رواية نصف الجمال – الفصل الرابع
إنسان بيحاول بكل الطرق يساعد ويساند نفسه حتى لو بيواجه صعوبة، بس أنا صعب عليا اطلب من حد يساعدني، علشان كدا طلبت إن المكان يكون مجهز بحاجات هتساعدني حتى لو الموضوع صعب.
طلعت لوائل وساعدني أطلع وأركب العربية علشان نروح للدكتور.
– عارف لو بعرف ازغرط كنت عملتها.
– يا ابني قولت لك بطل خِفة دمك بس عشان متطيرش.
– شوف مين بيتكلم؟!
– أنا ساكت، عايز أروح وأخلص وأرجع.
– على فكرة الدكتور كويس وهترتاح له صدقني.
– مش عارف يا وائل، أنا أصلاً مش عارف هكمل في العلاج ولا لاء.
– ياعم متيأسش كدا، كله هيعدي، سيبها على الله بس.
– توكلنا على الله.
إنسان في طريقه للمحاولة، تايه معارفش يكمل فيه ولا يرجع من وهو على أعتابه، عايز يحاول بس معندوش طاقة، صوت بيقول إرجع إزاي هتكمل من بعده، ويرد عليه صوت تاني يقول:- وهنقضي العمر كله راجعين؟ وهنقضي اللي باقي مستنيين اللي يساعدنا ؟ هنقضي عمرنا مبنشوفش غير نظرات شفقة؟!!
وصلنا العيادة ودخلت للدكتور، يمكن في منتصف الأربعينات، ملامحه مرسوم عليها الراحة، ودي حاجة مشوفتهاش في الدكتور اللي فات.
قام قرب مني وسلم عليا عرفني بنفسه وإتكلم معايا بعدها قال بود:
– “أنا هنا علشان أساعدك بالطريقة اللي تناسبك. إحنا فريق، وأنت ليك كامل الحرية في التعبير عن نفسك.”
طريقته لينة، كويسة، مطولتش في الجلسة وهو وضح إن علشان دي أول جلسة وهي كتهيئة، كنت طالع يمكن مزاجي أحسن شوية.
بعد ما روحت قعدت أفكر، تفكيري مشوش.
– احم، أنا جهزت الأكل.
– مش قادر.
– شايف روحك خاسس إزاي؟!
– عايز أخس أكتر هتفرق ؟
– بكلمك بجد والله إيه اللي هيحصل لو طريقتك بقت ودودة ورديت بطريقة كويسة؟ يعني أقولك هتأكل تقعد تأكل.
– إيه طريقة الأوامر دي ؟
– مرت خالي موصياني، إيه يا واد خالي؟! أخلِف بوصيتها؟!
– لاء طبعاً أومال .
حطت الأكل وجنبه العلاج، بشكل لا إرادي بتخليني أرتاح لها وأتكلم معاها وأطلع جزء من نوح القديم، يمكن علشان كانت ونعم صديقة الطفولة اللي بجد.
بعد أسبوع كان معاد الجلسة التانية، بحاول أتغلب على الجزء المحبط اللي جوايا، ولو إن الموضوع صعب، بس أنا صعبان عليا قعدتي كدا وإني عاجز.
– طيب يا نوح، كنت عايز أرجع للموضوع اللي اتكلمنا فيه المرة اللي فاتت. إنت قلت إنك مش حاسس بأي إحساس في رجليك، صح؟
– آه، من يوم الحادثة وأنا مش قادر أتحرك خالص.
– وإنت شايف إن ده بسبب إيه؟
رديت بتوهان:
– مش عارف… يمكن لأني خلاص ما بقيتش عايز أعيش زي الأول.
– فاهم إنك حاسس بوجع كبير، وده طبيعي بعد اللي حصل. بس، خليني أسألك سؤال: هل فيه لحظات بتحس فيها إنك ممكن تتحسن؟ أو حتى مجرد تفكير في ده؟
– بصراحة، مش عارف، يعني شوية بفكر في كدا، وشوية تاني بـ أتشتت، يعني إزاي هتحسن أصلا ؟
-طيب، لو افترضنا إن فيه احتمال، مجرد احتمال بسيط، إنك تقدر تتحسن… إيه الحاجة اللي نفسك تعملها لو قدرت تمشي تاني؟
سكتت لحظة وأنا بفكر وبعدها قولت:
– إني أشوف نادر وأتكلم معاه
الدكتور:
ــ عارف إن علاقتكم كانت قوية جدًا، وأكيد وجوده كان حاجة كبيرة في حياتك.
-أكتر من كده، هو كان نصي التاني… لما مشي، حسيت إني خلاص ما عنديش سبب أعيش عشانه.
-طبيعي تحس بالشكل ده، بس خليني أقولك حاجة: توأمك أكيد كان هيحب يشوفك عايش حياتك ومكمل، علشانه كمان، مش بس لنفسك.
– يمكن… بس الموضوع مش سهل.
– أكيد مش سهل، وأنا مش هنا علشان أقولك إنه بسيط. لكن إحنا هنا مع بعض علشان نحاول نلاقي طريق تاني، طريق ممكن يرجّعك لحياتك. إيه رأيك لو نبدأ بخطوة صغيرة جدًا في الجلسة الجاية؟ حاجة تخليك تحس إنك بتتحرك في اتجاه مختلف؟
نوح:
ــ ممكن أفكر… بس مش بوعدك بحاجة.
الدكتور:
ــ ده كفاية جدًا في الوقت ده، إنك تفكر بس. وأنا هنا معاك، خطوة خطوة.
ــــــــــــــــــ
في خلال الأيام اللي مكانش نوح بينزل فيها الجلسات اللي بين الجلسة والتانية كنت أنا بعمل له تدليك لرجله علشان الدكتور طلب كدا.
– حفظت الآيات؟
– انتِ ليه بتتعاملي كإن أنا الصغير؟!
– أنا ؟
– آه.
– أبدًا.
– أنا عن نفسي هستغل كدا.
– إزاي بقى؟
– عايز أكل فراخ متبلة.
– يا أخي بقى! أنا فكرت حاجة خطيرة.
طبيعة نوح طيبة، حلوة، الحزن كان متاويها ومداريها، تذبذبه اللي كان بيتغلب عليه بإصراره، محاولاته، حتى رجوعه لانه يحفظ القرآن من تاني.
– نوح ؟
– عينه.
إتوترت من الرد اللي كان عبارة عن كلمة واحدة بس، أحم يعني مش عارفة.
– هو يعني، يعني.
– إيه؟
– أنا عايزة روايات.
– أوه، ليه عايزة روايات ؟
– الناس بتعوز روايات ليه؟!
– علشان تقرأها.
– بص، عايزة حوالي ست كتب وأربع روايات.
– من عيني.
رديت بإبتسامة متوترة وقلبي بينبض بسرعة:
– تسلم عينيك.
بعد أسبوعين، وفي أثناء ما احنا داخلين علشان جلسة العلاج الطبيعي. مسك إيدي وتَبِت فيها وقال:
– النهاردة أول جلسة في جلسات العلاج الطبيعي، بداية تانية للرحلة، وعد مني لما ربنا يكرمني إن شاء الله وأتعالج هيكون لك هدية كبيرة قوي.
ابتسامتي وسعت والفضول قتلني:
– قولي.
– لما ييجي وقتها
– يارب تتحسن بسرعة علشان أعرف الهدية.
– أخس يا بت عمتي، عايزاني اتحسن بس عشان الهدية؟! مكنش العشم.
دخلنا علشان الجلسة، كان بادىء بحاجات بسيطة لكنه كان متفاعل مع العلاج ودي حاجة لصالحه طبعاً.
روتيننا عبارة عن إننا ننكش بعض، والجلسات سواء طبيعية أو نفسية، على شوية بيثبتني بكلامه، بقى في تحسن ملحوظ في أدائه الحركي.
عدا شهر.
– حاسس إني شِبه حاسس برجلي.
– إن شاء الله تقدر تخف بسرعة.
فتح دراعاته ليا، قربت بتوتر، مسك فيا، أو إيه دا لحظة حضني، ما لى أحس وكإن في كهرباء لمستني لوهلة واختفت.
عارفين إحساس الفراشات اللي بتبقى بتطير حوالين الواحد بشكل لا إرادي؟
– تفتكري هقدر أكمل؟ تفتكري هقدر أمشي؟ أو حتى هقدر أواجه نفسي؟
طبطبت عليه وأنا بجاوبه:
ــ طبعاً هتقدر، علشان إنت بالفعل بدأت في الرحلة، بدأت تواجه نفسك، بتحاول تتغلب على مشاعر اليأس اللي جواك، وبتحاول بقدر كبير إنك تتخطى حتى ولو بصعوبة، بس إنت بتحاول، حتى لو جه عليك وقت وحسيت إنك مهزوم، إفتكر إنك مشيت في الطريق وكمل وأنت متوكل على الله، وبعدين الرحلة مش فردية يعني.
حسيت إنه شِبه إطمئن من كلامي.
العلاقة بيني أنا ونوح وإحنا صغيرين ولحد بعدها بكام سنة كانت علاقة أصحاب متفهمين لبعض بالرغم من سننا الصغير، وقعدتنا مع بعض دلوقتي خلتنا شِبه بنعيد ونفتكر ذكريات طفولتنا المضحكة. وكمان خلتني أعجب بيه…
يمكن في بداية الأمر كان آه في رهبة، لكن حالياً ولا أجدعنا أصحاب، أو مثلاً يعني حبايب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
– لاء، حاسس إني مش قادر ولا عايز أكمل العلاج.
جملة طلعت مني بيأس؛ فردت هي عليا
– هتكمل يا نوح، مش كل ما تحس بإحباط ولو بسيط تقرر إنك هتوقف حياتك.
شهرين وكام أسبوع غيروا فيا جزء كبير، خلوني من إنسان مستسلم لإنسان بيحاول، إنسان بيحب صديقة طفولته اللمضة.
– ســـارة، تعالي الحاجة أمي عايزة تكلمك تسلم عليكي.
كنت بكلمهم فيديو كول وهي كلمتهم معايا.
جو مليان راحة، وكإنه مهيأ إني أكون أحسن.
في جلسة العلاج النفسي
– هاه يا نوح، مستعد خلاص تحس إنك أقوى وقادر تواجه مخاوفك وزعلك؟
– تفتكر يا دكتور مش هـ أحس بالخيانة لما أعيش حياتي وتمشي وهو مش موجود؟
– عايزك تفكر فيه بطريقة مختلفة شوية… توأمك، أكيد كان يحب يشوفك عايش حياة تستحقها. إحساسك بالذنب مفهوم، بس هل هو كان هيبقى سعيد لو شافك بتلوم نفسك بدل ما تعيش؟
هزيت رأسي بـ لاء فكمل :
– ما حدش فينا يقدر يتحكم في كل حاجة، نوح. أوقات بنحس بالعجز، وده طبيعي. المهم مش إنك تحاول تغير اللي حصل، لأنك ما تقدرش، لكن إنك تسأل نفسك: “إزاي أعيش حياتي بطريقة تشرفه وتشرف الذكريات اللي كانت بينا؟”
استغل ذكراه كقوة تدفعك للأمام، مش كسجن يحبس روحك.
كنت مغمض عيني وبحاول أحبس دموعي وأقاوم إحساس الخيانة وأحس بسلام نفسي ولو بقدر بسيط.
فكمل الدكتور تاني بعدما كان ساكت لوهلة:
– كمان بص للجانب الحلو في حياتك، يعني إنت زي ما قولت إن إنت مكنتش حابب تربط سارة معاك، لكن دلوقتي حاببها وحابب وجودها، وهي كمان داعم ليك، يعني في حالات كتيرة لما الأهل بيأخدوا خطوة زي اللي إتأخدت معاك وإن الجواز هو الحل، ساعتها بيحصل نكوص للحالة وتسوأ أكتر، على عكس حالتك ودا لأن وجودها كان إيجابي ومزهر في حياتك، ضيف عليها كمان دعم عيلتك،كل دا يستحق إنك تقاوم علشانه.
وقوع الكلام على مسامعي كفيل إنه يخلي دماغي تقعد وقت كبير توزن في الكلام.
بعد أربع شهور ، نوح تالت، إنسان متفائل، أحسن أفضل بفضل الله وكرمه، وأخيراً، تخطى وإتعالج وقدر يمشي.
خبطت على باب البيت وأنا واقف على رجليا بعد ما ربنا كرمني وقدرت أقف على رجلي ودي كانت آخر جلسة علاج طبيعي واللي كنت رايح فيها وأنا ماشي بعكاز.
كنت ماسك بين إيديا بوكيه ورد كبير لونه أحمر بلدي مغلف بورق إسود.
فتحت الباب ليا وهي مش منتبهة، بعدها وقفت لوهلة بتحاول تستوعب.
حطت إيدها على بوقها من الصدمة وقالت بطريقة مصدومة تضحك:
ــ- نوح، إلحق، إنت واقف على رجليك!
وقفت لحظة تستوعب اللي قالته وتستوعب الموقف، ميلت ساعتها وأنا بمد لها البوكيه بإيد والايد التانية حاططها من ورا:
– حبيت أهاديكي بورد يا وأقول لك إنك الحلو اللي حلى لي مرارة أيامي .
عينها دمعت وقربت مني، مسكت فيا وهي حضناني وبتعيط وبـ تقول:
– الحمد لله، مبسوطة إنك قدرت توقف على رجلك من تاني.
بعدتها وأنا بمسح دموعها وبضحك:
– أيوا يعني بتعيطي ليه طيب؟!
– علشان فرحانة لأجلك.
– ليه لما بتفرحوا بتعيطوا؟! ولما تزعلوا برضوا بتعيطوا؟!
خبطتني على كتفي وقالت:
– إنت بارد والله، أنا غلطانة يعني إني فرحانة لك؟
مديت البوكيه:- لاء طبعاً يا سمو الأميرة، أنتِ بس نسيتي تشوفي البوكيه اللي جبته علشانك!
إبتسمت بخجل وخدته فعلاً.
– بمناسبة المناسبة السعيدة دي أنا مقرر إننا هنتعشى برا، وأخليكي تشوفي القاهرة ولو لليلة قبل ما نرجع البلد.
ــ إحلف؟!
– والله العظيم.
ضحكت على صدمتها، بعدها دخلت بحماس طفلة صغيرة تغير.
مسحت بإيدي على وشي وأنا بفتكر مكالمة أمي ليا بعد الجلسة وهي بتقولي إن عم سعيد تعبه زاد، وإن هما مخبيين على سارة علشان هتتعب.
قررت فعلاً إن بعد ما نرجع من برا أعرفها.
ـــــــــــــــــــــ
دخلت جري وإختارت فستان بحبه وطرحة تليق مع معاه، معاها سلسلة رقيقة وخاتم شبهها.
يمكن أنا مش البنت اللي كملت تعليمها واللي هو مقياس ناس كتيرة لفكرة تنسيق اللبس، أو الثقافة، أو المعرفة، أو حاجات كتيرة، حتى لباقة الشخص وطريقته في الكلام، بس أنا فعلاً مش ضد الفكرة، أنا متصالحة مع فكرة الفروق الفردية اللي قرأت كتير عنها، وهي إننا كلنا مفيناش حد شبه التاني.
– إيه يا سارة هتباتي عندك؟
– بلف الطرحة على فكرة.
-هعد لعشرة، ولو مخلصتيش….
– لاء لاء هخلص.
طلعت له، ماشية جنبه، ماشي جنبي، إيدي في إيده، كنت سمعت إنه عناق الأيدي كفيل يخلي القلب دافئ برضوا، إبتسامة ظاهرة على محياي.
ـ أول حاجة حابة تروحي فين؟
فكرت وبعدها قولت:
– المُعز.
– يلا يا بينا.
– بجد؟!
– هو أنا ليه حاسس إن عندك بطء استيعاب النهاردة ؟
– بتتريق عليا يا نوح؟!!
رد وهو بيضحك:
– ما أنتِ اللي طريقتك تضحك وأنا مالي!
– طب أنا مقموصة، يلا سلام عليكم، أنا ليا غير شقتي؟
– والله؟
– بجد.
شدني وهو بطلعني من الشقة وبيقفل الباب بالمفتاح ورايا.
– إكبري بقى وبطلي عِند يا سارة هانم.
– يعني قصدك إني عيلة؟
– أقسم بالله ما هسيبك تنكدي، يلا على تحت أنا قولت لوائل يسب لي العربية علشان هتكون أريح، يلا.
بيموت فيا، بيموت فيا، أحم أنا بحب استفزه طيب، أعمل إيه يعني ؟!
ـ هو أنت فاكر كنت بتسوق إزاي طيب؟! أنا خايفة.
قال بشبه عصبية:
– يارب صبرني، اديني الصبر من عندك.
– ما أهو أنا خايفة عليك.
– متخافيش يا أختي ؟
– أختك ؟!!!
– يارب الصبر .
-حساني مستفزة شوية؟
– لاء طبعاً يا حبيبتي مين يقدر يقول كدا؟!!
– خلاص والله كنت بهزر.
كملنا في طريقنا وأنا قاعدة أنكش فيه وأستفزه، وقلبي طاير من الفرحة بشوفته كويس، أو بوجوده.
وصلنا، كنا بعد العصر، الجو حلو، المكان جميل أوي، خصوصاً إن أنا حد بيحب الأماكن التاريخية، ما بالكم بالمعز اللي كان نفسي اروحه أصلا ؟!
– تعالي اقترح اقتراح.
– قول
– هنروح بيت الكريتلية الأول، البيت شبه البيوت اللي في المعز، تعالي بجد.
روحت معاه ودخلنا البيت اللي كان بمثابة متحف، وأنا بدخل بيت الكريتلية، حسيت كأن الزمن رجع بيا لورا، كأني عايشة في حكاية من حكايات القاهرة القديمة. البيت مبهج من أول خطوة، المشربيات الخشبية بتدخل نور الشمس بطريقة ساحرة، والسقف مليان نقوش إسلامية دقيقة، تحس إن كل زاوية فيه بتحكي قصة.
بصيت حواليا لقيت الساحة الداخلية بمثابة لوحة فنية، مع الحوش الصغير والأشجار اللي بتدي إحساس بالهدوء. عرفت إن البيت اتسمى كده علشان واحدة من جزيرة كريت كانت ساكنة فيه زمان، بس بعد كده جه جاير أندرسون، الراجل البريطاني ده، وقرر يرممه ويجمع فيه تحف نادرة من كل حتة.
الغرف الداخلية مبهرة، فيها أثاث قديم وديكورات بتحسسك بالفخامة والبساطة في نفس الوقت. وأنا ماشية فيه، كنت متخيلة الناس اللي كانت عايشة هنا، حياتهم، لبسهم، وأصواتهم وهي بتتنقل بين الغرف. بيت الكريتلية مش مجرد مكان تزوره، ده تجربة بتعيشك جمال وتاريخ القاهرة اللي مش ممكن تنساه.
– نوح، المكان تحفة بجد؛ ليه الإنسان ميقدرش يرجع بالزمن ويعيش الأيام بتاعتهم دي؟!
– المكان فعلاً جميل، يلا بينا على المعز زيّ ما اتفقنا، أهو مخلفتش بوعدي.
– ماشي يا سيدي.
دخلنا المعز، ودا من الإماكن اللي قرأت عن تاريخها كتير.
ـــــــــــــــــــــــــــ
حاسس إن جمال المعز بالليل وشوارعه، حتى إضاءة المكان مريحة، لو تشبه شيء مريح في حياتي، فهو وجودها.
وقفت هي عند الاكسسوارات النحاسية والفضية، ساعتها وقفت اختار بهدوء من غير ما تأخد بالها سلسلة فضة فيها شكل كوكب ومحيطة بيه الحلقة شبه كوكب زحل.
– إتفضلي.
– الله يا نوح، شكلها عسول.
– الحمد لله إنها عجبتك يلا.
مسكت إيدها وكملنا تجول في الشارع، مش أول مرة أجي المعز؛ لكن أول مرة أحس إن أنا مستأنس وأنا فيه، أول مرة أحس إن كل خطوة فيه مختلفة عن كل مرة مشيت فيها.
الشعور بوجود حد قريب منك يشبه سكينة الليل بعد يوم طويل، حضور بسيط لكنه مليان طمأنينة. كأن وجوده بيمنحك مساحة للراحة، بدون كلام كتير أو تصنع. تحس إنك مستقر، وكأن الدنيا حواليك أهدى، وإن حتى لو كل حاجة مش واضحة، وجوده بيخلي الأمور أخف. هو شعور إنك مش لوحدك، وإن فيه طاقة هادئة بتدفي المكان بمجرد وجوده.
لقيت بنت كانت معاها كاميرا، وقفتها علشان نتصور أنا و سارة، ساعتها سارة وقفت واتوترت وقالت برفض:
– لاء أنا مش عايزة أتصور.
– ليه طيب؟
– كدا علشان مش بحب التصوير.
– دي حاجة هتبقى ذكرى.
قالت بتوتر وعنين بتلمع بالدموع:
– كدا، أنا مبحبش شكلي في الصور.
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية نصف الجمال) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.