رواية لأنك أنت – الفصل السادس
(( لأنك أنت ))
_الفصل السادس _
خرجت الكلمات القاطعة من عوني التي وضعت النقط على الحروف وانهت كل شيء بنقطة نهائية لكل شيء، كلمات كانت قاسية ومتجبرة لا تخرج سوى من رجل متحجر القلب:
_ ده مش اختيار ومش بمزاجك ياسليم غصب عنك هتكمل.. ولو مكملتش المشروع ده أنت لا ابني ولا أعرفك وكل حاجة هتتاخد منك حتى عربيتك اللي راكبها
تسمر سليم بأرضه مذهولًا مما صك سمعه للتو من أبيه، وظل ثابتًا مكانه دون حركة وهو مازال موليًا ظهره لعوني حتى لاح شبح ابتسامته المستنكرة والقوية على ثغره فالتفت بجسده كاملًا لأبيه وتمتم بصوت رجولي غليظ المزين بابتسامته الواثقة في عينيه:
_وأنا موافق ياعوني بيه
ظن عوني أن موافقته على تكملة المشروع فابتسم بثقة وقال في حزم:
_كويس كدا أنت اخترت صح ورجعت لعقلك جهز نفسك بقى عشان نكمل المشروع من بكرا
ضحك سليم ساخرًا وبلحظة اختفت ابتسامته وتحولت تعابيره للقتامة والصلابة وأجاب على أبيه:
_لا أنا موافق إني اتنازل عن كل حاجة من حقي في الشركة أو الشغل ومش عايز حاجة
تلاشت ابتسامة عوني واختفت ثقته وحل محلها الصدمة من قرار ابنه الذي كان آخر ما توقعه فقد ظن أن أسلوب الضغط والتهديد سيعيده لرشده ولكنه خلف توقعاته.
تقدم سليم نحو أبيه ودس يده في جيب بنطاله ليخرج كل من مفتاح سيارته وكذلك الكروت البنكية الخاص بالشركة وينحني بجزعه على المنضدة المجاورة لأبيه ووضع كل شيء فوقها ثم انتصب واقفًا ونظر في وجه أبيه بثبات وهتف:
_بالتوفيق ياعوني بيه في مشروعك
استدار وتحرك متجهًا إلى الغرفة تاركًا عوني يقف وهو يستشيط غيظًا من تمرده عليه، بينما كاميليا وداليا بالخارج كانوا يتبادلون الأحاديث المختلفة بمرح ويضحكون حتى رؤيتهم لسليم وهو يخرج من غرفة المكتب ثائرًا ويتجه إلى الدرج قاصدًا غرفته، فهتفت كاميليا بفزع:
_ استر يارب ماله أخوكي يا داليا
رتبت داليا على قدم أمها بلطف وتمتمت لتطمئنها وهي تستقيم واقفة:
_متقلقيش ياماما يمكن شد شوية مع بابا في الكلام أنا هكلع اشوفه واتكلم معاه خليكي هنا
رفضت كاميليا رفض قاطع واستقامت واقفة مجيبة:
_ لا أنا هاجي معاكي قلبي مش مطمني
بالطابق العلوي داخل غرفة سليم الذي أخرج حقيبتين وبدأ بوضع جميع متعلقاته الشخصية وملابسه داخلهم، قبل أن تدخل كل من داليا وكاميليا التي صرخت بهلع عندما رأته يحزم أمتعته وهرولت نحوه هاتفة:
_ يانصيبتي بتعمل إيه ياسليم رايح فين يابني ؟!
ترك ما بيده واستدار لأمه ورمقها بحنو ثم رفع ذراعيه وحاوط ذراعيها بيديه ونظر في عينيه متمتمًا:
_أنا ماشي ياماما هقعد في شقة وحدي بعيد عن كل حاجة، مش عايزك تزعلي ولا تقلقي أنا هكلمك كل يوم واطمنك عليا
تلألأت العبرات في عيناها وأجابته بعصبية وهي تدفع يديه بعيدًا عنها:
_تروح تقعد فين إيه الكلام اللي بتقوله ده.. أنت مش هتروح مكان ياسليم
تقدمت داليا من أخيها وسألته برزانة محاولة احتواء الموقف:
_ اهدى ياسليم ابوس ايدك وفهمنا إيه اللي حصل بينك وبين بابا طيب
تجاهل سؤال شقيقته ولم يجيبها وعاد يكمل حزم أمتعته وهو يجيب عليهم بلهجة حازمة وقرار حاسم:
_أنا خدت قراري خلاص ومن هنا ورايح أنا مليش أي علاقة بمجموعات شركات العوني ولا شغلهم ولا أي حاجة هتيجيلي منهم حتى
جذبت كاميليا الملابس من يده بعنف وصرخت به:
_أنت بتعمل إيه أنا قولتلك مش هتروح مكان!!
حدق بأمه بنظرته المرعبة وهمس بنبرة خشنة مهيبة:
_ده قراري ومحدش هيقدر يغيره.. ومفيش حد يقدر يمشيني على مزاجه ولا يتحكم فيا.. أنا مليش مكان في البيت ده
وقفت كاميليا متصلبة بصدمة من رده المرعب ونظراته المريبة حتى وجدته انتهي من حزم كل شيء تخصه وأغلق حقائبه ثم انزلهم على الأرض وانحنى على أمه يلثم رأسه بقبلة دافئة وسط توسلاتها له وبكائها الشديد:
_ ابوس ايدك ياسليم متسبنيش ياحبيبتي واوعدك أنا هتكلم مع أبوك وكل حاجة هتتصلح
لم يكترث لتوسلاتها وحمل حقائبه واتجه إلى الباب ليوقفه صوت داخليًا وهو تسأله بعينان دامعة:
_طيب قولنا حتى هتقعد فين ياسليم
أجاب بوجه خالي من التعابير قبل أن يكمل طريقه ويغادر رافضًا اطلاعهم على مكانه:
_أنا هبقى أكلمكم واطمنكم يا داليا
انهارت كاميليا على الأرض تبكي بحرقة فور رحيله وسارعت داليا نحوها تحتضنها وتهدئها لكن دون جدوى فبكائها يزداد أكثر.
غادر سليم المنزل بأكمله وطلب سيارة تاكسي وعندما وصلت إليه استقل بها وألقى نظرة أخيرة على منزله قبل أن يرحل فيرى أبيه يقف يحدقه من خلف نافذة غرفة مكتبه الخاصة وواضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله ونظراته ممتلئة بمزيج بين الغضب والخزي والصدمة، فالتفت سليم برأسه تجاه سارق التاكسي بعدما اشاح بنظره عن أبيه وطلب من السائق التحرك وهو يملي عليه العنوان المتجه إليه…
***
على الجهة الأخرى داخل المنطقة السكنية الشعبية التي تقطن بها فيروز كانت قد انتهت من شراء بعض متطلبات المنزل وبطريق عودتها لمنزلها ومعها ياسين الذي كان طوال الطريق يسرد لها مغامراته الممتعة في المدرسة اليوم وهي تستمع إليه بإذان صاغية وتارة تبادله الحديث وتارة تستمع وتكتفي بالضحك عليه وانتهى حديثه وهو يخبرها عن درجاته المرتفعة التي حصل عليها في الامتحان فابتسمت لها بسعادة ومسحت على شعره بحب مشجعة إياه وتحفزه هاتفة:
_ شاطر ياحبيبي عايزاك كدا دايمًا تجيب درجات حلوة وكل مرة هيكون ليك هدية مختلفة عندي والمرة دي هعملك البيتزا اللي بتحبها
قفز ياسين فرحًا وهو يصيح رافعًا ذراعه :
_ هيييه تعيش فيروز أجمل أخت
لزكته في ذراعه بلطف ضاحكة وهي تنهاه بحدة خفيفة:
_ بس يا ياسين عيب الله مينفعش كدا في الشارع
هز رأسه بالموافقة وهو يضحك بسعادة وفور دخولهم البناية قابلوا سمير الذي وقف أمامهم وابتسم باتساع بابتسامته المستفزة، انحنى على ياسين وهو يمسح على شعره ويهتف بطريقته الشعبية المعتادة:
_عامل إيه يابرنس.. أنا زعلان منك ولا تسأل على عمك سمير خالص ولا في مرة اشوفك كدا تيجي تسلم عليا في الورشة
رمقه ياسين بوجه خال من التعابير لكن عيناه تفضح مشاعر الكره الذي يكتمها داخله تجاه ذلك الرجل الذي لا يحبه إطلاقًا بينما فيروز فهمت بأن تقبض على ذراع أخيها ويتجهوا إلى منزلهم لكن سمير أوقفها مبتسمًا بنظرة ماكرة:
_على فين ياست البنات مفيش ازيك يا سمير محتاج حاجة ياسمير كدا يعني الكلام اللي منه فيه ده بس ملحوقة معلش، عموما أنا عايز اتكلم معاكي في موضوع مهم بخصوص الإيجار
وقفت فيروز وحدقته باشمئزاز وضيق ثم نظرت لأخيه الصغير وأخرجت مفتاح الشقة وأعطته له هاتفة:
_خد المفتاح واطلع على البيت يا ياسين اسبقني وأنا جاية وراك
نقل الصغير نظره بين أخته وسمير بغيظ وقال بشجاعة:
_لا أنا هستناكي يا فيروز ونطلع سوا
رمقه سمير رافعًا حاجبه باستغراب من تصرف ذلك الطفل الذي أشبه برجل ناضج وبالغ ليس طفل، فابتسم وهتف ضاحكًا في حنق:
_اسمع الكلام بقى يا ياسين عيب يلا اطلع ياشبح
رمقه ياسين بقرف ثم امتثل للأوامر الموجهة إليه من أخته واتجه إلى الدرج يصعد إلى طابق شقتهم لكنه بعد صعوده أول درج وقبل أن يصعد الثاني اختبئ بمكان مخفي عن أنظارهم عند ملف السلم ووقف يستمع لحديثهم.
هتفت فيروز محدثة إياه بجدية وضيق:
_الإيجار هدفعه ياسمير بس معلش ادوني فرصة شهر عشان اقدر اجمع المبلغ واتصرف
زم سمير شفتيه بحزن مزيف وأجابها بأسف:
_كان على عيني والله ياست البنات لو كان بإيدي اساعدك اكتر من كدا أنا رقبتي سدادة ليكي بس أنتي بعينك كنتي شاهدة وشوفتي أبويا قال إيه وأنا بالعافية خليته يمد المدة تلات اسابيع.. وأبويا راسه دقة قديمة ويعشق الفلوس زي عينيه يعني مش هيصبر عليكي يوم زيادة وأنا خايف عليكي احسن يرميكي في الشارع أنتي واخوكي هتروحوا فين وحدكم.. أنتوا مش وش مرمطة الشوارع ياقمر
ردت فيروز بغيظ بعدما ظهرت علامات القلق على محياها:
_خلاص ياسمير قول لأبوك أنا هبدأ ألم عفشي وهشوف مكان تاني
هتف فورًا بدهشة وعينان متسعة:
_الله وهو أنا بقولك الكلام ده عشان امشيكي دي حتى تبقى عيبة في حقي ياست البنات.. بعدين أنتي حتى لو طلعتي ما أنتي لسا عليكي ايجار لازم تدفعيه هتعملي إيه
بدأت تفقد أعصابها وهتفت بانفعال بسيط:
_انتوا عايزين مني إيه دلوقتي يعني ياسمير !!
لاح شبه ابتسامة شيطانية في عينيه وزينت ثغره وهو يجيبها:
_أنا عندي فكرة دي الحل الوحيد اللي تخلي أبويا يسيبك في البيت والإيجار اللي عليكي يبقى ذكرى مش موجودة
حدقته باستغراب وهي تتساءل بنظراتها عن الحل رغم أن هناك صوت داخلها يخبرها أن ما ستسمعه لن يسرها أبدًا.
بدأ سمير كلام وهو يطرح عليها فكرته الشيطانية أو القبيحة بالمعنى الأدق مع نظراته الوقحة:
_نضرب أنا وأنتي يامزة ورقة عرفي وقتها كل مشاكلك دي تتحل وأنتي في حما سمير البوص، أنا محبتش اقولك نقضيها في الحرام أصل أنا عارف أنك ملكيش في السكة الشمال دي
اتسعت عيني فيروز بذهول وتسارعت نبضات قلبها من فرط الغضب والصدمة وبلحظة تلقائية راحت ترفع يدها في الهواء تنوي أن تصفعه وهو تهتف:
_ياسافل يا…..
قبض سمير على يدها في الهواء أوقفها وهو تبدلت تعابيره من اللطف إلى الحدة المرعبة واختفت ابتسامته لتحل محلها معالم وجه تقذف الرعب في القلوب وهتف:
_هوب هوب هوب إي هتخيب منك ولا إيه ياست البنات.. لولا غلاوتك عندي كنتي هتشوفي الوجه السيء مني على الحركة الـ*** دي بس هعديهالك وهعتبرها ذلة أيد ولسان، وعلى العموم براحتك أنا حاولت اساعدك بس من هنا ورايح بقى أنا مش مسئول على اللي هيحصلك مني أو من أبويا
ثم ترك يدها وحدقها بوعيد وخبث قبل أن يبتعد من أمامها مغادرًا البناية بأكملها وظلت هي مكانها مستمرة بعدم استيعاب والعبرات تجمعت في عيناها قهرًا وعجزًا، لا تعرف كيف تفر من هؤلاء الذئاب الذين يلاحقونها وأن نجحت في الفرار إلى أين ستذهب…
***
عودة لمنزل عوني الطوخي…..
اندفعت كاميليا ثائرة كالعاصفة المدمرة باتجاه غرفة العمل الخاصة بزوجها وخلفها تركض داليا محاولة تهدئة الوضع المشحون بالتوتر في المنزل بأكمله.. لكن كاميليا اقتحمت الغرفة على عوني فوجدته جالسًا على الأريكة ويحدق في الفراغ بانزعاج ملحوظ على صفحة وجهه والتفت نحوها بتعجب على أثر صفعها للباب وجودها تهتف بانفعال هادر:
_عاجبك ياعوني اللي عملته في ابنك ده أهو سابلك البيت وكل حاجة ومشي
أجاب عوني بثبات مزيف يظهره أمامهم عكس الطوفان العاتي الذي بداخله منذ رحيل ابنه:
_ده اختياره وقراره وأنا خيرته وهو اختار مصلحته على حساب مصلحة أبوه وعيلته وباعني في عز أزمتي
أنهارت كاميليا من كلماته التي استفزتها أكثر وصرخت بهستيريا وهي تبكي:
_يعني إيه خيرته هو واحد من الموظفين عندك ده ابنك.. أنت هتفضل لغاية امتى كدا قاسي، ده أنت اخدت منها كل حاجة حتى عربيته هيعيش فين ابني وازاي.. مفكرتش في كدا ولا قلبك حن على ابنك
استقام عوني واقفًا ورد عليها بثقة وشموخ ممزوج بجحوده:
_سليم مش طفل ده راجل وهو أيدي اليمين في كل حاجة مش ابني بس ولما يغلط لازم يتعاقب وده عقاب ليه.. سيبيه ولما يتقرص عليه شوية والدنيا تزنق عليه هيرجع ويعرف غلطه
ابتسمت كاميليا بسخرية وردت من بين دموعها بصوتها المبحوح في نظرات خزي:
_تبقى متعرفش ابنك ولا فهمته كل السنين دي، سليم مش هيرجع ياعوني.. بس أنا حابة اقولك حاجة لو مصلحتش غلطك ورجعتلي ابني صدقني حتى أنا مش هقعدلك فيها وهسيبلك البيت والأملاك دي كلها وخليك عايش وحدك وحتى أمير هيجي معايا وأنت عارفة أني اقدر اعملها
خرج الوجه الآخر لعوني وأظهر عن أنيابه المرعبة وارتفع صوته الرجولي الغليظ بعدما نجحت كاميليا في إخراجه عن طوره وصموده المزيف:
_أنتي بتهدديني كمان يا كاميليا زيه.. والله عال ده أنا مبقيش ليا أي لزمة ولا كلمة في البيت ده، بس لعلمك محدش يقدر يطلع من بيتي ولا يدخل إلا بإذني
احسن داليا أن النقاش سيزداد سوءًا أن أستمر فقررت التدخل وإنقاذ الوضع حيث وجهت كلامها لأمها تتوسلها:
_خلاص ياماما ابوس إيدك اطلعي دلوقتي ولما تهدي نبقى نتكلم ومتقلقيش سليم هيرجع أن شاء الله
ردت كاميليا على عوني بعين متوعدة ومتحدية:
_هنشوف إذن مين اللي هيمشي ياعوني
ثم استدارت واندفعت لخارج الغرفة وتركته وحده مع داليا التي تقدمت تجاه أبيه بوجه حزين لتجده يهتف موجه الكلام لها بغضب:
_إيه أنتي كمان هتقوليلي أنا مش هاجي البيت ده تاني لو سليم مرجعش.. مهو أنا خلاص معدش بقى ليا أي احترام ولا كلمة في البيت وكلكم اعتبرتوني مت
هزت داليا رأسها بالنفي وقالت فورًا في حنو :
_متقولش كدا يابابا بعد الشر عليك.. معلش ماما أعصابها تعبانة متزعلش منها أنت عارف هي روحها في سليم ازاي ومش قادرة تستحمل فكرة أن يسيبها ويمشي
اجاب عوني بغيظ شديد:
_وهو سليم ده مش ابني يعني وبحبه ولا فاكرين أنه عدوي
داليا برزانة ولطف:
_لا يابابا محدش قال كدا احنا عارفين أنك بتحب سليم بس أنا آسفة أنت فعلا كنت قاسي معاه وغلطت
رد عوني بإصرار على قرار وحدة رافضًا النقاش:
_أنا عارف أنا بعمل إيه يا داليا كويس وقولتلكم ده عقاب ليه وأنا واثق أنه هيرجع لما يعرف غلطه
تنهدت داليا الصعداء بقلة حيلة واردكت أن الجدال معه في الوقت الراهن دون جدوى فاكتشفت بهز رأسها لها بالتفهم واتسأذنت وغادرت الغرفة لتتركه وحده يشتعل غيظ من زوجته التي تحدته عامًا وهددته بهجره ومن الجهة الأخرى ابنه الذي لم يكن يتوقع أبدًا أنه سيختار التخلي عن كل شيء ويرحل……
***
بمكان مختلف تمامًا كان شاهين واقفًا أمام أحد الشقق السكنية داخل بناية ضخمة مكونة من ثماني طوابق وكانت الشقة بالطابق السادس.
رفع يده ورن الجرس وانتظر الرد للحظات لم يأتيه فعاد يرن للمرة الثانية فانفتح الباب وظهرت من خلفه مروة وهي مرتدية ثوب حريري بحمالات رفيعة وبفتحة عريضة عند الصدر وفوقه روب مفتوح يغطي ذراعيها فرمقها شاهين بعين لامعة ومعجبة مع ابتسامته الماكرة، فقابلتها هي بوجه المتخشب ونظرات الانزعاج في عيناها ثم أفصحت له الطريق وهتفت على مضض:
_ادخل يا شاهين
دخل وأغلق الباب ثم رد باستغراب وهو يقترب منها:
_ومالك بتقوليها من غير نفس كدا ليه في إيه ؟!
تقهقهرت للخلف مبتعدة عنه قبل أن يلمسها وقالت في قوة وضيق حقيقي:
_أنا مش قولتلك أخرنا شغل بس يا شاهين ومتجيليش البيت تاني ولا هتلمسني غير لما تقولي قرارك
أنهت كلماتها وتركته واتجهت إلى الأريكة لتجلس عليها واضعة قدم الأخرى وتنظر له بثبات تام بينما هو فظل متسمرًا مكانه يحاول تذكر عن أي قرار تتحدث حتى أطلق تأففًا عاليًا عندما تذكر رغبتها في زواجهم وطلاق زوجته فتقدم نحوها وجلس بجوارها هاتفًا في غضب:
_أنت سبق وقولتلك مش هطلق داليا يامروة مستحيل
ابتسمت بخبث وقالت في نظرة شيطانية:
_ماشي متطلقاش أنا هعمل نفسي مصدقة أنك بتحبها وعشان كدا مش قادر تتخلى عنها مش عشان بس الفلوس والعز اللي هتخسره لو طلقتها.. وزي ما قولتلك نتجوز أنا وأنت وأكون مراتك مش مجرد عشيقة
اشاح بوجهه للجهة الأخرى مطلقًا زفيرًا حارًا بنفاذ صبر ثم عاد ينظر لها وقال بحنق:
_يعني أنتي مشكلتك كلها في الجواز خلاص نتجوز عرفي
قهقهت باستهزاء ثم ردت رافضة بمكر:
_وهو أنا هطلع من ضلمة لضلمة لا طبعًا أنا عايزة نتجوز رسمي على سنة الله ورسوله
رفع شاهين كفه لوجهه ومسح عليه وهو يتأفف مستغفرًا ربه بحنق من الضغط النفسي التي تضغطه عليه، وبعد لحظات نظر لها وابتسم برغبة وعينان تلمع بوميض الشهوة ثم اقترب منها متمتمًا:
_خلاص خلينا دلوقتي نقضي ليلتنا يابطتي واوعدك هنتكلم في الموضوع ده تاني.. أنا جايلك مخصوص عشان وحشتيني
مالت برأسها للخلف وهي تبتسم بخبث وتهز رأسها بالرفض هامسة في نعومة:
_ لا يا شاهين مش هتلمسني
اختفت ابتسامته وتبدلت ملامحه للانزعاج مجيبًا عليها:
_خلاص بقى يا مروة متزودهاش قولتلك هفكر في الموضوع ووعدتك
ابتسمت بدهاء أنثوي وتمتمت في غنج لئيم:
_لا أصل أنا توبت خلاص ومعدش ليا في الحرام.. تكتب عليا ووقتها تاخدني بالحلال
انتصب شاهين في جلسته وطالعها مطولًا بغيظ بينما هي فتابعت برقة:
_ بس أنا ميهنش عليها تمشي زعلان كدا إيه رأيك احضرلك العشاء ونتعشى مع بعض
هب واقفًا ورمقها شزرًا يجيب في استياء شديد:
_مش عايز أطفح
ثم اندفع إلى باب المنزل وفتحه وانصرف تاركًا إياها جالسة مكانها تحدق بأثره في ابتسامة شيطانية ماكرة، ثم استقامت واتجهت إلى غرفتها وهي تتدندن بسعادة لقرب انتصارها وتحقيق مبتغاها….
***
توقفت سيارة الأجرة بالمنطقة الشعبية التي تقطن بها فيروز تحديدًا أمام بناية العم صبحي وترجل سليم من السيارة بعدما دفع للسائق أجرته وحمل حقائبة متجهًا إلى مدخل البناية ففتح الباب الرئيسي ودخل يصعد الدرج قاصدًا الطابق الثاني حيث شقة صبحي، وفور دخوله المنزل القى بالحقائب على الأرض بجوار الباب واتجه إلى الأريكة يجلس عليها دافنًا رأسه بين راحتي كفيه في حنق شديد.. متذكرًا خلافه مع أبيه الذي أنهى كل شيء وانتهى بهجره لعائلته كلها، لم يكن سيجد مكان أكثر راحة بالنسبة له من منزل العم صبحي فقرر البقاء فيه وتنفيذ لوصيته التي أوصاه بها قبل وفاته ( عايز أوصيك لأن محدش ضامن عمره وممكن في أي لحظة الملك يحضر بأمر ربه، بيتي أمانة عندك وفي دولابي في ورق ملكية العمارة كتبتها باسم بنتي لو رجعت في يوم من الأيام ابقي سلمها ليها.. ولو مت قبل ما بنتي ترجع متقفلش المكتبة خليها دايمًا مفتوحة حتى لو هتأجرها لحد بس يكون حد أنت واثق فيه ) .
تنهد سليم الصعداء بأسى وتمتم بصوت خافت:
_ربنا يرحمك يا راجل ياطيب قطعت بيا ياعم صبحي
أخذ يدعي له بالرحمة والمغفرة للحظات طويلة ثم أستقام واقفًا واتجه نحو الشرفة ينظر للشارع يتفقد حركة الناس والأطفال وهم يلعبون فلمح بعينه ذلك الطفل الذي كان يسأله عن مكتبة العم صبحي ويسأله عن موعد فتحها مجددًا، حاول تذكر اسمه وإذا به يسمع صوت أنثوي من شرفة البناية المجاورة له وهي تصيح منادية على الطفل هاتفة:
_ ياسين اطلع يلا كفاية
أجاب عليها ياسين صائحًا حتى تسمع وهو يترجاها:
_هقعد شوية كمان عشان خاطري
ردت عليه بالرفض القاطع وحزم تأمره:
_لا أنا قولت كفاية اسمع الكلام واطلع يلا
ضرب الصغير قدميه بالأرض معترضًا ومتذمرًا من الأوامر لكنه امتثل لها وترك اصدقائه واتجه للمنزل، رفع سليم نظره عن ياسين وحدق على يمينه تجاه الشرفة ليري نفس الفتاة التي صدمها بسيارته وكانت برفقة زوجها المريب الذي أخذها من أمامها وكأنه يختطفها غير مكترثًا بزوجته التي صدمتها سيارة للتو.. واستنتج باللحظة الحالية أن ذلك الطفل الذي كان تنادي عليه الآن هو طفلها.
اطال النظر بها لا إراديًا وهو يتمعنها بينما فيروز فالتفتت بمحض الصدفة باتجاه شرفة العم صبحي قبل أن تدخل وإذا بها تنتفض مفزوعة عندما رأت سليم يقف يحدق بها، فبلحظة ظنت أن ما رأته شبح لعملها بأن البناية كلها لا يسكنها أحد ومغلقة منذ وفاة العم صبحي، لكن عندما دققت النظر تذكرته أنه نفس الرجل الذي صدمها وظهر أكثر من مرة بالفترة الأخرى داخل حيهم.. والغريب أن بكل مرة تجمعهم الصدف الغريبة!!.
اشاحت بوجهها بعيدًا عنه ودخلت بسرعة وهي تتنفس بسرعة بتوتر متمتمة في حنق:
_هو مين ده وبيبصلي كدا ليه!! .. ربنا يستر أنا مش ناقصة مصايب كفاية اللي أنا فيه
بينما سليم فانتشله من شروده صوت رنين هاتفه فأخرجه وأجاب على صديقه الذي دخل في أوج الموضوع فورًا هاتفًا:
_ أيوة يا سليم أنت فين عايزك ضروري في ورق مهم تبع المشروع لازم تبص عليه الأول
تنهد سليم بضيق وقال في صرامة:
_أنا مليش دعوة بالمشروع يا مروان كلم عوني بيه وهو يتصرف
غضن مروان حاجبيه باستغراب وسأل بفضول:
_ ملكش دعوة إزاي يعني وإيه عوني بيه دي.. مالك وإيه حصل ياسليم
سليم بإيجاز وتبرم:
_بعدين يامروان مش وقته هبقى اكلمك واحكيلك كل حاجة.. سلام دلوقتي
لم ينتظر الإجابة من صديقه حيث انزل الهاتف من فوق أذنه وانهي الاتصال ودخل متجهًا إلى غرفة العم صبحي لينام ويرتاح قليلًا، بينما مروان فظل يتمعن في الهاتف بحيرة وقلق من أمر صديقه لكنه تريث وقرر الانتظار لبعض الوقت ومعاودة الاتصال به مجددًا ليفهم كل شيء….
***
بمكان آخر مختلف داخل النادي الخاص بأمير.. كان هو جالسّا على أحد الطاولات بالكافتيريا وأمامه على الطاولة المقابلة له كانت مريم جالسة برفقة شاب غريب لا يعرفه ويتبادلون الأحاديث باستمتاع ومرح لدرجة أنها لا تتوقف عن الضحك معه.
مضى وقت طويل وهو لا يحيد بنظره عنهم يتمعنهم بنظرات نارية متأججة بنيران الغيرة وللحظة شعر بأنه سيفقد ثباته الأنفعالي ويثور متجهًا نحوهم ويجذبها من حول تلك الطاولة لكنه تمالك انفعالاته لعمله إن ذلك الأسلوب أن يجدي بأي نفع وربما يزيد الفجوة بينهم أكثر.
انضمت إليه ريهام التي جلست بجواره وظلت تحدق به وهو ينظر لمريم بغيرة واضحة فانتابتها مشاعر الحقد والشر تجاه صديقتها، وإذا بها تسمع أمير يسألها باهتمام دون أن يحيد بنظره عن مريم:
_هو مين اللي قاعد معاها ده يا ريهام ؟!
قررت أن تثير جنونه أكثر لتكيده وقالت ببرود:
_ده أيمن ابن صديق والدها وغالبًا كدا معجب بمريم وممكن قريب يتقدملها ويتجوزوا ربنا يكرمها يارب ويسعدهم.. ده شاب محترم وجنتل أوي
رمقها أمير شزرًا بغيظ فور ذكرها احتمالية زواجهم ثم عاد بنظره يراقبهم مجددًا وبقت ريهام بجواره تراقبه بغيرة وهو يراقبهم حتى قذفت بعقلها فكرة خبيثة قررت بها لفت انتباهه لها قليلًا حيث استقامت واقفة متصنعة أنها تنوي الرحيل لكن سرعان ما عادت وجلست على المقعد مجددًا وهي تصرخ بألم فالتفت لها أمير بفزع واستقام واقفًا يقف بجوارها يسألها:
_مالك يا ريهام إيه اللي حصل ؟!
ردت عليه بألم متصنع وهي تتأوه:
_أول ما وقفت وبتحرك رحلي التوت من غير ما أخد بالي
انتبهت مريم على صوت تأوه صديقتها فهبت واقفة بهلع وهرولت نحوها تسألها باهتمام:
_مالك يا ريهام ؟
ردت ريهام بمضض على مريم في صوت خافت:
_رجلي التوت متقلقيش أنا كويسة روحي أنتي يا مريم كملي قعدتك مع أيمن وأمير هيساعدني ويدخلني لغاية المكتب جوا
كان أمير نظره معلق على أيمن الذي يقف مكانه دون حركة ويراقب الوضع من بعيد، لكن انتبه لعبارة ريهام وهي تطلب من مريم العودة لأيمن فتدخل وقال متحججًا بلطف ليفرق بين ذلك اللطخ ( بنظره ) وبين مريم:
_ لا خليكي أنتي معاها يامريم معلش اصل معايا شغل ضروري ولازم امشي
هزت مريم رأسها بالموافقة بينما ريهام فاتسعت عيناها بدهشة من رده الغير المتوقع.. ثم وجدته ينظر لها ويبتسم لود متمتمًا :
_ الف سلامة عليكي يا ريهام أنا هخلص الشغل اللي معايا وهرجع تاني اطمن عليكي
انهي كلماته وابتعد من أمامهم متجهًا لخارج النادي بأكمله وهو يبتسم براحة أنه أنهى ذلك اللقاء العقيم والمستفز الذي كان بينها وبين كائن الأيمن هذا…..
***
وقف سمير بأحد الشوارع الجانبية وأشار لفتاة ذات مظهر مريب ومثير للشكوك، ترتدي عباءة سوداء ضيقة وفوق حجاب يغطي نصف شعرها فقط ووجها مزين بالمكياج وأحمر الشفاه المثير.
اقتربت من سمير ووقفت أمامه تسأله بخبث:
_الله عايز إيه ياسمير جايبني في الشارع المقطوع ده ليه لو حد شافني دلوقتي تجيبلي الجرس والفضايح
ابتسم لها بنظرة وقحة وقال:
_جرس وفضايح إيه يابت هو أنتي محتاجة.. أنا عايزك في مصلحة
قهقهت بضحكة أنثوية مغرية وهي تلكمه في كتفه بدلع متمتمة:
_احترم نفسك.. واخلص قول عايزني في مصلحة إيه أناي مبيجيش من وراك غير النصايب
غمز لها بمكر وهتف في نظرة شيطانية:
_شوفتي الجرس والفضايح اللي انتي مش محتاجها دي، عايزاك بقى تنزلي من على المسرح شوية وتسيبي غيرك يطلع وياخد فرصته يا فنانة
أطلقت ضحكة عالية وضيعة وردت بأسلوب بذيئ:
_ وأنا بحب اشجع المواهب الصغيرة.. بس مين بقى الوجه السينمائي الجديد يا مخرج
لمعت عيني سمير بالشر وأجابها بنظرة فاسدة:
_فيروز
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية لأنك أنت) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.