رواية ولنا في المساء لقاء – الفصل الخامس
…صباح اليوم التالي,,
كان قد أمر جواهر حارسه الخاص أن يحضر الطبيبة النفسية التي رشحتها الطبيبة السابقة.
دخلت الطبيبة إلى غرفة ديلان، وجلست معها تحاول فتح نافذة صغيرة إلى عالمها.. لكن ديلان كانت صامتة، عيناها مفتوحتان على مصراعيهما، تنظران إلى لا شيء ولا تتكلم؛ لا تبتسم ولا تبكي حتى.
مرت ساعتان من الصمت,, وبعد،
خرجت الطبيبة من الغرفة ورافقتها جول إلى مكتب جواهر… جواهر كان ينتظر بفارغ الصبر، قال بلهفة: كيف حالها؟
أجابت الطبيبة بصراحة قاسية: حالتها سيئة جداً؛ ترفض الكلام تماماً وتريد أن تُغلق على نفسها.!
هي لا تريد التعامل مع أي شخص.
سألها بقلق: وماذا سنفعل؟ ما الحل لتخرج من هذه الحالة؟
ردت الطبيبة: يجب أن تخرج، يجب أن تذهب إلى مكان مختلف، ربما تغيير الجو يساعدها.
جواهر نظر إليها بحدة وقال: برأيك إلى أي مكان؟ هل حالتها تستدعي المصحة؟
هزت الطبيبة رأسها نافيه: لا يا سيد جواهر، لم أقصد هذا! يكفي أن تذهب إلى مكان تحبه، مكان به بحر مثلاً أو تسافر إلى أي مكان، فالهواء النقي وتغيير الجو قد يفيدها كثيراً.
إقترحت جول أن تأخذ ديلان إلى الساحل، وجواهر أصدر أوامره سريعاً.. قرر أن يرسل معهما حارسه الخاص فقط، لانه لا يريد أن يلفت الأنظار!
مر وقت ليس بكثير,, وصلن جول وديلان إلى هناك،
المكان كان هادئ جداً، جميل كأنه قطعة من الجنة نُسيت على شاطئ البحر.
جلست جول بجانب ديلان تحتضنها بصمت، لا تعرف ماذا تقول، لكنها كانت موجودة بجانبها فقط.
دقائق مرت في هدوء لم تعرفه ديلان منذ زمن طويل.
ثم…!!
لم تمض سوى دقائق معدودة، حتى وصل باران إلى المكان نفسه… من بعيد ظهر يسير بخطى ثقيلة، وجهه منهك وعيناه تحملان أعباء لا تنتهي.
كانت قد حدثت مشادة كلامية قبل قليل بينه وبين عمه حسن كالعادة، جشع العائلة يطارده ليجد نفسه محاصر بينهم.
فأتى إلى مكانه المفضل.. المكان الوحيد الذي يلتقط فيه أنفاسه، حيث يجلس وحيد يلملم شتاته قبل أن يعود ليكمل من جديد. لم يكن يعلم أن القدر سيجمعه بها هنا.
هي تبحث عن الأمان، وهو يبحث عن السلام.![]()
-وقف باران على بعد خطوات قليلة منهما،
لم ينتبه لوجودهما بعد. كان شارد،
ينظر إلى البحر بعينين تحملان أعباء ثقيلة، يفكر فيما حدث للتو.. في كلمات عمه وفي جشع فورات، في صمت جدته الذي كان أشد وقع من أي صراخ.
وفي الجهة الأخرى، كانت جول تحاول جاهدة أن تخترق صمت ديلان. تحدثت إليها بصوت هادئ، تحكي لها عن البحر، عن الهواء، عن أي شيء قد يجعلها تخرج من شرنقتها القـ.ـاتلة؛ لكن ديلان كانت كالجدار، لا تسمع ولا ترد،
فقط تحدق بعيداً.
واصلت جول الحديث ولم تتوقف، حتى فاضت عينا ديلان بالدموع فجأة… سالت الدموع على خديها دون أن يصدر منها أي صوت، كأنها كانت تنتظر لحظة آمنة لتطلق سراح ما بداخلها. ![]()
حزنت جول كثيراً ولم تستطع تمالك نفسها، فسقطت دموعها ايضآ… كانت تحب ديلان كأخت، وكانت ترى انهيارها يقتـ.ـلها كل يوم.
وبعد لحظات من البكاء الصامت، همست جول بصوت مكسور: ما رأيك، هل أجلب لكِ الماء؟
لم ترد ديلان.! ظلت تنظر تجاه البحر، عيناها غارقتان في الدموع وروحها غارقة في مكان لا يعرفه أحد.
نهضت جول على مضض، قالت بصوتها الرقيق: انتظريني قليلآ، سأجلب أنينة الماء من السيارة ثم أعود فورآ.
تركتها لحظة، غير عالمة أن القدر كان يعد لقاء لم تتوقعه هي، ولم نتوقعه نحن.![]()
أسرعت جول نحو السيارة، تاركة ديلان وحدها على المقعد المطل على البحر. كانت لا تزال تبكي، لكن دموعها بدأت تهدأ شيء فشيئا. رفعت عينيها بعيدآ، حيث تموجات البحر اللامتناهية، لعله يبتلع أحزانها كما يبتلع الشاطئ أمواجه.
وفجأة,,,
دار باران بجسده بعد أن أنهى لحظات شروده المعتادة، كان على وشك المغادرة.. لكن عينيه اصطدمتا بها.
ديلان,, كانت تجلس هناك وحدها، شاحبة الوجه ودموعها لم تجف بعد.. تنظر إلى البحر كأنها تنتظر شيء لا يأتي؛ أو ربما كأنها فقدت شيء ولن يعود.
توقف هو للحظة ولم يتحرك.! شيء ما في وجهها أخذه، شيء في عينيها الحزينتين جعله يشعر بأن هناك شيء.
ديلان التفتت حولها ببطء، فشعرت بأنها بدأت تخرج من غيبوبة طويلة.
لم تجد سوى ذلك الشاب الذي يقف على بعد خطوات منها.. نظرت يمنة ويسرى، تبحث عن جول؛ لكن جول لم تكن هناك.
نهضت ديلان من مكانها، جسدها يتحرك بإرادة لا تعرفها. خطواتها كانت ثقيلة، لكنها كانت تتقارب منه خطوة ثم أخرى. ربما خيط غير مرئي يسحبها إليه.
وعندما وصلت إلى جانبه، ورفعت يدها المرتجفة ببطء ووضعتها على يده!! لم تستطع الكلام، لكن يديها قالت ما عجز عنه لسانها؟ تتشبث به وكأنها تستغيث.
باران انتبه فجأة، كمن أفاق من حلم.. التفت إليها مصدوم مما فعلته.!
كان على وشك أن يسحب يده، لكنه نظر في عينيها فجمد مكانه! يا إلهي.. كيف لقلب بشري أن يحمل كل هذا الحزن؟
تلك العيون لم تكن مجرد عينين تبكيان، بل كانت محيط كامل من الألم، غارقة في دموع لم تنقطع منذ زمن طويل، تحكي قصص لم يسمعها بشر. ![]()
شعر هو برجفة يديها الباردتين، فشعر بشيء غريب بعدها!! كأن هذه العابرة الغريبة التي لا يعرفها، جاءت إلى هنا لتطلب منه المساعدة. كان هناك دفء غريب في لمستها رغم برودة أناملها… نظر إليها للحظات، ثم قبض على يدها بقوة.
هتف بصوت مبحوح، يحاول أن يفهم: من أنتِ؟ ولماذا تبكين هكذا؟ لماذا أتيتِ إلى هنا وحدكِ؟
ومن الذي أحزنكِ إلى هذه الدرجة؟
كانت الأسئلة تتوالى، فتمنت ديلان في تلك اللحظة لو أنها تستطيع الرد، لو أنها تستطيع أن تستغيث به، لو أنها تقول له: خذني بعيداً، خذني إلى أي مكان أو إلى أهلي،
إلى أي مكان لا يكون فيه ذالك الوحـ.ش.. أي مكان بعيدآ عن ذلك القصر الملعـ.ون.
لكنها لم تستطع. كانت عيناها فقط هي من تتحدث، تحدق فيه بنظرة موجعة، نظرة من فقدت كل شيء ولم يعد لديها ما تخسره. نظرة جعلت داخله يتمزق دون أن يفهم لماذا.![]()
-فجأة، سمعت خطوات مسرعة خلفها.
عادت جول حاملة إبريق الماء، لكنها صعقت عندما رأت المشهد أمامها.!
ديلان واقفة بجانب شاب غريب، يدها في يده،
وعيناها لا تفارقان وجهه.
أسرعت جول نحوهما، وضعت يدها على كتف ديلان بحزم وهي تقول: ديلان! لماذا نهضتِ من مكانكِ؟
ثم التفتت إلى باران بنظرة اعتذار وخوف، وكأنها تخشى أن يكون قد حدث شيء، أو رأهم أحد: أنا أعتذر منك كثيراً يا أخي، رجاءً لا تؤاخذنا.
أطلق باران يد ديلان ببطء، شعر بأنه يترك شئ لا يريد أن يفارقه. نظر إلى جول وقال: لم يحدث شيء، ولكنها…..!!!!
ثم صمت؛ لم يستطع أن يصف ما حدث.! كيف يشرح أنها لم تقل كلمة واحدة، لكنه شعر وكأنه يعرفها منذ سنين؟ كيف يقول إن عينيها لا تزالان تتكلمان في رأسه؟
نظرت إليه جول بدهشة، ثم قالت: أستأذنك، يجب علينا الذهاب.. هيا يا ديلان.
أخذتها جول من يدها، وسحبتها برفق بعيد عنه.
لكن ديلان ظلت تلتفت خلفها، تنظر إلى باران وعيناها لا تزالان تحملان كل الكلمات التي لم تستطع نطقها.
وهو أيضاً ظل ينظر إليها؛ ينظر إليها وهي تبتعد،
ينظر إليها حتى غابت عن عينيه.
-عادت ديلان وجول إلى القصر وكانت جول قد أخبرت جواهر بعودتهما على الهاتف وهما لا تزالان في السيارة.
صعدت ديلان إلى غرفتها مباشرة، مرهقة من رحلتها.
استلقت على سريرها تغفو بهدوء، تنتظر أن تأتيها الحياة لتوقظها إن شاءت.
أما جول، فاتجهت إلى المطبخ.
كان المكان هادئ، لكنها فوجئت بباب خفي في إحدى زوايا المطبخ يخرج منه جواهر الذي كان ينتظرها هناك. ![]()
نظر جواهر إلى جول ببرود وسأل: كيف حالها الآن؟
التفتت إليه جول بعصبية لم تكن تخفيها هذه المرة: وهل يهمك حالها؟! ما يهمك هو نفسك فقط!
تغيرت ملامح جواهر قليلاً، لكنه قال بهدوء مصطنع: هي زوجتي، بالطبع يهمني أمرها.
هنا انفـ.ـجرت جول وانهمرت دموعها وهي تصرخ فيه: لا..! لو كانت تهمك حقاً، ما كنت أوصلتها إلى هذه الحالة ![]()
هي منهكة كثيراً، كاد حزنها على حالها يقـ.تلها.. هي بقيت جسد بلا روح.
تنهد جواهر، للحظة وظهر على وجهه شيء يشبه التعب: وهل يعجبني ما وصلت إليه؟ أنا حقآ أتمنى أن تكون بخير.
تقدمت جول منه بخطوات حازمة، صارت تنظر في عينيه بلا خوف، صاحت: لو كنت حقآ تمنيت لها الخير، ما جلبتها إلى هذا المكان المشؤوم.
منذ أن رأيت معاملتك لها وجفاءك معها، وأنا أعلم أنك لا تحبها.. لكن السؤال الذي يدور في رأسي!! لماذا تزوجت بها؟
لماذا جلبتها إلى هنا؟
ساد صمت ثقيل بينهما.
نظر إليها جواهر بعينين لا تعكسان شئ مما يدور في داخله، ثم قال ببرود قاسي: ربما فقط؛؛ فقط أردت أن أكسر كبرياءها.
أردت أن تعلم من هو جواهر شيهاني.
أردت أن أجعلها تندم على اليوم الذي تجرأت فيه ورفضتني.
ابتسمت جول ابتسامة حزينة مريرة، وردت: وها أنت قد رأيتها. هل اكتمل ما أردت؟ أرجوك اتركها وشأنها.
لكن جواهر كان قد أدار ظهره بالفعل، وقال بنبرة باردة: الآن لدي عمل مهم خارج البلد، وعندما أعود، سأرى ماذا أفعل معها.
سألته جول بقلق: وهل ستطيل فترة غيابك؟
جواهر قال: لا أعلم، لكنني سآتي فور انتهائه.
جول: ولماذا لا تأخذها معك؟ ربما تتحسن حالتها وهي بجانبك!
التفت إليها جواهر بنظرة حادة وقال: قُلت لدي عمل مهم كثيراً، ألن تفهمي؟
هنا لم تتمالك جول نفسها، صرخَت فيه: وهل العمل أهم من زوجتك؟!
نظر إليها جواهر ببرود قاتـ.ل وقال بكل صراحة: نعم، أهم. فأنا لم يكن لدي وقت لها من الأساس.
ثم أكمل بلهجة آمرة: يجب أن تبقى هي هنا، الطبيبة ستداوم معها حتى تتحسن حالتها. وهي أيضاً ستكون تحت رعايتك، لا تتركيها، واعتَني بها جيداً….
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية ولنا في المساء لقاء) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.