فورًا.. اعملي اللي بقولك عليه عشان تنفذي جوازك اللي انتي باقية عليه ومتخسريش جوزك طالما بتحبيه
التزمت داليا الصمت لدقائق وهي تفكر في كلمات أمها محاولة توقع ردة فعل شاهين إذا مارست عليه تلك الطريقة من الضغط النفسي، لكن أمها كانت على حق حين قالت أن سليم وعوني لم يمرروا الأمر مرار الكرام إذا علموا…
***
بعد مرور يومين داخل مقر شركة عوني الطوخي كان طارق قد وصل لمقر الشركة ودخل وقادت خطواته بطريقه لغرفة والده ليتحدث معه ويستشيره في أمور تخص الدراسة ومدرسته لكنه تسمر بأرضه من بداية الردهة عندما رأى مروة تخرج من غرفة مكتب والده وتهندم من ملابسها وشعرها المبعثر….
***
على الجهة الأخرى بعد انتهاء عزاء صبحي كان سليم واقفًا أمام مكتبته المرفقة اسفل البناية مباشرة وكان ينوي فتحها وتفحصها لكن أوقفه صوت طفل خلفه يسأله بحزن:
_هو عمو صبحي مش هيفتح المكتبة تاني خلاص؟!
التفتت سليم بجسده كاملًا وتخفض بنظره لذلك الطفل فوجده وسيم ومهندم، فتقدم نحوها ومسح على شعرها بحنو مجيبًا في أسى:
_أيوة ادعيله ربنا يرحمه
تنهد الطفل الصعداء بيأس وقال في عبوس:
_ربنا يرحمه.. طيب أنت مش ابنه ليه متفتحش المكتبة بداله.. أنا كنت بحب مكتبة عمو صبحي أوي وعلطول باجي اشتري من عنده
ابتسم له سليم بحنو وشعر بغصة في قلبه من شدة الحزن لتجاهل كلمات الطفل وسؤاله وأجابه هو بسؤال مختلف:
_أنت قولي الأول اسمك إيه ؟
_ اسمي ياسين
هم بأن يجيبه سليم مبتسمًا لكنه صدح صوت رنين هاتفه في جيبه فأخرجه وأجاب على أحد العاملين بالمشروع وهو يهتف بهلع:
_في مصيبة حصلت في موقع المشروع ياسليم بيه تعالى بسرعة
أجاب سليم بفزع وقلق:
_مصيبة إيه.. أنا جاي حالًا
على الجهة الأخرى كانت فيروز قد رأت أخيها وهو يقف مع سليم فصاحت منادية عليه وتقدمت مسرعة إليه لتأخذه بينما سليم فاندفع مهرولًا إلى السيارة لتتقاطع طرقهم ويصطدم بفيروز فتتلاقي نظراتهم للحظة قبل أن يعبر هو ويتركها مستقلًا بسيارته منطلقًا بها………
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية لأنك أنت) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.