رواية لأنك أنت الفصل الخامس 5 – بقلم ندى محمود توفيق

رواية لأنك أنت – الفصل الخامس

(( لأنك أنت ))
_ الفصل الخامس _
توقف سليم بسيارته بموقع المشروع السكني الخاص بعائلة الطوخي وترجل من سيارته ثم قاد خطواته راكضًا عندما رأى حشد من الناس مجتمع حول أحد المنازل الصغيرة والمتهالكة وكان ذلك المنزل للطفل ” مؤمن ” وعائلة، رأى شاحنة الرفع وبجوارها سيارة إسعاف مرتصفة بجانب المنزل.
تصلب بأرضه بذهول عندما رأى كومة الطوب العالية أمامه والمنزل منهار بالكامل وكل شيء به أصبح أسفل الأنقاض فالتفت حول يراقب تعبيرات الوجوه على العمال والمهندسين ما بين خوف وبين انهيار وبين حزن شديد، وشاحنة الرفع تحاول رفع الأنقاض.. فصرخ بالجميع بصوت جهوري نفضهم بأرضهم:
_إيه اللي أنا شايفه ده فــهـمـــوني
تقدم رئيس المهندسين تجاه سليم وهتف وهو مطرق رأسه أرضًا والحزن الشديد بادي على وجهه:
_البيت كان متهالك خالص ياسليم بيه ومستحملش الحفر اللي كان جمبه فوقع فجأة زي ما أنت شايف، على الرغم أن محدش مننا قرب منه خالص والله بس لأن أساسه ضعيف خالص ومتهالك أنهار من شدة الحفر
تجول بنظره حوله باحثًا عن العائلة محاولًا تمالك أعصابه وهو يسأله:
_فين العيلة اللي كانت في البيت قاعدين فين عشان اطمن عليهم.. وحسابي معاكم عسير بس اطمن عليهم الأول
ازدرد الرجل ريقه برعب وتلفت حوله ينقل نظره بين بقية المهندسين مترددًا من الإجابة على سؤال سليم الذي صاح به منفعلًا بتعجب:
_ما تنطق فينهم ؟!
عاد الرجل بنظره المرتعد إلى سليم وتمتم بصوت مرتجف من الخوف والخزي:
_كانوا في البيت لما وقع وطلعنا الأم وأولادها متوفيين للأسف
كأن صاعقة برق ضربته بأرضه فشعر بمزيج من برودة الصدمة في جسده مع نيران الغضب القاتلة، تمنى أن يكون ما يراه ويسمعه حلم لكنه كان الحقيقة القاسية للأسف، وبلحظة تحول إلى شخصه المرعب الذي يخفيه في أعماقه طوال الوقت وفقد زمام التحكم في أعصابه وأصبحت عيناه حمراء كالدم ولا يرى أمامه ولا يسمع شيء فقط تتردد في أذنه آخر عبارات المهندس التي نطق بها.
وجه له لكمة عاتية أسقطته أرضًا وثار بالجميع كالأسد حين يزأر صارخًا بصوت قذف الرعب في قلوب الجميع:
_يعني إيه ماتوا… وأنتوا كنتوا فيييين لما ده حصل أنا موكل مهندسين ولا بهايم مش عارفين أن البيوت متهالكة ومش هتستحمل الحفر.. سايبن الناس في بيوتها لـــيـــه.. ده أنا هروح فيكم في ستــيــن داهية واحد واحد يامتخلفين
بتلك اللحظات وصل كل من مروان وأمير وعوني بعدما وصلهم الخبر فهرولوا راكضين تجاه سليم ليحكموا ثورانه الذي قد يطيح بالجميع.. كبل عوني ابنه وامسكه بأحكام صائحًا به:
_اهدى ياسليم اهدى
اكمل سليم صراخه المفزع بهم غير مباليًا بوالده الذي يحاول تحجيمه:
_ اقسم بالله لادفعكم تمن التخلف ده غالي الكل هيتحاسب.. الأطفال اللي ماتت دي ذنبها في رقبتكم ورقبتي
ثم دفع ذراعين أبيه عنه بعنف واندفع بخطواته ثائرًا مبتعدًا، رغم شموخه وقوته المرعبة أمام الجميع إلا أنه من الداخل منهار وضميره مع شعور الذنب ينهشانه نهش.
لكن توقف مكانه بعد خطوات معدودة عندما رأى سيارة الشرطة متجهة نحوهم ووقفت أمامه مباشرة ثم ترجل الضابط منها واقترب من سليم ليقف أمامه ويسأله:
_أنت سليم الطوخي
هو سليم رأسه بالإيجاب بعدما استنتج سبب وصول الشرطة وسؤالهم عنه تحديدًا، فأكمل الضابط بلهجة حازمة:
_احنا وصلنا بلاغ بالحادث الذي حصل هنا وأنك أنت المسؤول عن المشروع اللي بيتبني ومعانا أمر من النيابة بإحضارك.. اتفضل معانا
اسرع أمير تجاه شقيقه وهتف بقلق متسائلًا:
_يتفضل ليه يا حضرة الظابط ده حادث ومش مقصود يعني أكيد
حدق الضابط بأمير وأجاب بثبات وحدة:
_مكنش مقصود بس كان نتيجة أهمال
اقترب عوني منهم وهتف محدثًا الضابط في محاولة منه لإنقاذ ابنه:
_أنا عوني الطوخي ياحضرة الظابط وأنا صاحب المشروع والمسؤول عنه مش ابني
أجاب الضابط بهدوء اعصاب تام وبرود:
_البلاغات اللي وصلت كانت كلها بتقول أن سليم الطوخي هو المسوؤل ومعانا الأمر أننا ناخده على القسم
هم مروان بالتحدث محاولًا التفاوض مع الضابط لكن اسكتهم بحركة من يده وأجاب على الضابط بثقة وثبات تام:
_تمام أنا جاي معاك ياحضرة الظابط
أشار له الضابط إلى سيارة الشرطة فاتحه سليم واستقل به وبجواره اثنين من العساكر.. بينما عوني فنظر إلى مروان وهتف بغضب متلهفًا وهو يهرول تجاه سيارته:
_اتصل بالمحامي بسرعة يامروان وخليه يحصلنا على القسم
اخرج مروان هاتفه وأجرى اتصالًا بمحامي العائلة الخاص ولحق بعوني هو وأمير ليستقلوا معه بسيارته وينطلقوا خلف سيارة الشرطة…
***
داخل مقر شركة الطوخي….
التفتت مروة برأسها يسارًا فوقع نظرها على طارق الذي يقف يتمعنها بعين مشتعلة وتعبيرات وجه ساخطة، ارتبكت للحظة لكنها تحكمت بردود فعلها وأخفت توترها لتبتسم له بود وتتقدم نحوه هاتفة:
_طارق عامل إيه.. إيه المفاجأة الجميلة دي؟
كان رغم صغر سنة إلا أن جسده رياضي وعريض وطويل القامة يكاد يكون يفوقها طولًا، اطال النظر في وجهها بنظرات مريبة اخافتها بعض الشيء ثم همس يجيبها ساخرًا:
_هي فعلًا مفاجأة يامروة بس ليا مش ليكي.. بابا جوا أكيد بما أنك طالعة من عنده !
ابتسمت بارتباك بسيط وقالت بلطف:
_ أه كنا بنخلص شغل مهم أنا وبباك
اخفض نظره أرضًا وضحك بصمت مستنكرًا الرد ثم عاد يتطلع إليها بغيظ متمتمًا:
_امممم واضح أنه مهم فعلًا
انهي عباراته واندفع من أمامها متجهًا إلى غرفة أبيه الخاصة بينما هي فالتفت برأسها للخلف تراقبه بتعجب من تصرفاته وتعامله الغريب معها.
طرق الباب مرتين متتالين فسمع صوت أبيه يسمح للطلرق بدخول ففتح الباب ودخل على مضض دون أن يبتسم حتى في وجه أبيه على عكس شاهين الذي ابتسم باتساع فور رؤية ابنه وقال مرحبًا به:
_ يا أهلا وسهلًا ياطارق مش تقولي أنك جاي طيب
حافظ طارق على ثباته الانفعالي وتبلد تعبيراته ثم جلس أمام أبيه وقال بجدية:
_أنا جيت اتكلم معاك في حاجة سريعة كدا وهمشي تاني لأن ورايا درس
تنهد شاهين بقلة حيلة وأجاب ايه بثقة:
_أكيد عايز تتكلم في موضوع السفر والمنحة اللي عايز تاخدها برا مصر
هز طارق رأسه بالنفي مجيبًا بقوة:
_لا ما أنا جيت اقولك أني خلاص مش عايز اسافر غيرت رأى
غضنت شاهين حاجبيه باستغراب وراح يسأله بفضول مستفهمًا:
_وياترى إيه اللي غير رأيك ده أنت كنت مصمم واتخانقت مع مامتك بسبب الموضوع ده
أخذ طارق نفسيًا عنيقًا وقال بنظرة ونبرة رجولية تحمل المسؤولية التي لم تطلب منه لكنه شعر بفرضها عليه:
_مش هقدر اسيب ماما ولارا وحدهم وامشي
ابتسم شاهين لابنه وقال بعدم فهم وجهة نظره:
_وحدهم إيه ما أنا موجود ياطارق ولا أنت خلاص اعتبرتني مُت
رد طارق فورًا مصححًا وجهة نظره وبصوت ثابت:
_لا بعد الشر عليك يابابا مقصدش كدا طبعًا
ـطيب أمال أيه مالك؟
تنفس طارق الصعداء مطولًا وحدق بأبيه في نظرة خزي كلها عدم ثقة وضيق:
_أقصد هو أنت هتفضل دايمًا موجود ومش هتسيبنا يعني يابابا
انعقد لسان شاهين لثواني غير مستوعبًا رد ابنه الغير متوقع، واستغرق لحظات يفكر في سبب تفوهه بتلك الكلمات المريبة وعندما فشل في تخمين ما يدور بذهنه أجابه بابتسامة خافتة ونظرة مندهشة:
_إيه الكلام ده يابني ليه بتقول كدا.. وبعدين اسيبكم ازاي أنت وأختك وأمك حياتي كلها مقدرش اسيبكم
مال ثغر طارق بابتسامة بسيطة تحمل السخرية من رد والده بأنهم حياته كلها وعلى الجانب الآخر هو يخون أمه مع امرأة أخرى، لم يعد بإمكانه النظر لوالده بنفس نظرته السابقة التي كلها احترام وتقدير وحب.. بات يشعر بأنه لا يريد رؤيته ولا يطيق الحديث معه حتى.
رفع نظره وتطلع بأبيه وأجاب مخترعًا سببًا وهميًا يفسر به سبب كلماته:
_بسأل بس لأني شايف أن علاقتك أنت وماما دايمًا خناق فعشان كدا حطيت احتمال انكم ممكن تنفصلوا في يوم وتسيبنا
أخذ شاهين نفسًا عميقًا ثم استقام واقفًا واقترب من ابنه ليجلس على المقعد المجاور له ويربت على كتفه بحنو متمتمًا في رزانة:
_بص ياحبيبي خلافاتنا أنا وأمكم ملهاش أي علاقة بالكلام اللي بتقوله ده.. ودي مجرد خلافات بسيطة بتحصل بين أي اتنين متجوزين.. لكن لا يمكن أنا في يوم اسيبكم أن شاء الله
لوى طارق فمه بعدم اقتناع وقال في حنق:
_أن شاء الله
***
على الجانب الآخر داخل منزل فيروز…
تقدمت باتجاه الباب بعدما سمعت صوت رنين الجرس، وقفت خلف الباب ونظرت من تلك الفجوة المتوسطة في منتصف الباب ( العين السحرية )، فرأت حازم يقف ينتظر ردها.. تقهقهرت للخلف بارتيعاد وبدأت أنفاسها في التسارع فبقت ساكنة تمامًا لا تصدر صوتًا ولا تفتح حتى وجدته يعيد الرنين المتكرر مجددًا بإصرار ولا يتوقف عن الرنين، استجمعت رباطة جأشها وردت عليه من خلف الباب بغضب:
_عايز إيه يا حازم امشي مش هفتحلك
سمعت صوته النادم والمتوسل من خلف الباب يهتف:
_افتحي يا فيروز ابوس ايدك متخافيش مش هعملك حاجة أنا جيت اعتذرلك والله وافهمك عملت كدا ليه
هزت رأسها بالرفض القاطع مجيبة بانفعال:
_مش عايزة اسمع ولا اعرف حاجة يا حازم.. امشي ارجوك وكفاية أوي اللي عملته فيا يومها
ترجاها بلطف معتذرًا:
_افتحي طيب.. أنا آسف خليني افهمك بس
صاحت به رافضة:
_قولتلك مش هفتح امشي بقى
تبدلت نبرته في لحظة من اللطف إلى الغلطة والشراسة وهو بجيبها بإصرار:
_أنا مش همشي يا فيروز وهفضل هنا افتحي أفضل وبلاش تعملي فضايح لنفسك في العمارة والناس تسمع صوتي، أنا هتكلم معاكي خمس دقائق بس
شعرت فيروز بانهيارها داخليًا وبلحظة رغبت بالبكاء والصراخ لكنها تحاملت وظلت شامخة حتى أنها تحدت خوفها منه وقررت مواجهته عازمة على فعل أي شيء أن حاول أذيتها مجددًا حتى لو اضطرت لقتله والتخلص من شره.
اقتربت من الباب مجددًا بخطى بطيئة ثم فتحت الباب بهدوء فدخل هو وعلى ثغره ابتسامة سعادة عريضة ومد يديه ينوي احتضان ذراعيها من الجانبين لكنها انكشمت على نفسها وتقهقهرت للخلف فورًا بحذر لينزل يديه مجددًا في حنق ويقول بأسف:
ـأنا آسف يا فيروز أنا مكنتش في وعي والله وكنت شارب وبسبب غضبي منك مكنتش شايف قدامي.. محبتش أجيلك تاني يوم واقولك الكلام ده وقولت استنى لما تكوني هديتي من ناحيتي شوية
مال ثغرها للجانب بابتسامة ساخرة ثم ردت عليه بإيجاز وهي تحاول أنهاء ذلك اللقاء بأى طريقة:
_طيب لو خلصت اللي عايز تقوله وتفهمهوني اتفضل يا حازم
استشاط غيظًا منها ومن ردودها الباردة فصاح بها:
_أنا نفسي افهم أنتي ليه مش بتحبيني زي ما بحبك.. فيا إيه ناقص ويعيبني يخليكي تكرهيني بالشكل ده
ثارت مثله وصرخت باستياء شديد:
_الحب مش بالغصب وأنا مش عايزاك ولا بحبك، بعدين أنت مش بتحبيني أنت مريض نفسي ومهووس
تقدم منها ووقف أمامها مباشرة ثم نظر في عيناها بقوة وبنظرة نارية كلها وعيد قال:
_ مسيرك تحبيني غصب عنك لما تدركي أنك مفضلكيش غيري.. سعتها هتوافقي تتجوزيني تاني ونرجع لبعض.. بس للأسف أنا موعدكيش أني هفضل مستنى لحظة إدراكك دي بنفس الهدوء ده كتير كدا
أنهى عباراته وألقى عليها نظرة أخيرة مشتعلة ثم استدار وغادر تاركًا إياها تقف كالصنم وعيناها غارقة بالدموع، ولم يقدم ثباتها المزيف لأكثر من خمس ثواني فـ انسابت دموعها على وجنتيها بغزارة وانهارت جالسة على الأرض وهي تبكي بقوة متمتمة من بين بكائها بعجز وضعف:
_يارب أنا تعبت مش قادرة استحمل.. خلصني منه ومن شره وريحني يارب
***
بتمام الساعة التاسعة مساءًا داخل منزل عوني الطوخي….
كانت كاميليا بحالة انهيار وبكاء لا يتوقف خوفًا على ابنها الذي لا تعرف عنه شيء حتى الآن منذ الخبر الذي وصلهم بأن الشرطة ألقت بالقبض عليه، كانت داليا بجوارها تحاول تهدأتها وتمسح على ظهرها بحنو متمتمة:
_اهدى ياماما أن شاء الله يرجع بابا وأمير دلوقتي ومعاهم سليم
ومن الجهة الأخرى كانت أمينة تقوم بالتخفيف عنها بالكلمات بدورها متمتمة:
_متقليش ياست كاميليا هيطلع هما تلاقيهم اخدوه بس يسألوه كام سؤال
صاحت بهم كاميليا وهي تدفع يد ابنتها عنها وتجيب بهجيان:
_أنا مش ههدى ولا ارتاح غير لما اشوف سليم ابني قدامي ابعدوا عني وسيبوني
على الجانب الآخر كان يجلس كل من لارا وطارق ويتابعون حالة الانهيار المستحوذة على جدتهم وعلامات الحزن والقلق على خالهم بادية على معالمهم.
فأذا بكامليليا تهب واقفة بلهفة عندما سمعت صوت طرق الباب واتجهت أمينة لتفتح.. فرأت زوجها يدخل بوجه عابس وخلفه أمير بنفس تعبيرات الوجه وآخرهم كان شاهين، ظلت تراقب الباب بعد دخول شاهين في انتظار دخول سليم لكن لم يدخل، فتكلعت في وجوههم بالتتابع وسألت بقلق:
_سليم فين ليه مرجعش معاكم
اتجه عوني لأقرب مقعد وجلس عليه دون أن يجيب على سؤال زوجته بوجه محتقن من فرط الضيق، ليقع ضرورة الإجابة على أمير الذي قال بخفوت في انزعاج:
_هيبات الليلة دي في الحبس ياماما وبكرا أن شاء الله المحامي هيحاول ويطلعه، هنلاقي طريقة يعني بإذن الله
اتسعت عيني كاميليا بصدمة وراحت تتنقل بنظره بينهم ثلاثتهم واستقرت في النهاية على عوني الذي يحدق في الفراغ بشرود وراحت اندفعت نحوه كاميليا ثائرة كالأسد صارخة:
_مفيش حاجة اسمها هيحاول ياعوني ابني بكرا يطلع ويرجع لحضني.. المشروع المنيل بستين نيلة ده مشروعك أنت وهو السبب في رمية ابني في السجون دلوقتي.. تتصرف ياعوني سامعني
رقمها عوني بنظرة ملتهبة وساخطة ثم أجابها بلهجة رجولية عالية ومرعبة:
_هو ابنك وحدك مهو ابني كمان وأكيد مش هسيبه في السجون أنتي شيفاني قاعد نايم ومش بعمل حاجة
تقدم أمير وحاوط أمه بذراعيه من كتفيها ليهدأ من ثورانها متمتمًا بدفء:
_اهدى ياماما ليه متوترة وقلقانة للدرجادي.. ده موضوع بسيط صدقيني أن شاء الله بكرا يتحل.. وعد سليم هيطلع بكرا اهدى بقى عشان خاطري
تطلعت كاميليا بعيناها الدامعة إلى أمير وتمتمت بنظرة مفعمة بالأمل والثقة:
_اوعى تسيب أخوك يا أمير، أعمل كل حاجة ممكنة وطلعه أنا واثقة فيك ياحبيبي
ابتسم لها بحب وانحنى على رأسها يقبل شعرها هامسًا:
_حاضر ياست الكل اطمني
بينما عوني فتابع نجاح ابنه الصغير في امتصاص حالة القلق والثوران المهيمنة على أمه بكل بساطة، ليتنهد براحة ويستقيم واقفًا ثم يقود خطواته متحركًا باتجاه غرفته.. راغبًا في اختلاس بعض الخصوصية للتفكير في تلك المصائب التي سقطت متتوالية فوق رأسهم وكيف سيتصرف ويخرج نجله الأكبر من السجن.
***
عودة لفيروز حيث كانت متسطحة على الفراش بجوار أخيها الصغير الذي يشاهد أحد برامج الأطفال المفضلة لديه على الهاتف، وكانت هي شاردة سابحة في بحور الهموم والقلق والانكسار التي تشعر بها، كل شيء تراكم فوق رأسها بأصعب وأشد الفترات في حياتها، بداية من وفاة والديها إلى حازم و محاولاته المستميتة في الزواج منها وأذيتها بكل الطرق نهاية بأخيها الصغير ومسؤوليته التي أصبحت فوق عاتقها وخوفها الشديد الآن من فكرة محاولة عمتها وحازم بأخذه منها.
ما مرت به منذ وفاة والديها لم يمنحها الفرصة حتى للحزن عليهم، فوجدت نفسها في غابة تملأها الذئاب المفترسة ويتوجب عليها حماية نفسها بكل الطرق الممكنة للبقاء على قيد الحياة سليمة هي وأخيها، لكن كيف لحمل وديع ورقيق يقف في محاربة الذئاب وحده ويتغلب عليهم!!!.
انتشالها من أفكارها البائسة رنين جرس الباب فاستقامت واقفة وغادرت الغرفة متجهة إلى الباب لتفتح فإذا بها تجد صاحب البناية يقف أمامها ويلقي عليها التحية بوجه متخشب:
_مساء الخير يا آنسة فيروز
ردت عليه بنظرة تعجب من قدومه لها وتعبيرات وجهه:
_أهلًا ياعم مدحت خير في حاجة ولا إيه
أجابها بحنق ونبرة فظة غير انسانية:
_ أنا جيت أبلغك أن عليكم تلات شهر إيجار المرحوم أبوكي مدفعهمش والشهر ده الرابع.. وكان بيأخر فيا كل شهر بحجة الظروف وأنا كنت صابر عليه.. ياريت أنتي بقى ياست البنات تدفعي الشهور اللي عليكم دي في اقرب وقت وإلا هقل بأصلي معاكي
فرغت فيروز عيناها وشفتيها بصدمة وأجابت عليه بحيرة وعجز:
_طب وأنا ادفع اربع شهور منين ياعم مدحت مرة واحدة ده الايجار بـ 3000 جنية
رفع الرجل كفه غير مباليًا بأمرها وقال في حدة وقسوة:
_مليش فيه أنا الكلام ده يا ست البنات أنا ليا فلوس ايجاري توصلي في اقرب وقت وإلا وقتها هضطر اطلعك وأجر شقتي لناس تاني
وصل بتلك اللحظة سمير ابن مدحت وسمع آخر كلمات والده وهو يحدث فيروز بتلك النبرة فأسرع بالتدخل وهتف مبتسمًا بسماجة وهو يختطف النظرات الوقحة لفيروز ويجيب على أبيه بصرامة:
_جرا إيه ياحج نطلعها ده إيه منقدرش نطلع الابلة ست البنات.. معلش ياحج نصبر ونديها وقت براحتها لغاية ما تجمع الفلوس وتدفعها معلش راعي ظروفها ده برضوا لسا في حداد
نظر مدحت إلى فيروز بامتعاض وأشار باصبعيه السبابة والوسطى رافعًا إياهم في وجهها هاتفًا بحزم:
_قدامك اسبوعين تلاتة بالكتير أوي لو مدفعتيش الايجار هأجر الشقة لناس تانية
أنهى كلماته واستدار وأكمل طريقه للأسفل على الدرج بينما سمير فنظر إلى فيروز بجرأة وقال:
_معلش ياست البنات حقك عليا أنا.. خدي راحتك في دفع الإيجار وأبويا أمره محلول عندي
طالعته فيروز مطولًا دون التفوه ببنت شفة وبعد رحيله دخل واغلق الباب خلفها ببطء وهي تتنفس الصعداء بحزن وتشوش فقد ازدادت مصائبها واحدة أخرى الآن، فاقت من حالتها على صوت ياسين وهي يسألها بخوف وحزن:
_هو احنا هنسيب بيتنا ونمشي يا فيروز ؟
مدت يدها تمسح على شعرها بحنو متمتمة في وجه مهموم:
_ لا يا ياسين مش هنسيبه.. أن شاء الله ربنا هيفرجها وهدفع الايجار
هتف ياسين بجدية وثبات:
_طيب خدي فلوسي اللي محوشها في الحصالة بتاعتي يا فيروز وزودي عليها أنتي عشان تدفعي الإيجار
ابتسمت له بحب أخوي صادق ومالت عليه تلثم شعره بود مجيبة:
_لا ياحبيبي خلي فلوسك معاك أنا هتصرف.. أنت روح نام دلوقتي عشان الوقت اتأخر وأنت معاك مدرسة بكرا
هز رأسه له بالموافقة دون جدال واستدار عائدًا لغرفته، لتجلس على اقرب مقعد بجوارها وتغرق في بحور التفكير محاولة إيجاد حل يمكنها من تجميع مبلغ الإيجار.
***
عودة لمنزل عوني الطوخي…..
لما بتبقى بالصالون سوى شاهين وداليا بعد ذهاب الجميع إلى غرفهم، طالت النظرات الصامتة بينهم حتى قطعت داليا الصمت وهي تهتف بمضض دون النظر لوجهه:
_أنا هقعد الليلة دي مع ماما مش هقدر اسيبها ولا امشي قبل ما اطمن على سليم
هز شاهين رأسه بالموافقة دون اعتراض ثم استقام واقفًا واقترب منها ليجلس بجوارها ويرفع أنامله يخللها بين خصلات شعرها بحنو متمتمًا:
_طيب زي ما تحبي.. بس أنتي لسا زعلانة مني ياديدي ؟
ألقت عليه نظرة خاطفة وغاضبة ثم اشاحت بوجهها للجهة الأخرى، لينحني على رأسها ويطبع قبلات متتالية هامسًا:
_خلاص بقى ميبقاش قلبك أسود ياحبيبتي.. مش هنفضل متخاصمين كتير كدا
عادت تنظر له وهتفت باقتضاب:
_أنت اتغيرت أوي يا شاهين معايا وبقيت غريب ومش قادرة افهمك.. مش عارفة بقى أنت بطلت تحبني ولا في سبب تاني معرفهوش
مسح على وجنتيها بلطف وتمتم في رزانة وصوت هادئ تمامًا:
_بلاش تفكري التفكير ده وتحطي الأوهام دي في دماغك، أنا بحبك وأنتي عارفة كدا وتغيري بسبب ضغط الشغل بقيت اعصابي تعبانة ومش فاضي أغلب الوقت
داليا بضيق وتذمر حقيقي:
_لا أنا مبقتيش متأكدة من حبك ليا بقيت محتاجة أنك تثبتلي ده.. والشغل مش مبرر لعلمك لإهمالك ليا ومعاملتك معايا
تنهد الصعداء بقلة حيلة ثم ابتسم لها بود وقال في حكمة وصوت دافئ:
_أنا آسف سامحيني اني خليتك تحسي كدا.. و اوعدك بعد ما يطلع سليم من السجن وتتحل المشكلة دي هعوضك عن الفترة اللي فاتت أنتي والولاد
استنشقت نفسًا طويلًا وأخرجته زفيرًا متمهلًا في استسلام وعدم ثقة بوعوده لكن أجابت ابتسمت له بحب وهمست:
_ماشي وأنا مستنية
اتسع ثغره بابتسامة عريضة ثم دنى منها بكل جرأة ينوي تقبيلها فمالت برأسها للخلف مندهشة وهمست بحدة وهي تنهاه:
_بتعمل ايه يا شاهين أنت اتجننت احنا مش بيتنا وممكن أي حد يجي بابا وأمير موجودين
قهقه بخفة وقال بتفهم بعدما عاد يعتدل في جلسته وقال:
_اعمل إيه طيب ما أنت وحشتيني ياروحي
ابتسمت بدلال وغرام ثم إجابته:
_احترم نفسك وبلاش قلة أدب بقى مش وقته، بعدين احنا في إيه ولا إيه أنا زعلانة وقلقانة أوي على سليم ياشاهين
تقةست تعابير بوجهه بجدية وقال في ثبات وثقة:
_ متقلقيش ده موضوع بسيط فعلًا وبكتيره بكرا ويطلع بإذن الله
تطلعت للأعلى بتمنى ورددت ( آمين ) في اضطراب شديد، بينما شاهين فاستقام واقفًا بعدما ودعها بقبلة سريعة على وجنتها متمتمًا:
_أنا همشي لو احتجتي حاجة كلميني
هزت رأسها بالموافقة ولوحت له بكفها مودعة إياه:
_أوكي ياحبيبي باي باي
استدار واندفع لخارج المنزل متجهًا إلى سيارته وعندما وصل امسك بمقبض الباب الأمامي لكن صدح صوت رنين هاتفه قبل أن يفتحه فتركه وأدخل يده في جيب بنطاله وأخرج الهاتف ليجد الشاشة تنير باسم المتصل ( مروة ) فتأفف بحنق وضغط على زر الوضع الصامت واعاد الهاتف بجيبه مجددًا متجاهلًا اتصالها واستقل بسيارته ثم انطلق بها عائدًا إلى منزله.
***
بصباح اليوم التالي داخل قسم الشرطة…..
كان سليم حرًا طليقًا بعدما تمكن المحامي من إخراجه وتبرئته من كل البلاغات والادعاءات الموجهة نحوه، كان بالخارج ينتظره كل من مروان وأمير وفور رؤيتهم له وهو يتجه نحوهم ابتسموا براحة وفتح مروان ذراعيه يستقبل صديقه بكل حرارة وهو يعانيه ويربت على ظهره هاتفًا:
_حمدلله على السلامة يابشمهندس
لم يجيب سليم ولم يبتسم فقط هز رأسه بالامتنان لصديقه وابتعد عنه ليعانق أخيه الذي هتف بفرحة مرحبًا به:
_حمدالله على السلامة ياغالي
ابتعد سليم عن أخيه وتمتم بخفوت ووجه مهموم:
_الله يسلمكم.. عربيتي موجودة ولا لا ؟
غضن أمير حاجبيه وتبادل النظرات مع مروان باستغراب ثم سأل سليم بفضول:
_مالك ياسليم أنت كويس ؟
ابتسم بسخرية وقال في سخط وقهر ملحوظ:
_كويس جدًا يا أمير من تلات أيام مات اكتر شخص غالي على قلبي وامبارح اطفال وعيلة كاملة ماتوا بسببي وذنبهم في رقبتي
هتف مروان بحزم ونبرة رجولية غليظة:
_أنت ملكش ذنب ياسليم ده كان حادث وخطأ من المهندسين والعمال
مسح على شعرها نزولًا لوجهه بحنق ثم تأفف بنفاذ صبر وتركهم عندما لمح بنظره سيارة أخيه فاتجه نحوها واستقل بها وأشار بيده إلى أمير هاتفًا بخشونة:
_هات المفتاح
تقدم إليه مروان وسأله بتعجب قبل أن يعطيه المفتاح:
ـ هتروح فين ياسليم تعالي البيت عشان تنام وترتاح
صاحت بأخيه ساخطًا وهو يأمره:
_هات المفتاح يا أمير قولتلك
تأفف أمير بانزعاج ثم مد يده في جيب بنطاله وأخرج مفتاح سيارته ووضعه في كف أخيه الذي حرك المحرك فورًا وانطلق بها بسرعة البرق، فنظر أمير إلى مروان وقال بقلق وهو يشير بعينها تجاه سيارته:
_تعالي نطلع وراه نشوفه رايح فين أنا قلقان عليه وهو متعصب كدا
ربت مروان على كتف أمير وتمتمت في رزانة وهدوء:
_سيبه خليه يهدى أنت مش عارف أخوك يعني تلاقيه حابب يقعد مع نفسه شوية
تنهد أمير بقلة حيلة ثم أماء بالموافقة واتجه كلاهما تجاه سيارة مروان ليستقلوا بها ويعودوا إلى منزل الطوخي، بعد وصولهم ترجل أمير من السيارة وودع مروان الذي دار بالسيارة وعاد يشق طريقه باتجاه منزله إلى زوجته.
قاد أمير خطواته داخل حديقة المنزل الضخمة باتجاه باب المنزل ورن الجرس ففتحت له بعد دقائق أمينة وهي تبتسم باتساع ظنًا منها أن سليم بصحبته لكن تبددت سعادته وعبس وجهها عندما رأته وحده، وكذلك كان كل من كاميليا وداليا وعوني بانتظارهم فسألت كاميليا بتلهف وارتيعاد:
_ أخوك فين يا أمير ليه مرجعش معاك؟!
توجه نحو الأريكة وجلس وهو يتأفف بحنق مجيبًا على أمه يشرح لها الوضع:
_أول ما طلع من القسم ركب عربيتي وطلب مني المفتاح ومشي معرفش راح فين
صاحت كاميليا بقلق:
_وأنت سبته ليه يا أمير
أجاب بانفعال بسيط وقلة حيلة:
_وأنا اعمله إيه ياماما صمم وكان متعصب ومضايق جدًا.. سيبيه خلاص هياخد وقته وحده شوية وهيرجع
خرج صوت عوني الثابت والرخيم يحدث زوجته:
_اهدى ياكاميليا شوية وهيرجع لما يهدى
اندفعت كاميليا تجاه الدرج وهي ثائرة من فرط القلق على ابنها فلحقت بها داليا لتهدأ من روعها وتطمئنها، بينما أمير فظل مكانه يحدث في أبيه عبوس وعوني تعلو ملامحه تعابير الامتعاض.
***
توقف سليم بسيارته أمام أحد المنازل الصغيرة ( ڤيلا ) كانت منزله الخاص محاوط بأسوار وداخله حديقة متوسطة بها حمام سباحة صغير، ترجل من سيارته وتحرك تجاه بوابة المنزل الحديدية وفتحها ثم دخل وتقدم نحو باب المنزل الداخل ليفتحه ويدخل ويتجه نحو أقرب مقعد أمامه يجلس عليه ويدفن رأسه بين راحتي كفيه، يستعيد الأيام السابقة كلها في ذهنه.. فمازال لم يتعافي من ألم الفقد وحسرة الشوق فتضربه كارثة ضميره الذي ينهشه نهش الآن حزنًا على هؤلاء الأطفال الأبرياء الذين فقدوا حياتهم نتيجة لأهمال الجميع وأولهم هو، ربما لو لم ينخرط في حداده الشديد على صبري وتابع أعمال المشروع لما حدث كل هذا.
ظل يضغط على رأسه بغضب ممتزج بقهر جعله يشد خصلات شعره بعنف كاد أن يقتلعها من جذورها وفجأة هب واقفًا عندما وقع نظره على المنضدة المستديرة أمامه وفوقها بعض الكاسات والزينة الزجاجية فبحركة واحدة من يديه دفع كل شيء من فوقها على الأرض فتهشم الزجاج وتناثر في الأرض لجزيئات صغيرة وهو يزأر بصوت عالي، ثم جلس على الأرض بجانب تلك الفوضى وهو يطرق رأسه أرضًا بأسى وهم.
مرت ساعات النهار كلها حتى حل الليل وهو مازال منعزل داخل منزله يفكر ويتخذ قراره النهائي، وبالنهاية توصل للقرار الذي سيرضيه حتى لو لن يرضى أهله لكنه سيفعل، فغادر منزله واستقل بسيارته عائدًا إلى منزل عائلته وفور وصوله بمجرد ما أن فتحت أمينة الباب لها تهللت اساريرها بشدة وتلقائيًا ارتمت عليه تعانقه بحرارة هاتفة:
_الحمدلله ياسيد الرجال حمدالله على سلامتك
رد عليها سليم بود وفي وجه خالي من التعابير :
_الله يسلمك يا حجة أمينة
ابتعدت أمينة عنه وصاحت منادية على كاميليا بفرحة:
_ياست كاميليا سليم بيه رجع
جاءت كاميليا مهرولة فور سماعها بصوت أمينة وهي تبشرها بعودة نجلها الكبير، أسرعت شبه ركضًا تجاه سليم لترتمي عليه وتعانقه بقوة وتقبل شعره ووجه بكل حب أمومي ولهفة متمتمة:
_حمدلله على سلامتك ياحبيبي، كدا برضوا ياسليم مش كفاية حالتي امبارح واللي عشته من الخوف عليك كمان بتقلقني عليك اليوم كله النهاردة من وقت ما طلعت من القسم
مسح على ظهرها بحنو واحتضن رأسها ثم قربها من شفتيه وقبل شعرها مجيبًا بثبات وتعبيرات وجه جامدة غريبة:
_معلش ياست الكل كنت محتاج اقعد لوحدي شوية وافكر في كام حاجة وأخد قراري
ابتعدت عنه وراحت تتفحص وجهه وجسده كله بنظراتها في اهتمام وتسأله:
_طيب أنت كويس ياحبيبي فيك أي حاجة تعباك
_ لا الحمدلله ياماما أنا كويس
وصلت داليا وسارعت تجاه أخيها تعانقه بدورها وتهئنه برجوعه وعودته لهم بالسلامة فيجيبها هو بحب أخوي مقبلًا رأسها بالمثل:
_الله يسلمك يا داليا ياحبيبتي
تجول بنظره حوله باحثًا عن أبيه ثم سأل أمه باهتمام:
_بابا فين ؟
اجابتها كاميليا بابتسامة عريضة:
_جوا في مكتبه تلاقيه مش سامع أنك رجعت هو مستنيك من بدري
ابتعد سليم عنهم دون يتفوه بكلمة زيادة واتجه إلى غرفة مكتب والده بتعبيرات وجه صارمة وفتح الباب بعد طرقه وسماع صوت عوني وهو يسمح للطارق بالدخول، وفور رؤيته لابنه استقام واقفًا واتجه نحوه بسعادة ليعانقه ويربت على ظهره بقوة تدل على شدة حبه وسعادته متمتمًا:
_حمدلله على سلامتك يابشمهندس يارب تكون هديت بقى شوية بعد ما اخدت وقت كافي وحدك
ابتعد سليم عن أبيه واتجه نحو أقرب مقعد يجيب بجدية وثقة:
_هديت الحمدلله يابابا بس أخدت قرار واتمنى منك أنك تتفهم قراري وتتقبله من غير انفعال
ضيق عوني عينيه بحيرة ثم تقدم وجلس بجواره يسأل بفضول:
_قرار إيه ده ومال وشك ونبرتك غريبة كدا ليه !
تنفس سليم الصعداء مطولًا ثم حدث بوجه أبيه في ثبات يُقدر ونظرة رجولية مهيبة مع نبرة خرجت كلها عزم على قراره الذي لا عودة فيه:
_أنا مش هكمل المشروع
ابتسم عوني بدهشة امتزجت بعدم استيعابه ثم رد مستفهمًا ظنًا أن ابنه يمزح:
_مشروع إيه ده اللي مش هتكمله.. أنت أكيد بتهزر !!
سليم بإصرار وقوة تليق به وحضوره الطاغي :
_ زي ما سمعت يابابا بعد اللي حصل امبارح ده أنا مش هكمل.. تقدر تشوف حد غيري يمسك المشروع ده أنا شلت ايدي تمامًا منه
وثب عوني واقفًا وصاح بسليم ثائرًا:
_يعني إيه مش هكمل هو لعب عيال.. ده أنا عملت المستحيل أنا والمحامي بعد الحادث ده عشان نرجع ناخد تصاريح تكملة المشروع من تاني وأنت جاي تقولي مش هكمل
هب سليم بدوره واقفًا وارتفعت نبرته بعصبية شديدة يقول:
_أيوة مش هكمل.. مش هقدر اكمل في المشروع ده بعد اللي حصل امبارح.. دي عيلة كاملة ماتت بسببي وأطفال ملهمش ذنب في حاجة خسروا حياتهم
هتف عوني ساخرًا بقسوة:
_ لو ماتوا بسببك وبسبب أهمالك زي ما بتقول يبقى تراجع نفسك وتهتم بشغلك، لكن أنت سبت الشغل يضرب يقلب وفضلت مختفي تلات أيام من وقت وفاة صبري وكأنه أهم من شغلك وعيلتك
اتسعت عيني سليم باندهاش من كلمات أبيه القاسية وغير المراعية لحزنه أو حتى لحرمة ذلك الرجل الميت، فابتعد من أمامه واتجه بخطواته تجاه باب الغرفة متمتمًا:
_أنا اللي عندي يابابا وقراري مش هرجع فيه
خرجت الكلمات القاطعة من عوني التي وضعت النقط على الحروف وانهت كل شيء بنقطة نهائية لكل شيء، كلمات كانت قاسية ومتجبرة لا تخرج سوى من رجل متحجر القلب:
_ ده مش اختيار ومش بمزاجك ياسليم غصب عنك هتكمل.. ولو مكملتش المشروع ده أنت لا ابني ولا أعرفك وكل حاجة هتتاخد منك حتى عربيتك اللي راكبها

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية لأنك أنت) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!