رواية اشواك الغرام – الفصل الثاني عشر
الفصل الثاني عشر .
دلف عرفة الي منزله ومنه مباشرةً الي غُرفة إبنه إسلام، دق الباب عدة مرات قائلاً
=إفتح يابني، انا عاوز اتكلم معاك..
=مش عاوز حد هنا كله يمشي اطلعوا برا وسيبوني في حالي.
قالها بصوتٍ عالٍ مبحوح من كثرة البُكاء، ف تنهد عرفة قائلاً
=وتفتكر الحل إنك تقعُد في البيت تعيط ولا تدور في أصل الموضوع وتعرف الحقيقة.
=الحقيقة ظهرت زي وضوح الشمس النهاردة يابا، وانا اللي كُنت أعمى وتغاضيت ومشوفتش كدة من الاول، وادي ربنا ظهر ليا الحقيقة قبل ما أدبس فيها اكثر .. ياخسارة مشاعري وحبي ليها، ياخسارة.. بقي أقعد كُل دا من غير حب ويوم ما أحب احب دي؟
=الحياة مش هتوقف لحد هنا يا إسلام لسه فيه فرص تانية كتيرة..
=انا مخنوق اوي يابا
=استهدي بالله وقوم صلي ركعتين لله .. اشكيله فيهم همك..
نظر إسلام نحو دولابه ونهض ماسحًا دموعه ثم اخذ حقيبة سفر صغيرة ووضع بها من الملابس والأشياء ما جاء أمامه ثم أخذ بعض الأموال الذي كان قد خبئها، وفتح باب الغرفة قائلاً بنبرة خالية من المشاعر
=محتاج أمشي شوية ، هروح أسكندرية أقعد مع عمتي .
=لو دا هيريحك روح، بس الهرب عمره ما كان حل، متهربش.. وواجه
=معنديش القُدرة اللي تخليني أواجه اي وجع تاني، عاوز اهرب منه بأي طريقة حتى لو هنام بس اهرب من الوجع اللي في صدري دا.
=علشان ضعيف، الضعيف بس اللي بيهرب من آلالامه، لكن القوي هو اللى بيواجه وبقوة.
=الالام دي اللي خلتني ضعيف يابا.
قالها وتركه وغادر ليتقابل مع والدته علي السلالم التي سألته عدة مرات لأين ذاهب لكنه لم يجيب، والقي نظرة مؤلمة علي الزينة التي تقطعت والشقة التي بقت فارغة من عفش رفيف، تذكر اول يوم رآها فيه هُنا، وتذكر أيضًا هذا الصباح عندما داعبها قبل ذهابه للحلاقة، لتهبط دمعه من عينيه رُغمًا عنه ف أزالها برفقٍ وغادر من المكان ..
بينما قالت والدته بضيق لعرفة
=انت هتسيب ابنك يمشي؟
=ياريتني انا اعرف امشي زيه، واغور من وشك
قالها وهو يخرج من الشقة فقالت وهي تضغط علي شفتيها بضيق
=بقي كدة ماشي ياعرفة، بس برضو اللي عايزاه حصل.. وكدة ابني برضو مش هياخد غير بنت خالته، آه دا زينة الشباب ياخد واحدة لا ليها أصل ولا فصل.
ازالت حجابها وهي تتقصع في خطواتها وتُدندن
=ما تذوقيني ياماما أوام ياماما ..
ذهب إسلام الي رصيف موجودًا في نهاية حاراتهم وكانت ميادة تجلس في نفس المكان فهي لم تود الذهاب لمنزلها حتي لا تسمع صوت الموسيقي وخُطبة إسلام، جلس إسلام بالقُرب منها وظل يبكي بصوت مبحوح، توقفت هي عن البُكاء وهي تنظُر له بصدمة مرددة
=إسلام..
سمعها لينتبه لها قليلاً ثم ازاح دمعة من طرف عينيه بحرج وحاول النهوض فركضت اليه للمرة الاولي وهي تقول بشجاعه لم تعهدها من قبل
=انت سيبت خطوبتك ولا إيه..؟
=وانتِ مالك تسألى ف حاجة زي دي ليه!
شعرت بالحرج حينها فنظرت أرضًا قائلة
=مقصدتش.. انا بس كُنت عاوزة أبارك ليكم.
=مفيش مباركة، ومفيش زفت خطوبة متدخليش بقى في اللى مالكيش فيه بعد كدة.
=انت بتكلمني كدة ليه تصدق انا غلطانة اني بهتم ليك اصلا انت واحد متستهلش اي حاجة ماللي بقدمهالك، غور ليها .
تركته وغادرت وهي تبكي بهيستريا، ف هرمونات الفتيات لا تنتهي بل تمتد وتأتي في أكثر الأوقات غرابة، في حين نظر لطيفها بحيرة ثم اخذ حقيبته وذهب لموقف العربات، حيثُ سيُغادر الإسكندرية لفترة، حتي يرتاح فقط.
________
رن جرس الباب، لتفتح بُثينة بسعادة علي أمل أن يكون زوجها العزيز قُصي، تفاجئت بشفيق أبو النجا فعادت للوراء بخوف وقلق مردفة
=شفيق !
=إيه؟مكونتيش عاوزاني ولا إيه ؟؟ اكيد كُنتِ عاوزة حبيب القلب.
إبتلعت ريقها بتوتر وهي تتحكم في الباب مردفة
=عاوز إيه ياشفيق..
=عايزك ..
=وانا مش عايزاك ولا طيقاك، انت عارف إني بحب قُصي من زمان، ودلوقتي انا مراته وعلي ذمته ومتحلمش أكون ملكك
لانت ملامحه للمرة الاولي وهو يتأملها بعشقٍ جارف، فهي حبه منذُ زمن ولكنها لم تراه ولو لمرة حتي، ودائمًا كانت تتنبه لقُصي، وكان هذا أحد الاسباب القوية التي جعلته على عداوة مع قُصي..
أردف بنبرة تحمل الكثير
=لعلمك، انا في ثواني أفرمهولك، دخلته السجن قبل كدة وممكن أدخلهولك مرة كمان معنديش مشكلة وتبقي أكبر من اللى قبلها ياخد تأبيده ولا حاجة
بدأت تبكي بخوف قائلة
=اياك تلمسه او تعمله اي حاجة
=اي هتعمليلي اي بقي؟
=هقتلك، والله هقتلك وأدخل السجن عادي.
=لو هموت علي ايديكي يبقي عادي.
حاولت اغلاق الباب وضع قدمه وحال في إغلاقه مُردِفًا
=قُصي مش هنا، ومفيش حد هنا.. دي فرصتي ، علشان آخد اللي عاوزة بالعافية، طالما معرفتش آخذه بالذوق.
=أطلع برا ياحيوان وإلا هتصل بقُصي حالاً.
لم يهتم وفتح الباب بقوته علي مصرعيه ودلف وهو يُقيد حركة يديها بقوة وهي تصرخ وتضربه بكُل ما أتت من قوة لكنه كان أقوي منها بمراحل.
_________
صُدِمت رفيف وهي تجد أبن عمها محمود يقف أمامها بجانبه مُسعد والاخر يمسك سلاحًا يصوبه نحوها، شعرت بالخوف والقشعريرة تسري في جسدها وهي تنهض بسرعة ماسحة دموعها قائلة
=إنت تاني.. عاوز مني اي؟
=انا المرة دي جاي أقتلك وأخلص عليكِ، في سبيل اللي عملتيه يا **** بقي ماشية علي حل شعرك ومفكرة إنك مالكيش كبير.
=لو مفكر إنك تقدر تعملى حاجة تبقي أهبل، انا ممكن انجو من رصاصة لكنك مش هتنجو من الحبس يا محمود ف علشان كدة لو عايز أقتلنى عادى مفيهاش مشكلة .
اردفت أمنية بغضب
=اسمع ياجدع انت لو مغورتش من هنا فى ستين داهية ، مش هيكفينى فيك عمرك والله
=وانتِ مالك يا مرة انتِ هتعمليلى ايه يعني
=هصوت وألم عليك الناس بعدين انت اهبل ولا شكلك كدة داخل مستشفي بسلاح ومفكر هتخرج منها بسلامة
اردف مسعد بقلق
=هي معاها حق يامحمود أتقى الله ويلا نمشى أحسن.
=مش متحرك من مكاني ألا لما أغسل عاري.
أردفت أمنية بعصبية
=عار اي يابن الهبلة انت مسكتها في شقة مفروشة، دي صور مفبركة انت شكلك اهبل ومش فاهم حاجة
صوب السلاح بتجاهة أمنية قائلا
=أخرسي بدال ما أطُخك عيارين وأخلص..
جاء في تلك اللحظة قُصي، وهو يعرج مُتكأ علي أحد رجاله، قائلا بنبرة مستفزة
=أهلا حودة ، انت تاني؟ هو انت مش بتحرم؟ انا مش لسه مدخلك السجن من يومين، عاوز تدخله تاني؟مهو معاك حق اصله إدمان بصراحة الانسان بيتعود عليه..
تنهدت رفيف براحة واستكانة وهي تراه امامها فهي الان تشعر ان خلفها سندٍ بالفعل، في حين قال محمود بغضب
=انت بتطلعلي منين انت كمان أمشي غور من وشي بدال ما اخلص عليك.
أشار قُصي برأسه لرجالته ف اخذوا محمود تحت عصبيته وصراخه الشديد واخذوا مُسعد أيضًا، اردفت أمنية بسعادة
=تسلم ايديك يامعلم.
تأمل قُصي ملامح رفيف الحزينة الباكية، أردف بنبرة تساؤليه
=إنتِ كويسة؟
نظرت له بنظرة طويلة مُحملة بالالم، ثُم عادت تجلس علي المقعد ورُغمًا عنها سقطت دموعها، أردفت أمنية بتوتر
=معلش يامعلم، هي بس تعبانة شوية ومش قادرة تتكلم اللى حصل مش قُليل.
=والدتها كويسة؟
=لسه مفيش أخبار، الدكتور معاها جوا وربنا يسترها ميحصلهاش حاجة مالهاش غيرها اصلا دي ممكن تروح فيها.
ما هى الا دقائق حتى خرج الطبيب من الغرفة علي وجهة ملامح الآسي والضيق، ركضت اليه رفيف مُتساءلة برجاءٍ
=أمى يادكتور كويسة؟
=انتِ كُنتِ عارفة اني ولدتك عندها صديد علي القلب
=كُنت عارفة أيوة والمفروض بتاخد علاج وتكون بقن كويسة
=للاسف والدتك في حالة متأخرة يارفيف، وجلها سكتة قلبية ..
=ي.. يعنى اي..
قالتها ببطيء ودموعها بدأت تهبط، فقال بنبرة حزينة
=إنتِ مؤمنة بقضاء الله، والدتك توفت.. البقاء لله، لازم نمشي في إجراءات الغُسل، والدفنة.
حل الصمت علي الجميع، بدأت أمنية تبكي بحزن، شعر قُصي بالضيق وهو يرمق رفيف التي تنظر للفراغ بهدوء ما قبل العاصفة، ثم تراجعت للخلف قائلة بغضب
=انت مش دكتور انت اهبل، وسع ليا انا ممرضة هدخل أشوفها، وسع وسع بقولك.. اخلص!!
قالتها وهي تضرب الطبيب وحاولت أمنية وقُصي إيقافها، لكنها كانت تصرخ بطريقة قوية وعشوائية وهي تقول
=سيبوني بقولكم سيبوني… ماما مش هتسيبني زي بابا هي وعدتني تفضل جنبي، هي وعدتني مين هيحضني ويكون معايا مين!!! رفيف بقت في الدنيا لوحدها ياماما ياماما متسبنيش فوقي علشان خاطري، انا بقيت وحيدة وماليش حد بقيت وحيدة.. آاااااااااااه.
أصدرت تلك الآه القوية من صميم قلبها بأرقٍ ووجع، ثُم بدأت تغلق عينيها تدريجياً وفقدت الوعي بين احضانه قُصي، تحامل علي نفسه وحملها بين احضانه رغم وجعه من الجرح، ثُم دلف بها الي أحد الغرف وفحصها الطبيب ثم قال
=أنهيار عصبي نتيجة تعرضها لخبر زى دا ودا طبيعي اديتها حقنة مهدئة، وهتنام لفترة ولما تفوق نبقي نشوف حالتها وربنا يستر ما تدخلش في حالة نفسية
قبلت أمنية جبينها ببكاء مردفة
=ياحبيبتي يارفيف.. ربنا يهون عليكي مُر الأيام يارب .
رمقها قُصي بوجعٍ ثم أردف بتنهيدة
=خليكي معاها يا أمنية متسيبهاش، همشي شوية حاجات وأجي.
أومأت برأسها وهي تبكي وتنظر لصديقتها بحزن، كان هو الاخر في غاية الحزن والضيق لم يعهد يراها تبكي وضعيفة، منذُ رآها اعتاد علي جبروتها ولسانها الطويل الذي لا يصمُت.
بدأت إجراءات غُسل والدتها على أن تٌدفن في صباح الغد، ثم دفع أموال المُستشفي الخاصة بها، وعاد مرة أخري بعد عدة ساعات كانت أمنية قد نامت من شدة ارهاقها، أيقظها قُصي قائلا
=أمنية روحي انتِ
=لاء والله مسبش صاحبتي لوحدها ابدًا هفضل معاها.
=طيب روحي نامى علب الكنبة اللي هناك دي وانا بس هشوفها واخرج.
=ماشي يامعلم، شكرًا.
بالفعل ذهبت نحو الكنبة الموجودة في آخر الغرفة وغطت في النوم مباشرةً، بينما جلس هو بجانب رفيف ليراها ساكنة هادئة ملامح حزينة وبهتانه للغاية ، هالات سوداء وحبوبْ احتلت وجهها خُرِب الميك آب الخاص بها وجعلها وجهها غريبًا نوعًا ما، كانت نائمة بفستانها التي اشترته وهو أول من رآه عليها، كانت تشبه أميرات الديزني في هذا الثوب..
اردف بنبرة دافئة
=متعودتش أشوفك كدة، من اول مرة شوفتك فيها وانتِ جميلة وبتنوري رغم عيوبك .. فوقي يارفيف إنتِ عُمرك ما كُنتِ ضعيفة أبدًا، انتِ لازم تقومي وتبقي قوية وتاخدي حقك من كُل اللى ظلمك، وأنا جنبك وهقف في ضهرك ومستحيل أسيبك لوحدك، وعد مني لاردلك كرامتك وحقك بس انتِ قومي.. اوعديني تقومي.
صمت قليلاً ثم قال بحيرة
=انا عمري ما عملت مع ست كدة، اه بحب اساعد بس مفيش مرة اهتميت لامر ست بالطريقة دي وخصوصًا انك غريبة عليا ومش قريبة مني علشان أقدم ليكي المُساعدة! فيه إيه بيني وبينك، وعملتي فيا إيه وعلاقتي بيكي إيه.. نفسي افهم اللى انا فيه دا اي.. مبقيتش فاهم حاجة ولا بقيت حاسس إني أنا المعلم قُصي بتاع زمان .. من يوم ما قابلتك وأنا اتغيرت.
صمت لفترة من الوقت يتأملها، ثم امد أطراف اصابعه يتحسس وجهها قليلاً ثم انب نفسه علي ما يفعله وسحب يديه ببطيء وظل مُحدِقًا فيها حتي غفل وغط في النوم ..
وفي صباح اليوم التالي.
فتح قُصي عينيه بتعب وأرهاق شديد في أماكن الجرح ووجد انهم ينزفون بسبب كثرة الحركة وعدم الراحة لكنه لم يهتم بقدر اهتمامه بأن رفيف ليست موجودة في فراشها، انتفض بفزع وركض خارج الغرفة يبحث عنها بخوف من أن يكون قد حدث لها شيء..
______
يُتبَّع
-رأيكُم مُهم.
الفصل التالي: اضغط هنا
يتبع.. (رواية اشواك الغرام) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.