رواية في مدينة الاسكندرية – الفصل الثاني
2- حب من طرف واحد
معلش اتأخرت أوي في التنزيل بس خالتي كانت مريضة وبزورها ولسه راجعة البيت
صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
سيارتين من التي تحمل عدد أحد عشر راكب ستنقلهم من محطة القطار متجهين نحو إحدى قرى أسيوط قد ذكرتها زوجة عمه أسماء للسائق حتى يأخذهم ولكن الاسم صعب ولا يستطيع نطقه حتى
فتح النافذة بجانبه حتى يسمح بدخول الهواء إلى السيارة فالأجواء أقل ما يقال عنها أنها تغلي فهم الآن في شهر يوليو ومدينة الإسكندرية حارة فما بالك بالصعيد
-يا جدعان اتحركوا يا جدعان بسيح أقسم بالله وانا قاعد
صاح بها كريم في المقعد الأخير وهو يمسح حبيبات العرق من على جبينه فصاحت به والدته من الأمام قائلة :
-انت قاعد بنص كم وتقول كده اومال إحنا اللي لابسين بكم وطرح نعمل ايه
تحدث يوسف وهو يهوي على نفسه بيديه لعل وعسى يجد نسمات هواء ترطب عليه :
-هى الشبابيك دي كلها مفتوحة ومش جايبة هواء ليه؟! انا هفطس بجد
وأجابه يونس بنبرة حانقة ساخطة فهكذا هو الحر لا أحد يطيق الآخر بسبب سخونة الأجواء :
-علشان العربية واقفة يا فالح، انا مش فاهم سيبتوا شهور ربنا كلها وجيتوا في شهر سبعة قولتوا كلكم مرة واحدة يلا نروح الصعيد اللي الناس اللي ساكنة فيه عايزة تهاجر من الحر ده
مسحت عبلة وجهها المتعرق بمنديل ورقي لتجد أن المنديل قد تفزّع من شدة ابتلاله فقالت بتعب :
-يا جماعة هو إحنا مش بنتحرك ليه انا هموت مخنوقة هنا، الجو حر بطريقة مش معقولة
هبط يونس حتى يرى لما لم يتحركوا ليجد أن هناك مشكلة مع سائق السيارة الأخرى ويحاول عميه وحمزة حلها، فهم كثيرون وسيارة واحدة لهم لا تكفى
وبعد ما يقارب العشر دقائق قد وجدوا سيارة أخرى وقد وضعوا جميع الحقائب بها ثم صعد هو وحمزة وعميه ورحمة ولؤي اللذان تركا السيارة الأخرى نظرًا لكثرة الموجدين بها وصعدوا هذه بينما السيارة الأخرى كان بها البقية
تحركتا السيارتان على الطريق السريع ليفتح حمزة النافذة التي بجانب رحمة حتى يدخل الهواء إلى السيارة وشعور الراحة تغلغل إلى نفس يونس عندما اصطدم الهواء البارد في وجهه بسبب تحرك السيارة السريع
زفر نفس قوي ثم نظر إلى حمزة الشارد بجانبه ناكزًا إياه حتى ينتبه له :
-ايه بقى دي ملامح واحد هيخطب؟! ده انت هتشوفها بعد ست شهور لازم تبقى فرحان مش مبلم كده كأنهم هيجوزك غصب عنك
ضحك حمزة بخفة على وقاحته المعتادة وتجاوزه في الحديث، رفع يونس قدميه قليلًا بحيث أسند ركبتيه على ظهر المقعد الذي أمامه ثم قال بصوت خافت :
-بابا عايزني أخطب واحدة من هناك
-طب حلو انت أصلًا كبرت يا يونس وداخل على التلاتين المفروض تاخد خطوة جد
-مش عايز ارتبط بواحدة معرفهاش يا حمزة
-فاهمك والله بس مش هيبقى جواز على طول لسه خطوبة تقدروا فيها تتفاهموا
ضحك الآخر بسخرية فهذه هى أكبر مشكلة لديه وهى فترة الخطوبة، فقال :
-حلو جينا لصلب المشكلة انا أي واحدة هتخِطب ليها مش هتستحملني يومين وأكيد فاكر المرتين اللي خطبت فيهم بعد عايدة حصل ايه
-طفشوا منك علشان انت دبش وبجح ومستفز وعديم المشاعر ومحدش بيعرف ياخد منك كلمة بسهولة ولا تطاق
نطق حمزة بكل صفات يونس الذميمة بصراحة تامة وعلى عكس المتوقع أيده يونس بنفس الصراحة قائلًا :
-بالظبط انا فاشل في أي حاجة تخص الجنس اللطيف ده
-أديك قولت لطيف لازم تعاملهم بنفس لطفهم ده، البنات يا يونس يحبوا اللي يديهم إهتمام زي الوردة كل لما تسقيها تبقى أحلى وأحلى
هز يونس رأسه يمينًا ويسارًا يعلم أنه لن يستطيع فعل هذا، فهذه شخصيته وهذا طبعه لا يبين للآخر عن اهتمامه به، حتى اخوته ووالديه يتعامل معهم هكذا، يحبهم ويخاف عليهم دون أن يُظهر لهم
لا يعلم لما يفعل هذا أهو مصاب بعقدة أو ما شابه ولكن هذا الطبع أصبح به منذ سنوات قليلة
على الأرجح بعد أن تخرج من كلية الشرطة، أصبح أقسى وأكثر جدية ولا يهتم لأمور الفتيات التافهة من وجهة نظره وربما رؤيته لها تافهة هو الحاجز الأكبر بينه وبين إقامة علاقة غير فاشلة :
-مش هعرف يا حمزة انا عايز واحدة متطلبش مني كلام حلو علشان مش هعرف أقول خالص، عايزة حاجة تطلبها بشكل مباشر مش تقولي الإهتمام مش بيطلب
طالعه الآخر بتشنج ثم قال بالحقيقة الواضحة :
-وقتها يا يونس هتدور على الكلام الحلو من راجل تاني علشان عندها جفاف منك، لازم تحاول تكون لطيف، تِقل بجاحتك واستفزازك دي شوية، لو مش هتعرف تبين اهتمامك بالكلام حاول بالأفعال، هو انا هعلمك يعني
وكم كان النطق بهذا صعبًا على يونس إذ طالع حمزة ببسمة متهمة ثم قال :
-واضح إني هحتاج منك دروس فعلًا
ختم حديثه ثم عكس وجهه الناحية الأخرى وأسند رأسه على إطار النافذة يتابع الطريق إذ كانت تظهر له مناظر في النادر ما كان يشاهدها، مناطق زراعية وبساتين كثيرة لجميع الفواكه
وبعد ما يقارب ساعة توقفت السيارتين في إحدى القرى على جانب الطريق السريع وقد كانت الساعة الآن الثالثة عصرًا والشمس أقل ما يقال عنها أنها حارقة حتى أنهم لم يتحملوا الوقوف أسفلها فجعلت أسماء النساء يتحركن هبوطًا إلى إحدى الشوارع بينما طلبت من الشباب المساكين حمل الحقائب
نفخ كريم بضيق شديد وهو ينظر حوله إلى الناس والأطفال إذ كانوا محط أنظار الجميع وكأنهم يشاهدون عرض سينمائي :
-هى الناس يتبص كده ليه هو إحنا فينا حاجة غلط ولا نازلين من كوكب تاني
ساروا قليلًا في هذا الشارع الممتلئ بالمنازل على الجانبين وجميعها ملتصقة ببعضها، كان الوضع عكس توقعات الشباب إذ كانوا يعتقدون أن المنازل تقع في وسط الأراضي الزراعية الخضراء ولكن الأمر هنا أشبه بمنطقة شعبية الفرق أن المنازل قصيرة وأغلبها لا يتعدى طولها طابقين أو ثلاث
كان محفوظ وأسماء يتقدمون الجميع والبقية يسيرون خلفهم فأغلبهم لا يعلمون الطريق، ولا يزال الناس يحدقون بهم بطريقة مزعجة، عجبًا ألا يخجلوا قليلًا من التحديق بهم بهذه الطريقة؟!
ولا يوجد الكثير من الإزعاج مثل المدن فقط الأطفال وأصواتهم المرتفعة وهم يلعبون في الشوارع
ارتفعت عدة أصوات لبعض الأطفال بطريقة عجيبة يصيحون باسم أسماء وهم يركضون نحوها مثل هجوم التتار، وبقلب أسماء الكبير أخذت تضمهم واحد تلو والآخر فهؤلاء أبناء اخوتها الصغار، والبعض أخذ يركض في الطريق المعاكس يصيح في المكان بأن العمة أسماء قد وصلت
وحمدًا لله لم يسيروا كثيرًا إذ توقفت أسماء أمام إحدى المنازل وقد كان يتكون من أربعة طوابق ولم تنتظر الإذن بل دلفت صائحة بصوت مرتفع :
-السلام عليكم يا أهل الــــدار
وأستقبلها شقيقها عبد الجواد وهو يرتدي جلبابه بعدما أتى له أحد أبناء اخوته مهللًا أن العمة أسماء قد أتت، هو يعلم أنهم قادمون ولكنه ظن أنهم سيصلوا على الغروب وليس مبكرًا هكذا
ضمته أسماء مرددة عبارات الاشتياق لتجد زوجته خرجت من الداخل وهى تهلل مرددة عبارات الترحيب الحارة بكل ود حقيقي فعلاقة أسماء مع زوجات اخوتها جيدة بشدة وهذا لأنهم كانوا جيران وأصدقاء منذ الطفولة
تغيرت الأجواء وارتفعت الأصوات في المكان والجميع تقريبًا يتحدث في وقتٍ واحد ولم يتركوا أحدٍ لم يسلموا عليه، وقد كانت سلامات النساء لا تقتصر على المصافحة إذ كانوا يقبلون بعضهن من الوجنتين وقد بدا على الكبار أنهم يعرفون بعضهم جيدًا
انفصل الرجال عن النساء وقد ادخلوا الرجال والشباب في غرفة واسعة في الطابق الأرضي بينما بقى النساء في بهو المنزل في الخارج وقد طلب عبد الجواد من زوجته أن تضع مائدة الغداء الآن فهو قد طلب منها منذ الصباح أن تطهو الطعام من أجل أن شقيقته وعائلتها قادمين من السفر
جلس عبد الجواد معهم في المندرة يتحدث مع الكبار بينما مال حمزة قليلًا نحو إسماعيل متسائلًا عن نور التي لم يرها من ضمن الموجدين في الخارج لا هى ولا والدها ولا حتى والدتها :
-إسماعيل هى نور ساكنة في البيت ده؟؟
ونفى الآخر برأسه ثم قال :
-لأ ده يعتبر بيت العيلة وخالي عبد الجواد ساكن هنا هو وأولاده وخالي ماهر وخالي حسن له شقة لوحده علشان يتجوز فيها، أما باقي خوالي كل واحد له بيت وخالي جابر ساكن هنا في نفس الشارع وخالي علي ساكن في حتة بعيدة شوية عن هنا بيته في الزرع انا فاكر، وخالي حسين ساكن بعد الشارع ده بشارعين
عقد يونس حاجبيه لا يفهم لما هو متفرقون هكذا ولا يسكنون في نفس المنزل مثل عادات الصعيد التي يسمع عنها :
-وهما مش كلهم اخوات؟! ليه مش ساكنين في بيت واحد وكل واحد في حتة كده حتى البيوت مش جنب بعضها
-مش عارف تقريبًا البيت مش مكفي ما هما كتير بصراحة وتلاتة منهم هنا والباقي طلعوا برا، بس أكيد كلهم هيجوا بالليل علشان يسلموا علينا
قاطع حديثهم ولوج جابر وماهر وخلفهما قد دلف ياسر الذي ما إن رحب بالكبار حتى اتجه نحو الشباب ببسمة متسعة يرحب بهم بحفاوة، وما إن وصل إلى حمزة وصافحه حتى قال ببسمة متسعة وصوت ناصي :
-أهلًا بحمزة هواري العديل المستقبلي
ابتسم له حمزة ضاحكًا ثم اجابه بنفس النبرة الخافتة :
-قول يارب بس يكمل الموضوع على خير
-صدقني انا أكتر واحد بيدعيلك الموضوع يتم على خير واتمنى تتجوزها النهاردة قبل بكرة علشان اتجوز انا كمان
لم يفهم حمزة يا يقصده لذا اجلسه إلى جانبه بينه وبين إسماعيل ثم قال :
-مش فاهم قصدك ايه؟!
-انا خاطب عائشة أو هى مش خطوبة هى مجرد قراية فاتحة، وعلشان نور لسه متجوزتش عمي علي موقف حالي انا وعائشة لحد ما نور تتجوز، علشان كده بقولك اتمنى تتجوزها النهاردة قبل بكرة
اتسعت البسمة على وجه حمزة وقد ضمن صديق في هذه العائلة يساعده على الزواج من نور، ورغم هذا لا يفهم لما قد يوقف علي زواج ابنته الصغيرة من أجل الكبيرة لذا تساءل :
-طب طالما انتي عايز تتجوزها ليه معترضتش على الموضوع؟؟ ليه تستنى الكبيرة تتجوز مش ده ظلم لعائشة
-لأ مفيش ظلم عائشة أصلًا مش عايزة تتجوز دلوقتي وعمي علي موافقها، مستنيها تكبر أكتر علشان تتقدر تتحمل المسؤولية وتبقى بالعقلية المناسبة، انا اصلًا خاطبها من لما تمت ١٦ سنة علشان محدش ياخدها غيري وانا من ساعتها لحد دلوقتي مش عارف اخد خطوة جديدة
-واضح إن عمك علي هيبقى حمى مفتري
نطق بها كريم بنبرة ضاحكة فآماء له ياسر موافقًا كريم ثم قال موجهًا حديثه لحمزة :
-هيطلع عينك معاه
-أكتر من الست شهور اللي استحملتهم؟!
-يا عم أحمد ربك على إنهم كانوا ست شهور ده انا مستني بقالي سنتين ونص ولسه هستنى تلاتة كمان لحد ما ربك يفرجها
دلف حسن قاطعًا على حمزة الحديث وها هو قد حضر المتربص له ولا يدري أقد صفت نيته اتجاهه أم لا، ألقى حسن التحية على الجميع وقد صافح الموجدين واحدًا تلو الآخر وعندما وصل إلى حمزة ابتسم له ابتسامة مصطنعة بشدة :
-أهلًا يا متر
ورد له الآخر نفس البسمة مجيبًا عليه بإختصار :
-أخبار حضرتك ايه؟! اتمنى تكون صفيت نيتك ناحيتي
-هنشوف هنشوف
نقل حسن نظره نحو يوسف وقد ابتسم لهذا ابتسامة متسعة وصافحه بحرارة :
-ازي الحال يا دكتور يوسف
وبهدوء يوسف ولطفه قد أجاب عليه أسفل نظرات حمزة الحانقة ولم يستطع منع نفسه من قول هذا إذ قال :
-اشمعنا يعني مش فاهم؟؟
-علشان هو سالك انت لسه شاكك فيك
نطق بها حسن بصراحة مبالغ بها فضحك إسماعيل على ملامح حمزة التي انقلبت بشكل واضح وقد أسرها في نفسه حتى لا يختلق مشكلة لذا قرر الدفاع عنه أمام خاله فقال :
-لا يا خالي حمزة برضو كويس هو لسانه فالت، بس مش بتاع لف ودوران
ومرة أخرى نطق حسن بنفس الكلمة ولازال يرمق حمزة بعدم ارتياح :
-هنشوف
جلس إلى جانب اخوته وترك الشباب مع بعضهم، بينما خرج ياسر عندما نادت عليه والدته حتى يأتي ويأخذ الشاي فقال يونس وهو يرمق ابن عمه بسخريته المعتادة :
-مش طايقك بسبب نظراتك المفضوحة ليها أومال لو عرف هو والموجودين دول إنك كنت بتعاكسها في الرايحة والجاية هيعملوا فيك ايه
غطى حمزة وجهه ولا يريد التفكير في الإجابة فلن تسره البتة، ولج ياسر وفي يديه صنية ممتلئة بأكواب الشاي وقد أخذ يوزعها على الموجدين وفي هذه الاثناء قال كريم بصوت خافت ظنًا أن أحدًا لن يسمعه :
-انا مش عايز شاي وهو مش الراجل ده قال لمراته تجهز الغداء اومال هو فين؟!
نكزه حمزة حتى يصمت محدقًا به بضيق فقال الآخر ذاممًا شفتيه بتذمر :
-ايه يا عم جعان هو حرام الواحد يقول جعان
-كريم بقى ياكل كتير اليومين دول ولا انا أول مرة اخد بالي انه مفجوع
نطق بها يونس متسائلًا ليجيبه حمزة قائلًا بخفوت حتى لا يستمع لهم الناس :
-لا هو مفجوع من يومه، وعلفكرة يا كريم تقفل على موضوع الأكل الكتير بالليل علشان إحنا هنا في بيت ناس
عقد الآخر ذراعيه أمام صدره هامسًا بسخط :
-يعني حر ومفيش أكل يهون علينا؟! هى أجازة باينة، ايه اللي كان جابني معاكم ما كنت قعدت هناك، وبالمناسبة فين بقى المكان اللي هيكفي التلات عائلات دول؟؟
اقترب منهم ياسر وقد استمع للجملة الأخيرة لذا أجابه قائلًا :
-متقلقوش على المكان اللي هتباتوا فيه البيت واسع وفيه تلات شقق فاضيين فوق شقتي انا وحسن واخويا
شكره حمزة دون أن يأخذ شئ فهو لا يحب الشاي فقال ياسر عارضًا عليه شئ آخر :
-طب تحب نعملك قهوة؟!
-يعني لو فيه نسكافية ماشي
خرج ياسر حتى يطلب من والدته إعداد نسكافية لحمزة بينما بدأ يلج عدد من الشباب ملقيين التحية، ربي ألن تنتهي السلامات والتحيات لهذا اليوم؟! لما هذه العائلة كبيرة إلى هذه الدرجة؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صدح صوت آذان المغرب في جميع مآذن القرية وفي منزلهم بالذات تستمع لجميع المآذن فهو يقع في منتصف الحقول والخلاء حولهم يجعل صدى الصوت يسري
أغلقت صنبور الماء بعد أن امتلأ الدلو القصير الذي تمسك به ثم وضعته أمام الطيور التي تربيها والدتها على سطح منزلهم، وبعد أن أنهت كل هذا أخذت نظرة طويلة للشفق الأحمر الذي بدأ في التسلل بعد غروب الشمس، أجمل منظر تراه من منزلهم هو الغروب يكون فوق الخيال
استمعت إلى والدتها تنادي من الأسفل فوقفت على الدرج من الأعلى تلبي النداء إذ قالت :
-نعم يا ماما
-انزلي البسي يلا علشان نروحوا بيت عمك
-بيت عمي مين؟!
-بيت عمك عبد الجواد
وفي الواقع هى ليست من النوع الكسول الذي يتأفأفه حين تقول لها والدتها أنهم سيخرجوا لزيارة أقاربهم، في الواقع هى تعشق الخروج خاصةً لزيارة الأقارب عكس جميع فتيات العائلة
هبطت على الدرج تلحق بوالدتها التي دلفت إلى إحدى الغرف حتى تغير ملابسها لتقول متسائلة :
-هى عمتي أسماء جات؟!
-ايوه جم قبل العصر، عمتك أسماء وعيلتها وعيلة الدكتور محمد وعيلة الدكتور عثمان
إلى آخر اسم كانت ملامحها عادية ولكن ما إن لفظت بالاسم الأخير حتى تغيرت ملامحها ١٨٠ درجة لتردد نفس الاسم بنبرة مذهولة قائلة :
-عيلة الدكتور عثمان جم معاهم؟!
استدارت لها والدتها مبتسمة بحنو وهى تحيط بوجهها الصغير بين كفيها، صحيح هى لم تكن راضية على هذه الزيجة منذ البداية ولكن ما باليد حيلة وافق زوجها، وابنتها موافقة منذ البداية
فلا تزال تتذكر جملة ابنتها منذ عدة أشهر قليلة في خطوبة براءة عندما حضر الجميع بإستثناء عائلة عثمان لسبب مرض حمزة الشديد والذي علموا به مؤخرًا
وقبل أن تعلم ابنتها بالسبب قد جلست حزينة منزوية في مقعد بمفردها والسبب كان واضح لها، هى حزينة لأن حمزة لم يأتي لذا اتجهت نحوها أنذاك اليوم قائلة :
-مالك مكشرة كده ليه؟؟ افردي وشك لناس تفتكرك غيرانة من بت عمك
هزت نور رأسها بنفي تحاول أن تكون طبيعية ولكن تشعر بخاطرها مكسور لعدم حضور حمزة وهو وعدها أنه سيأتي حتى يراها :
-انا مش غيرانة يا ماما
-مضايقة إن حمزة وعيلته مجوش صح؟! انا حتى نفسي مستغربة مجوش ليه بس بصي يا بتي متعلقيش نفسك بالموضوع علشان ممكن ميكملش، عارفة رأيي انا وابوكي في الجوازات البعيدة ومش أول واحدة يعني نقولوله لأ
رمقتها نور بنظرة لم تنسها صفية، نظرة حيرة قاتلة كانت في عينيها وكأنها ما بين نارين ورغم هذا قالت بخنوع :
-انا شايفة إنه مش وحش يا ماما بس اعرفي إني عمري ما هوافق على واحد انتوا مش موافقين عليه
ومرت الشهور وها قد وافق زوجها بعد إلحاح حمزة الشديد، كما يقولون “الزن على الودان أمر من السحر”
قبلت وجنتي ابنتها التي لا تزال مذهولة ثم قالت :
-ايوه جم هما كمان علشان يخطبوكِ، البسي حاجة حلوة علشان ابوكي قال نروحوا نسلموا عليهم، الناس معملوش معانا حاجة وحشة ووقفوا معانا لما كنتي في إسكندرية وعليكي قضية فلازم نسلموا عليهم وعلى عمتك أسماء وعيلتها
تركتها صفية في ذهول شديد وعقلها يترجم ما قالت، حمزة هنا في الصعيد مع عائلته حتى يتقدم لها، إذًا قد وافقوا عليه؟!
دارت حول نفسها في الغرفة مثل المجنونة والابتسامة تتسع وتتسع لتتوقف بسرعة عندما وجدت شقيقتها تقف أمام باب الغرفة تحدق بها في ذهول ثم رفعت يدها وحركتها بجانب رأسها في علامة أنها قد جُنت
كتمت بسمتها سريعًا ثم أسرعت لها تبلغها بهذا الخبر قائلة :
-حمزة هيجي يخطبني يا عائشة بابا وماما وافقوا
رمشت عائشة عدة مرات قبل أن تتسع البسمة على وجهها بشدة ببسمة صادقة، حسنًا لم تتوقع أبدًا أن يوافقوا عليه وقد ظنت هكذا أنه تم رفضه :
-والله؟! طب هو جاي أمتى؟؟
-هو أصلًا جه مع أبوه وأمه وعمتي أسماء
-طب يعني هيجوا هنا أمتى؟!
نفت نور برأسها لا تعلم متى بالضبط، إذ قالت وهى تبحث قي خزانتها عن فستان جميل تذهب به :
-مش عارفة والله هبقى أسأل ماما
جلست عائشة على الفراش وقد انقلبت ملامحها بحزن فموافقتهم تعني رحيل شقيقتها القريب، لم تستعد بعد لهذه اللحظة :
-بس انتي كده هتسافري؟!
اخفضت نور ما بيدها ونظرت إلى شقيقتها بضيق داخلي لهذه الفكرة، فلا تبغض في حياتها أكثر من الغربة ولو لم يكن حمزة قد علق قلبها المسكين به لكانت رفضته لأنها لا تريد الإبتعاد عن عائلتها
ابتسمت عائشة عندما رأت شرود الأخرى لتغير بسرعة هذا المزاج الذي عكر سعادتها قائلة :
-خلاص سيبك من الموضوع لسه بدري على الكلام ده، وريني هتلبسي ايه
رفعت الأخرى أمامها فستان صيفي أبيض منطفى مزركش باللونين الكشمير والأسود، هزت عائشة رأسها مستحسنة الفستان :
-حلو البسي عليه الخمار الأسود
-لا لا لا بلاش أسود هلبس الكشميري أحلى
رمقتها الأخرى بحنق لإختيارها هذا اللون، صحيح إنهما متناقضتين في كل شئ، حتى الألوان المفضلة فعائشة تعشق الألوان الغامقة خاصةً الأسود بينما نور تفضل جميع الألوان وتعشق الأبيض
ركضت نور إلى المرحاض وغسلت وجهها بالغسول الثمين الذي لا تستخدمه إلا قبل النوم ولكن حتى يكون وجهها نظيفًا، ثم غسلت أسنانها جيدًا وارتدت الفستان من ثم عادت إلى الغرفة تبحث عن الخمار الكشمير
وقفت أمام المرآة وقد فردته حتى تلفه على رأسها فقالت عائشة وقد كانت لا تزال تجلس في مكانها ولا كأن والدتها أخبرتها أن ترتدي هى أيضًا ولكن هل ستطاوعها وتذهب، لا بالطبع إنها أكسل من هذا بكثير :
-حطي كريم والليبلاس البينك
نفت الأخرى هذا لا تريد أن تتبرج ليس لأنها تكره المكياج وإنما لسببين، الجو حار بشدة وخروج المرأة متبرجة حرام :
-الجو حر نار وانا بشرتي دهنية لو حطيت كريم هيسيح قبل ما اطلع من البيت
-خلاص حطي ليبلاس
-لأ حرام
رفعت عائشة حاجبها بتهكم قائلة :
-بلاش تعقيد ده حاجة بسيطة مش هتبان ولون بينك هادي الناس كلها بتحطه
نفت الأخرى لا تريد الانصياع خلف حديثها إذ قالت :
-لأ انا حلوة كده عايزة ابقى على طبيعتي
أنهت لف الخمار بسرعتها المعتادة فهى أسرع من ترتدي ملابسها في فتيات العائلة قد تنتهي من كل هذا في سبع دقائق فقط، استدارت لعائشة قائلة :
-ها حلو ومظبوط
وبالطبع عائشة لن تكون عائشة إن لم تعلق على الملابس فهى من أولئك الفتيات اللواتي يهتممن بشكل الحجاب المظبوط المنمق حد الهوس فلا يجعلن جانب قصير والآخر طويل، وإن كانوا سيخلعونه ويلفونه مرة أخرى خمس مرات
وقفت من مكانها وأخذت تعدله لها من كل الاتجاهات بالتزامن مع دخول صفية إلى غرفتهن لتقول بغضب ترى ابنتها لا تزال ترتدي ملابس البيت :
-ملبستيش ليه يا بت
وأجابتها عائشة بلا مبالاة قائلة :
-وانا قولتلك مش هاروح، أروح اعمل ايه
-لأ تعالي معايا مش هاروح لوحدي انا
نطقت بها نور وهى تدير رأسها نحوها فأجابتها الأخرى وهى تعيد رأسها كما كان حتى تكمل ما تفعله بطريقة جيدة :
-ابوكي وأمك رايحين مش رايحة لوحدك ولما ترجعي ابقي احكيلي اللي حصل
-لأ تعالي انتي كمان متقعديش لوحدك هنا
-يعني انا هتخطف؟! روحوا ومتطولوش وتعالوا
نادت صفية على زوجها حتى يقنع ذات الرأس اليابس هذه حتى تأتي معهم :
-يا علي قول لعيشة تلبس مش راضية تيجي معانا
وكجميع الآباء المصريين في مثل هذه الحالات يقولون الجملة المعتادة وهم لا يزالون جالسين في أماكنهم دون حركة واحدة :
-عيشة البسي علشان تيجي معانا يلا
وكزت نور شقيقتها هامسة لها بخفوت :
-انتي متخانقة مع ياسر صح؟!
ذمت الأخرى شفتيها دون الإجابة فأجل بجانب كسلها على الذهاب هى لا تريد أن تذهب لأن ياسر هناك لسبب لم تبُح به ولا حتى ياسر نفسه يعلم لما تغير اسلوبها معه مؤخرًا
قلبت الأخرى عينيها بضجر عندما لم تجبها عائشة، ثم أعطت ظهرها لوالدتها التي أخذت ترتدي عباءة سوداء مثل كل مرة فهى تمتلك سبعة منها على الأرجح بأشكال مختلفة ولكن اللون واحد :
-طب حتى لو متخانقين تعالي معانا واعملي نفسك من بنها مش شايفاه
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
-يلا يا براءة البسي علشان نروحوا نسلموا على يوسف وأهله وعمتك أسماء وعيالها
نطق بها حسين بعد أن انتهوا من تناول العشاء لتكون ردة فعل ابنته الكسولة هو الرفض كالعادة إذ قالت :
-هو انا لسه هلبس مش انت قولت هتعزمهم بكرة على الغداء، خلاص لما يجوا هسلم عليهم
ولم يعترض حسين فهم على أي حال سيقوموا بدعوتهم على الغداء غدًا ولكن ابنته الثانية تحدثت من الوسط قائلة بإقتراح :
-طب انا عايزة أروح علشان أسلم على عمتي أسماء
نظر نحوها حسين بتفكير بينما قالت والدتهم بإعتراض :
-لو شروق هتروح يبقى انتي كمان تقومي تلبسي علشان ميقولوش كلهم جم إلا هى رافعة مناخيرها في السماء
-خلاص شروق متروحش
نطقت بها براءة بحل وسط فقالت الأخرى برفض عجيب، تستقيم من مكانها حتى ترتدي ملابسها :
-لأ انا هاروح، ورايحة ألبس
حدقت بها براءة بتعجب فلا تذهب شروق إلى مكان وتصر هكذا إلا إن كانت هناك فائدة من الذهاب هناك، وهى بالطبع ليست مقتنعة بحجة أنها تريد أن تسلم على عمتهم أسماء، إذًا فلما تريد شروق الذهاب؟!
لحقت بها بسرعة حتى لا تنظف هى طاولة الطعام وتلقي بالأمر على شقيقتها الصغيرة، وما إن وصلت إلى غرفتهما في الطابق الثاني حتى أبصرت شقيقتها تبدأ في جمع ما سترتدي لتقوم بسحب الجيب الأسود بسرعة من يدها قائلة :
-لا معلش هلبس انا الجيبة السودة
جذبت منها شروق الجيب بقوة هاتفة بسخط :
-بس يا ماما انا اللي مسكاها الأول
-معلش ما هى هتليق على الأوتفيت الجديد
-مليش فيه البسي البيج وعدي كده
دفعتها من أمام حتى تذهب إلى المرحاض وتغسل وجهها فبدأت الأخرى في البحث عن طقم آخر ترتديه وقد شعرت أن الخزانة فارغة ولا شئ جميل عندها ترتديه لذا تمتمت بجملة الفتيات المعتادة :
-انا محتاجة اشتري طقم جديد مينفعش كده
خرجت شروق من المرحاض فدلفت هى بينما أخذت شروق ترتدي ملابسها التي تكونت من جيب أسود وقميص أزرق بكم طويل، امسكت بكريم البشرة وأخذت توزعه على وجهها وبعدها وضعت مورد الشفتين أو ما يسمى “ليبلاس” باللون الوردي الهادئ فلا يظهر منه إلا لمعة ولون خفيف
سحبت وشاح قطني طويل من اللون الأسود وبدأت تلفه على طريقة حديثه بحيث سترتها من الأمام والخلف، عطرت كفيها بعد أن وضعت عليهم مرطبها الخاص ثم أرتدت خاتمها المفضل في سبابتها لتصبح في أكثر حالاتها أناقة وهذا ما تعجبت له براءة إذ قالت بإندهاش :
-انتي لو رايحة حنة بنت عمك مش هتلبسي كده
استدارت لها الأخرى بعد أن وضعت نظارتها الطبية هاتفة بغرور :
-انا طول عمري شيك يا حبيبتي ويلا خلصي بابا من الصبح بينادي
جذبت هاتفها من على الشاحن ثم جلست في انتظارها في الردهة وقد فتحت تطبيق الفيس بوك تعبث به قليلًا حتى تنتهي شقيقتها ليظهر أمامها منشور لرقية شقيقة يوسف
لم تبالي كثيرًا بالمنشور بل فتحت صفحتها وأخذت تتفحصها، تحب رقية نشر المنشورات كثيرًا وصور والدها وشقيقها مفتخرة بهم، توقفت أناملها عند صورة قديمة قد نشرتها لأخويها وقد سقطت عينيها على يونس بالذات
علت على وجهها بسمة لا تظهر في العادة، تراقب ملامحها الوسيمة بتركيز شديد
حسنًا لتكن صادقة يونس يأخذ حيز كبير من تفكيرها وهى ذاهبة الآن معهم حتى تراه، أهو إعجاب أم أكثر من هذا لا تدري ولكن عندما رأته في خطبة شقيقتها منذ خمسة أشهر قد حرك بداخلها مشاعر كثيرة
يونس لدرجة مخيفة يشبه مواصفات فتى أحلامها، حتى أسلوبه الاستفزازي هذا تحبه فهى لا تريد رجل ممل مثل يوسف ومعاملته اللطيفة بشدة مع براءة، هذا يسبب الضجر بالنسبة إليها، هى تريد رجل يستفزها وتستفزه حتى لا تكون الحياة مملة بينهما
هو سالب وهى موجب ومن أول مرة رأته بها جذبها، لا تقول أن أول مرة كانت في بنايتهم بل منذ أكثر من هذا عندما كانت تسكن مع عمتها لأجل كليتها هناك، وقد كانت تراه عندما يأتي إلى منزل محفوظ مع أبناء أعمامه
كان له هيبة لم ترها في البقية رغم أنه ليس أكبرهم ولكنه أقوى شخصية بهم، شخصيته جذبتها كما الفراشة للنيران ولكن بالطبع لم تتجرأ للتحدث معه فدينها وتربيتها تمنع عليها هذا، لذا كانت تكتم إعجابها بداخلها
وبتركيزها في تفاصيله أصبحت تستطيع التفرقة بينه وبين يوسف بسهولة، وكانت تحب مراقبته من بعيد كلما يأتي وهو لا ينتبه لها ولا يرها حتى
إلىٰ أن انتقلت إلى بنايتهم وقد كانت الحقيبة التي تحملها ثقيلة بشدة وهو يقف دون أن يراها ولسوء الظن ظنته يراها ولا يبالي ومن شدة إحراجها لسقوطها أمامه تمتمت بينها وبين نفسها بصوت سمعه هو ولا تدري كيف
“شكرًا مش عايزة بلد الرجالة فيها شاحة”
ومنذ هذه اللحظة وبينهما شد وجذب قوي، هو مستفز وسليط اللسان وهى لا تصمت لأي أحد على كلمة لا تعجبها وفي كل مرة كانت تستفزه أو العكس يزداد إعجابها نحوه
وعندما كاد يصدمها بسيارته في ذلك اليوم وفقد الوعي داخل السيارة كانت مرعوبة حقًا عليه، وحمدًا لله مر الأمر بسلام عليهما وبداخلها قد زاد نحوه شعور عجيب لم تفقه له معنى
أما عندما كادت أن تُقتل للمرة الثانية على يد كاظم ورأته قادم نحوها ركضًا، ركضت له دون أن تفكر انها أظهرت نفسها للقاتل فكل ما أرادته هو الاختباء به هو، ومنذ ذلك الموقف ثبت في قلبها شعور آخر بجانب الإعجاب نحو يونس، كان شعور الأمان
هو وسيم وهذا يعجبها، مستفز وهذا يعجبها، ضابط وهذا يعجبها، ثقيل وليس رجل خفيف مثل حمزة وأخيه وهذا يعجبها أكثر، ذو شخصية لها حضور وهذا يعجبها أكثر وأكثر
على الأرجح قد نبت بداخلها الحب نحو هذا الرجل ولكن للأسف الشديد هو حب من طرف واحد، لذا عندما رحلت من الإسكندرية وأدركت أنها قد لا تراه مرة أخرى دفنت هذه المشاعر بداخلها لتتفجر برؤيته في الخطبة بحضور جذب أنظارها حتى أنها شعرت بالغيرة من الفتيات اللواتي حضرن الخطبة وكن يراقبنه بتركيز
والآن وبعد خمسة أشهر ستراه مرة أخرى وتتمنى أن لا تفضحها نظراتها فهى تلاحظ أنه على ملاحظة بنظراتها منذ حفلة الخطبة ولكنه يدعي عدم الإنتباه، ألم تخبركم أنه ثقيل
نادى والدها للمرة العاشرة على الأرجح كالعادة كلما يخرجون من المنزل فقالت بصوت مرتفع وهى تمسك بحذائها الرياضي حتى ترتديه :
-حاضر يا بابا جايبين
خرجت براءة من الغرفة متجهزة لترتدي هى أيضًا حذائها ثم هبطا إلى الأسفل وتحركوا معًا نحو منزل عمهم عبد الجواد…
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرج من المرحاض يمسح حبيبات العرق عن وجهه وكأنه لم يكن يستحم منذ قليل، ولكن الأجواء هنا حارة بدرجة لا تطاق فحتى أبناء أعمامه يجلسون جميعًا داخل الشرفة بسبب عدم تحملهم للحرارة بداخل الشقة
وإليكم التقسيمة التي حدثت، قد جلس جميع الشباب في شقة حسن، بينما الرجال في شقة ياسر وباقي السيدات والفتيات جلسن في شقة ماهر بينما ماهر ترك الشقة لهن حتى يكن على راحتهن وذهب للبيات مع الرجال في شقة ياسر
خرج إلى الشرفة يلتقط أنفاسه، يمسح على خصلاته المبتلة فقال حمزة موجهًا حديثه له :
-مستحملتش القعدة جوا صح؟!
وأجابه يوسف وهو يستند على السور بجانبهم قائلًا :
-الجو حر اوي جوا وانا اتعودت على التكييف وهوا البحر مش الجو ده خالص، إحنا هنام هنا ازاي؟!
-مش كنتوا فرحانين وهتموتوا من الفرحة علشان جايين هنا اشربوا بقى
نطق بها كريم بنبرة ضاحكة وهو يترك الشرفة ويتجه إلى الداخل فقال حمزة مناديًا عليه :
-رايح فين يا كريم؟!
-نازل تحت اخد نفسي من علبة السلامون دي على رأي يونس
لم يتحرك لا يوسف ولا حمزة فالجلوس هنا أفضل من الجلوس أسفل بين الازدحام، فعلى المعنى الحرفي خمس عائلات يجلسون في مكانٍ واحد، ولم يستمر يوسف كثيرًا على هذا الحال
إذ ما إن أبصر براءة تأتي هى ووالديها في الشارع حتى دلف بسرعة للداخل، من ثم هبط إلى الأسفل بخطوات سريعة حتى أنه تعثر في آخر أربع درجات فصدحت الأصوات من الجميع بعدة جمل مثل
“براحة يا ابني، بسم الله عليك، مش على على مهلك”
بإستثناء يونس الذي جذبه من ذراعه هامسًا بحنق :
-جاي جري من فوق كده ليه لدرجة كنت هتتكفي على وشك؟! هتموت على شوفتها أوي كده ليه؟ ما تتظبط كده واتقل
ابتسم له يوسف مخفيًا ضحكته ثم حمحم مدعيًا الجدية عندما نادى عليه والده حتى يسلم على حماه وحماته المستقبليين، تحرك بخطوات رزينة نحوهم ليس وكأنه كان يركض على الدرج منذ قليلًا، ومن ضحكة براءة التي توجهها نحوه الآن يبدو أنها شاهدت المشهد
بئسًا على هذا الإحراج
صافح حسين وزوجته باليد ولكن عند براءة لم تسمح له أن يصافحها لذا حيَّته من مكانها فزادت بسمته لها، رغم أنه مر ست أشهر على خطوبتهما وعام وثلاثة أشهر على معرفتهما ببعض، إلىٰ أنها لا تسمح له بلمسها ولا الإمساك بيدها حتى وهذا ما يزيد مكانتها علوًا عنده
أدار رأسه نحو شروق وقد حياها هى أيضًا بهزة رأس ردتها له الأخرى ببسمة عادية وجملة مختصرة ثم نقلت عينيها غير مهتمة بالحديث الذي أخذ يدور بين والديها ووالدي يوسف، أو بيوسف الذي وقف إلى جانب براءة مراعيًا مسافة مناسبة ثم أخذا يتحدثان في أمورٍ لا تود سماعها
فلديها الآن ما يشغل بالها أكثر، ذلك الثقيل الذي يقف بجانب الدرج مع أبناء أعمامه، ظنت أن مشاعرها قد اختفت مع مرور الوقت ولكن لا والله لم تختفي بل في تزايد مستمر
تبدو بشرته أكثر إسمرارًا من ذي قبل وعلى الأرجح من أجواء الصيف، وعمله بالطبع لا يقتصر على الجلوس في مكتب مكيف، ولحيته أقصر من ذي قبل بينما شعره أطول من ذي قبل
تبًا لكِ شروق انزعي عينيكِ من على الرجل قبل أن يلاحظ أحد، ابعدت عينيها سريعًا عندما رأته ينظر نحوها تدعو ربها ألا يكون أمسك بها متلبسة وهى تنظر نحوه كالخرقاء
-يونس تعالى
نادى محمد على ابنه حتى يسلم على حسين وزوجته وخطيبة أخيه وقد فعل الآخر دون إعتراض، وعندما اتجه إلى براءة ويوسف هتف حانقًا محاولًا المزاح :
-سيبي ودن الواد مش من أولها كده
حدقت به براءة متفاجئة مما قال، ولتكن صادقة هى لا تتعامل مع يونس إطلاقًا، عدد المرات التي تحدثت بها معه تُعد على الأصابع ولا تقتصر إلا على جملة أو اثنتين، وعندما رأت شروق شقيقتها لم تجب دافعت هى عنها قائلة :
-أخوك اللي بيرغي مش هى إحنا لسه داخلين وهو جالها رمح “جري” مش العكس
تحدث يوسف موقفًا أي صدام قد يحدث منهما كالعادة :
-ماشي انا اللي برغي معاها فيها حاجة دي ما هى خطيبتي، ومعلش لو هتتخانقوا اتخانقوا بعيد علشان أعرف اتكلم انا
تقدمت شروق منهما وجذبت شقيقتها بجانبها بينما وقفت هى في المنتصف هاتفة ببسمة مصطنعة :
-ومالوا اتكلم وانا واقفة معاكم محرم
ضحك يونس بخفة مشيرًا إلى القوم الذين يقفون حولهم ثم قال :
-هتقفي ليه محرم مش كفاية الخمسين اللي حوالينا دول
-معلش يبقوا واحد وخمسين اقعد انت على جنب
لا تعلم كيف خرجت منها هذه الجملة ولكنها تقولها لأي أحد ولا تقصد الاستهزاء به، وبعد أن نطقت بجملتها رمقها بنظرة عميقة، وعلى شفتيه قد اتسعت بسمة مستمتعة
قاطع هذا التواصل براءة عندما دفعتها بخفة من جانبها حتى لا تسبب الإحراج ليوسف كعادتها فتصرفاتها هذه تدل على أنها لا تطيق يوسف، رغم أنها تعلم أن نية شقيقتها ليست هكذا، هى فقط تريد المشاغبة وتشعر قليلًا بالغيرة منه
نادت والدتها على شروق حتى تأتي وتلقي التحية على محمد وزوجته فهى لم تسلم عليهم بعد ولا على البقية، تحركت شروق من جانبهم تتبعها نظرات يونس لعدة ثواني ثم أبعد عينيه عنها عندما دلفوا من كان ينتظرهم حمزة على أحر من الجمر
نظر نحوه سريعًا مناديًا عليه :
-بِيست، حمزة
رفع الآخر عينيه نحوه فأشار يونس بأصابعه نحو الباب، وما إن رأى حمزة علي على الباب، وبصوته الخشن يلقي السلام على الموجودين حتى اعتدل سريعًا في وقفته وكأن وزير الوزراء قد أتى، حتى أنه ترك كريم وياسر يحدثانِه واتجه نحوه
برم كريم شفتيه بتذمر يبصر والده يوقف حمزة قبل أن يتقدم أكثر من هذا ثم همس له بعدة كلمات وجعله يقف إلى جانبه، وقد ضرب حمزة بكل ما قاله له عرض الحائط عن أن يكون ثقيل ورزين، إذ ما إن رأى نور تظهر حتى اتسعت بسمة متسعة على وجهه رآه هو بلهاء من وجهة نظره
توقف يونس إلى جانبهم ثم قال ببسمة ساخرة وهو ينظر إلى حمزة وشقيقه المندمج في الحديث بشدة مع براءة وكأنهما عصفوران كناريا :
-ابو الحب اللي يذل الرجالة يا جدع
-آه والله معاك حق ده ذل مش حب خالص
نطق بها ياسر وهو ينظر إلى عائشة التي دلفت مع شقيقتها وها قد أتت المحبوبة التي تقاطعه منذ عدة أيام دون سبب وجيه
وعلى الصعيد الآخر كانت تقف نور في الخلف أمام عتبة الباب وبجانبها شقيقتها، تنتظر أن ينتهي والديها من السلامات حتى يأتي دورهما، وبالطبع كانت تبحث عنه بين الموجدين الكُثر، عجبًا كيف يتحملون الجلوس جميعًا هكذا في مكان واحد في هذه الأجواء الحارة
نبض قلبها المسكين بسعادةٍ عندما رأته يتقدم مع والده يصافحان والدها، وبشكل لا إرادي اتسعت البسمة على وجهها غير قادرة على إخفائها، هى فاشلة في إخفاء بسمتها أو ضحكتها فتخرج منها دون إرادة، لا تستطيع التحكم في ردات فعلها أبدًا
أبعد حمزة عينيه عن علي وصفية بعد أن سلم عليهما لتقع أنظاره عليها ببسمتها التي تدل على أنها سعيدة لرؤيته، ربي لما هذه الفتاة ليست زوجته الآن فهو حتى لن يستطيع أن يصافحها باليد وهو مشتاق إليها بشدة الآن، فعسى لسانه ألا ينفلت منه
اقتربت نور من عثمان وناهد وسلمت عليهما بهدوء ولطف ثم على عمتها وزوجها وحتى محمد وزوجته، وعندما وصلت له هو لم تجد على لسانها كلمة واحدة تقولها له وكأن لسانها عقد، ولم تستطع أيضًا أن تمد يدها لتجد أن حمزة هو من قد مد يده لها ثم قال ببسمة متسعة وعينين تلتمعان :
-نور خفيتي الحمد لله عن آخر مرة شوفتك فيها، عاملة ايه؟!
نظرت إلى يده طويلًا لا تستطيع أن تبادله المصافحة، ولا تستطيع إحراجه حتى، لذا مضطرة مدت له يدها وفقط جزء من الثانية وسحبتها بسرعة حتى ربما لم تستقر في كفه، من ثم أجابت عليه بخجلها الفطري :
-الحمد لله تمام انت عامل ايه؟؟
لو تعلم كم أن فعلتها هذه زادت مكانتها عنده، لكنه لم يستطع حتى أن يمسك بيدها ولكن صبرًا مضى الكثير وبقى القليل، ووالله لن يترك هذه البلدة إلا حين تصبح نور زوجته وليس فقط خطيبته….
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية في مدينة الاسكندرية) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.