رواية لأنك أنت – الفصل الثالث
(( لأنك أنت ))
_ الفصل الثالث _
بمنزل عوني الطوخي، داخل غرفة نوم سليم كان ممدد على فراشه على ظهره وغارق في سبات عميق، باللحظة التي فتحت فيها يارا الباب ودخلت ببطء وحذر شديد عندما وجدته نائم وأغلقت الباب خلفها، ثم تقدمت نحو فراشه بتريث حتى جلست على حافة الفراش بجوار رأسه وظلت تتأمله ثم مدت أناملها وأخذت تغلغلها في شعره بحب وسعادة وهي مبتسمة، فوجدت نفسها لا إراديًا تنحني عليه لا إراديًا تنوي تقبيله لكن استيقظ سليم وفتح عيناه فجأة مفزوعًا عندما شعر بحركتها بجواره وأقترابها الحميمي فحدقها شزرًا وهب جالسًا فورًا وهو يدفعها بعيدًا عنه، ثم نزل من الفراش ووقف أمامها مباشرة وهتف بغضب:
_بتعملي إيه وازاي تدخلى عليا الأوضة كدا؟
هتفت باحراج وهي تعتذر منه:
_مكنتش اعرف أنك نايم والله أنا طنط كاميليا لما اصريت أني اتكلم معاك قالتلي اطلع اتكلم معاك وأنك في أوضتك
سليم بنظرة نارية وصوت محتقن:
_وعشان لقيتيني يعني نايم تعملي اللي عملتيه ده اصحي الاقيكي فوق راسي بتبوسيني
راحت تقبض على كفه تحتضنه لتستعطفه وتهتف:
_اعمل إيه ياسليم اعذرني وحس بيا حرام عليك أنا بحبك ومش قادرة اتحكم في مشاعري ولا اسيطر على حبي ليك
جذب يده من قبضتها وابتعد بخطواته بعيدًا عنها موليًا إياها ظهره ثم رفع كفه يمسح على شعره نزولًا لوجهه وهو يتأفف بنفاذ صبر ويصرّ على أسنانه مغتاظًا فخرج صوته الرجولي متحشرج ومرعب وهو يأمرها بتحذير دون أن ينظر في وجهها:
_اطلعي برا يا يايارا قبل ما أفقد أعصابي عليكي أنا بحاول أتمالك نفسي لأني مش حابب أنك تشوفي الجانب البشع مني
لم تكترث لتحذيره ولا حتى لهيئته المهيبة فاقتربت منه وراحت تحتضنه من الخلف بجرأة وتهتف في إصرار وصوت مبحوح يغلبه البكاء:
_مش هطلع غير لما تقولي أنك سامحتني، أنا مقدرش أعيش من غيرك وصدقني لو سبتني هنتحر
فك ذراعيها المحكمة حول خصره من الخلف والتفت لها وحدقها مبتسمًا باستهزاء:
_ده تهديد يعني؟!!
هزت رأسها بالنفي فورًا وأجابت مصححة وجهة نظره في توسل وعبرات بدأت تنهمر على وجنتيها:
_لا ياسليم أنا عايزة افهمك أن حياتي من غيرك ملهاش معنى، أنت يمكن مش مستوعب حجم حبي ليك بس أنت كل حاجة ليا
مال بوجهه للجهة الأخرى متأففًا ثم عاد ينظر لها ويتمتم بنبرة صوت وصلت للهدوء بصعوبة شديدة بعدما تحكم في انفعالاته:
_ده مش حب.. ده اسمه مرض وهوس
توسلته بضعف وسط انهيارها النفسي وهي تلقي وعودها هاتفة:
_اديني فرصة تانية واوعدك أني هتغير وأي طبع فيا مكنتش بتحبه أنا هغيره وهكون الإنسانة اللي أنت نفسك تكمل معاها حياتك، هثبتلك حبي ليك وأني اتغيرت بجد
استدار وولاها ظهره وتقدم نحو الشرفة يقف يحدق في الفراغ أمامه بتفكير، ولم يلبث ثواني حتى وجدها تقف بجواره وتمسك بيده وتتطلعه بعينان ممتلئة بالعبرات وتهمس:
_قولت إيه يا سليم هنرجع لبعض ؟
اطال النظر في وجهها متذكرًا كلمات طبيبها النفسي عندما كان يتحدث معه عن حالتها النفسية ووصفها قائلًا ( الآنسة يارا بتعاني من مرض اضطراب الشخصية الحدّية أو الهوس التملكي العنيف، بس الحالة دي خطيرة جدًا عليها وعلى اللي حواليها، لأنها دايمًا عندها خوف من الفقد وهوس بالشخص اللي بتحبه أي كان هو مين وعندها استعداد تأذي اللي حواليها ونفسها لو مقدرتش تاخد الحاجة اللي متعلقة بيها أو بتحبها، وممكن يوصل معاها لمرحلة الموت ياما هتختار أنها تنهي حياتها هي أو حياة الشخص اللي مش عارفة تملكه، بالمعنى العامي كدا عندها مبدأ لو معرفتش اتهني بيه يبقى محدش غيري هيتهنى بيه، الحالة المرضية دي شائعة جدًا وعلى قدر خطورتها وأنها محتاجة معاملة خاصة جدًا إلا أن علاجها سريع أن شاء الله وبسيط).
رفع سليم كفه لوجهه وأخذ يحك باظافره في لحيته بحنق فقد أصبح محاصرًا بين رغباته وبين ضميره الذي سينهشه نهش وهو حيًا إذا ساءت حالتها النفسية ودفعتها للانتحار كما ذكرت للتو، للحظة تخيل أنه يقف أمام مفترق من الطرق أحدهم يقوده للجحيم والآخر للحياة، لكنه مجبر على سلك جحيمه بقدميه والاستمرار في علاقة لا تجني سوى ثمار مسممة تنهش قلبه رويدًا رويدًا.
أخذ نفسًا عميقًا ووصلها رده على عرضها بصوت متحشرج ونظرة صارمة:
_موافق بس بشرط أنك هترجعي تكملي علاجك النفسي
تهللت أساريرها ولمعت عيناها بفرحة غامرة فوجدها ترتمي عليه تعانقه بقوة وتهتف بانصياع تام وسط بهجتها الشديدة:
_حاضر كل اللي أنت عايزه هعمله
ابعدها عنه بلطف وهو يلوى فمه بضيق من ذلك الوضع الذي فرضه على نفسه، وتمتم يحدثها بوجه خالي من أي تعابير أو مشاعر:
_كويس يلا روحي دلوقتي البيت عشان الوقت اتأخر وأنا كمان تعبان وعايز ارتاح
كانت ابتسامتها من فرط اتساعها تكاد تشق طريقها لأذنها، فمالت عليه وقبلته من وجنته بنظرة جريئة وهمست:
_ماشي ياحبيبي تصبح على خير وبكرا هبقى اكلمك أو اجيلك المكتب
كان واقفًا متجمدًا لا يبدي أي رد فعل أو تعبير على وجهه وفقط راقبها بنظراته وهي تستدير وتسير إلى باب الغرفة منصرفة.
وهي بطريقها للطابق الأرض بعد خروجها من غرفة سليم كان أمير متجهًا لغرفته فـ اصطدم بها أمامه فرمقها باندهاش وهتف متسائلًا بعدم فهم:
_!بتعملي إيه يا يارا وكنتي فين كدا ؟
حدقت بأمير في ثقة ونظرة كلها قوة متعمدة إثارة حنقه لأنه أحد الأشخاص الذي كان مشجعًا على انفصالها بسليم وقالت:
_مش هتقولي مبروك ولا إيه يا أمير !!
أجاب أمير بابتسامة مستهزئة:
_مبروك على إيه ؟
قالت بابتسامة عريضة ونظرة ثاقبة كلها تحدي:
_أنا وسليم رجعنا لبعض
اختفت ابتسامته الساخرة التي زينت وجهه وحل محلها معالم الصدمة الممتزجة بالاستياء الشديد، بينما الأخرى فاكتفت برؤية عدم الرضا على محياه وانزعاجه ووابتسمت بانتصار ثم همست:
_كشفت حقيقة أني بتعالج عند دكتور نفسي على أمل أنك تخرب علاقتنا وبرضوا منجحتش، ابعد عننا يا أمير وسيب أخوك يعيش حياته بسعادة وراحة معايا
أنهت كلماتها التي أشبه بتحذير لأمير ثم أكملت طريقها للأسفل حيث يوجد كاميليا داعمتها الكبرى لتبلغها بالخبر السعيد، بينما أمير فجز على أسنانه مغتاظًا واندفع إلى غرفة أخيه ثائرًا، دفع الباب دون طرقه ودخل فوجده واقفًا أمام الشرفة واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله.. فالتفت سليم له ورمقه بقوة رافعًا حاجبيه وقبل أن يتفوه ببنت شفة هتف أمير بغضب:
_أنا شفت يارا دلوقتي، وقالتلي حاجة غريبة بس قولت اجي أتأكد منك
هتف سليم مؤكدًا بصوت رجولية اجشَّ:
_أيوة رجعتلها بس ده لفترة مؤقتة لغاية ما تتعالج لأن وضعها دلوقتي سيء وممكن انفصالي عنها يزيد حالتها سوء
ابتسم أمير بسخرية وتنفس الصعداء مقررًا الاعتراف بالحقيقة التي كان يخفيها عنه وقال:
_وهتتعالج بقى من مرض مش موجود أصلًا
احتدمت نظرات سليم وهتف متسائلًا:
_!يعني إيه ؟
أمير بغضب :
_يعني مفيش مرض نفسي ولا دكتور ده كله كان تمثيلية عليك
اتسعت عيني سليم بصدمة واشتعلت نظراته بسخط شديد فثار صائحًا:
_يعني إيه تمثيلية هو مش أنت اللي قولتلي المعلومة دي
أجاب أمير بصوت هائج:
_أنا مكنتش متوقع أنها تطلع شيطانة كدا، بس أنا ومروان لما نبشنا وراها كويس اكتشفنا بلاوي ومنرضاش نقولك خوفًا من ردة فعلك واللي ممكن تعمله
تمالك زمام انفعالاته واقترب من الأريكة الصغيرة المقابلة للفراش وجلس ثم هتف محدثًا أخيه وهو يدعوه ليجلس بجواره:
_تعالي اقعد يا أمير وفهمني كل حاجة بظبط وبراحة
تقدم أمير تجاه الأريكة وجلس بجواره ثم بدأ بسرد التفاصيل كاملة له ويقول:
_لما أنت شكيت فيها أنها مخبية حاجة عليك وبعت وراها واحد يراقبها هي اكتشفت ده وعملت نفسها بتروح لدكتور نفسي عشان تزيل أي شكوك حواليها وبالعكس تبقى محل استعطاف كمان مش شك وقتها أنا كنت ده اللي عرفته من الراجل اللي كان بيراقبها وافتكرت الموضوع أخره كدا من فبلغتك بيه بس ماخفي كان أعظم للأسف
سأل سليم وهو مازال محافظًا على ثباته:
_عرفت إيه تاني ؟
أكمل أمير بحنق:
_مروان اللي عرف.. شافها في مرة وهو رايح مع مراته لدكتور النسا شافها طالعة من عند الدكتور مع راجل غريب، واتكررت كذا مرة أنه شافها بالصدفة مع نفس الراجل في أماكن مختلفة فشك في أمرها وبلغني وأنا اللي منعته الصراحة أنه يبلغك فتابعت أنا الموضوع وفضلت وراها لغاية ما وصلت لل*** ده وقررته على كل حاجة فاعترف أنها كانت على علاقة بيه وانفصلوا وبنفس الوقت ده كمان أنت حصلت المشاكل بينك أنت وهي وانفصلتوا فهي اللي بعتتلك الدكتور مخصوص عشان يقولك الكلمتين اللي قالهم لأنها عارفة أنك مش هقدر تسيبها وضميرك مش هيسمحلك تعمل كدا فيها فاستغلت مرضها الكاذب عشان تضغط عليك نفسيًا أنك ترجعلها
اغلق سليم قبضة يده بعنف وانطلقت من عيناه شرارات الهياج المرعب فصرخ بأخيه في ثوران عاتي:
_وأنت ومروان بتتصرفوا من ورا ضهري وتخبوا عني حاجة زي كدا ازاي، ومن امتى اصلًا انتوا بتتحركوا من دون علمي
اخفض أمير نظره أرضًا بإحراج من أخيه الكبير وتمتم متأسفًا:
_أنا آسف ياسليم بس أنا مكنتش حابب اضايقك وخوفت عليك تعمل تصرف في لحظة غضب وتندم بعدين وخصوصًا أن الكلام ده عرفته بعد ما انتوا انفصلتوا بوقت كبير فقولت ملوش لازمة اقولك بس لما لقيتها لسا بتلف حواليك ودلوقتي أنت وافقت ترجعوا لبعض قولتلك فورًا دون تردد
حدق سليم بأخيه النادم على إخفاء تلك الحقائق عنه فهدأت تفسه الثائرة والساخطة منه قليلًا ورفع يده يربت على كتفه بلطف ثم خرج صوت سليم المتحشرج من فرط الغيظ يقول:
_يعني كانت بتخوني ومقرطساني وعاملة عليا فيلم كل ده وأنا للأسف عشته
تنهد أمير مطولًا وقال متسائلًا باستغراب:
_االي مش قادرة أفهمه لما هي بتحب راجل تاني ليه وافقت ترتبط بيك ومصممة ترجعلك، كنت ممكن اقولك طمعانة في فلوس بس ابوها علاء بيه راجل أعمال كبير وشريك معانا في المشروع يعني الفلوس آخر حاجة تفكر فيها
استقام واقفًا وتحرك باتجاه الشرفة يقف أمامها مجددًا ويجيب على أخيه متمتمًا:
_بالعكس دول الفلوس أول وأهم اهتماماتهم يعني هما ماخدين جوازها مني مصلحة عشان علاء بيه يكوش ويحوش على كل حاجة وبعدين يبقى هو أهم وأكبر من عيلة الطوخي في سوق مجال الأعمال كلها ونركن احنا على الرف، ومش بعيد يكونوا هدفهم يوصلونا للافلاس، أصل علاء البدراوي ده أو*** راجل ممكن تشوفه في حياتك
سأله أمير باهتمام وفضول:
_طيب هتعمل إيه دلوقتي أكيد مش هترجعلها خلاص بعد اللي عرفته ده كله
التفت لأخيه بنظرة مريبة ثم اقترب وجلس أمامه على حافة الفراش وانحني بجزعه للأمام وتمتم بابتسامة شيطانية ونبرة تحمل الوعيد المخيف:
_بالعكس ده أنا هتسلى عليها هي وأبوها، هما مشفوش مني غير سليم الحقاني وصاحب الضمير الصاحي يعني شافوا مني الجانب الصالح، دلوقتي هوريهم نسخة سليم ال**** ابن عوني الطوخي على حق، من هنا ورايح هضرب من تحت الحزام بس وهعرف علاء البداروي مين سليم الطوخي ويارا هانم دي ليها حساب مختلف خالص معايا
لوى أمير فمه بقلق من نظرات أخيه التي لا تبشر بالخير أبدًا وأخذ نفسًا عميقًا ثم قال مازحًا محاولًا تلطيف الأجواء:
_ربنا يستر، كله من كاميليا هانم هي اللي رمت علينا البلوى دي الله يسامحك يا ماما
ابتسم سليم مغلوبًا وقال بنفاذ صبر:
_ماما مش هتعرف أي حاجة عن الكلام اللي بينا يا أمير.. ده بيني وبينك بس ومروان لما يرجع من السفر أنا هتصرف معاه
اماء برأسه موافقًا بطاعة تامة وساد الصمت بينهم لدقائق طويلة حتى قطعه أمير بسؤاله عن المشروع وبدأوا يتناقشوا الحوار بجدية عن العمل….
***
بالطابق الأول حيث وصلت يارا فوجدت كاميليا بانتظارها على الأريكة جالسة بكل سمو وثقة ثم استقامت واقفة برزانة ملفتة للإنتباه عندما رأتها فوجدت يارا تركض نحوها بفرحة غامرة ثم ارتمت في حضنها وهي تهتف بانشراح شديد:
_أنا وسليم رجعنا لبعض أخيرًا يا ماما كاميليا خلاص
ابتسمت كاميليا براحة وقالت في سعادة:
_بجد طب الحمدلله فرحتيني يا يارا والله
اجابتها يارا بعينان تلمع من فرط البهجة:
_وأنا كمان يا ماما فرحانة بشكل لا يمكن تتخيليه ، كنت عارفة أن سليم بيحبني زي ما بحبه ومش هيقدر يبعد عني
تنهدت كاميليا مطولًا وتلاشت ابتسامتها تمامًا وحلها محلها الحزم وهي توجه تعليماتها لـ يارا:
_اعرفي قيمته بقى وغيري من تصرفاتك اللي وصلتكم للمرحلة دي، أنتي عارفة أنا بعزك وده اللي خلاني اساعدك إنك ترجعي لسليم عشان حسيت أنك فعلا بتحبيه ومستعدة تسعديه، بس ده برضوا مش معناه أني هتغاضى عن تصرفاتك لو حسيت أنها بتضر ابني، وقتها هتلاقيني أنا في وشك
اماءت يارا برأسها عدة مرات متتالية في ابتسامة عريضة والقت عليها الوعود بصدق:
_اطمني ياماما لا يمكن اكرر غلطاتي تاني، أنا لولاكي مكنتش هقدر ارجعله أبدًا.. فكرة الدكتور اللي قولتيلي عليها كانت ممتازة
رمقتها كاميليا بقوة ثم أجابتها محذرة إياها بغضب:
_موضوع الدكتور ده هيفضل بيني وبينك بس، إياكي سليم يعرف أني ساعدتك لأن وقتها هتكون العواقب وخيمة علينا احنا الاتنين، ميغركيش مظهر سليم المسالم والهادي اللي أنتي شيفاه.. ده ابني وأنا اعرفه كويس أوي
هزت يارا رأسها بالموافقة في طاعة تامة لتعليمات كاميليا وكادت أن تستطرد نقاشهم لكن اسكتتها كاميليا بنظرة حادة عندما رأت سليم ينزل الدرج متجهًا نحوهم وخلفه أمير، فخرج صوت سليم الرجولي متسائلًا:
_!أنتي لسا قاعدة يا يارا ؟
التفتت باتجاهه وهي تبتسم بابتسامة عريضة وأجابت في دلال:
_أه ياحبيبي كنت ببلغ ماما بالبشارة اننا رجعنا لبعض الحمدلله
حافظ على تعبيراته جامدة دون أي ردة فعل وأكمل خطواته على الدرج حتى وصل لهم ووقف أمام يارا وهتف بنظرة حازمة يأمرها:
_طيب يلا روحي عشان الوقت اتأخر
حللت أوامره على أنها اهتمام وقلق فحدقته بغرام وهمست له بصوت أنثوي ناعم:
_مش هتيجي معايا توصلني طيب ياحبيبي ولا هتسبني امشي وحدي دلوقتي يعني !
لمعت عيناه بابتسامة مرعبة وهمس لها بنظرة جعلتها تبتلع شغفها في حلقها:
_ده على أساس أنك مش متعودة يعني ترجعي في نص الليل وحدك
كانت كلماته منخفضة فلم يسمعها سواهم، نظراته ونبرته جعلت أوصالها ترتجف خوفًا وعقلها يطرح الأسئلة في ارتيعاد هستيري محاولة فهم مقصده، حتى وجدته أخيرًا يبتسم لها لكن ابتسامة هي وحدها من كانت تدرك أنها ليست حقيقية وخلفها قناع شيطاني مرعب، أجاب على طلبها للمرة الثانية لكن بصوت عالي:
_عمومًا السواق برا هيوصلك أصل أنا عربيتي فيها مشكلة، وابقي سلميلي على علاء بيه أوي
هزت رأسها بالموافقة في نظرات مرتبكة ثم التفتت برأسها نحو كاميليا وودعتها بابتسامة تكلفية واستدارت بجسدها متجهة نحو باب المنزل لتنصرف وتترك سليم معلقًا نظراته النارية على أثرها ثم وجه نظراته الصارمة نحو أمه وهتف بغضب:
_اللي حصل ده ياماما ميتكررش تاني من فضلك، اوضتي مش زريبة عشان اللي رايح وجاي الاقيه داخل عليا من غير أذن
لوت كاميليا فمها بضيق لكنها ردت عليه بانصياع تام دون نقاش:
_حاضر ياحبيبي أنا آسفة مش هيحصل تاني أطمن
سمع ردها واستدار دون التفوه بكلمة زيادة وقاد خطواته نحو الدرج عائدًا إلى غرفته بينما كاميليا فنظرت إلى أمير وسألته بحيرة:
_ماله أخوك يا أمير؟
تصنع أمير الجهل وقال ببساطة:
_ماله ياماما مهو زي الحصان ماشاء الله عليه، أنا اللي تعبان والله
تجاهلت شكوته بالأخير وأكملت بتفكر في قلق:
_لا شكله مش طبيعي وبيكلم يارا بطريقة غريبة مش المفروض أنه رجعلها ويبقى لطيف معاها يعني
ظهرت بسمة القلق على وجه أمير وقال مازحًا:
_قولي يارب ياكاميليا هانم احسن اللي جاي أيام فل علينا والله، بعدين أنتوا محدش فيكم مهتم بيا خالص ليه بقولك تعبان وأنتي كل همك على سليم
رمقته بقلة حيلة وقالت في قسوة متصنعة دون أن تبتسم له حتى:
_تعبان مالك ما أنت زي الفل قدامي أهو !!
جلس على أقرب مقعد أمامه وتنهد الصعداء بيأس وقال في حزن:
_حياتي ناشفة والله ياكاميليا هانم محتاج حتة طرية تطريها
اتسعت عيناها بتعجب من رده غير المتوقع ثم قهقهت عاليًا وأجابته وهي تتجه نحو غرفتها تاركة إياه:
_يخرب عقلك يا أمير ضحكتني والله ، تصبح على خير ياحبيبي شكلك فايق و رايق
تقوست تعبيرات وجهه للصدمة والغيظ عندما رآها تذهب وتتركه غير مكترثة له هتف بصوت مرتفع:
_هو إيه اللي ضحكتك ده.. هو أنا بقولك نكتة أنا بتكلم جد على فكرة ياماما، سمعاني ؟
كانت كاميليا قد وصلت بالفعل لغرفتها ودخلت بينما هو فظل مكانه بعض على شفتيه بغيظ ممتزج بالحسرة على حاله…
***
بصباح اليوم التالي…..
كانت فيروز بغرفتها وقد استعدت للذهاب إلى عملها عازمة على مواصلة حياتها وعدم البقاء في المنزل غارقة بأحزانها وحدها، مؤمنة أن الحزن والضعف لن يجدي نفعه معها.. فقد تفاقمت عليها المسؤولية وأصبحت وحدها ولا مجال لديها للانهيار، يجب أن تكون الدرع القوي والحصن المنيع لأخيها الصغير، الآن ستمارس جميع الأدوار في العائلة ستكون الأم قبل الأخت وستكون الأب قبل الأخ والصديق قبل الحبيب والآمان قبل كل شيء.
جلست على فراشها وبين يديها صورة تجمعها بوالديها وأخيها.. صورة عائلية صغيرة لكنها فقدت دفئها ولم يتبقى فيها سوى ذكرى الاحباب الراحلين، فـ أنهارت دموعها بغزارة فوق وجنتيها وانخرطت في نوبة بكاء لدقائق على فقدان أعز ما لديها.. على وحدتها وألم فراقهم الذي يضرب قلبها كالهشيم، لكنها لملمت شتات قلبها بعد مدة زمنية قصيرة وجففت دموعها ثم استقامت واقفة ونظرت لنفسها في المرأة وأخذت تهندم مظهرها قبل أن تلتقط حقيبتها غرفتها ثم المنزل بأكمله.
بينما كانت بطريقها على الدرج تنزل بخطوات متأنية قابلت أحد أكثر الأشخاص الناقمة عليها بعد حازم، كان ابن مالك البناية.. شاب فاسد ذو طباع سيئة لم يسلم من شره القريب قبل الغريب، فتوقفت مكانها وهي تتأفف وتستغفر ربها بصوت خافت لتجده يبتسم باتساع فور رؤيته لها فتظهر أسنانه الصفراء والمتآكلة من فرط تعاطيه المواد المخدرة والمنشطات التي تذهب بعقله، ألقت عليه نظرة مشمئزة وهمت بأن تكمل طريقها وتمر من جانبه وتذهب لكنه اعترى طريقها ليوقفها وهو يهتف بصوت غليظ وطريقة بيئة تثبت أنه متعاطي ومدمن وتعكس حالته الوضيعة:
_ده حتى السلام لله يا أبلة فيروز قولي السلام عليكم
حدقته بقوة وضيق ثم هتفت:
_أنا مستعجلة ياسمير عديني من فضلك
أخفى ابتسامته وأجابها متأثرًا مواسيًا إياها:
_البقاء لله في الحج والحجة، ربنا يصبرك ولو احتجتي أي حاجة ياست البنات احنا رقبتنا سدادة أنتي بس قولي ياسمير وهتلاقيني عندك فوريرة
لوت فمها بنفاذ صبر وقالت وهي تحاول المرور واستكمال طريقها:
_متشكرة.. عديني بقى ياسمير وبعدين
غمز لها بوقاحة وقال مبتسمًا:
_نعديكي ياست البنات اتفضلي، أنا بس عايزك متنسيش أن العبد لله رهن إشارتك
حدقته شزرًا بسخط شديد ثم دفعته من أمامها ومرت مكملة طريقها وهي ثائرة، حتى وصلت إلى الطابق الأول فوقفت أمام باب شقة “جمالات ” تلك السيدة التي بمثابة أم ثانية لها وزوجها بمثابة أب لها.. فقد ربيانها مع والديها منذ صغرها وكانوا اصدقاء والديها.
طرقت الباب وانتظرت حتى فتحت لها ” جمالات ” فابتسمت لها باتساع وقالت بفرحة:
_فيروز ادخلي ياحبيبتي أنا كنت لسا هطلعلك اطمن عليكي
دخلت فيروز دون تردد وهي تهتف بعصبية:
_وبعدين ياماما جمالات في الانسان الحقير اللي اسمه سمير ده
اجابتها جمالات بغضب متسائلة بقلق:
_اوعى يكون عملك حاجة، ده أنا اروح افرجلك عليه المنطقة كلها
ابتسمت فيروز بلطف وهزت رأسها بالنفي متمتمة:
_لا متقلقيش بس هو بيتصدرلي في الطالعة والنازلة وأنا بقيت قلقانة احسن يتجرأ اكتر من كدا
هتفت جمالات بتوعد وغل:
_طب ابقى خليه يفكر كدا ويتجرأ وشوفي هعملك فيه إيه
لمعت عيني فيروز بعبرات الأسى ولاح على صفحة وجهها ابتسامة باهتة كلها حب وامتنان، فاقتربت من ” جمالات” وعانقتها بحرارة متمتمة في صوت مبحوح:
_ربنا ميحرمنيش منك يا ماما جمالات أنا مفضليش غيرك أنتي وعمي محسن بعد بابا وماما اللي يرحمهم
تلألأت العبرات في عين جمالات فور ذكرها لوالديها ومسحت على شعرها وظهرها بحنو هامسة:
_ربنا يرحمهم ياحبيبتي، أمك الست الأصيلة الغالية قطعت بينا بس أنا أن شاء الله موجودة مكانها يافيروز اوعي تترددي في أي حاجة محتجاها مني
سالت دموع فيروز بغزارة على وجنتيها حزنًا وقهرًا على والديها وردت على جمالات بود وامتنان:
_ربنا يبارك فيكي يا ماما جمالات
ابعدتها جمالات عنها برفق ورفعت أناملها تمسح عبراتها من على وجنتيها بحنو ثم همست تسألها بابتسامة دافئة:
_ !أنتي رايحة على فين كدا من الصبح ؟
تنهدت فيروز وأخذت نفسًا عميقًا ثم أجابت:
_رايحة المدرسة مش قادرة اقعد في البيت اكتر، فكرت أني لما اطلع وارجع الشغل يمكن اتلهي شوية وياسين كمان طلع قبلي الصبح عشان ميتأخرش على الطابور وحصصه
مسحت جمالات على ذراع فيروز بلطف وقالت مبتسمة بتأييد على قرارها مشجعة إياها:
_عين العقل ياحبييتي، ارجعي لشغلك متفضليش حابسة نفسك في البيت.. عشان كمان اخوكي الصغير محتاجلك وانتوا سند وضهر لبعض دلوقتي
هزت رأسها بالموافقة ثم مالت عليها وطبعت قبلة حانية فوق رأسها وهتفت مودعة إياها بابتسامة رقيقة:
_ادعيلي ياماما، أنا همشي عشان متأخرش اكتر من كدا.. محتاجة مني أي حاجة ؟
هزت جمالات رأسها بالنفي وأجابتها:
_لا يابنتي عايزة سلامتك خدي بالك من نفسك، ربنا يوقفلك ولاد الحلال
راقبتها بنظراتها المحبة وهي تراها تتجه نحو الباب وتنصرف، فتبدأ من خلفها وصلة من الدعوات الأمومية لها وعيناها تذرف الدموع على فراق صديقة عمرها التي فراقتهم وتركت أولادها تائهين في وحشة بعد غيابها هي ووالدهم…
***
داخل مقر شركة عوني الطوخي…..
ترجلت داليا من سيارتها أمام الشركة ثم قادت خطواتها الواثقة للداخل متلقية التحية والترحيب الموقر من كافة الموظفين والعاملين، ثم ولجت إلى المصعد الكهربائي ونزعت عن عيناها نظارتها الشمسية الفخمة ورفعتها لأعلى لتثبتها على شعرها المنسدل بحرية على كتفيها وظهرها، حتى توقف المصعد بالطابق الثاني فخرجت وقادت خطواتها باتجاه غرفة زوجها الخاصة.. فقد تعمدت عدم إخباره لمفاجأته بدخولها لمقر الشركة بعد غياب طويل.
وصلت إلى باب الغرفة وفتحت الباب فورًا على مصرعيه بحماس وهي مبتسمة باتساع وتهتف:
_Surpris…..
ابتلعت حروف الكلمة في حلقها ولم تكملها عندما رأت شاهين جالسًا على الأريكة وبجواره امرأة فاتنة، تبدو كموظفة تعمل لديهم بالشركة، كانوا يتحدثون بحميمة شديدة ويضحكون باستمتاع وأمامهم على المنضدة مجموعة من أوراق العمل، فالتفتت المرأة بفزع للخلف باتجاه الباب لتتسع عيناها بدهشة عندما رأت داليا، بينما شاهين فبدا ساكنًا وهادئًا بشكل غريب لكنه تصرف بذكاء حتى لا يثير جنونها ويؤكد نظرة الشك التي بعيناها ونظر إلى المرأة وتمتم:
_طيب روحي دلوقتي يامروة وأول ما أخلص تدقيق الورق اللي قدامي ده هبعتهولك
هزت مروة رأسها بالموافقة وهي تلوى فمها بحنق ممتزج بتوترها ثم القت نظرة على داليا وابتسمت بتصنع وهتفت:
_أزيك يا داليا هانم ؟
رمقتها داليا شزرًا وتساءلت بنظرة مشتعلة:
_ماشاء الله أنتي عارفة أنا مين.. طب كويس والله، شكلك جديدة في الشركة أصل أول مرة اشوفك
لمس شاهين شرارة الانفجار في نظرات ونبرة زوجته فقرر التدخل وإنقاذ الموقف قبل فوات الآوان واقترب من داليا بود وقبض على كفها بحب هامسًا:
_إيه ياحبيبتي المفاجأة الرائعة دي
ثم أشار بعيناه في حدة إلى مروة يأمرها بالانصراف فورًا فزمت هي شفتيها بغيظ واستدارت لتغادر وتتركهم وحدهم، فتثور داليا وهي تدفع يده بعيدًا عنها صائحة:
_مين دي ياشاهين ؟
تعجب من انفعالها المبالغ وقال بهدوء تام:
_دي أنسة مروة يا داليا شغالة معانا في الشركة من كام شهر كدا وكانت عندي في المكتب بنخلص شغل
ضحكت داليا بازدراء وهتفت ساخرة منه:
_بجد!!.. والله حلو الشغل اللي بالضحك والونس ده، وياترى بقى نتائج الشغل بتكون مرضية ولا لا بعد الجلسة الرايقة دي
فقد شاهين هدوئه وثباته الانفعالي بعد تلمحياتها الصريحة له بالخيانة فصاح بغضب:
_مالك ياداليا مكبرة الموضوع ليه، ما قولتلك مفيش حاجة غير الشغل إيه لزمتها الغيرة ونبرة الشك اللي بتكلميني بيها دي
تلألأت العبرات في عيناها بعد صراخه بها وتأثرت نفسيتها الرقيقة فأجابته بندم وأسى:
_طبعًا مهو مراتك ملهاش غير الوش الخشب لكم أي ست تانية ليها الضحك والفرفشة، أنا غلطانة فعلًا ياشاهين أني جيت كنت حابة اعملك مفاجأة وكنت فاكرة أنك هتفرح بمجيتي
أنهت كلماتها واستدارت مندفعة نحو الباب لكنه قبض على ذراعها يوقفها هاتفًا بلين:
_استني طيب رايحة فين
نفرت من لمسته وجذبت ذراعها بعنف من قبضته هاتفة:
_أبعد عني ياشاهين خالص وملكش دعوة بيا
ثم اندفعت للخارج وتركته وبينما كانت بطريقها للمصعد لتنزل إلى الطابق الارضي.. تسير مسرعة وثائرة اصطدمت بسليم الذي حاوطها بذراعيه من الجانبين حتى يعيد توازنها ونظر في وجهها وعيناها الدامعة فسألها بقلق دون أن يسأل عن حالها أو متى جاءت أو لماذا حتى:
_داليا بتعيطي ليه مالك ؟
رفعت رأسها ونظرت في وجه أخيها فانهارت باكية وارتمت بين ذراعيه في حضنه، فجعلت ارتيعاده يزداد أضعاف وراح يبعدها عنها ويعيد سؤاله بحزم ونظرة قوية:
_!مالك يا داليا اتكلمي حصل حاجة .. حد ضايقك ؟
تمالكت أعصابها ورفعت أناملها تجفف دموعها وهي تهز رأسها له بالنفي وردت:
_مفيش حاجة ياسليم اختلفنا أنا وشاهين اختلاف بسيط بس
احتدمت نظراته الرجولية وهتف يسألها بتعجب:
_منظرك ده ميدلش أبدًا أنه اختلاف بسيط، واضح أنه عمل حاجة كبيرة وصلتك لكدا
لم يحصل على ردًا منها سواء بالنفي أو التأكيد فاعتبر صمتها تأكيدًا على توقعاته، لتستشيط نظراته غيظًا من شاهين ويبتعد عنها يهم بالاندفاع إليه لكنها اوقفته بهلع خوفًا من تفاقم الأمر بين زوجها وأخيها وردت برزانة وابتسامة محبة:
_رايح فين بس ياسليم مفيش حاجة والله ده اختلاف بسيط زي عادتنا أنت عارف بس أني حساسة وأي اختلاف بينا بيأثر عليا
ارتحت عضلات وجهه وجسده المتشنجة ورغم عدم اقتناعه بكلماتها إلا أنه اختار تصديقها واقترب منها مجددًا ثم احتضن وجهها بين كفيه وهمس يوجه لها تعليماته الأخوية الحانية بنظرة كلها ثقة وآمان:
_ماشي ياداليا هعديها المرة دي كمان عشان خاطرك، مع العلم أن شاهين ليه فترة مش عاجبني وبدأت اتخنق منه، واللي مضايقني أني عارف حبك ليه ازاي ومش عايز حبك ده ينسيكي أن أهلك موجودين أنا وبابا وأمير وماما، أو يخليكي تتغاضي عن أفعاله وتصرفاته اللي مش عجباكي.. يعني بس يكفي أنك تيجيلي وتشيكيلي منه بس وأنتي هتشوفي اللي هعمله لأجل عيونك ياحبيبة قلبي، دموعك دي غالية
اختفى القهر والشجن من على محياها وحل محله مشاعر الامتنان والحب الأخوي فابتسمت لأخيها بعينان لامعة بود ورفعت كفها تمسح على وجنته متمتمة:
_ربنا ميحرمنيش منك أبدًا ياسليم، اطمن أنا لو في حاجة هجري عليك أنت أول واحد قبل بابا حتى
مسح بيده على شعرها ثم مال عليها ولثم شعرها بقبلة أخوية دافئة وهو يسألها باستغراب:
_أنتي جيتي الشركة ليه ؟
أجابت ببساطة وخفوت:
_عادي لقيت أني ليا فترة طويلة مجيتش فحبيت آجي اشوف الوضع بقى ازاي
أشار لها بعينها تجاه غرفته وقال مبتسمًا:
_طيب تعالي يلا نقعد في المكتب عندي ونتكلم براحتنا وطمنيني على لارا وطارق عاملين إيه
امتثلت لطلبه وسارت معه باتجاه غرفته وهي تتبادل معه أطراف الحديث عن أمور مختلفة…
***
بعد مرور يومين بتمام الساعة الثامنة مساءًا…
كان سليم جالسًا مع عوني بموقع المشروع يتبادلون قرارات العمل وكيف سيبدأون البناء ومتى حتى طرح عوني سؤاله بجدية:
_أنت عملت إيه مع الأهالي ؟
أجاب سليم مبتسمًا بثقة:
_الكل متراضي في منهم اللي اختار أنه ياخد مبلغ المال ويشتري بيه بيت بعيد وحده وفي منهم اللي اختار شقة من الشقق اللي هنخصصها ليهم في المنتجع، يعني اطمن خلاص موضوع الأهالي ده اتحل، دلوقتي نقدر نبدأ علطول في الحفر والبناء بس مش كل البيوت هتتهد حاليًا لأن الأهالي اللي هيسكنوا في المنتجع محتاجين مدة لغاية ما ينقلوا عفشهم لمكان تاني مؤقتًا
هتف عوني بعدم فهم وحنق:
_طب واحنا هنفضل مستنيين كتير لغاية ما يلاقوا مكان ده مشروع كبير وهياخد وقت طويل لازم نبدأ فيه باسرع وقت ياسليم
تطلع سليم إلى والده وتنهد الصعداء برزانة وقال في لهجة قوية لا تقبل الجدال أو الرفض:
_أنا اللي هوفرلهم سكن مؤقت على حسابنا لغاية ما ينتهي المشرو
ع
استشاط عوني غضبًا على قرار ابنه وصاح معترضًا:
_على حسابنا ده إيه ياسليم أنت عايز تجنني مش كفاية المبالغ اللي دفعناها واحنا لسا حتى مبدأناش المشروع، شكلك ناوي تفلسنا من قبل ما نبدأ
أجاب سليم بكل هدوء وحكمة متمسكًا بقراره:
_الناس دي يابابا غلابة وعايشين تحت مستوى الفقر.. يعني أكيد مش هيقدروا يوفروا لنفسهم سكن بمصاريف كاملة، وده واجب علينا أننا نوفرلهم السكن لغاية ما نخلص مشروعنا لأننا احنا اللي طلعناهم من بيوتهم، ومتقلقش الميزانية مظبوطة ومفيش أي حاجة هتنقص والمشروع هيتم زي ما احنا عايزين بظبط، طالما حضرتك وكلتني بالمشروع ده يبقى خلي عندك ثقة فيا وفي قراراتي
استنشق عوني الهواء مطولًا ثم أخرجه زفيرًا متمهلًا في قلة حيلة وهتف مستسلمًا:
_طيب ياسليم هخليني ماشي وراك ومش هناقشك في قراراتك وهستنى النتيجة النهائية بعد ما المشروع يخلص أن شاء الله وأشوف
ابتسم لوالده ثم مال بجزعه للأمام قليلًا وربت بكفه على قدم أبيه في احترام متمتمًا:
_اطمن ياعوني بيه
استقام عوني واقفًا وربت على كتف ابنه هاتفًا:
_أنا همشي حاسس نفسي تعبان ومحتاج اريح، خلص اللي وراك وابقى حصلني على البيت
اماء رأسه بالموافقة لأبيه وراقبه بنظراته حتى استقل بسيارته وانطلق بها، فهب سليم بدوره واقفًا واتجه إلى سيارته ثم فتح باب المقعد الخلفي ومال بجزعه للأمام مدخلًا رأسه داخل السيارة ليلتقط كيسًا ممتلئ بأنواع من الحلوى المختلفة والمفضلة للأطفال وكيسًا آخر ضخمًا ممتلئ بالألعاب، ثم انتصب في وقفته وأغلق باب السيارة بقدمه وقاد خطواته تجاه أحد المنازل الصغيرة والمتهالكة، وقف أمام باب المنزل ووضع أحد الأكياس على الأرض ثم رفع يده وطرق الباب وعاد يلتقط الكيس مجددًا يحمله بيده وباليد الأخرى حاملًا الكيس الآخر.
بعد قرابة ثلاث دقائق فُتح الباب من قبل امرأة شابة وتحمل بين يديها بحضنها طفلها الرضيع النائم، فابتسمت باتساع فور رؤيتها لسليم وقالت بترحيب حار:
_يا أهلًا وسهلًا ياسليم بيه اتفضل اتفضل
ابتسم لها سليم بود وأجابها في صوت رخيم:
_متشكر يا أم مؤمن، أنا بس كنت جايب شوية حاجات بسيطة للأولاد.. مؤمن وكريمة صاحيين ولا ناموا
اخفضت الأم نظرها لأسفل فرأت الأكياس التي يحملها بيده وابتسمت بفرحة غامرة وهزت رأسها بالإيجاب له ثم التفتت برأسها للخلف وصاحت منادية على أولادها هاتفة:
_كريمة تعالي.. يامؤمن تعالي البشمهندس سليم جه
قفز مؤمن من مكانه متلهفًا فور سماعه أمه وهي تخبره بقدوم سليم وركض للخارج وخلفه أخته الصغيرة، وصل إلى سليم وفتح ذراعيه من قبل أن يصل له وراح يرتمي بحضنه صائحًا بفرحة:
_عمو سليم أنا كنت مستنيك ليه مجيتش كل ده
اجابه سليم بحزن يوجه له اعتذاره الصادق:
_معلش يامؤمن كان معايا شغل والله ومكنتش فاضي آجي الموقع هنا، حقك عليا
ابتعد مؤمن عن سليم واقتربت الفتاة الصغيرة البالغة ثلاث سنوات ورحبت بسليم الذي ضمها لصدره بحنو مقبلًا شعرها، ثم مد يديه بالأكياس المحملة بالهدايا ومدها لهم وهو يبتسم غامزًا بمرح:
_افتحوا يلا وشوفوا الهدايا اللي جيبهالكم
فغر مؤمن عينيه وشفتيه بصدمة وراح يتبادل النظرات مع أخته بعدم استيعاب لما قاله سليم للتو وأخذ يحدق بالاكياس الممتلئة والضخمة التي يعطيها لهم، وبتلهف وفرحة غامرة جذب الاكياس منه هو وأخته وبدأوا بتفقد محتوياتها وهم يضحكون بسعادة على الألعاب والحلوى.
نظرت الأم لسليم وقالت بامتنان شديد وعينان دامعة:
_ربنا يبارك في حضرتك ياسليم بيه والله على اللي بتعمله عشانهم ده وبتفرحهم بيه، متشكرين لحضرتك
رمقها سليم برأفه وتمتم في ود وصوت رخيم:
_أنا مش بعمل كدا عشان تشكريني، بل زي ما قولتي أنا عايز افرحهم بس ولو احتجتوا أي حاجة لغاية ما المشروع يخلص كلموني من غير تردد، وخلال أيام أن شاء الله هتكون الشقة اللي هتسكنوا فيها مؤقتًا جاهزة
رفعت راسها للسماء ورددت بالأدعية تدعو له بصدق وصفاء قلب:
_ربنا يباركلك دنيا وآخرة وما يحوجك لحد أبدًا ويوقفلك ولاد الحلال يارب دايمًا
ابتسم لها بلطف وهز رأسه بالإيجاب متقبلًا ادعيتها بحب ويردد خلفها ” أمين ” ، وفجأة وجد مؤمن واخته يتعلقون برقبته وهما يهتفون ببهجة مفرطة يشكرونه:
_شكرًا ياعمو سليم الحجات حلوة أوي
مسح على شعرهم بحنو وهو يضحك ويجيبهم:
_العفو ياحبايبي العبوا سوا واتبسطوا، أنا دلوقتي مضطر امشي عشان معايا شغل الصبح بدري
قبض مؤمن على يده متمسكًا به يمنعه من الرحيل متوسلًا إياه:
_لا خليك شوية معانا عشان خاطري ياعمو سليم
مال على رأسه وطبع قبلة دافئة متمتمًا له بأسف واعتذار:
_معلش يامؤمن يابابا لازم اروح وارتاح عشان اقدر اروح شغلي.. وبكرا أن شاء الله هجيلكم تاني
هز الصغير رأسها بالموافقة مستسلمًا على مضض في حزن وراقب سليم وهو يغادر بعدما ودعهم ثم عاد هو وشقيقته وأمه إلى غرفتهم وبدأوا يلعبون بالعابهم ويأكلون الحلوى، بينما سليم فقد أخرج هاتفه وهو بطريقه إلى سيارته وأجرى اتصالًا و
فوصله الرد بعد مجموعة رنات متتالية يقول:
_ابن حلال والله أنا كنت لسا رايح اكلمك يابوص
هتف سليم مجيبًا عليه بإيجاز دون أن يبادله المزاح:
_حمدلله على السلامة يامروان بيه.. تعالي على بيت عم صبحي هستناك هناك
لم يمهله اللحظة ليجيب عليه حيث أغلق الاتصال وانطلق بسيارته يشق الطرق متجهًا إلى المنطقة التي يقطن بها العم ” صبحي “…
***
داخل إحدى الحدائق الصغيرة القريبة من المنزل كانت فيروز جالسة على أحد المقاعد الخشبية وحيدة.. وحيدة للدرجة أنها وحيدة حتى بالحديقة كلها ولا يوجد سواها و الإضاءة داخل تلك الحديقة ضعيفة.. تكاد تكون مرعبة وملاذًا لكل من يريد ارتكاب جريمة أو أخفاء نفسه عن أنظار الشرطة، لكنها كانت تتجول لشراء بعض المستلزمات للمنزل وشعرت بحاجتها للانهيار والبكاء الشديدة ولم تجد مكان أقرب إليها سوى تلك الحديقة فجلست بها وإنهارت بالبكاء تاركة العنان لأنفاسها المكتومة بالانطلاق.
فقد تركت أخيها الصغير بصحبة الخالة “جمالات” وقررت أخذ قسطًا من العزلة وإفراغ طاقة القهر والألم المحتجزة داخلها، لكن فجأة وقع نظرها على حازم وهو يقترب نحوها فاستقامت واقفة بفزع وذهول وراحت تسأله بغضب:
_أنت إيه اللي جابك وعرفت مكاني ازاي ؟
صاح بها حازم منفعلًا هاتفًا :
_أنا اللي المفروض أسألك بتعملي إيه في جنينة مقطوعة زي دي وحدك وبليل
رمقته بشراسة وأجابت بشجاعة دون خوف:
_وأنت مالك بعمل إيه حاجة متخصكش
اختلس كل المسافة التي بينهم وأصبح أمامها مباشرة ثم قبض على ذراعها وصاح باستياء:
_أنتي شكلك فاكرة نفسك معدش ليكي كبير بعد خالي، لا أنا موجود ومتنسيش أني هكون جوزك
ضحكت ساخرة منه وقالت بثبات وثقة:
_ده في أحلامك أن شاء الله يا حازم على جثتي ده يحصل
لمعت عيناه بوميض شيطاني مرعب ورأت في نظراته إشارات الإنذار من أفكاره الدنيئة التي تدور بعقله ثم خرج صوته خافت ومرعب وهو يميل بوجهه عليها يهمس:
_ما أنا ممكن اغصبك واخلي مفيش حل قدامك غير أنك توافقي على الجواز مني، مثلًا يعني احنا في مكان مقطوع وحدنا ومحدش شايفنا تتخيلي ممكن أعمل إيه
اتسعت عيني فيروز بصدمة ممتزجة بالأرتيعاد الحقيقي التي لاحت بشائره في نظراتها الزائغة وحاولت التسلل من قبضته وهي تهتف بصوت مرتجف:
_أنت إيه اللي بتقوله ده ياحازم ابعد عني وسيبني امشي
ابتسم لها بخبث وأجاب بالرفض القاطع وهو يحكم قبضته عليها ونظرته تنذر بالشر الذي ينويه:
_واسيبك ليه انتي نسيتي اني قولتلك لو اضطريت اخدك بالغضب وفي الحرام هعملها
ارتجفت أوصالها خوفًا منه ومن نظراته التي تنضج بالشر فقد بدا لها غير طبيعيًا وقد ينفذ رغبته بالفعل، فجمعت كل قوتها المتبقية ودفعته بعيدًا عنها بعدما صفعته على وجنته بقوة وانطلقت راكضة بعيدًا بكل سرعتها فصرخ هو مناديًا عليها:
_ فــيـــروز
ثم انطلق راكضًا خلفها وهي مستمرة في الركض وتتلتفت خلفها لتطمئن أنها ابتعدت عنه لكنه كان اسرع منها وكاد أن يمسك بها، وكان شاغلها الشاغل بتلك اللحظة هو الهرب منه وإنقاذ نفسها من براثن ذلك الوغد و دون وعي منها لم تنتبه أنها تعبر الطريق ولم تنظر إلى حركة السيارات، فلم تفق سوى على صوت أبواق سيارة متجهة نحوها وقبل أن تتدارك نفسها كان الآوان قد فات وصدمتها السيارة….
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية لأنك أنت) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.