رواية بين الردى والهدى الفصل السابع 7 – بقلم نوري
الشمس بدأت تشقشق وتدخل خيوطها الضعيفة من ورا الستارة، لكن الأوضة كانت لسه غرقانة في سواد يشبه اللي في قلبها، كانت قاعدة على الأرض، ساندة ضهرها على السرير ورجليها ضماهم لصدرها بقوة كأنها بتحاول تحمي نفسها من الدنيا، عينيها كانت منفوخة وحمرا ووشها دبلان، منامتش ولا حتى غفلت ثانية، كل ما تغمض عينيها تسمع صوت أبوها وهو بيقول الخميس الجاي وتشوف صورة يحيى وهو داخل البيت بابتسامته الواثقة، كانت بتبص قدامها بشرود وبتسأل نفسها بمرارة
– معقول يا سيف؟ معقول بعد السنين دي كلها أكون لغيرك؟ معقول توبتك تيجي في الوقت اللي الدنيا بتقرر فيه تبعدنا بجد؟
موبايلها رن للمرة التالتة بأسم نرجس، مكنتش قادرة ترد ولا تتكلم مع اي حد، لكن لازم تطمنها عليها ومتقلقهاش اكتر من كدة، مسحت دموعها اللي نشفت على حدودها وفتحت الخط وردت بصوت مبحوح
– الو
على الناحية التانية كان صوت نرجس فيه نبرة قلق
أيوا إيه يا ليلى، انتي فين كل دة
– معلش يا طنط مش هقدر اجي النهاردة
سكتت نرجس ثانية بتسمع نبرة صوتها، حست انها مش كويسة ف قالت
صوتك ماله؟ أنتي بتعيطي ولا اية
أول ما سمعت نبرة الحنان اللي في صوتها حصونها انهارت تاني، بدأت تبكي وتشهق بوجع يقطع القلب
خلاص يا طنط، كل حاجة ضاعت، بابا .. بابا حدد ميعاد مع يحيى يوم الخميس، قراية فاتحتي يوم الخميس على حد تاني غير سيف
سكتت وهي مذهولة من كلامها وبعدين قالت
انتي بتقولي إيه؟ باباكي إزاي يعمل كدة من غير ما ياخد رأيك؟ وسيف .. سيف عرف؟
هزت راسها بالنفي وهي بتبكي بحرقة
معرفش، معرفش حاجة، بابا مش سامعني، شايف إن دي مصلحتي وإن توبة سيف مزيفة، أنا مش قادرة أتخيل إني اكون لغيره، مش قادرة
يا حبيبتي، استهدي بالله كدة طيب، أنا هقفل المحل فوراً وأجيلك
قفلت السكة وسابت الموبايل من إيدها ورجعت دفنت وشها بين ركبتها تاني، كانت بتترعش وبتحاول تفكر وتلاقي حل، لكن دماغها عاجزة حتى عن التفكير، بصت للسما وقالت
– يارب .. انا ضعيفة ومش في ايدي حاجة، فوضت امري إليك يارب
دخلت من باب الشقة وخطواتي تقيلة كأني شايل الدنيا كلها فوق كتافي، رميت المفاتيح على الترابيزة اللي جنبي وصوتها المعدني رنّ في هدوء الصالة، امي كانت قاعدة على سجادة الصلاة بتقرأ وردها، لكن اول ما سمعت صوتي صدقت و لفت بلهفة الأم اللي قلبها حاسس بكل خبطة رجل
حمد الله على سلامتك يا ضنايا، عملت إية طمن قلبي
مرفعتش عيني فيها، قعدت على الكنبة القريبة ورميت الدوسيه اللي في إيدي جنبي كأنه عبء عايز اخلص منه، فكيت أول زرارين في قميصي اللي اتبهدل من العرق والتراب واتنهدت تنهيدة طويلة محملة بوجع سنين
* لفيت يا أمي، لفيت لما رجلي ورمت، روحت شركات كتير بس..
سكت شوية وبلعت ريقي بمرارة
* كل ما أدخل مكان أول ما يعرفوا إني كنت في الشركة القديمة وسيبتها فجأة يقلبوا وشهم، اللي يقولي مفيش مكان، واللي يقولي سيب رقمك وهنكلمك، وهما أصلاً مش ناويين يرفعوا السماعة
قامت ببطء قربت مني وقعدت جنبي وحطت إيدها الدافية على كتفي بتمسح عليه بحنان
يا حبيبي الرزق بيحب السعي، وأنت سعيت، ربنا مش هيضيع تعبك ده أبداً، يمكن ربنا بيمتحن صبرك يا سيف
بصتلها المرة دي وعينيا مليانة قهر
* امتحان صعب أوي يا أمي، انا كنت واقف قدام واحد بصلي بقرف كأني جاي أشحت منه، وقالي احنا عرفنا انك مشيت لأسباب انضباطية، الكلمة نزلت عليا زي الكرباج، انا توبت يا أمي، توبت بجد، بس الناس مش عايزة تنسى، مش عايزة تديني فرصة أنضف، حاسس إن السواد اللي عملته زمان مكلبش في رجلي، مش عايز يسيبني أمشي في النور
عينيها دمعت وهي شايفاني مكسور بالشكل ده، طبطبت عليا وقالت
يا سيف، الأهم إن ربنا يغفرلك ويسامحك مش الناس، سيبك من كلامهم، الرزاق موجود، بكرة تفرج والله
حطيت راسي بين إيديا وهمست بصوت مخنوق
* أنا مش خايف من التعب، أنا خايف من الفشل، خايف مقدرش اشيل معاكي، خايف الدنيا تضيق بيا لدرجة إني أضعف
مش هتضعف طول ما أنا بدعيلك، قوم اغسل وشك وصلي ركعتين وفوض أمرك للي بإيده ملكوت كل شيء، الشغل هييجي، يمكن بس دة اختبار
قومت ببطء وبوست راسها بامتنان، دخلت أوضتي وانا بجر خيبتي، لكن كلمة أمي كانت بتهدي النار اللي قايدة في قلبي رغم إني لسه مش عارف بكرة مخبيلي إيه، ورغم إني لسه بسمع صدى كلمة اسباب انضباطية بترن في وداني
طلعت نرجس السلم وهي بتنهج، ملامحها كانت مخطوفة وصوت بُكا ليلى لسة في ودانها، خبطت على الباب كذا مرة بشويش لحد ما الباب اتفتح وظهرت فاطمة اللي اول ما شافتها لانت ملامحها وابتسمت
ست نرجس، اتفضلي اتفضلي
عاملة اية يا أم ليلى
الحمد لله في نعمة
دخلوا سوا وقعدوا في الصالة، حطت نرجس شنطتها جمبها وقالت
إيه اللي حصل ده؟ إزاي الحاج مصطفى يعمل كدة؟ ده ليلى كانت لسه بتبدأ تتنفس وتفوق، ليه تحطوا السكينة على رقبتها بالسرعة دي؟
أدركت فاطمة أن ليلى حكيتلها ف اتنهدت بتعب وقالت
والله انا نفسي معرفش ليه عمل كدة، مصطفى ركب راسه وشاف إن يحيى هو اللي هيحميها من ذكرياتها ومن سيف، حاولت أتكلم معاه بس هو أدى كلمة والكلمة عنده زي السيف، ادخليلها يا نرجس، ادخلي هوني عليها، البت محبوسة في أوضتها من امبارح ومش مبطلة عياط
نرجس طبطبت على إيديها وقالتلها
متقلقيش أنا مش هسيبها، هي اوضتها فين
شاورتلها على أوضة ليلى وهي بتبص للباب بحسرة
اوضتها أهي، يا رب بس كلامك يبرد نارها شوية، أنا قلبي بيتقطع عليها ومش عارفة اعمل اية
نرجس أخدت نفس طويل وقامت قربت من باب الأوضة، خبطت خبطة هادية ومن غير ما تستنى رد فتحت الباب ودخلت، شافتها قاعدة على الأرض ضامة نفسها وبتبكي، قربت منها ببطء وقعدت جنبها ومدت إيدها تمسح على شعرها بحنان
أنا جيت يا حبيبتي، قومي وبصيلي، الدنيا متهدتش لسه عشان تعملي في نفسك كدة
أول ما حست بلمستها لفت بجسمها ورمت نفسها في حضن نرجس، بدأت تعيط بشهقات عالية تقطع القلب وكأنها كانت مستنية حد تفرغ في حضنه كل الوجع ده، فضلت ضماها وبتطبطب على ضهرها وهي بتبص لسقف الأوضة بعيون بتلمع بالدموع
اهدي يا حبيبتي
– هيجوزني حد تاني غير سيف
مفيش الكلام دة، الجواز مش بالعافية، انتي بس سايسيه
خرجت من حضنها وهي بتبصلها بأستغراب
– يعني اية؟
يعني متقاوحيش قصاده، كل ما تعملي كدة كل ما يعاند اكتر
– يعني ازاي اوافق اتجوز حد مش عايزاه
متوافقيش، عدي بس الفترة دي لحد ما هو يهدى
– بابا مش بتاع الكلام دة
هو ابوكي وفي الأول والآخر عايز راحتك ومش هيعمل حاجة انتي مش عايزاها، اسمعي كلامي بس
– مش هقدر
هتقدري، وبطلي عياط عشان مش هيفيد، خليكي ذكية معاه، وحاولي عرفي سيف بأي طريقة
بصت للفراغ قدامها وهي بتفكر في كلامها، معقول نصيحتها هتجيب نتيجة مع ابوها؟ بس هي عندها حق، هو مش بيحب العناد، اتنهدت بتعب ورجعت لحضنها من تاني وهي بتفكر يا ترى هتصيب وتتجوز سيف؟ ولا هتكون في الآخر لحد تاني غيره وتعيش عمرها كله مقهورة وحزينة
جيه الخميس، اليوم اللي كان تقيل على قلب كل واحد في البيت كأنه جبل، الحارة بدأت تفتح عينيها على حركة مش عادية قدام بيت عم مصطفى، والجو في شقتهم كان مشحون بتوتر مكتوم
أدهم كان نازل على السلم باله مشغول بسيف اللي قلبه مكسور من لفة الشغل، لكن فجأة سمع صوت خطوات ضحكة مصطفى، وقف يبص لقاه طالع ومعاه شاب لابس بدلة شيك ومهندم لدرجة تلفت النظر، ملامحه مرسومة بثقة وشايل في إيده بوكيه ورد كبير ألوانه زاهية وريحته سبقت خطواته وجنبه راجل كبير وست باين عليهم الوقار والبهجة
وقف مكانه جسمه متخشب وعينه اتعلقت ببوكيه الورد، مكنش محتاج حد يقوله مين دول ولا هما رايحين فين
سند إيده على ترابزين السلم وبص لضهرهم وهم طالعين، ولمصطفى اللي شافه وتجاهله، وهو بيقول بترحيب
اهلاً أهلاً، خطوة عزيزة يا يحيى يا ابني، اتفضلوا
الصدمة فضلت مرسومة على وشه، حس بخنجر اتغرز في ضهر أخوه، كان بيكلم نفسه بذهول
يعني اية؟ يعني خلاص كدة؟ ليلى جالها عريس وداخلين يقروا فاتحتها؟
نزل بقية السلالم وهو مش حاسس برجله، وقف في مدخل البيت وافتكر بوكيه الورد اللي لسه خياله في عينه وحس بوجع رهيب وهو بيفكر
أقول لسيف إزاي؟ اقوله ليلى ضاعت منه، حبيبته وحلم حياته راحت من بين أيديهم
وقف في الشارع تايه بين إنه يطلع يلحق أخوه ويخبيه من الحقيقة، وبين إنه يروح يواجه مصطفى ويسأله ليه كسر خاطرهم كدة، بس في الآخر، فضل واقف مكانه وعينه على شباك ليلى اللي كان منور، وكأنه بينعي حكاية خلصت قبل ما تبدأ
الصالون كان مترتب على أكمل وجه، و ريحة البخور مغطية المكان، لكن الجو كان فيه حاجة مش مريحة رغم الضحكات اللي بتطلع من وقت للتاني، مصطفى كان كل شوية يرحب بيحيى وأهله بطريقة مبالغ فيها، وكأنه بيحاول يقنع نفسه قبلهم إن كل حاجة تمام
نورتونا يا جماعة، البيت زاد نور والله
فاطمة كانت واقفة بعيد شوية، بتحاول ترسم ابتسامة باهتة بالعافية، قلبها كان مع بنتها اللي محبوسة جوا لكن أصولها وتربيتها منعوها إنها تبين أي ضيق، قربت منهم وسلمت عليهم وقالت
أهلاً بيكم، نورتونا
بدأ والد يحيى يفتح الكلام في مواضيع عامة عن الشغل والدنيا والغلاء ويحيى كان بيشارك بذكاء،بيحاول يظهر قد إيه هو لقطة وشاب ملوش زي، مصطفى كان بيهز راسه بموافقة وعينه كل شوية تروح على فاطمة كأنه بيستنجد بيها عشان تفتح الكلام، بس فاطمة كانت قاعدة زي ضيف غريب بتسمع وبس وإيدها بتفرك في بعض بتوتر، لاحظ يحيى سكوتها فابتسم وقال بلباقة
والله يا حاج مصطفى، أنا من يوم ما كلمت حضرتك وأنا حاسس ب راحة كبيرة، والوالدة كانت متشوقة جداً إنها تتعرف على طنط فاطمة وعلى ليلى
والدته اللي كانت بتراقب الوسط بعين خبيرة عدلت قعدتها ولمست شنطتها وقالت بنبرة فيها عشم زايد
دي حقيقة، مبروك علينا النسب ده من قبل ما يحصل، بس قوليلي يا أم ليلى، العروسة فين؟ إحنا جايين عشان خاطر عيونها، ولا هي لسه بتتغلى علينا؟
السؤال وقع على فاطمة زي الحمل التقيل، بصت لمصطفى ب نظرة لوم مكتومة وبعدين لفتلها وقالت بصوت هادي وابتسامة
ليلى موجودة يا حبيبتي، ثواني وتكون معاكم، أنتي عارفة البنات في الحاجات دي بيبقوا مكسوفين
عدل يحيى الكرافتة بتاعته وبص للباب بلهفة، اتنحنح مصطفى وقال ب حزم خفي وهو بيبص لفاطمة
قومي يا أم ليلى هاتيها وخليها تسلم على ضيوفنا
قامت بخطوات تقيلة وكأنها ماشية لمصير مجهول، كل خطوة كانت بتاخدها ناحية أوضة ليلى كانت بتوجعها وهي عارفة إنها داخلة تجيب ضحية لدبحها مش عروسة هتتجوز
طلع ادهم السلم وخطواته كانت زي الرصاص و كل درجة بيطلعها بيحس بتقل في قلبه أكتر من اللي قبلها، فتح باب الشقة بالراحة وبأيد بتترعش قفله وراه من غير ما يطلع صوت، عينيه راحت فوراً على باب أوضة سيف لقاه قاعد بيقرأ ورده من القرآن
اتسحب ورايح ناحية المطبخ لقى أمه واقفة بترقص الأطباق مكانها، قرب منها بهدوء وصوت أنفاسه المسموعة خلتها تلتفت بخضة
بسم الله الرحمن الرحيم، خضتني يا أدهم، أنت جيت يا حبيبي؟ فين الحاجات اللي طلبتها منك؟
محطش كيس الطلبات على الرخامة، فضل ماسكه بإيد وإيده التانية ساند بيها على ترابيزة المطبخ، وشه كان شاحب وعينيه فيها نظرة تيه خوفت كريمة
امي .. تعالي عايزك في كلمة، بس بشويش عشان سيف ميسمعناش
نشفت إيدها في فوطة المطبخ بسرعة وقلبها بدأ يدق بعنف، سحبته من إيده لركن بعيد عن باب أوضة سيف وهمست بقلق
في إيه يا ابني؟ وشك مخطوف كدة ليه؟
نزل راسه في الأرض مش عارف يبدأ منين، صوته طلع مخنوق ومكسور
وأنا نازل شوفت .. شوفت عريس وأهله داخلين بيت عم مصطفى
اتسمرت مكانها وملامحها اتجمدت، عينيها وسعت بذهول وهمست
عريس؟ عريس لمين؟
كمل وهو بيبلع ريقه بصعوبة
ل ليلى يا أمي هيكون لمين، هو وأهله طالعين ببوكيه ورد وشياكة وفرحة، عم مصطفى استقبلهم وطلع معاهم
حست برجليها مش شايلاها ف قعدت على الكرسي وحطت إيدها على صدرها
يا كسرة قلبك يا ابني، طب إزاي؟ هيلاقيها منين ولا منين بس
الدموع بدأت تلمع في عينيها وبصت ل أدهم ب تيه
طب هنعمل إيه؟ سيف لو حس باللي بيحصل هيضيع مننا يا أدهم، أخوك مش حمل صدمة زي دي دلوقتي، ده لسه بيحاول يقف على رجله
مش عارف يا أمي، أنا نزلت ورجعت مش شايف قدامي، إحنا لازم نفضل جنبه، ونحاول نداري الموضوع لحد ما يحيى يمشي، بس الحقيقة مرة يا أمي، والحيطان مش بتخبي حاجة
عينيها راحت ناحية باب أوضته بخوف الأم اللي شايفة ابنها بيغرق ومش قادرة تمدله إيدها
الأوضة كانت غرقانة في صمت مبيقطعهوش غير صوت شهقات ليلى اللي كانت مكتومة في المخدة، كأنها بتحاول تخبي وجعها من الحيطان اللي بقت شاهدة على كسرتها، كانت لسة بدون البيت رافضة تلبس وتطلع برا، فتحت فاطمة الباب ببطء و دخلت بخطوات تقيلة و وش شايل هموم الدنيا، قربت منها وقعدت على طرف السرير
ليلى .. قومي يا حبيبتي، الناس برا سألوا عليكي وأبوكي عينه على الباب مبيشيلهاش
رفعت راسها ببطء، عينيها كانت حمرا جداً ووشها شاحب كأن الدم هرب منه، ردت بصوت مبحوح وقالت
– مش طالعة يا ماما، مش هقدر، قوليلهم تعبانة، قوليلهم مغمى عليها، قولي أي حاجة، مش هقدر أحط عيني في عين واحد جاي يشتري نصيبي في الدنيا وأنا قلبي مع واحد تاني
قلبها وجعها عليها، مدت إيدها ومسحت على شعرها وقالت بصوت واطي مليان حنان وممزوج بقلة حيلة
عارفة يا بنتي، والله عارفة إن الحمل تقيل، بس عشان خاطري، بلاش تكسري كلمة أبوكي قدام الأغراب، أنتي عارفة ابوكي كرامته عنده بالدنيا، ولو محضرتیش النهاردة هيعتبرها طعنة في ضهره وعمره ما هيسامحك
مسحت دموعها بظهر إيدها بوجع
– يعني أطلع أمثل إني فرحانة؟ أطلع أبيع نفسي عشان كرامة بابا؟ طب و انا يا ماما؟
خدتها في حضنها وضمت راسها لصدرها وبدأت تطبطب عليها
محدش قالك اضحكي، اطلعي بس سلمي وحطي العصير وادخلي تاني، يمكن تحصل معجزة و ربنا يغير القلوب في لحظة، بس دلوقتي قومي اغسلي وشك والبسي هدومك وسيبيها على ربنا
فضلت ساكتة في حضنها لثواني، كانت بتسمع دقات قلب فاطمة اللي كانت بتترعش هي كمان، اخدت نفس طويل وقامت من حضنها وهي بتمسح عينيها بضعف
– هطلع يا ماما، هطلع عشانك انتي وبس
قامت تلبس وسابت فاطمة بتبص في المراية لملامحها اللي انطفى فيها النور، وبتدعي في سرها إن الليلة دي تعدي على خير
خرجت من الطرقة ببطئ شديد وبخطوات تقيلة وهي حاسة إن كل خطوة بتمشيها بتسحب من روحها حتة، كانت فاطمة ماشية وراها حاطة إيدها على ضهرها بتسندها وكأنها بتمنعها من الانهيار في أي لحظة
كانت لابسة فستان هادي وطرحة فاتحة زادت من شحوب وشها، رموشها لسه مبلولة من أثر العياط وإيدها اللي ماسكة صينية العصير كانت بتترعش رعشة خفيفة خلت كوبايات الكريستال تطلع صوت
أول ما دخلت الصالون ساد صمت مفاجئ، يحيى قام وقف فوراً بابتسامة عريضة وعينيه لمعت بإعجاب واضح محاولش يداريه، بدأ يعدل جاكيت بدتله وهو بيبصلها وكأنه ملك حاجة غالي، أما مصطفى فـ أخد نفس طويل وطلعه براحة وملامحه اللي كانت مشدودة بدأت تفك شوية
قربت من والد يحيى الأول ومدت الصينية بضعف وهي بتقول بصوت يكاد يُسمع
– اتفضل
أخد الكوباية بابتسامة ودودة وقال
تسلم إيدك يا بنتي، بسم الله ما شاء الله قمر
لفت على والدته اللي كانت بتفحصها من أول الطرحة لحد طرف الفستان وكأنها بتقيم بضاعة، أخدت الكوباية وقالت
شكرا يا حبيبتي
أخيراً، وقفت قدام يحيى، شافت في عينه فرحة غريبة خلتها تحس بالخنقة، مد إيده وأخد الكوباية وحاولت صوابعه تلمس طرف إيدها بالغلط لكن هي سحبت الصينية بسرعة ورجعت خطوة لورا، قعدت على طرف الكرسي بعيد عنهم شوية وضمت إيدها في حجرها، كانت حاسة إن الحيطان بتضيق عليها وصوت ضحكهم وكلامهم عن الشبكة والمهر بيوصل لودنها زي طنين مزعج ملوش معنى، كانت موجودة بجسمها بس، أما عقلها فكان في الشقة اللي تحتهم بتتساءل
– يا ترى يا سيف أنت حاسس بيا؟ يا ترى عارف إن اني دلوقتي بضيع منك؟
مصطفى بدأ يفتح الكلام تاني وهو بيبصلها برضا
الحاج وأم يحيى كانوا مستنيين يشوفوكي
مكنتش بترد غير بهزة راس خفيفة وقلبها كان بيدعي إن الليلة دي تخلص بسرعة، يحيى كان بيحاول يفتح معاها كلام، يسألها عن شغلها في المحل وعن ذوقها، وهي كانت بترد بكلمات مقتضبة قليلة، في حين إن فاطمة كانت قاعدة قصادها عينيها بتلمع بدموع محبوسة وهي حزنها، ومحدش من اللي قاعدين حاسس بوجعها غيرها
كنت قاعد قدام أمي في الصالة، والسكوت اللي بينا كان تقيل بشكل مريب، ماسكة سبحتها وإيدها بتتحرك بحركة سريعة ومضطربة وعينيها كانت بتهرب مني في كل ركن في الصالة كأنها خايفة نظرتي تلمس وجع مخبياه، قربت منها شوية وأنا بسألها بقلب مقبوض
* مالك يا ست الكل؟ حاسس إن فيكي حاجة
ضحكت ضحكة باهتة، ضحكة وقالت وهي بتهز راسها
مفيش يا حبيبي، هكون مالي بس؟ تلاقيني بس تعبت من وقفة المطبخ والحر هبطني شوية
مقدرتش أعديها، أنا حافظ ملامح أمي أكتر ما حافظ ملامح وشي في المراية، مسكت إيدها وبصيت في عينيها بتركيز
* أنتي بتضحكي عليا؟ أنا سيف يا حبيبتي، اللي عارف نبرة صوتك لما بتكوني شايلة الهم، قوليلي بالله عليكي إيه اللي مزعلك ومخبية كدة ليه؟
سكتت تماماً وبصتلي بنظرة طويلة، نظرة كان فيها شفقة وكسرة وجع عمري ما شوفتهم فيها قبل كدة، كانت لسة هتنطق لكن سمعنا زغرايد عالية جاية من فوق هزت الحيطان ورنت في وداني زي طلقة رصاص
* إيه ده؟ فيه فرح في البيت ولا إيه يا أمي؟
قامت وقفت بسرعة غريبة ومسكت دراعي بقوة و بتحاول تشدني لورا وصوتها طلع مهزوز ومرتبك
تلاقي ناس من اللي ساكنين قدامنا أو يمكن في البيت اللي جنبنا، تعالى يا سيف، تعالى نخش المطبخ ساعدني وسيبك من دوشة الجيران دي
حسيت ببرودة ماشية في جسمي كله وانا سامعة الزغاريد من فوق، قلبي بدأ يدق دقات سريعة والحاسة اللي جوايا كانت بتصرخ باسم واحد
* لا يا أمي .. الصوت ده مش من بعيد
قولتها وأنا بقوم ببطء
* الصوت ده جاي من عند عم مصطفى .. صح؟
استهدى بالله، تعالى بس أقعد وأنا هحكيلك
سحبت ايدي منها بالراحة و طلعت على البلكونة بخطوات تايهة، فتحت الباب و وقفت سندت إيدي على السور ورفعت راسي لفوق، الشباك بتاع صالونهم كان مفتوح على آخره والنور اللي طالع منه كان قوي، سمعت صوت زغرودة تانية طالعة من قلب بيتهم بوضوح وصوت عم مصطفى وهو بيضحك ضحكة مجلجلة ومبسوطة
الدنيا لفت بيا والسور اللي تحت إيدي حسيت إنه بيموج والهوا الساقع خبط في وشي بس مبردش النار اللي شعللت في صدري، وقفت مصدوم مش قادر أنطق ولا أتحرك ولا حتى أرمش، كل اللي كنت بفكر فيه هو ليلى
* يعني اية؟ يعني اية الزغاريد اللي طالعة من عندهم دي؟
أمي كانت واقفة ورايا بتعيط بصوت مكتوم، وأنا كنت واقف في البلكونة باصص لشباكها وحاسس إن ده آخر يوم في عمري، وإن الزغاريط دي مكنتش فرح، دي كانت جنازة قلبي اللي مات رسمي في اللحظة دي
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية بين الردى والهدى) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.