رواية في مدينة الاسكندرية – الفصل الثالث
3- غيرة المُحب
آسفة على التأخير المرة دي علشان كنت معزومة 🙃👀
صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
لا يعلم كيف يتحدث معها والجميع موجودين وعيونهم عليهم، يفصلهم بضعة أمتار فقط فهى تجلس في المقابل له بجانب والدتها وخالاتها وهو بجانب عائلته على الناحية الأخرى ولكنها بعيدة كل البعد عنه ولا يستطيع حتى النطق بكلمة لها
مسح على خصلاته يشعر بالحيرة والاشتياق والغيرة من يوسف أيضًا، فها هو هناك يتحدث مع براءة منذ ما يقارب النصف ساعة بدون حرج أو توقف وبجانبهم والدتها بينما هو غير قادر على التحدث مع نور
والأخرى لا تستطيع النظر له حتى بل تكتفي بسرقة النظرات له من حين إلى آخر، ضيق عينيه عندما رآها تخرج هاتفها ثم عبثت به قليلًا ورفعت رأسها له في إنتظار وهو لا يعلم ما الذي تنتظره منه فهاتفه لم يرن، ولا تستطيع بالطبع الإتصال عليه وهى تجلس وسط الجميع هكذا
همست له نور بكلمة أو لنقول حركت شفتيها لينتبه لها سريعًا وعلم ما الذي تقصده بحركة شفاهها، تقصد أن يفتح الإنترنت وسرعان ما فعل ليجد إشعار من حساب غريب يطلب مراسلته على الفيس بوك وكان اسم الحساب “قارئة القرآن” اسم مستعار لا يعلم إن كانت هى أم لا وعندما فتح المراسلة وجد رسالة واحدة تقول
“عامل ايه”
رفع رأسه لها ثم أرسل رسالة إستفسار
“نور؟؟”
“ايوه انا”
“وحشتيني يا نور أرهقني قلبي بالإشتياق ”
اغمضت نور عينيها بقوة تشعر بنغزات قوية في معدتها حتى أنها أغلقت الهاتف خوفًا من أن يقرأ أحد هذه الرسالة، ربي ألا يزال هذا الحمزة وقحًا، حتى أنها لم ترفع رأسها وترى وجهه ولو رأت لتركت المكان وعادت لمنزلها
إذ كان حمزة يطالعها ببسمة عابثة وقد اعجبته هذه الحركة كثيرًا، يتحدث معها بالرسائل ويرى رد فعلها أمامه بصمت تام، ولكن عليه أن ينزع عينيها عنها حتى لا ينتبه لهما أحد
وصلت رسالة لنور منه ففتحت الهاتف وقرأتها بعينيها
“مصعبتش عليكي في الست شهور دول تتصلي عليا يا نور وانا كنت هتجنن علشان أشوفك واسمع صوتك بس”
بئسًا ليتها ترساله وهو ليس أمامها، فالآن لا تستطيع إخفاء رد فعلها وذلك الوغد عينيه لا ينزعها عنها، أرسل رسالة أخرى تقول
” تقيلة اوي انتي يا نور بس للبني آدم حدود للصبر وانا أقسم بالله صبري نفد مش عايزة اتجنن عليكي انتي وابوكي وأمك ”
” ومال ابويا وأمي دلوقتي؟! ”
” مش هما اللي كانوا مانعينك تكلميني حتي غيرتي رقمك علشان مقدرش اتكلم معاكي”
عجبًا كيف علم هذا ومن قال له؟! رفعت رأسها له بسرعة ثم اخفضتها وأرسلت له
” مين قالك كده؟؟ ”
” مرات عمي أسماء ولما كنت اخليها تتصل على والدتك علشان أعرف أكلمك مكنتش بعرف حتى انطق وانا عارف إن امك جنبك وهتاخد منك التليفون لو بس سمعت صوتي، كريم معاه حق لو الأميرة ديانا مكنتش اتمرمطت المرمطة دي كلها”
” بس انا مش الأميرة ديانا انا مجرد واحدة عادية واديك صبرت وهتنول ”
” أمتى بقى ”
” وانا ايش عرفني انا، ما بابا قدامك إسأله ”
-عمي علي
نطق بها حمزة بصوت مسموع قد جذب انتباه الموجدين فاتسعت عيني نور بصدمة فهل سيتحدث معه الآن أمام مرأى ومسمع الجميع ضاربًا بخجلها عرض الحائط؟!
اعتدل علي في جلسته ملبيًا نداء حمزة إذ قال :
-نعم يا حمزة
نظر عثمان لابنه ينتظر ما سيقول يتمنى حقًا ألا يحرجه أمام الجميع، أجل حمزة ناضج وعاقل وذو لسان فصيح ولكن عندما يزيد فولت جنونه لا يضمنه، وحمزة قد راعى نظرة والده له لذا هتف بإحترام لـ علي :
-إن شاء الله بكرة نشرب الشاي عندكم؟!
ورغم أن علي كان سيحدد موعد بعد زفاف ابن أخيه ولكنه لم يشأ أن يحرج حمزة لذا قال :
-إن شاء الله هنستناكم
نبض نور بعنف وقد ارتفعت حرارة وجهها من الخجل والحرج ترى الجميع ينظر لها هى، حتى حمزة نفسه طالعها بنظرة عاشقة لم يخفيها ولكن اعترض حسين مما جعل ملامحه تعبس :
-طب خلوها بعد بكرة علشان إحنا هنستنوكم بكرة إن شاء الله على الغداء
-ما إحنا مش هنروح عندهم على الغداء، يعني على الساعة تمانية كده
نطق بها حمزة بجدية يريد أن يعقد عليها الآن لا غد فقال عثمان بتنبيه لابنه ألا يكثر الكلام في هذا الأمر :
-بكرة من بعده مفرقتش يا حمزة
انقلبت ملامح الآخر فقال علي مسيِّرًا الأمور :
-خلاص الغداء بكرة عند حسين وبعده عندنا إحنا
حسنًا لقد أرضى الاقتراح هذا الجميع، بينما فتح حمزة المحادثة مرة أخرى وأرسل لنور التي تكاد تموت من الحرج وهى جالسة
“جميلة وانتي مكسوفة شكلنا هنتعب علشان نخف الكسوف عندك”
قلبت نور عينيها تضم ابتسامتها وحتى الآن لم تطالعه بنظرة واحدة ثم ارسلت
“احترم نفسك يا حمزة عيب”
“عيب إني بقولك جميلة!؟”
“ايوه”
“ده انا خطبتك أهو قدام الناس لسه فيه عيب، ولا علشان انتي بتتكسفي فبتقولي عيب؟؟ ”
طالعها ببسمة عابثة ماكرة ردته له الأخرى بنظرة حرجة من كشفه له لتتبدل ملامح الاثنين عندما جذبت صفية هاتف ابنتها منها بعنف وهمست له بعدة كلمات غاضبة لم تصل لحمزة فقلق أن تكون والدتها تعنفها لأنها تحادثه ولكن هو الآن في حكم خطيبها أمام الجميع فلما قد تفعل
بينما صفية لم تكن تعنف ابنتها لهذا فهى على أي حال أُمية لا تفقه القراءة والكتابة بل كانت تعنفها لأنها تمسك الهاتف في التجمع العائلي بدلًا من التحدث مع الناس، مثلها مثل جميع الأمهات فمن منا لم يجرب هذا الموقف
عقدت نور أصابعها بعد أن أخذت والدتها الهاتف واكتفت بالصمت فأشار حمزة لها إن كان هناك مشكلة فأشارت له الأخرى في الخفاء بأن ليس هناك شئ لذا قرر فتح موضوع مع نور بصوت مرتفع فهو يريد أن تكون علاقتهم في النور لا في الظلام وهو لا يخجل من أي أحد على أي حال :
-عملتي ايه يا نور بالخمسة مليون؟؟
نظرت الأخرى إلى والديها ثم أجابت بلعثمتها البطيئة المحببة إلى قلبه :
-ولا حاجة… لسه قاعدين…. في البنك
-المفروض تستثمريهم يا نور ده مبلغ حلو مش صغير، يعني اشتري أرض أو سبايك دهب حاجة كده قيمتها تزيد مع الأيام
نطق بها عثمان مشاركًا الحوار فأجابته صفية التي كانت تقترح هذا أيضًا حتى تستفاد ابنتها بالأموال :
-انا قولت كده وعلي بيشوف أرض تقدر تشتريها ويكتبها باسمها تنفعها وتنفع عيالها بكرة وبعده
تحدثت إحدى السيدات الموجدات بنبرة خافتة حاقدة وصلت إلى صفية وابنتيها :
-عشنا وشوفنا البنات تتكتب باسمها الأراضي
نظرت لها نور بضيق وبغض شديد وودت لو تقول لها فلتعيشي نصف ما عشته وحلال عليكي الأراضي، ولكن والدتها منعتها من هذا ضاغطة على ذراعها حتى تصمت
بينما لم تصمت تلك السيدة وقد كانت زوجة جابر المدعوة كوثر، لتقول موجهة حديثها إلى حمزة :
-وعلى كده يا صفية الأستاذ ده شغال ايه
ابتسم لها حمزة بحسن نية قائلًا :
-انا محامي واللي طلعت نور من القضية
-وعلى كده خت اتعابك؟!
-لأ انا مش عايز أتعاب
-ذكي والله مرضيش ياخد الأتعاب وقال يتجوز نور واهو ياخد الخمسة مليون وعليهم عروسة
ولم تُسمِّعه ما قالت هذه المرة بل بصوت خافت وبمزاح سوداوي ثقيل منها وصل لجميع السيدات بجانبها ومنهم نور التي ضغطت على كفيها بقوة ساببة كوثر في سرها تشعر بالقهر لأنها لا تستطيع التحدث بينما قالت أسماء بنبرة قوية حادة :
-لسانك يا كوثر عيب كده، وبعدين انا عرفت ان بتك اتخطبت مش تقولي حتى نفرحولك
اعتدلت الأخرى في جلستها ولم تفصح من هو خطيب ابنتها حتى لا تُحسد ابنتها بل قالت :
-لسه الموضوع متمش ومتكلمناش فيه بس يعني هو مش قد كده كان نفسي اجوزها لدكتور ولا مهندس زي ياسر ولا محامي بس يلا نصيب
وفور جملتها الأخيرة دفعت والدة براءة يوسف حتى يقف من هنا قبل أن تقضي عليه عيني كوثر :
-قل أعوذ برب الفلق، قوم يا يوسف ربنا يحفظك من عينها
بينما ناهد بنفسها خافت على ابنها ودفعته حتى يذهب هامسة :
-قوم يا حمزة خد يوسف واطلعوا فوق
لم يفهم حمزة لما تقوم بهذا فحتى نور وصفية تشيران إليه حتى يذهب، ولم يتحرك إلا عندما وجد يوسف يهم بصعود الدرج لذا لحق به ليستوقفهما ما في الطابق الثاني
إذ أبصرا شروق تقف وبجانبها فتاة وشاب في نفس عمرها تقريبًا وأمامهم يقف كريم يتحدث بعفوية وإندماج عن كرة القدم وفي الخلف يقف يونس مستندًا بظهره على الحائط بملامح جامدة وأعينه ثابتة على شيئان، شروق والشاب الذي يقف بجانبها
وقبل هذا بعشر دقائق كان يونس صعد إلى فوق بعدما سئم ثرثرة الجميع وقد أصابه الصداع منهم ليجد كريم يتحدث من شاب لا يعرفه وبجانب هذا الشاب تقف شروق تتابع الحديث ومعها فتاة أخرى
كان سيتخطاهم ويكمل الصعود لأعلى ولكن وجود شروق واهتمامها بما يُقال جعله يريد أن يعلم على ماذا يدور الحديث لذا قال بنبرة هادئة :
-مين يا كريم اللي واقف تتكلم معاه
نظر له الآخر بإنتباه ثم قال بحرج فهو لم يسأل عن اسمه بل اندمج معه في الحديث لأنه سمعه يتحدث عن كرة القدم فقط، وعندما رأت شروق صمت كريم أجابت هى وكأنها تود إختلاق محادثة بينها وبين يونس وكم شعرت بالضيق لأنها تسرعت في هذا لذا قالت بإختصار :
-ده…. ده ولد خالي
ابتسم له ذلك الشاب ثم أكمل حديثه مع كريم بينما الآخر استند على الحائط يرمق شروق التي عادت وألتهت فيما يقال أو تصنعت هذا حتى لا تنظر إلى يونس ليفاجئها هو عندما قال :
-هو انتي نقلتي على كلية تانية ولا لسه قاعدة في علم نفس
انتبهت له شروق مثل البقية فعدلت نظارتها ثم أجابت :
-لا انا نقلت خالص من كلية الآداب وقدمت على ألسن بس للأسف هعيد أول سنتين تاني
-طب ليه كده ما تكملي في علم نفس بدال ما تضيع من حياتك سنتين كمان ولا خلاص انتي اتعقدتي؟!
نطق بها كريم مشفقًا على حال هذه الفتاة بشدة فأجابت الأخرى برفض :
-ايوه انا اتعقدت ولو عليا مش عايزة أكمل تعليم خالص من وراء اللي حصلي في الكليات
-وايه هو اللي حصل بقى؟!
نطقا بها ابن خالها “جمال” والفتاة الأخرى والتي تكون دعاء شقيقة ياسر فنظرت لهما الأخرى نظرة فاترة دون إجابة، منها علما يونس وكريم أن شروق لم تقل لأحد أنها تعرضت لمحاولتين قتل في الكلية
نكزها ابن خالها بهاتفه دون لمسها هاتفًا بإلحاح :
-يا بت قولي انا هموت وأعرف حصلك ايه رجعتي محملة عقد وبلاوي انتي ونورهان
-خلاص موت يا عم بقى متقرفنيش
-هو انت حصلك زي نورهان؟؟
-لأ حصلي الألعن
حل الذهول على ملامح الإثنين مما وصل إلى تفكيرهما فسارعت الأخرى نفي هذا بسرعة قائلة :
-لا تفكيركم ميروحش بعيد مش اللي وصلكم خالص
نظر جمال نحو كريم مبتسمًا لعله يخبره ماذا قد فعلت هناك :
-كريم ما تقولي البت دي حصلها ايه هناك
رفع الآخر كتفيه مخرجًا يده من الأمر إذ قال :
-والله لو هى مش عايزة تقول يبقى انا مالي
نظرا جمال ودعاء إلى شروق بإستعطاف فقالت الأخرى ببسمة باردة :
-بس يا حبيبي كمل كلامك في الكورة وملكش دعوة بيا
آمال يونس رأسه قليلًا محدقًا بهما بريبة وكلمة حبيبي هذه خرجت منها عادية ولكنها لا تزال تتردد في أذنه، وقد مرت دقيقة كاملة وهو لا يزال يحدق بهما دون أن ينتبه جمال لعودة حديثه مع كريم ليظهر يوسف وحمزة على الدرج وقد ألقى يوسف السلام عليهم قائلًا :
-مساء الخير واقفين كلكم كده ليه؟!
اعتدل يونس في وقفته ثم أردف بنبرة متعجبة مبطنة بالسخرية :
-جيتوا ليه وسيبتوا اللي جيتوا علشانهم الصعيد مخصوص في الحرارة اللي تسلق البني آدم في نص شهر سبعة؟! اوعوا يكونوا مشيوا؟؟
أشار حمزة إلى يوسف محدثًا إياه بنبرة حانقة :
-سكِت أخوك يا يوسف، حر ويونس في مكان واحد وانا صبري مش هيستحمل
نظرت شروق إلى الأسفل من خلال الدرج ثم قالت :
-هو حصل ايه تحت؟!
-تلاقي كوثر نكدت عليهم سمعت صوتها من شوية، أو كانت هتديهم عين فطلعوهم فوق علشان متجبش أجلهم
نطقت بها دعاء بنبرة ساخرة فقال يوسف بجدية متذكرًا تلك المرأة التي تحدثت :
-مفيش حاجة اسمها حسد يا جماعة ده نصيب
نظرت شروق إلى دعاء وجمال ثم قالت بنبرة ضاحكة ولكن ضحكتها لم تكن سعيدة بل مستهزئة :
-آه وماله نصيب هو نصيب فعلًا بس من الحسد يا يوسف، انت تعرف إن في الخطوبة لما هى شافتك قاعد جنب براءة وانا وعائشة سمعناها أقسم بالله علشان متقولش بنتبلى عليها قالت راحت إسكندرية كام شهر وجات بدكتور مش زي بناتنا مخرجوش خالص ولا شافوا حاجة، انت تعرف بقى تاني يوم براءة مش عارفة تاكل حاجة وفضلت تلات أيام من غير أكل واغمى عليها من الإنيميا وعلقنا ليها محاليل وده كله من عينها
أكمل جمال من خلفها متذكرًا ما حدث لنور أيضًا :
-ولما عرفت ان نور بقى معاها خمسة مليون جنيه، البنت وقعت من على السلم دراعها اتكسر تاني
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
نطق بها كريم فزعًا فقالت دعاء مؤكدة عليه جملته :
-آه والله شيطان فعلًا مفيش حد منكدتش عليه حياته من وراها مرة سَوّ أقسم بالله، مش عارفة عمي جابر مستحملها ازاي، وبلاش تطلعوا قدامها حرام شبابكم يضيع خسارة الوشوش الحلوة دي تروح هدر
وكزتها شروق حتى تصمت عما تقوله ثم سحبتها معها وصعدا إلى الأعلى بينما ظل جمال يتحدث مع كريم وقد وعده أنه سيأخذه غدًا إلى أحد الكافيهات لمتابعة مباريات كرة القدم، تركهم حمزة يتحدثون ثم أخرج هاتفه وأرسل رسالة لنور
“انتوا مشيتوا؟؟”
وبعد دقيقة وصله الرد منها
“لأ لسه بس مش هقدر أمسك التليفون كتير علشان ماما قاعدة جنبي”
“خلاص هكلمك بالليل”
“إحنا أصلًا بالليل ثم مش هرد عليك بنام بدري”
“بتنامي بدري ولا مش عايزة تكلميني أصلًا، نور هو انتي متقبلاني؟! انا مش شايف من ناحيتك قبول ناحيتي ”
انتظر منها الرد بلهفة ولكنها اخذت وقت تكتب وهذا يدل على أنها تكتب وتمسح وبعد دقيقتين أرسلت
“لأ عندي قبول وإلا مكنش بابا أداك معاد إلا وهو عارف إني موافقة، بس صدي ليك علشان انا عارفة الحرام والحلال يا حمزة أعتقد لسه فاكر كلامي، وعلفكرة لولا إن ماما عارفة اني بكلمك رسايل دلوقتي مكنتش هتشوف مني ولا رسالة ولا رد”
ابتسم حمزة على أخلاقها وصونها لنفسها ثم أرسل لها
” تعرفي ليه دخلت كلمتك من حساب كاتب الظل من غير ما أبين إني حمزة ”
” ليه ”
” علشان عملتها قبل كده مع واحدة خطبتها زمان أو مكنتش خطوبة يا دوب تعارف في الجامعة وكنت ناوي اخطبها بعد ما اخلص جامعة فكرت لو دخلت بحساب مختلف ليها وحاولت أتعرف عليها من غير ما أبين إني عارفها وأقولها إني معجب بيها وبحبها أوي ومن زمان وعايز آخد خطوة ناحيتها، ردت وقالت مين وانا قولتلها اسم من دماغي والمشكلة إني فضلت بكلمها أسبوع ولما طلبت أقابلها في الجامعة وافقت وكانت ملهوفة وانا شايفها من بعيد مستنية”
“بغض النظر عن إنها كلمت شاب هى متعرفوش وده غلط بس انت عملت ليه كده يا حمزة وانت وهى مفيش بينكم حاجة؟! يعني مكنتش خطيبتك وممكن مكنتش مايلة ناحيتك انت مش هتتحكم في مشاعرها ”
” هى فضلت معايا يا نور كانت معايا ومع التاني على الرسايل يعني في حياتها راجلين ومفرقش معاها والحركة دي قفلتني منها وكمان فضلت أسبوع تتكلم مع واحد متعرفوش لفكرة بس إن كلامه جذبها أوي، مش هآمن ليها بعدين ده كان اختبار وفشلت فيه ليه ردت أصلًا وفضلت في الحوار حتى لو عاجبها، انا عملتها معاكي وبحركة أكبر لما حطيت اسمك على غزل في بوست في صفحتي يعني حتى لو مين كان هيجذبها الفضول على الأقل، انا فضلت يومين مستني تبعتي حاجة ومبعتيش ولما دخلت انا كلمتك هزقتيني واديتني درس ”
” وبعدين؟! ”
“وبعدين قولت يا حمزة هى دي شريكة العمر، أخلاقك كانت في كفه وجمالك في كفة طلعت عيني ولسه مطلعة عيني علشان بس أوصلك يا نور”
” انت شايفني جميلة يا حمزة؟! انا بس عيوني حلوة أما باقي كل حاجة فيا عادية وأقل من العادية”
” جميلة كطلوع الشمس يا نور بوجهٍ صبوح، وحين تنعكس الشمس على عينيكِ يبرز جمالهما بوضوح ”
أرتفع حاجبي حمزة بإندهاش عندما رآها اختفت تمامًا بعد أن وصلت لها رسالته وهذا يعني أنا خجلت بشدة الآن، ليتها أمامه حتى يرى ملامحها، أخفض هاتفه عندما رأى شروق تهبط من الأعلى بمفردها فأستوقفها قائلًا :
-آنسة شروق ينفع أسألك سؤال
توقفت شروق منتظرة سؤاله فقال الآخر بتركيز :
-هو انتي ونور تواصلتوا مع دكتور نفسي؟!
صمتت شروق قليلًا وقد تبدلت ملامحها بشكل واضح إلى الضيق ثم قالت :
-لأ للأسف علشان الدكاترة النفسيين هنا محرمين واللي بيروحوا ليهم المجانين بس
اعترض يوسف على هذا العبث الذي تقوله إذ قال :
-ايه الهبل ده يعني كل الناس اللي بتروح للدكاترة النفسيين مجانين؟! مش عندهم مشاكل ومش عارفين يتعاملوا معاها وعايزين يتكلموا مع حد مثلًا؟!
-يعني نور متكلمتش مع حد ولا حتى طلبت تروح عند دكتور نفسي ولا حتى اتكلمت مع مامتها
نطق بها حمزة بضيق حقيقي من فكرة أن نور تراكم الضغوطات النفسية التي مرت بها دون اللجوء لأحد تتحدث معه، لتجيبه الأخرى بنبرة متهكمة :
-خالتي صفية جبانة شوية خافت عليها من كلام الناس اتكلمت هى معاها وبقيت تقولها انسي واشغلي نفسك في حاجات تاني علشان متفكريش في الموضوع ومتقفيش في حتة زحمة أو لما تشوفي راجل امشي بعيد عنه وفضلت تقولها كده لحد ما نور بقى عندما رهاب من الزحام، وعشية كنا بنشتري هدوم جديدة علشان فرح ولد عمنا وكانت الشوارع زحمة وهى شافت كده وخدت نفسها وقالت يلا نروحوا ونيجوا الصبح ومستنتش تسمعنا ومشت وسابتنا
حسنًا وهذا ما كان يخشاه أن تتعرض نور للضغط من قبل مَن حولها وبدلًا من أن يجعلوها تتخطى الأمر يجعلوها تدفنه بداخلها وتظل تدفنه حتى يتكون لديها حاجز خوف كبير من الزحام والرجال وبالطبع هو سيكون من ضمن هؤلاء الرجال
مسح يونس على أرنبة أنفه ثم سأل شروق عن حالها هى محاولًا عدم إظهار اهتمامه بالأمر :
-طب وانتي لسه عندك فوبيا من الدم
انتبهت له شروق لتبتسم بسمة سعيدة أنه اهتم بالسؤال عن حالها هى، وسرعان ما أخفت هذه البسمة مدعية أنها تعدل نظارتها ثم قالت :
-لسه بس أحسن من الأول علشان بحاول أطبق كلام الدكتور عاصم ولسه فاكرة كلامه ليا عن تخطي الصدمات
ومع ذكرها لعاصم وكأن الشيطانين تجمعت أمام عيني يونس إذ اعتدل في جلسته هاتفًا بإستنكار شديد :
-هو انتي بتكلمي عاصم؟!
عقدت الأخرى حاجبيها لا تفهم سر ضيقه الغير مبرر من عاصم، لربما لأنه شقيق سليم ذلك الوغد :
-لأ بس قبل ما تحصل قضية نور وسليم كنت بتكلم معاه هو تطوع بده علشان أعرف اتخطى محاولة القتل الأولى وكلامه فادني قوي وقتها وكمان دلوقتي، صحيح أخوه كلب وأبوه ستين كلب في بعض بس هو بني آدم محترم جدًا ده كفاية كان هيموت مكاني ولحقني قبل ما كاظم يقتلني لولا ستر ربنا ولولاه كان زماني ميتة، ربنا بعته ليا نجدة والله
نظر لها يونس بنظرات حارقة لا يطيق هذه البسمة المرسومة على وجهها وهى تتحدث عن عاصم الأبله، وود لو يصيح بها أن تتوقف ولكنه تحكم في ذاته لتخرج منه الكلمات بسخرية مبطنة بالحقد والغيرة المخفية :
-علفكرة انا اللي اتصلت عليه علشان يلحقك علشان انا وسفيان كنا لسه على الطريق ولو مكنتش اتصلت عليه كاظم كان دبحك ومحدش كان هيحس بيكي
-يـــونـــس
صاح يوسف بأخيه فالآخر يقول كلامًا ثقيلًا دون أن يشعر فحتى شروق صمتت صمت مخيف بعد كلماته، مسح يونس وجهه بضيق وقبل أن يبرر ما قاله وجدها تقول :
-بس الحمد لله لحقني وخد رصاصة في جنبه وهو بيحاول يبعد كاظم عني، آخ لو كان مات كنت هشيل ذنبه طول عمري، وللأسف حصلت مصيبة نور ومقدرتش أشكره على اللي عمله ليا حتى رقمه اتمسح من عندي مش عارفة إزاي!!
لم يعد يتحمل الصمت وهى تحرق دمه لذا صاح بها بطريقة افزعتها قائلًا :
-بس مماتش ولسه حي، انتي مش كنتي نازلة اتفضلي انزلي
ربت حمزة على كتف ذراع يونس حتى يهدأ وهو يحاول كتم ضحكاته عليه فدفعه الآخر بعيدًا عنه بحنق بينما قالت شروق بدهشة :
-ليه الحقد ده كله؟!
-انا مش بحقد عليه ابن سعيد غانم الواطي ده بس أبوه وأخوه صفايح زبالة تتوقعي ايه منه يعني!؟
نفى حمزة هذا الحديث مردفًا بجدية بعيدًا عن المزاح :
-بصراحة عاصم نفعنا لما شهد ضد أخوه، وكمان شهد ضد أبوه إنه عمل في نور اللي عمله، وهو اللي جاب الخمسة مليون التعويض علشان يعجل في الإجراءات وبعت اعتذار كامل لنور على اللي عملوا أبوه وأخوه فيها، انا شايف من الظلم إننا ناخده بذنب أهله
حرك يونس رأسه نحو الآخر ببطء رامقًا حمزة بنظرة حارقة لتزيد شروق الطين بله حين قالت :
-معاك حق هو بني آدم محترم وكان الدكتور بتاعي في الكلية وساعدني اتخطى كذا صدمة بكلامه وكان بيساعدني في الكلية وفي المحاضرات وكذا مرة اتأخر وميقولش حاجة ودخلني إمتحان اتاخرت عليه، كان بيعاملني
-اسكتي
نطق بها يونس بهدوء عاصف حتى تصمت فحدقت به الأخرى بضيق لقطع كلامها وقبل أن تخرج حرفًا من فمها قاطعها مرة أخرى بنبرة أكثر حدة :
-اسكتي وانزلي زي ما كنتي نازلة
-خروف يخرسك يا بني آدم انت متقوليش اسكتي
هتفت بها بغضب على أسلوبه الفظ هذا فحدق بها الجميع بدهشة لتجاوزها على يونس، أجل يعلمون أن يونس يكره عاصم ولا يزال يكرهه لسبب غير معلوم ولكن تجاوز شروق هذا أدهشهم وأولهم يونس الذي أشار إلى نفسه مرددًا جملتها بدهشة :
-خروف يخرسني؟!
وزادت شروق في الكلام دافعة جسده بحقيبتها حتى تمر فهو يقف بجانب الدرج :
-الناس بتحقد على اللي أحسن منها وهو محترم وانت دبش، اوعى كده عديني
مرت بسرعة قبل أن يهم بلكمها فوالله رأته يرفع يده نحوها لولا يوسف الذي جذبه للخلف فقال يونس يعترض على ما قالته قبل أن تتعدى الدرجة الثانية والغيرة نهشته أنها ترى أن عاصم أفضل منه :
-انا مش بحقد عليه من باب للطاق عندي سبب والقبول من عند الله وانا مش بطيقه، ثم اللي عايزة تشكريه علشان خد رصاصة مكانك انا اللي باعته رغم إني أطيق العمى ولا اسمعش صوته وانا كمان اخدت طلقه مكانك ولولا فيزت الحماية كانت جات في بطني ومشوفتش منك كلمة شكر واحدة ولا فالحة تحرقي دمي
ذُهلت شروق تمامًا من حديثه حتى أنها ظلت فترة ترمق عينيه التي رأت بهما الغيرة بوضوح، أيونس الثقيل يغار عليها من عاصم، مهلًا يونس يغار عليها بالفعل ويرفض أن تمدح عاصم وتأتي بسيرته أمامه فهذه هى غيرة المُحب
إنه بالفعل يغار منه فحتى الآن لم تنسى اليوم الذي رفض أن تذهب إلى غرفة عاصم تتطمئن عليه في المشفى متحججًا أن الزيارة ممنوعة عليه، تبًا لك يا يونس فكلما شعرت أنها لا تطيقه بسبب لسانه وإستفزازه تُغرم به أكثر
عكست عينيها بسرعة وهرولت للأسفل عندما رأت عينيه لانت لها بعد تحديق دام لنصف دقيقة، شعر يونس بالضيق لما فعل ولكنها تخرج أسوء ما به بسبب إستفزازها وردها على كلمته بعشر، أول امرأة تستطيع إستفزازه وثالث شخص بعد حمزة وسفيان
وعلى سيرة حمزة ذلك الوغد لم يمرر ذلك الأمر بالطبع إذ وجده يقترب منه ثم قال نفس الجملة التي قالها له عند منزل عمهم محفوظ :
-حد شامم ريحة شياط؟! تحب اجيبلك جردل مياه يا يونس تطفي نارك؟؟
نظر له يونس بتفكير وهو يلقي له بنظرة متفحصة من الأعلى إلى الأسفل ثم قال بغضب حارق :
-تفتكر يا يوسف ايه أكتر عضمة في جسم البني آدم لو اتكسرت متتصلحش تاني
ولم يرف لحمزة جفن بل ابتسم له ابتسامة متسعة ثم قال :
-براحة يا يونس على نفسك لتولع انت لسه في عز شبابك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في صباح اليوم التالي وقد كانت الساعة العاشرة صباحًا تقف نور رفقة شقيقتها على جانب الطريق السريع في إنتظار وصول شروق وبراءة حتى يذهبوا لشراء ملابس جديدة من أجل زفاف ابن عمهم الذي سيكون بعد ثلاث أيام
وبعد ما يقارب العشر دقائق ظهرت براءة وشروق في الأفق فزفرت عائشة براحة وما إن وصلا إليهما حتى صاحت بهما نور بغيظ :
-تسع ساعات واقفين أومال نروحوا أمتى ونرجعوا أمتى؟!
ابتسمت لها براءة حتى تتوقف عن الصياح وقد هدأتها بكلمتين لتقول شروق وهى تنظر نحو الشارع الموجود به منزل عمهم عبد الجواد :
-أومال فين دعاء؟!
-متأخرة زيكم
-طب لازم نمشوا علشان نلحقوا نرجعوا قبل الغداء إحنا بالعافية عرفنا نسلكوا نفسنا من ماما وسبناها هى والبت جنا يطبخوا
تنهدت نور بضيق وهى تنظر نحو الشارع وبالطبع لن تفكر في الذهاب إلى هناك لا هى والبقية بسبب وجود الشباب هناك، لذا ظلوا في إنتظار دعاء لعدة دقائق أخرى ولكن تعبت براءة من الوقوف ولم تعد تتحمل فقالت عائشة :
-طب يلا نروحوا نستنوها هناك رجليا وجعوني والشمس مولعة فوق راسنا
اعترضت نور بشدة على فكرة الذهاب لهناك لتعترض براءة على إعتراضها هذا قائلة :
-انا تعبت والله ولو مجاتش انا هروح يلا نشوفوها هناك وكمان عطشت قوي
تحركت نور معهن مستسلمة وقد دعت أن يكون حمزة نائم الآن حتى لا تلتقي به، عجيبة هى تتمنى أن تراه ولكن تخجل من رؤيته بسبب جرأته، ونظراته الفاضحة لها تسبب لها الخجل بشكل لا إرادي منها
وكان توترها عكس براءة التي بدت متلهفة لرؤية يوسف، عجبًا سقطت هذه الفتاة في حب ذلك الطبيب، وفي الواقع علاقة يوسف وبراءة هى اهدى وأفضل علاقة بين الجميع خالية من التعقيدات والمشاكل
ليس مثل علاقتها الصعبة مع حمزة، أو علاقة عائشة وياسر المترددة فهناك مشاكل بين الاثنين بسبب أمور الزواج هو يريد التقديم وهى تريد التأخير، وشروق ويونس كذلك، أجل لا تتعجبون أني أعلم فالحماسة التي تظهر على وجه شروق تدل على ذلك
كما أن هذه الحمقاء لا تترك فرصة لا تنظر بها إلى يونس وهى لاحظت هذا منذ كانوا في مدينة الإسكندرية، النساء يدركن سريعًا ما يعجب الأخريات فنحن نحب التركيز في هذه التفاصيل، وتحديق شروق المستمر ليونس وسهولة التفرقة بينه وبين توأمه تدل على أنها معجبة بيونس
وصلن إلى منزل عمهم بعد عدة دقائق لتقول نور وهى تضع ذراعها في ذراع شروق، موجهة حديثها لبراءة وعائشة :
-ادخلوا انتوا هاتوها وتعالوا
نظرت شروق إليها بضيق لأنهم سينتظروا في الشارع فهى تود الدخول ولكن لم تعترض ودلفتا براءة وعائشة وصعدا إلى فوق مباشرةً لأن دعاء معظم الوقت تقضيه بالأعلى، خرج أحد الأطفال من الداخل وقد كانت ابنة عمهم ماهر التي تبلغ من العمر ثمانية أعوام فنادت عليها نور قائلة :
-ايسل خدي
اقتربت منها الأخرى تنتظر حديثها فقالت نور وهى تميل عليها قليلًا :
-هما الضيوف جوا؟؟
-ايوه
-كلهم
-لأ بابا وعمي عبد الجواد خدوا الكبار وطلعوا من الصبح والستات لسه نايمين فوق والشباب لسه صاحيين وقاعدين في المنضرة مع مرة تخينة شوية وماسكة عصايا، ومرت عمي عبد الجواد بتعملهم فطار في المطبخ
آماءت لها نور بعدما علمت أخبار الموجدين في الداخل ولم تبخل ايسل بكلمة فهكذا هم الأطفال يقرون كل شئ دون الإهتمام بشئ يدعي أسرار البيوت :
-تمام معلش إملي لينا الجزازة دي مياه مسقعة علشان إحنا رايحين مشوار ونخدوها معانا
أخذتها الأخرى وولجت للداخل ولكن سرعان ما خرجت قائلة لهما :
-مرت عمي بتقولكم تعالوا عايزاكم علشان عايزة حاجة تشتروها ليا
وبعد تردد من نور دلفت مقررة المرور بسرعة من أمام المنضرة دون أن يلاحظ أحد بينما مرت شروق ببرود شديد بجانب باب المنضرة متجهة إلى المطبخ لتلبية نداء خالتها ليستوقفها صوت مألوف لها ينادي عليها :
-انتي يا بنت يا أم نضارة تعالي
نظرت شروق من باب المنضرة مغتلسة النظر للداخل لتجد أن المنادي هو توحيد شقيقة محفوظ، عجبًا هل أتت هذه المرأة معهم فهى لم ترها يوم أمس؟! أرتابت حدقتيها عندما أبصرت يونس وأبناء اعمامه جميعهم بالداخل يجلسون حول توحيد والتي أشارت مرة أخرى لها بأن تأتي :
-خدي تعالي
وبشكل لا إرادي منها جذبت ذراع أول فتاة كانت بجانبها حتى تدلف معها فهى لن تدلف بمفردها، أجل لسانها متران ولكن حقًا تخجل من موقف هكذا، حاولت نور جذب ذراعها منها عندما وجدت جميع شباب عائلة هواري يجلسون بالداخل ولكن لم تفلح وأصبحت أمام الأمر الواقع
ألقت التحية عليهم ببسمة متوترة دون النظر إلى أحد بعينه فأعتدل حمزة عندما أبصر نور هنا، أوه يالا استجابت القدر السريعة فمنذ دقائق كان يريد أن يراها وها هى بشحمها ولحمها أمامه
عدلت شروق نظارتها تحاول تجاهل نظرات الجميع لهما ثم قالت موجهة حديثها ونظرها مباشرةً إلى توحيد :
-نعم حضرتك ناديتي عليا وانا برا
انتبه الجميع للمحادثة القادمة إذ قالت توحيد وهى تشير لها بأن تأتي :
-تعالي يا عسولة اقعدي جنبي هنا وقولي انتي بنت مين؟!
نظرت شروق إلى المكان الذي تشير إليه فوقف إسماعيل حتى تجلس إلى جانب عمته وقبل أن يبتعد همس لها قائلًا :
-معلش يا شروق هى تعبانة سايريها في الكلام
-بتقولها ايه يلاه يا ابن أسماء
نطقت بها توحيد بنبرة حادة لا تليق على بشاشة وجهها الممتلئ فقال إسماعيل مندهشًا أنها تعلمه وتعلم اسم والدته :
-تتحسدي يا عمتي افتكرتي أخيرًا إني ابن أسماء
-أومال انت فاكرني مجنونة ولا عقلي اتلحس
-لا والله حاشَ لله شوفي البنت اللي انتي موقفاها دي
نظرت توحيد إلى شروق ببسمة شديدة الإتساع مربتة على المكان بجانبها حتى تجلس وقد لبت شروق طلبها فهى امرأة مريضة ويجب التعامل معها بالمسايرة كما قال إسماعيل، إذ ابتسمت لها بسمة جميلة ثم قالت :
-نعم
-نعم الله عليكي هو انتي مخطوبة؟!
اختفت البسمة من على وجه شروق بإندهاش بينما قال كريم الجالس بجانبها تمامًا بنبرة ضاحكة :
-ما شاء الله يا عمتي داخلة سخنة اوي كده ليه؟! براحة شوية البنت بلمت من الصدمة
نكزته الأخرى بحدة قائلة :
-اسكت يا عبد المنعم محدش طلب منك تتكلم
أدارت رأسها إلى شروق ثم أكملت وهى ترفع يدي شروق أمامها دون طلب منها وعندما لم تجد أي خاتم في يديها قالت ببسمة متسعة وهى تنظر نحو كريم :
-مش مخطوبة يا عبد المنعم
-عبد المنعم مين يا عمتي؟ ثم انتي بتبصيلي كده ليه هو انتي عايزة تخطبيها ليا؟!
-اخطبها ليك ايه يا معفن يا ابو شعر معزة انا هخطبها لابني أمير
ضحك يونس ضحكة خفيفة بدون روح موجهًا حديثه إلى عمته ورغم ضيقه الآن إلىٰ أنه يعلم أن عمته بنصف عقل ولا يأخذ أحد على كلامها :
-طب حلو إنك عارفة اسم ابنك اللي بيشرب المر علشان تفتكري اسمه بس عيب كده يا عمتي كسفتي البنت سيبها تمشي
كادت شروق بالفعل أن تقف فجذبتها توحيد بسرعة حتى تجلس كما كانت، فقالت شروق مترجية نور أن تأخذها من جانب هذه المرأة التي تريد أن تخطبها لابنها :
-يا نور
نظرت توحيد نحو الفتاة الأخرى ثم قالت بنبرة متحمسة وعينيها أصبحت تخرج القلوب الحمراء :
-الله شوف البنت دي يا عبد المنعم
-اممم
-شبه ابويا الله يرحمه بالظبط
ضحك جميع الموجدين بينما خجلت نور وهمت بالرحيل فاستقامت توحيد بسرعة وجذبت ذراعها بعنف حتى لا ترحل فصاحت نور بعدما شعرت أن ذراعها قد خُلع في يدها :
-براحة طيب دراعي
لم تبالي الأخرى وجذبتها معها وجعلتها تجلس إلى جانب شروق ثم جلست إلى جانبهما وفعلت مثل الذي فعلته مع شروق وعندما لم تجد أي خاتم في يدها صاحت متحمسة :
-الله دي مش مخطوبة
بهت وجه حمزة قافزًا من مكانه بسرعة قبل أن تخطبها هى أيضًا لابنها الثاني :
-لا معلش يا عمتي ملكيش دعوة بدي علشان تخصني
عضت نور على شفتها من الداخل من شدة الحرج بينما توحيد ظلت تحدق في حمزة بريبة وكأنه حمار بثلاث رؤوس ثم قالت موجهة حديثها إلى كريم الذي يخفي وجهه كاتمًا ضحكاته :
-مين ده يا عبد المنعم؟!
-ده عبد التواب أخويا
وفور أن ختم حديثه قهقه بعلو على ملامح حمزة المتشجنة حتى نور ضحكت على هذا الاسم فلانت ملامح حمزة على ضحكتها مردفًا بغزل :
-عسل والله عسل
قلبت شروق عينيها ضاحكة على هذا العاشق بينما نور اغمضت عينيها بقوة ووضعت كفها عليهم تتمنى أن تختفي الآن، لتأتي صفعة من يد توحيد القوية هابطة على رأس حمزة فقال يونس شامتًا به :
-أحسن تستاهل يا مُحنُه
كاد أن يسبه حمزة ولكن ابتلع الكلمات عندما قالت توحيد بحدة له :
-اسكت يا ولاه متعاكسش البنت اللي هتبقى مرات اخويا
-اخوكي مين؟!
وصدر هذا السؤال من جميع الموجدين لتقول الأخرى ببسمة متسعة مصيبة حمزة بنوبة تشنج :
-اخويا الدكتور عثمان
صاح حمزة بقوة مهرولًا نحوها حتى تتوقف عما تقول :
-عثمان ابويا؟؟ انتي عايزة تجوزي البنت اللي بحبها لأبويا وتحرميها عليا، حرام عليكي يا ست انتي
حدقت به الأخرى بملامح متذمرة إذ قالت :
-أبوك مين يا جحش انت انا اخويا عثمان لسه عنده أربعة وعشرين سنة
-يا راجــــل عنده أربعة وعشرين سنة ومخلف أربعة أكبرهم عندها واحد وتلاتين سنة!!
-انت كذاب يا عبد التواب
-عبد التواب مـــيـن
صاح بها بقوة فقالت الأخرى بغضب وهى تدفعه بعصاها بعيدًا عنها :
-متزعقش فيا يا قليل الأدب يا ابن ناهد المقشفة
عاد حمزة للخلف ممسكًا بجانبه بألم من وكزة العصا بينما قال يوسف بسرعة يخفي ضحكته على العبث الذي يحدث :
-حلو يا عمتي انتي عارفة بقى إن ناهد تبقى مرات عمي عثمان
-آه يا اخويا عارفاه تبقى مراته ناهد المعفنة المقشفة أم صُرم وانا هطلقها منه واجوزه العسل السكرة أم عيون حلوة دي
ختمت حديثها وهى تربت على كتف نور المصدومة حالها كحال الجميع من سبها لناهد هكذا دون سبب، بإستثناء كريم الذي قهقه بقوة مردفًا من بين ضحكاته :
-لحظة إدراك إنها بتشتم أمي وانا بضحك مش عارف ليه؟!
مسح إسماعيل وجهه لا يصدق الجنون الذي تتفوه به عمته ليقول موجهًا حديثه لنور وشروق :
-معلش يا بنات اطلعوا انتوا
وهمَّا بالفعل بالخروج دون إعتراض ليسقطا كما كانا بسبب عصا توحيد التي دفعتهم بها للخلف ثم صاحت :
-محدش هيطلع مرات اخويا ومرات ابني من هنا، وشوفوا عثمان فين يشوف العروسة
صاح حمزة بجنون ينافس جنون هذه المرأة قائلًا :
-عروسة مين اللي يشوفها ده هو هيجي معايا بكرة علشان نخطب العروسة اللي بتقولي عليها دي ليا
-لأ يا اخويا مفيش منه الكلام ده، انا خلاص خطبت البنت أم عيون حلوة لعثمان وأم نضارة لأمير ابني… ولا انتوا عندكم إعتراض
ختمت حديثها تنظر إلى نور وشروق بتوجس فقررت نور مجاراتها حتى لا تضربهما بالعصا الذي بيدها إذ قالت بنبرة قلقة وبسمة متوترة :
-والله الدكتور عثمان بني آدم محترم بس فيه مشكلة صغننة كده إن هو أكبر مني، مش شايفة إن الموضوع فيه ظلم ليا؟؟
رق صوت توحيد لها إذ قالت محاولة إقناعها بالأمر :
-لأ يا حبيبتي مفيش ظلم ولا حاجة المفروض تتجوزي واحد أكبر منك علشان يفهمك ويحتوكي
وضع حمزة كلتا يديه في ذراعه هاتفًا بإعتراض ساخر :
-والله علشان تتجوز واحد يحتويها تتجوزه قد أبوها!؟
-بس لسه فيه صحة ويجي منه أطلع منها انت يا عبد التواب…. وانتي عندك إعتراض
رفعت عصاها في وجه شروق فأعادت الأخرى رأسها بسرعة للخلف حتى لا يصطدم في انفها وقد قررت مجاراتها هى أيضًا إذ قالت مبتسمة بمزاح :
-إعتراض واحد بس وهو إني مشوفتش العريس، هتجوز على الغيابي كده يرضيكِ؟
ابتسمت لها توحيد ابتسامة متسعة وقد هرولت نحو كريم لاكمة ذراعه عدة مرات بيدها وهى تقول :
-لأ انا هوريكي صورة، عبد المنعم هات صورة لأمير يلا علشان العروسة تشوفها
قلب يونس عينيه بضيق ولولا معرفته بجنون عمته لاعترض على هذه المهزلة التي تحدث، بينما صاح كريم بقوة مبعدًا يدها عن ذراعه :
-خلاص يا عمتي يخربيت الصحة دراعي اتخلع
أخرج هاتفه بسرعة وأتى بصورة لأمير ابن عمته ثم أعطاها الهاتف حتى تبتعد عنه ثم أعطت توحيد بدورها الهاتف لشروق لترى الصورة، فمالت نور عليها حتى ترى المدعو أمير هذا وبشكل لا إرادي قالت :
-حلو
-حلو؟!
نطق بها حمزة موجهًا لها نظرة حادة فتراجعت الأخرى دون التفوه بكلمة بينما أكملت شروق وهى تحدق في ملامح هذا الشاب الوسيم :
-آه والله حلو، عنده كام سنة بقى؟!
رمقها يونس بنظرة قوية رغم برود ملامحه ثم قال :
-شروق عمتي ومعلش في اللي جاي مجنونة بس بتصدق
نظرت له الأخرى بلامبالاة مصطنعة وقلبها يرفرف من الداخل عندما استشعر منه شعور غيرة لذا أكملت قائلة :
-أكدب يعني ما شاء الله ابنك حلو، بس برضو عنده كام سنة؟؟
وأجابتها توحيد بحماس :
-عنده سبعة وعشرين سنة وشغال مهندس مدني
رمقها أبناء اخوتها ببلاهة لتذكرها كل هذه الأشياء فقال يونس ضاربًا كف على الآخر :
-فاكرة اسم ابنها وسنُه وشغال ايه وفي الآخر تقولوا دي عندها زهايمر، يا جدعان عمتكم شكلها بتستهبل أقسم بالله
وقفت براءة أمام الباب منادية على شروق ونور عندما وجدتهما هنا :
-يلا يا بنات علشان دعاء خلصت لبس وهنروح دلوقتي علشان نلحقوا نرجعوا بدري
تحركت أنظار توحيد نحو براءة وقد اتسعت البسمة على وجهها من هذه الأذن إلى هذه الأذن ثم قالت :
-الله مين الحلوة الطويلة دي؟! انتي بنت مين يا سكرة؟
وهنا استقام يوسف من مكانه بسرعة وقد وقف أمام عمته حتى لا تخطبها لأحد هذه الثالثة :
-لأ عمتي لا دي محجوزة ليا وانا خطيبها والله حتى بصي في ايدها البدلة
نظرت توحيد نحو انامل براءة التي لا تفهم ماذا يحدث ثم قالت لاوية شفتيها بتذمر وخيبة أمل كبيرة :
-خسارة كنت عايزة اخطبها لأخويا محمد قرب يخلص الجيش وطلب مني أدورله على عروسة
ولا تزال براءة لا تفهم ماذا يجري فقالت نور وهى تقف من مكانها عازمة الرحيل :
-طب يلا علشان نلحقوا فين دعاء وعائشة
استقامت شروق من مكانها ثم ربتت على كتف توحيد ببسمة متسعة لتغيظ يونس لا أكثر، حتى أنها رأت بطرف عينيه نظراته الحارقة الموجهة إليها فور أن قالت بلطف :
-سلام يا حماتي
تمسكت بها توحيد تسألها إلى أين ذاهبة :
-لا استنوا رايحين فين!؟
-رايحين نشتري هدوم جديدة علشان لما يجي الحلو ابنك يشوفني حلوة
سبها يونس سبة نابية في سره، يشعر بدمائه تفور منها تلك المستفزة ولكن لما تفعل هذا، ربما البارحة مدحت عاصم أمامه بشكل عفوي منها ولكن الآن لا يشعر بهذا خاصة وهو يلمحها تنظر له بالذات بعد جملتها الأخيرة
وما زاد الأمر سوءًا هو حديث عمته المتلهف وهى تقول لشروق قبل أن ترحل :
-ماشي يا روحي ابقى هاتي فستان أزرق أمير بيحب اللون الأزرق
-حاضر عيوني
نطقت بها بنبرة مختلطة بضحكة ناعمة منها ثم رحلت مع الفتيات فقال يوسف وهو يجذب عمته حتى تجلس قائلًا :
-تعالي يا عمتي فضحتينا وكنتي هتخلي حمزة يقطع شعره وهو قاعد تعالي
-طب اتصلي على أمير يشوف عروسته
حسنًا لن يجلس هو هكذا يحرقون في دمائه دون فعل شئ، يعترف أن شروق تعجبه وقبل حتى أن ترحل من الإسكندرية وهى تستحوذ جزء كبير من عقله لهذا تلك الخبيثة تلعب على أوتار أعصابه
استقام من مكانه وأجلس عمته رغمًا عنها ثم قال بنبرة هامسة وهو يضغط على كتفيها بدون عنف :
-عمتي حبيبتي اقعدي كده وانا هجيبلك دواء السكر علشان متهبطيش مننا واهدي كده وقولي هديت وسيبي أمير ياكل عيش حرام شباب الواد يروح
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية في مدينة الاسكندرية) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.