رواية بين الردى والهدى الفصل الثامن 8 – بقلم نوري

رواية بين الردى والهدى الفصل الثامن 8 – بقلم نوري

بعد ما يحيى وأهله مشيوا، قفل مصطفى باب الشقة وراهم و رجع قعد مكانه، سحبت ليلى نفسها بـآلية ودخلت أوضتها وقفلت الباب وراها
​يصلها بحزن واتنهد وهو بيفك زراير قميصه العلوية بيحاول يتنفس، بص لفاطمة اللي كانت ساندة إيدها على حرف الكنبة وبتبصله بنظرة كلها لوم وعتاب، نظرة حسسته أنه متهم، حاول يهرب من عينيها وقال بنبرة جافة
بتبصيلي كدة ليه؟ قولي مبروك لبنتك، الليلة تمت على خير والناس طلعوا مبسوطين وشارين
​فضلت عينيها ثابتة عليه وهي بتقول بصوت مخنوق
مبروك على إيه يا مصطفى؟ مبروك على الفاتحة اللي اتقرت من غير موافقتها؟ البنت كانت قاعدة معانا جثة، روحها مكنتش موجودة، انت عملت اللي في دماغك وكسرت بخاطرها
​نفخ بضيق ورفع صوته شوية عشان يداري على وجع ضميره
انا مكسرتش خاطر حد، أنا سترتها وعليت مقامها بجوازة مكنتش تحلم بيها، فكي التكشيرة دي يا فاطمة وطلعي نفسك من الموضوع ده خالص، أنا أدرى بمصلحة بنتي، واليومين دول هيعدوا وهتنسى كل حاجة
​كانت لسة هترد عليه لكن فجأة سمعوا صوت بُكاها، صوتها كان مكتوم كأنها حاطة إيدها على بؤها عشان محدش يسمعها، بس الوجع كان أقوى من إنها تداريه،​فاطمة دموعها نزلت وهي بتسمع و بصت لمصطفى ورفعت إيدها تشاور ناحية الأوضة
سامع؟ عاجبك اللي أنت عامله في بنتك ده؟ عاجبك صوت قهرتها؟ دي بنتك الوحيدة يا مصطفى، بنتك اللي كانت بتجري تترمي في حضنك
​ملامحه اتهزت وبان في عينيه لمحة ندم حاول يدفنها بسرعة، بص للأرض وهو بيحاول يثبت على موقفه وقال
بكرا تفهم، بكرا لما تعيش كويس وتلاقي اللي يصونها هتعرف إن اللي بعمله ده كان هو الصح وهتيجي تشكرني
​بصتله بنظرة أخيرة كلها يأس وقالت
مفيش فايدة، قلبك قسي وعينك اتعمت عن وجعها خلاص
​سابت الصالة وراحت ناحية أوضة ليلى، انا هو، ف فضل قاعد لوحده وسط الورد والشوكولاتة وصوت عياط بنته اللي كان لسه واصل لودنه، وكأنه سهم مسموم بيخترق كل محاولاته في إنه يقنع نفسه إنه أب صالح
كنت قاعد على طرف السرير حاطط راسي بين إيديا، صوابعي غارزة في شعري بقوة كل ما افتكر صوت الزغاريد، أدهم كان واقف قدامي حزين على حالي، وامي قاعدة جنبي على السرير حاطة إيدها على ضهري بتمسح عليه بحنان ودموعها نازلة في صمت، ضرب ادهم كف بكف وقال
مش هينفع نسكت يا سيف، أنت هتقعد هنا تندب حظك والبنت بتضيع؟ انزل دلوقتي وروح لعم مصطفى قوله إنك عايزها وإنك أولى بيها من الغريب دة
رفعت راسي وبصتله بكسرة نفس وقولت
* أنزل أقوله إيه يا أدهم؟ ها؟ أقوله أنا سيف اللي لسه ملقاش شغلانة تسنده؟ أقوله أنا العاطل اللي بيلف من الصبح لليل والناس بتقفل الأبواب في وشه؟
سكت ثانية وبلعت ريقي بصعوبة وكملت وانا ببص لأمي بكسرة
* اقوله هاخد بنتك أبهدلها معايا وأمي هي اللي تصرف علينا من معاشها؟ انت عارف كويس إن لولا كدة كنت نزلت دلوقتي قدامهم و وقفت وقولت إن ليلى دي ليا ومش هتكون لحد تاني غيري طول ما أنا فيا نفس
ضربت على صدري بقوة وانا بقول بحرقة
* بس اليد قصيرة يا أخويا، اليد قصيرة وعم مصطفى معاه حق، هو عايز يفرح ببنته في الأول والاخر، هنزل أقوله إيه وأنا جيبي فاضي والماضي لسه بيطاردني في كل شركة بروحها؟
سكت تماماً. الكلمات ونزل راسه للأرض وهو مش لاقي رد، امي قربت مني أكتر وخدتني في حضنها وهي بتبكي وبدأت تطبطب عليا بصوت حنين
يا حبيبي متقولش كدة، ربنا مبيسدش باب إلا لما يفتح مية غيره، أنت راجل يا سيف، وسعيك ده عند ربنا كبير، ليلى لو من نصيبك الكون كله مش هيقدر ياخدها منك، استغفر ربنا يا ابني وفوض أمرك للي خلقك، هو أرحم بيك مننا كلنا
غمضت عيني واستسلمت لحضنها، الأوضة رجعت للسكون ومبقاش مسموع فيها غير دعاءها ليا
في شقة قديمة في الدور الأرضي، الإضاءة كانت خافتة ومقتصرة على كشافات ملونة بترعش ببطء مع صوت مزيكا واطي طالع من تسجيل قديم، وليد كان قاعد على كنبة جلد مقشرة ساند ضهره ورافع راسه لفوق وعينه مركزة في سحابة الدخان اللي طالعة من سجارته، ملامحه كانت مشدودة وكأنه بيحسب حسبة معقدة في دماغه
مازن كان قاعد قصاده بيقلب في موبايله بملل و كل شوية يرفع عينه يلمح وليد اللي منطقش ولا كلمة من ساعة ما السهرة بدأت، شد كرسيه وقرب منه وقال
جرى إيه يا وليد؟ أنت في ملكوت تاني خالص النهاردة، سايب السيجارة تاكل في نفسها وأنت سرحان، مالك؟
منزلش عينه من السقف، نفخ دخان سجارته ببطء ورد بصوت هادي وفيه نبرة غيظ مكتوم
بفكر في سيف، لا لا، في الشيخ سيف اللي فجأة كدة قفل الباب في وشنا ولبس توب مش توبه وبقى بيجري ورا الحلال والشقى، التغيير اللي حصله ده مش داخل دماغي ومش قادر أبلعه
مازن اتنهد تنهيدة طويلة ورمى الموبايل جنبه وبصله بصدق
يا عم سيبه في حاله، الراجل فاق لنفسه وحب يلم الدور قبل ما الدنيا تغرقه أكتر من كدة، ياريت يا وليد، ياريت الواحد فينا يبقى عنده الشجاعة اللي كانت عنده دي ويبقى زيه
نزل عينه فجأة وبصله بصدمة وذهول وقال بسخرية
يبقى زيه؟ وأنت من إمتى بقى يا بطل بتطلع منك المواعظ دي؟ أنت بقيت تبع فرقة التوبة ولا إيه؟
متهزش من سخريته ورد بمرارة وهو بيبص للأرض
من زمان يا وليد، من زمان وأنا حاسس إننا ماشيين في سكة سد، الفرق بيننا وبين سيف انه فاق، بص في المراية واتخض من المنظر وقرر يمشي، إحنا بقى، إحنا فايقين وعارفين إننا بنغرق، بس معندناش الجرأة نسيب اللي إحنا فيه هو أنضف مننا يا وليد، لازم تعترف بكدة
عينيه اضيقت وبان فيها غل قديم، داس على السيجارة في الطفاية بقسوة كأنه بيدوس على سيف نفسه
أنضف؟ مفيش حد أحسن من حد يا مازن، سيف واحد مننا، شرب معانا وسهر معانا وعارف الخبايا كلها، مش هسيبه يعيش في دور النضيف وإحنا نفضل هنا شياطين، لازم يرجع، ولازم يعرف إن مكانه هنا وسطنا
هز راسه بأسف وقام وقف وبصله نظرة أخيرة قبل ما يمشي
أنت بتعمل كدة عشان تداري على خيبتك أنت، سيبه يا وليد، اعتقه لوجه الله، سيف بيتحارب من الدنيا كلها دلوقتي عشان يفضل نضيف، بلاش تكون أنت والزمن عليه، يمكن دعوة حلوة منه تنقذنا إحنا كمان في يوم من الأيام
مردش عليه، فضل قاعد مكانه وملامحه رجعت لجمودها تاني، بس نظرات عينيه كانت بتقول إن كلام مازن مأثرش فيه، بل بالعكس، زاد من إصراره إنه يسحب سيف تاني للقاع عشان يثبت لنفسه إن مفيش حد يقدر يهرب من الطين اللي هما غرقانين فيه
ايوا جاي اهو
قالها ادهم وهو رايح بأتجاه باب الشقة يفتحه للي بيخبط، فتح الباب واتفاجئ بمنصور بوقاره المعهود وجلبيته المكوية واقف ومعاه اتنين من كبار رجالة المنطقة، ناس ليهم هيبتهم وكلمتهم، ملامحهم كانت جدية بس فيها ود مريح يطمن القلب
صباح الخير يا أدهم يا ابني، سيف موجود؟
قالها منصور بصوت هادي وهو بيمسح على لحيته الخفيفة، رد ادهم بترحيب واندهاش باين في عينه
أهلاً يا عم منصور، ايوا موجود اتفضلوا، خطوة عزيزة والله
دخلهم الصالون وراح بسرعة ناحية المطبخ لقى كريمة واقفة قدام البوتاجاز، همسلها بصوت واطي وقال
امي، اعملي شاي بسرعة، عم منصور وكبار الحارة برا وعايزين سيف
استغربت وقالت
منصور ورجالة الحارة؟ غريبة، مقالوش عايزينك في اية؟
والله ما أعرف يا أمي، بس شكلهم جايين في واجب أو أمر يخصه، اعملي أنتي بس الشاي وأنا هروح أناديله
خرج وراح ناحية أوضة سيف، فتح الباب بالراحة وشافه قاعد على سجادة الصلاة وماسك المصحف، صوته كان طالع خاشع وبيقرأ بتركيز وكأنه بيفصل نفسه عن مرارة اللي حصل امبارح
“وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”
فضل واقف مكانه لثواني مش عايز يقطع اللحظة دي، لحد ما سيف حس بوجود حد وراه ف صدق والتفت وشاف أدهم واقف، مسح على وشه بإيده وقال بنبرة هادية بس فيها تساؤل
* فيه حاجة يا أدهم؟
قرب منه وقال
عم منصور برا يا سيف ومعاه كام واحد من كبار الحارة، سألوا عليك بالاسم وبيقولوا إنهم عايزينك في موضوع وقاعدين مستنيينك
عقد حواجبه باستغراب وقام وقف وهو بيعدل لبسه
* عايزيني أنا؟ وموضوع إيه ده اللي يجمعهم الصبح كدة وييجوا لحد بيتنا؟
أدهم هز كتافه وقال
مش عارف، بس اخرجلهم وانت تعرف
أخد نفس طويل وكأنه بيستجمع شتات نفسه لمواجهة جديدة ميعرفش عنها حاجة، خرج ورا أدهم للصالة وأول ما دخل بدأت الابتسامة تترسم على وشوشهم وسيف قلبه بدأ يدق بترقب وهو بيسلم عليهم واحد واحد، بيحاول يقرأ في ملامحهم إيه اللي جاي، وهل الزيارة دي هتكون طوق نجاة ولا هم جديد؟
نور النهار بدأ يتسلل من شقوق الشيش راسم خيوط نور رفيعة على أرضية الأوضة، فتحت ليلى عينيها ببطء وهي حاسة بتقل في جفونها من كتر العياط طول الليل، حاولت تتحرك ف حست بوجود حد نايم جنبها ومحاوطها بدفء، لفت راسها براحة لقت فاطمة نايمة بجلبيتها على طرف السرير، استغربت وبصوت مبحوح و واطي ندهت عليها
– ماما .. يا ماما
فتحت عينيها فوراً، مكنتش نايمة نوم عميق، كانت مجرد غفوة من كتر السهر
صباح الخير يا حبيبتي، عاملة ايه دلوقتي
اتعدلت ليلى وسندت ضهرها على السرير وقالت
– الحمد لله، إيه اللي نيمك هنا يا ماما؟ منمتيش في أوضتك ليه؟
اتنهدت تنهيدة طويلة ومسحت على شعرها بحنان
أنا منمتش أصلاً يا حبيبتي، كنت قاعدة جنبك بسمع نفسك وأنتي نايمة وبدعي ربنا يبرد قلبك، مقدرتش أسيبك لوحدك في ليلة زي دي
سكتت ليلى وبصت للأرض وقالت
– طب وبابا؟ اول مرة تسيبيه لوحده
مش عايزة أقعد معاه، المكان اللي هو فيه مبقاش بيسيعنا طول ما هو ظالمك كدة، انا قولتله إن لساني مش هيمس لسانه و خرجت وقفلت الباب ورايا وجيتلك
مسكت إيدها وضغطت عليها بحب
– خلاص يا ماما، عشان خاطري مش مستاهلة كل ده اللي حصل حصل، وأنا مش عايزة أكون سبب في خناق بينك وبينه
لا مستاهلة ونص
ردت فاطمة بحدة وإصرار
لازم يعرف إنه مش على حق، ولازم يحس إن البيت كله رافض اللي بيعمله، السكوت في الموقف ده معناه إننا موافقين، أبوكي لازم يواجه غلطه ويشوفه في عيوننا
قربت منها وخدتها في حضنها وبدأت تطبطب على كتفها بكلام يطمن الروح
اسمعي، أنا معاكي ومش هسيبك لوحدك في المواجهة دي، خليكي قوية، والكسرة اللي في عينك دي شيليها، والله أكتر من قراية الفاتحة مش هيحصل، ربنا هيجعللك مخرج وأنا هقف قدام أبوكي وقدام الدنيا كلها عشانك
غمضت عينيها وهي بتسمع كلامها وحست لأول مرة إن فيه أمل بسيط، فاطمة فضلت ضماها وكأنها بتحاول تنقللها قوتها والاتنين فضلوا ساكتين في انتظار اللي هيجيبه النهار الجديد
قعدت قدام عم منصور والرجالة وانا حاسس بـهيبة غريبة في الصالة، الشقة اللي كانت إمبارح كأنها قبر من كتر الضيق النهاردة حاسس إن جدرانها بتتنفس بوجودهم، كنت بفرك إيدي في بعض وببص لعم منصور بتقدير وهو قاعد بوقاره المعهود وساند إيده على عصايته وقولت
* نورتونا يا رجالة والله، بس أنا لسه مش عارف إيه سبب الزيارة الغالية دي؟
عم منصور اتنحنح وبصلي نظرة فيها حنان أبوي و ود كبير وقال
بص يا سيف يا ابني، إحنا مش جايين ضيوف، إحنا جايين لواحد مننا، الحقيقة إن بقالنا كذا يوم أهل الحارة بيجولي كبار وصغيرين والكل مجتمع على حاجة واحدة، الناس مفتقدة صوتك في الجامع، وإحنا جايين نطلب منك ترجع تأمّ بينا في الصلاة زي زمان، وترجع تحفظ العيال القرآن، الحارة من غير حسك في المسجد ناقصها كتير
أول ما سمعت الكلام دة اتفاجأت، تحفيظ القرآن؟ رجوع الجامع؟ الكلمات دي كانت زي المية اللي نزلت على أرض عطشانة وروتها، الفرحة كانت هتنط من عيني بس في نفس الوقت افتكرت السنين اللي ضاعت، وافتكرت إن لسه في قلبي وجع، وإني لسه بحاول أنضف من جوا بجد، واحد من الرجالة اللي معاه أكد على كلامه وقال
أيوا يا سيف يا ابني، عم منصور عنده حق، عيالنا مبقوش بيحبوا يروحوا لحد غيرك، وأنا واحد من الناس بكون مطمن وابني معاك، الحارة محتاجالك فعلاً
بصيت للأرض وخدت نفس طويل وقولت بحزن
* مجيتكم دي فوق راسي من فوق، والله أنا مش عارف أقولكم إيه، بس أنا مش هقدر أكون إمام ليكم دلوقتي يا عم منصور، أنا لسه بفوق من اللي كنت فيه ومحتاج وقت اطهر قلبي بجد قبل ما أقف قدام الناس في المحراب، مش عايز أكون مقصر في حق ربنا ولا في حقكم
ابتسم وكأنه كان متوقع ردي ده، طبطب على كتفي وقال
ولا يهمك، إحنا مقدرين اللي أنت فيه يا ابني، خلاص، بلاش الإمامة دلوقتي طالما مش مستعد، ابدأ الأول بتحفيظ القرآن للعيال زي زمان، والخطوة دي هي اللي هتفتحلك كل الأبواب، وإن شاء الله كل حاجة ترجع زي الأول وأحسن، ولا إيه يا أدهم؟
في اللحظة دي بصيتله و شوفت في عينه فرحة مكنتش بشوفها غير وأنا صغير، اتكلم بحماس ملوش حدود
طبعاً يا عم منصور، أنا موافق جداً وشايف إن دي أحسن بداية، سيف قدها وإن شاء الله هينور الحارة من تاني
كلامه وحماسه خلاني أحس إن دي إشارة من ربنا، بصيت لعم منصور والرجالة ولقيت في عيونهم قبول وتشجيع، بلعت ريقي وقولت بعزم
* على بركة الله، طالما دي رغبتكم أنا مش هردكم، هبدأ مع الأولاد من بكرة إن شاء الله، ويحلها ربنا من عنده في اللي جاي
الفرحة مكنتش سايعاني و حسيت إن في حمل كبير انزاح من على صدري، كنت محتاج السند ده ومحتاج أحس إني لسه ليا قيمة
كانت ليلى قاعدة في البلكونة ساندة ايديها على السور الحديد البارد وعينيها شاردة في الحارة، الهوا البارد كان بيخبط في وشها بس مكنش قادر يبرد النار اللي في قلبها، كانت بتفكر في كل اللي حصل في الأيام الأخيرة، قراية الفاتحة اللي تمت في غفلة من الزمن، نظرات أبوها اللي بقت غريبة عليها، وخصام امها ليه، افتكرت كلام نرجس بأن سيف لازم يعرف، كانت بتسأل نفسها بمرارة
– هقوله إيه؟ هقوله ازاي؟
وسط زحمة أفكارها، الموبايل في إيدها اتهز وأعلن عن وصول مكالمة، بصت في الشاشة لقت رقم غريب، مكنش من عوايدها ترد على أرقام متعرفهاش ف مردتش، لكن الرقم رن تاني وتالت بإصرار غريب، في المرة الرابعة ردت بزهق وقالت
– أيوا .. مين؟
جالها صوت رجولي هادي و واثق عرفته فوراً ومن أول لحظة
مساء الخير يا ليلى، أنا يحيى
اتسمرت مكانها والمفاجأة خلت لسانها يتربط لثواني، سألت بنبرة فيها هجوم حاولت تداريه
– يحيى؟ جيبت رقمي منين؟
رد بهدوء وقال
جيبته من عمي مصطفى طبعاً، قولتله إني محتاج أطمن عليكي وأسمع صوتك، وهو ممانعش، بالعكس رحب جداً
غمضت عينيها بقهر وحست إن أبوها كمل الحصار عليها وسلمه كل مفاتيحها، سكتت ومردتش فـ كمل وهو حاسس بصمتها
ليلى؟ أنتي لسه معايا؟ أنا حاسس من صوتك إني ضايقتك بمكالمتي دي، لو الوقت مش مناسب ممكن أقفل
حست بالحرج و تربيتها غلبتها رغم الوجع اللي جواها ف قالت
– لا مفيش حاجة، بس .. بس بعد إذنك بلاش مكالمات الفترة دي خالص
استغرب ونبرة صوته اتغيرت وبقى فيها تساؤل
بلاش مكالمات؟ ليه يا ليلى؟ إحنا خلاص قرينا فاتحة، وأظن من حقي أتعرف عليكي وتعرفيني أكتر، ولا أنتي ليكي رأي تاني؟
حست بالخنقة بتزيد ف ردت باختصار وهي بتحاول تنهي الكلام
– معلش بلاش مكالمات دلوقتي، عن اذنك أنا تعبانة شوية ومحتاجة أرتاح
سكت لحظة وكأنه بيحاول يحلل طريقتها الناشفة معاه وبعدين قال
تمام، اللي يريحك، مش عايز أضغط عليكي بس قوليلي هنتكلم إمتى؟ يعني أسيبك كام يوم وأرجع أكلمك؟
– مش عارفة، مش عارفة يا يحيى، سيبها بظروفها
استغرب أكتر من طريقتها اللي مفيهاش أي لهفة ولا حتى مجاملة بسيطة ف قال بنبرة فيها حذر
واضح إنك فعلاً مش في المود، عموماً أنا هسيبك براحتك خالص، ولما تحسي إنك عايزة تتكلمي أنا موجود، سلام
قفل السكة وليلى فضلت ماسكة الموبايل وبصة للفراغ، حست إن المكالمة دي كانت أول مسمار في نعش حريتها، وإن يحيى بدأ يفرض وجوده في حياتها بـشرعية قراية الفاتحة اللي تمت غصب عنها، حست بدمعة نزلت من عينها ف مسحتها بسرعة قبل ما حد يشوفها وقالت في سرها
– يا رب المخرج من عندك، انا مبقتش قادرة أتحمل كل ده
بعد ما قفل يحيى السكة فضل ماسك الموبايل في إيده لثواني، عينه مركزة على الشاشة السوداء وكأنه بيحاول يقرأ اللي ورا صمتها
غريبة
همس لنفسه وهو بيقوم يقف قدام المرايا اللي في اوضته، بدأ يسترجع شريط ليلة امبارح وهي داخلة بالصينية، عيونها اللي ملمستش عينه ولا مرة، إيدها اللي كانت بتترعش، والسكوت اللي كان كأنه حيطة سد بينها وبين كل اللي قاعدين، في الأول قال إنه خجل وفرح بخجلها اللي ندر وجوده اليومين دول، بس مكالمة دلوقتي خلت الشك يتسلل لقلبه، نبرتها مكنتش نبرة واحدة مكسوفة، كانت نبرة واحدة مجبورة أو شايلة هم جبال فوق كتافها
مشى إيده في شعره وهو بيفكر، حتى ردودها قاطعة مفيش فيها أي فرصة للكلام، قعد على الكرسي الهزاز اللي في ركن أوضته وبدأ يراجع حساباته، مصطفى قاله انها موافقة، طيب ليه طريقتها كدة؟ هل ممكن يكون فيه حد تاني في حياتها؟ ولا هي طبيعتها صعبة كدة؟ لكنه سرعان ما هز راسه يطرد الأفكار السودة دي، واتنفس بعمق وهو بيحاول يحسن الظن
لا يا يحيى متظلمش البنت، هي بنت أصول ومتربية والحاج مصطفى راجل دوغري وميخبيش حاجة زي دي، أكيد لسه مش واخدة على الوضع، الفاتحة لسه كانت امبارح وأكيد هي من النوع اللي بياخد وقت عقبال ما يفك ويتعود
بدأ يبررلها كل اللي حصل بـ حُسن نية، شرودها امبارح ممكن يكون خوف من المسؤولية الجديدة، وسكوتها ممكن يكون رزانة وعقل، ابتسم وكأنه بيطمن قلبه
مستعجل على إيه؟ الصبر طيب، بكرة الأيام تكسر الخوف اللي بيننا، وبكرة لما تعرفني بجد وتحس بـ إني شاريها هي اللي هتدور على كلامي، البدايات دايماً بتبقى تقيلة والمهم النهاية
رغم محاولاته إنه يهدى، فضل فيه نغزة صغيرة جوا قلبه بتأكدله إن فيه حلقة مفقودة في الحكاية دي، بس هو اختار يغمض عينه عنها مؤقتاً على أمل إن الوقت يثبتله إنه كان صح

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية بين الردى والهدى) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!