رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل السابع 7 – بقلم جاسمين محمد
ليلى (بصوت جامد تماماً وخالي من أي مشاعر، وعينيها ثابتة عليه): “طلقني.”
(آسر وقف مكانه مش مصدق اللي سمعه، والكلمة لجمته تماماً)
آسر (بذهول): “أنتِ بتقولي إيه يا ليلى؟ طلاق إيه! بس اسمعيني…”
ليلى (بنبرة حاسمة تحاول إخفاء ارتعاش صوتها):”مش محتاجة أسمع حاجة… خلاص الكلام خلص ،طلقني يا آسر.. وكل واحد فينا يرجع لحياته الطبيعية. هو أصلاً كان “جواز اتفاق”، وأنا ما ينفعش أدمر حياتك أكتر من كده. أنت ليك حياتك وليك خطيبتك، فـ ليه أكون أنا السبب في دمارها؟ وعمي خلاص، أكيد مشي من إسكندرية ورجع البلد ومش هيرجع تاني، يعني مفيش خطر عليا خلاص.
آسر (بيحاول يقرب منها بلهفة): ليلى.. بس اسمعيني الأول، خليني أفهمك..
ليلى (بتقاطعه بحدة وهي بتبعد عنه): مش عايزة أسمع حاجة! يا ريت تطلقني في أقرب وقت.
(سابته ليلى واقفاً في مكانه بصدمة، وتسرع إلى غرفتها وتغلق الباب بقوة. ترتمي على السرير، وتنفجر في العياط وهى بتكلم نفسها بقهر)
ليلى (بين شهقات بكائها): يا رب.. ليه بيحصل فيا كل ده؟ ليه حياتي مش مكتوب لها تعيش مبسوطة وفرحانة؟ ليه كل ما أحس إن حياتي بدأت تبقى حلوة، ألاقي المشاكل بتيجي لي تاني وبتهد كل حاجة؟ ليه يا رب؟ أنا عملت ايه في حياتي عشان يحصل فيا كل ده؟
(تستمر ليلى في البكاء وهي تحتضن وسادتها، وصوت شهقاتها يملأ الغرفة الهادئة)
آسر (بيوجه نظره لوالدة ليلى بعجز وألم): فهميني يا طنط.. أرجوكي فهميني أنتِ.. أنا مستحيل أطلقها، أنا ما أقدرش، والله العظيم ما أقدر أعيش من غيرها!
(يجلس آسر في مكانه مرة أخرى وهو يضع رأسه بين يديه، فتقترب منه والدة ليلى بهدوء وحزن)
والدة ليلى: يا ابني افهم، ليلى مستحيل توافق تعيش معاك وأنت خاطب واحدة غيرها.. هي مش هتقبل تدمر حياة إنسانة ثانية عشان مصلحتها، ليلى مش كدة.
آسر (بيرفع رأسه بصدمة): بس أنا مش خاطب! خاطب مين؟
والدة ليلى (باستغراب): إزاي؟ البنت اللي جت هنا وقالت إن اسمها “لوجين” وخطيبتك!
آسر: لوجين؟ ومين قال إن دي خطيبتي؟
والدة ليلى: ما نعرفش يا ابني، هي اللي جت وقالت كدة واحنا حتى ما سألناهاش من صدمتنا.
آسر (بيقوم فجأة وعلامات الغضب بدأت تظهر عليه): تمام.. بعد إذنك يا طنط، أنا لازم أمشي دلوقتي، هخرج وراجع تاني.
(يخرج آسر بسرعة البرق، يركب سيارته ويقودها بسرعة جنونية متجهاً إلى الفيلا. يصل ويوقف السيارة بإهمال ويدخل الصالة وهو يصرخ بأعلى صوته)
آسر: لوجين! لوجييييين!
والد آسر (يخرج من غرفة المكتب وعلامات الغضب والصرامة على وجهه): أنت بتزعق ليه كدة؟ في إيه! صوتك عالي ومالي البيت ليه؟
(ينظر آسر لوالده بصمت ، وأنفاسه متلاحقة من شدة الغضب، وفي تلك اللحظة تنزل عمته من على الدرج وهي تنظر إليه باستنكار)
عمة آسر (بتعجب): في إيه يا آسر؟ صوتك عالي ليه كدة؟ عملت إيه لوجين لكل ده؟
آسر (بحدة وصوت عالٍ): “فين لوجين يا عمتي؟”
العمة (بتردد وارتباك): “لوجين مش هنا يا آسر..”
آسر (باندفاع): “وهي فين؟”
العمة: “ماعرفش..”
آسر (بسخرية وغضب): “ما تعرفيش؟! بنتك تبقى لحد نص الليل بره وأنتي ما تعرفيش هي فين؟ هي دي بقى اللي بتقولي لي اتجوزها؟ أتجوز واحدة ما تعرفيش هي دايرة صايعة فين لحد نص الليل!”
بعد ما نزل الكف على وش آسر، ساد صمت رهيب في المكان، لدرجة إن صوت أنفاسه العالية كانت هو الوحيد اللي مسموع. آسر ملمسش وشه، فضل عينه مثبتة في عين عمته بذهول، الكلمة كانت أقوى من القلم..
عمته (بعصبيه) : انا بنتي محترمه غصب عن اي حد، علي الاقل هي ما مموتتش امها ؟؟
وقت الكلمه علي اسر أقوي من القلم”موت مامته”.
آسر (بصوت مخنوق ووش محتقن):
“انتي… انتي بتقولي إيه؟ بقى هي دي الحقيقة اللي مخبينها عني؟ بتعايريني بأكتر حاجة كسرتني عشان تدافعي عن بنتِك؟”
بص لوالده اللي كان واقف منكس الرأس، وعلامات العجز واضحة عليه. السكوت ده كان بالنسبة لآسر اعتراف صريح بصحة الكلام، وده اللي خلاه يفقد أعصابه أكتر.
آسر (بصراخ لوالده):
“ما تنطق يا بابا! ساكت ليه؟ قول لها إنها بتكذب! قول لها إن مامي ماتت قضاء وقدر مش بسببي! ليه دايما محسسني إني مجرم في البيت ده؟”
الأب (بصوت واطي ومهزوز):
“خلاص يا آسر.. عمتك مكنتش تقصد، هي بس اتعصبت عشان كلامك عن بنتها..”
آسر (بضحكة وجع وسخرية):
“تمام.. واضح أوي مكاني هنا إيه. المحترمة اللي بتدافعوا عنها دي، أنا مش بس مش هتجوزها، أنا مش عايز أعرف حد فيكم تاني!”
لف آسر بضهره ليهم، وعيونه مليانة دموع رفض تنزل قدامهم. خبط الباب وراه بكل قوته لدرجة إن البيت كله اتهز، وسابهم في حالة من الذهول والندم، خصوصاً عمته اللي بدأت تستوعب إنها ضربت في مقتل وجرحت أغلى ما عنده.
عمه آسر (تنظر لأخيها “أبو آسر” بحزن مصطنع وتمثيل): “والله يا أخويا ما كان قصدي، أنا مش عارفة الكلام ده طلع مني كيف.. حقك عليا، أنا بس أعصابي كانت تعبانة.”
أبو آسر (بحدة وعتاب): “أنتي إزاي تقولي له كده؟ إزاي تفكري باللي حصل وتحطي الذنب عليه؟”
(في هذه اللحظة، يفتح باب الفيلا وتدخل لوجين بهدوء)
لوجين (بتساؤل واستغراب): “في إيه؟ وماله آسر طالع بيجري كده ليه؟ عمالة أنادي عليه وما ردش عليا!”
أبو آسر (ينظر إليها بصرامة): “أنتي كنتِ فين لحد دلوقتي يا لوجين؟”
لوجين (بلامبالاة): “كنت سهرانه مع زمايلي وأصحابي.. في إيه يا خالو؟ هو في حاجة حصلت؟”
أبو آسر (بنبرة حاسمة): “مافيش حاجة، بس لازم النظام ده يتغير.. ومن بكرة الصبح عايز أتكلم معاكي، كل واحد فينا لازم يحط نقط على الحروف.”
لوجين (بصوت واطي لمامتها):هو في اي ،اي اللي حصل؟؟
مامتها(بعصبيه ):مش وقته دلوقتي يلا نطلع ننام !
بدأ يصرخ آسر داخل السيارة وصوته يختنق بالعبرات:
— “والله ما كان ذنبي! لو كنت أقدر أنقذك وقتها كنت فديتك بروحي.. ليه يا رب؟ ليه بيحصل فيا كل ده؟ أنا مش قادر أتحمل كل ده لوحدي!”
ضرب المقود بيديه بعنف وهو يشهق بالبكاء، وفجأة، قطع خلوته مع الألم صوت رنين هاتفه الملقى بجانبه. مسح عينيه بيده بسرعة وجذب الهاتف، ليتجمد مكانه حين قرأ الاسم على الشاشة.
كانت ليلي المتصله
حاول آسر استجماع شتات نفسه، أخذ أنفاساً عميقة ليهدأ حتى لا يظهر أثر بكائه في صوته، ثم ضغط على زر الرد حين رأى المتصل “ليلى”.
آسر (بصوت يحاول جعله طبيعياً): “أيوة يا ليلى..”
صوت مامة ليلى(بلهفة وقلق): “أنت فين يا ابني؟ قلقتني عليك من ساعة ما طلعت وأنت متعصب كده.”
آسر (يتنهد بضيق): “مافيش حاجة يا ست الكل، اهدي.”
مامة ليلي: “طب أنت فين دلوقتي؟”
آسر: “في مشوار كدة وراجع.. ليه في حاجة؟”
مامة ليلي(بنبرة أحست بما وراء صوته): “قلبي مش مطمنلك يا آسر.. أنا عايزاك ضروري يا حبيبي، تعالي البيت.”
آسر: “حاضر.. مسافة الطريق وهكون عندك.”
أغلق الهاتف وعاد إلى البيت والكسرة تملأ ملامحه. وبمجرد أن فتح الباب، وجدها تجلس في انتظاره، عيناها تراقبانه بقلق. بمجرد أن وقعت عيناها على وجهه الشاحب وعينيه الحمراوين من أثر الدموع، عرفت أن “جرحه القديم” قد فُتح من جديد.
لم تنطق بكلمة واحدة، بل قامت من مكانها وفتحت له ذراعيها على اتساعهما. في تلك اللحظة، انهار حصن آسر، ارتمى في حضنها كطفل صغير وراح يجهش بالبكاء وكأن صخوراً كانت على صدره وانزاحت.
أخذت تطبطب على ظهره بحنان، وتمسح على رأسه وهي تهمس له بصوتٍ دافئ مليء بالأمومة:
مامة ليلي: “اشهق يا حبيبي.. طلع كل اللي كتمه في قلبك. أنا هنا جنبك، وعمري ما هسيبك.. اهدا يا نور عيني، كل مر بيمر، وأمك (الله يرحمها) حاسة بيك وشايفاك، مش عايزة تشوفك مكسور كدة.”
آسر (وهو يبكي بحرقة): “ماتت ما بين إيديا يا أمي.. والله ما كان لي ذنب! حاولت أنقذها بكل الطرق، عملت كل اللي أقدر عليه عشان تعيش، بس ما كانش في إيدي حاجة.. قدر ربنا كان أقوى مني ومن كل الدكاترة.”
استمر في كلامه وهو يشد على ملابسها كأنه يتشبث بالحياة:
“ليه بيكرهوني كدة؟ وليه دايما بيحسسوني إني السبب؟ ليه لازم يفكروني بوجعي كل ما أحاول أنسى؟ أنا مش عارف أعمل إيه عشان يرحموني ويبطلوا يرموا الماضي في وشي.. أنا لولا وجودك جنبي يا ليلى ماكنتش هقدر أعيش، والله ما أقدر أعيش من غيرك.”
مامة ليلي(وهي تضمه بقوة وتمسح دموعه بحنان): “وحد الله يا حبيبي، أنت مالكش ذنب، ده عمرها وده نصيبها. اللي بيكرهوك دول نفوسهم مريضة، وأنا طول ما فيا نفس مش هسمح لحد يوجعك تاني. أنت ابني اللي مخلفتهوش يا آسر، وسندك اللي مش هيميل أبداً.”
آسر هيفضل يعيط لحد ما ينام هطبطب عليه
مامة ليلي (بحزن علي حاله آسر ):ربنا يصبرك ياحبيبي !!
عدلت مامة ليلى من وضعية آسر الذي غلبه النوم من كثرة التعب والبكاء، وضعت رأسه برفق على “الركنة” ودثرته بغطاء ليحميه من برد الليل، ثم قامت وتوجهت بخطوات هادئة اتجه غرفة ليلى
طرقت الباب بخفة، ففتحت ليلى الصغيره، لتجد الأم أمامها بملامح جادة وهادئة. دخلت الأم وأغلقت الباب خلفها، ثم التفتت إليها وقالت مباشرة:
— “جوزك مش عايز حد غيرك يا ليلى.. جوزك بيحبك.”
تسمرت ليلى في مكانها، واتسعت عيناها من الصدمة، ثم ضحكت بسخرية مريرة وقالت:
— “بيحبني؟ أنتي عارفة يا ماما إن دي جوازة اتفاق، وهو مبيحبنيش.. ده خاطب واحدة تانية وعايزها!”
اقتربت منها الأم وأمسكت يدها بحنان وقالت بنبرة واثقة:
— “بس أنا شفت في عينيه نظرة تانية خالص.. شفتها لما قلتي له طلقني وقت ما شفتكم مع بعض. جوزك دلوقتي في حالة صعبة ومحتاج لك، وأنا بقولك يا بنتي، بكرة تندمي لو ضيعتيه من إيديكي.”
صمتت ليلى ولم تعرف بماذا تجيب، فطبطبت الأم على كتفها وقالت وهي تتجه نحو الباب:
— “هسيبك دلوقتي عشان تنامي وترتاحي.. فكري في كلامي كويس عشان متندميش بعدين .”
(في المطبخ صباحاً)
دخل آسر المطبخ وهو يمسح على وجهه بإرهاق، رأى “ماما ليلى” منشغلة بتجهيز الطعام، فاقترب منها بهدوء.
آسر: “صباح الخير يا ست الكل.”
مامة ليلى(التفتت له بابتسامة حنونة): “صباح الخير يا حبيبي، عامل إيه دلوقتي؟ طمني عليك.”
آسر (بهدوء): “الحمد لله، أحسن بكتير.. تسلم إيدك.”
مامة ليلى: يلا روح خدش ياحبيبي وتعال عشان تفطر قبل ما تروح الشغل!!
آسر بارهاق:لا مش قادر اروح النهارده،أنا هرن استاذن منهم !
مامة ليلى(بحزن عليه):ماشي ياحبيبي
آسر:اروح اخد دش بقا
مامة ليلى:تمام روح ياحبيبي
آسر هيتجه للحمام عشان ياخد دش وهو في طريقه هيعدي علي اوضه ليلي وليلي في نفس الوقت هتكون بتفتح الباب وطالعه آسر هينظر اليها ومش هيتكلم
ليلي (بحب وبتسامه):صباح الخير
آسر:صباح النور ، عايزك يا ليلى بعد الفطار فيموضوع مهم، ومافيش خروج النهاردة.”
ليلى (نظرت له باستغراب): “موضوع إيه؟”
بعد ما آسر ساب ليلى محتارة قدام باب المطبخ، دخل أخد دوش وخرج قعدوا كلهم على السفرة. ليلى كانت قاعدة بتاكل لكن عقلها مش مع الأكل خالص، عمالة تسأل نفسها: “يا ترى عايزني في إيه؟ هل هيعتذر؟ ولا هيقول لي إنه خلاص هيتجوز لوجين؟”
بعد ما خلصوا، ليلى مقدرتش تصبر أكتر من كدة، بصت له وقالت:
ليلى: “ها يا آسر، خلصنا فطار.. إيه الموضوع اللي شغلتني بيه؟”
آسر سكت شوية وبص في عينيها بجمود وقال كلمة واحدة:
آسر: ” انتي كنتي بتقولي عايزه أطلقك.”
ليلى اتصدمت، الكلمة نزلت عليها زي الصاعقة، ملامحها اتغيرت ووقفت مذهولة وهي مش مصدقة اللي سمعته.
ليلى (بصدمة واستغراب): “أيه؟ طلاق؟ هو ده الموضوع المهم؟ !”
آسر (رد ببرود وقسوة): “مش أنتي اللي طلبتي الطلاق ؟ وانا موافق إني أطلقك يا ليلى.”
ساد صمت رهيب في المكان، وليلى كانت بتبص له وهي مش عارفة تفرّق بين الوجع اللي في قلبها وبين صدمتها في رده السريع ده
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية لقاء خط بمشرط وقلم) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول