رواية فيصل العاق – الفصل الأول
========
داخل شقة قديمة متهالك أثاثها لحدٍ كبير
كان يقف شاب تجاوز الخامسة و الثلاثون من عمره بأشهر قليلة، ظل يقلب الشاي الساخن بعد أن تناول طعامه داخل المطبخ، كل شئ يصنعه لنفسه، من مأكل، ملبس، و تنظيم الحجرة الصغيرة داخل شقة والدهُ الذي أتى من عمله بأحد المصانع الجاهزة للملابس، يعيشون حياة غاية في البساطة، لا يوجد فيها أي رفاهيات أو ذاك الثراء الفاحش الذي لن يزورهم يوما ما، كان شاردًا في حاله الذي تبدل بين ليلةً و ضحاها، كان متزوج و انفصلا عن زوجته الذي اختارها بمحض إرادته تماما مثلها لكنها ندمت بعد ذلك بسبب سوء معاملته
كان و لازال يتمتع بالقسوة و الطباع الحادة لكنها اهدأ من ذي قبل، انتهَ من إعداد كأس الشاي و خرج من المطبخ متجهًا حيث الردهة
هوى بجسده على الأريكة يتابع التلفاز كعادته لـ يُلهي عقله قليلًا عن التفكير بهذا و ذاك
دي حياة بنت عمك أحمد الجمال تعرفه طبعا يبقى ابنه واخد أخت مراتي الواد حامد الجمال ما أنت عارفه !
قالها والده وهو يجلس جواره على الاريكة الخشبية بعد أن القى بصورتها بين يده منتشلًا إياه من بئر أفكاره، تابع حديثه و قال:
– البت دي غلبانة و منكسرة هو صحيح الحظ ملطش معاها حبتين بس بت جدعة و بنت حلال يعني مافيهاش عيب واحد عشان ترفضها زي غيرها
نظر لوالده و لم يعقب على حديثه بكلمة واحد بينما تسال والده بجدية قائلًا:
– مالك يا فيصل بتبص لي كدا ليه ؟!
– مافيش يابا بس اصلي مستغرب يعني من يومين جبت لي عروسة و قلت لي نفس الكلمتين دول و أنا قلت لك مش عاوز اتجوز و أنت بردو مصمم إيه يابا مبتزهقش ؟!
رد والده و قال بعتذار
– متزعلش مني يا فيصل أنت مش صغير و مراتي مضايقة من قعدتك هنا و بيني و بينك قعدتك هنا طولت اوي بقالك خمس سنين و يمكن أكتر من ساعة ما طلقت و أنت قاعد
رد ” فيصل” بنبرة متعجبة و قال:
– يابا دا أنا بسافر طول الشهر و برجع أسبوع بس الاسبوع اللي بقعده عندك بقى تقيل اوي كدا !!
تابع بجدية و قال:
– و عموما حاضر يابا هدور على شقة برا و اقعد فيـ…
رد والده قائلًا
– شقة إيه اللي تاخدها برا هو أنت لاقي تأكل و بعدين هتجيب إيجارها منين ؟!
رد ” فيصل ” باسما و هو يقول:
– و لما أنا مش لاقي أكل عاوزني اتجوز ليه ؟!
– عاوزك تتجوز عشان تلاقي واحدة تخدمك و تشيلك وقت اما تتعب و لما ترجع من شغلك تلاقي لقمة نضيفة و هدمة نضيفة
– طب ما أنا بعمل كل دا لوحدي هتجوز ليه بقى ؟!
رد والده بنبرة حادة و قال:
– يعني إيه يعني عاوز تقصر رقبتي قدام الناس اللي خدت معاهم كلمة و قلت ابني لما يرجع من السفر هيبقى يشوف العروسة
– يابا طب و أنت بتاخد معاهم كلمة ليه؟! هو أنا ناقص وجع دماغ أنا مش حابب اتجوز تاني كفاية لحد كدا .
رد والده وقال بجدية وهو يضغط على كلماته
– لا المرة دي تخلي بالك المرة دي لا هي هتستحملك ولا هتستحمل ضربك و عصبيتك عليها كل لخظة و التانية و إن كانت إيمان قبلت و اتحملتك خمس سنين حياة مش هتتحمل ولا هتقبل و المفروض تكون عندك د م و تبطل تمد ايدك على بنات الناس كل شوية
تنهد ” فيصل” و قال بجدية محاولًا انهاء الحديث في هذا الأمر
– يابا الله يرضى عليك أنا مش عاوز اتجوز لا تاني و لا تالت و كفاية لحد كدا بقى و إن كان على قعدتي هنا فأنا هشوف لي شقة تانية غير دي مرتاح كدا ؟!
– لا طبعًا مش مرتاح، و عيب لما تقصر رقبتي قدام الناس مش كفاية قصرت رقبتي زمان جاي تكسفني تاني مع نسايبك الجداد ؟!!
– قوام عملتهم نسايبي يابا ؟!
– اسمع اما اقل لك. كتر كلام مبحبش أنا خلاص اديت كلمة لاخوها و هو قال إنهم في انتظارك روح و اتقدم و لو معجبتكش العروسة ابقى سيبها لكن يجي معاد الزيارة ومترحش اهو دا اللي مستحيل اقبله ابدًا
تابع بخفوت و قال:
– و بعدين هتفضل لحد إمتى من غير ست ! ما أنت راجل متجوز و مجرب ؟! قادر ازاي تعيش كدا عادي بعد الطلاق ؟!
تابع بجدية وهو يراقبه و قال:
– و لا أنت فيك حاجة مانعاك من الجواز تاني؟!
رد”فيصل” و قال بنبرة ساخرة
– ليه يابا الكلام دا هو أنا عجزت زي ناس و لا إيه ؟!
رد والده و فال:
– قصدك إن أنا اللي عجزت يا واد ؟!
كاد أن يكمل حديثه لكنه و قف عن الأريكة و قال بعناد :
– طب و الله العظيم لتروح تشوف العروسة وغصب عنك و ابقى وريني هتقول لا ازاي ؟!
– أنت متلكك بقى
– اعتبرها زي ما تحب المهم متعمليش مشكلة مع مراتي .
رد ” فيصل” و قال بضيق
– طب فرضًا سمعت كلامك و رحت و سالوني عندك شقة هرد عليهم اقولهم إيه بقى ؟!
تابع بنبرة ساخرة و قال:
– معلش أصل الناس حكمت لمراتي الاولانية انها تاخد الشقة باللي فيها و اتجوزت فيها ابن عمي و أنا ماعنديش شقة اتجوز فيها ؟!
لا يا فيصل يا اخويا متقلقش احنا هنجوزك في الشقة اللي فوق اللي في الدور الرابع
اردفت “سعاد” زوجة أبيه عبارتها و هي تلج من باب الشقة، نزعت عنها وشاحها الاسود ثم جلست جوار والده بدأت ترسم له الامور و تجملها حتى يرضى، لكنه حاول التملص منهما و لكن جميع محاولاته باءت بالفشل، تنهد بعمق ثم قال:
– انهي شقة دي اللي قصاد شادية ؟! لا يا مرات ابويا شكرًا مش عاوز
نظرت لزوجها عله يرد على اعتراض ابنه حرك رأسه علامة الإيجاب ثم قال بجدية موحهًا حديثه لولده:
– و أنت مالك و مالك شادية ما كل واحد راح لحاله خلاص من اكتر من خمس سنين و بعدين ما هي اتجوزت إيه هتحرم عليك الجواز أنت كمان ؟!
– يابا هي ملهاش دعوة أنا اللي مش حابب الجواز أصلًا قرفت خلاص
لكزت زوجة أبيه والده الذي قال بحدة مصطنعة
– يعني إيه يعني أنا اديت كلمة للناس و مستحيل ارجع فيها و لا أنت عاوز تصغرني يا فيصل ؟!
رد “فيصل” بإستسلام و قال:
– ما عاش و لا كان اللي يصغرك يابا
تابع بجدية و قال:
– خلي اخواتي البنات يروحوا يشوفوها و بعدها أنا
– ريح دماغك اخواتك البنات حالفين ما يتصدروا لك في حاجة أبدًا حتى اخواتك الرجالة حالفين طلاق تلاتة ما حد يحضر حاجة غير ليلة الدخلة و بس .
داخل غرفة حياة
كانت جالسة على حافة الفراش و ابنة أختها بين أحضانها تلعب في خصلات شعرها الطويل أما هي كانت تسأل بحزنٍ دفين
– يا ناس حرام عليكم يعني يوم ما اتجوز اتجوز فيصل !! دا على يدكم كنتوا بتشوفوا مراته تشتكي منه ازاي ؟!
ردت اختها و قالت بنبرة هادئة و هي تقترب منها
– الكلام دا كان زمان لكن بيقولوا دلوقت ربنا هداه و متعرفيش يمكن أنتِ تغييري
– اغير مين بس !! هو أنا هانسى لما جت مراته ليلة العيد مع مرات ابوه هنا و جسمها كله ازرق و كدمات ملهاش آخر !!
ردت شقيقتها الصغرى و قالت دون قصد :
– يعني أنتِ عجبك قعدتك دي كدا لما قطر الجواز فاتك !!
تابعت بعتذار قائلة بنبرة صادقة:
– يوه. يقطعني و الله يا حياة ما كان قصدي أنا بس خايفة عليكي من الوحدة
ردت ” حياة” بنبرة حزينة قائلة:
– عايشة وحيدة و لا عيشة مُرة مع فيصل كل يوم بعلقة
ردت شقيقتها و هي تلج و حاملة بين يدها حامل الطعام و قالت:
– لا ياحبيبتي ضل راجل و لا ضل حيطة
تابعت بجدية وهي تنظر تجاه باب الشقة و قالت:
– و لا أنتِ عجبك كلام مرات اخوكي اللي يسم البدن دا كل شوية ؟!
ختمت حديثها قائلة
– هو صحيح اخوكي بيحبنا و مش مخلينا عاوزين حاجة بس بردو يا حياة نكون عندنا شوية احساس بي دا معاه بدل العيل تلاتة و هو مراته خمسة و أنتِ يا حبيبتي ستة يعني صراحة ربنا حِمل بردو لكن احنا زي ما أنتِ شايفة كدا كل واحدة مننا احنا التلاتة في بيتها و بتيجي اسبوع اه و اسبوع لا عشان بس مراته متقلبش وشها في وشنا .
ردت ” حياة” بحزنٍ يفوق حزنها و قالت:
– يا ناس ارحموني يعني أنا خلاص بقت حِمل تقيل اوي كدا ؟! خلاص ادور على شغل و اشتغل بس اتجوز فيصل لا يمكن ابدًا !!
تبادلن النظرات بينهن ثم تحدثت إحداهن قائلة بجدية
– يعني إيه ؟! دا اخوكي قال للراجل يجي و تشوفوا بعض
– بس أنا مش موافقة و مين قاله إني موافقة ؟!
– هي نافيش غيرها مراته العقربة تلاقيها بتعمل كدا عشان تعمل مشكلة جديدة !!
تابعت إحداهن بوعيد قائلة:
-طب و الله لاروح ادب خناقة معاها و اعرفها إن الله حق
استني يا ضحى كفاية مشاكل لحد كدا معاها
استوقفتها شقيقتها الوسطى و هي تنظر لأختها الكبرى “حياة” مسدت على ظهر يدها بحنو و حب ثم قالت بنبرة حانية
– حياة يا حبيبتي أنتِ شايفة مرات اخوكي قوية ازاي و بتعمل اللي تقدر عليه عشان تطفشنا و متخلناش نيجي هنا و احنا بنغمي عيننا و بنعمل نفسنا مش شايفين عشانك
تابعت بنبرة حانية
– متزعليش مني أنتِ بقى عندك تلاتين سنة و كل ما يجي لك عريس ترفضي من غير سبب
سألتها “حياة”بنبرة تملؤها الحزن و قالت:
-يعني أنتِ كنتي شايفة انهم مناسبين ليا يا أمل ؟!
– طب ما هو يا حبيبتي اللي بيتقدم لك نعمل إيه يعني ؟! و متزعليش مني مخدش هايجي لك احسن من كدا
-بس أنا استاهل حد احسن من فيصل يا أمل !!
ردت شقيقتها الصغرى و قالت:
– و الله يا حياة مجلناش حد عدلة و احنا رفضناه و متزعليش مني أنتِ كل مرة تقولي لو حد جه هوافق و بعدها تقولي مش مناسب لحد ما خلاص عديتي التلاتين دا كمان شهرين هايبقى عندك واحد و تلاتين يعني خلاص العمر بيعدي
سألتها “حياة” بضيق و قالت:
-مين اللي قال كدا يا لمياء العمر دا مجرد رقم احنا اللي بنقوله و أنا نفسي اتجوز الإنسان يشاور عليه قلبي و يتقي الله فيا مش واحد كان متجوز قبل كدا و ياريته طلقها عشان محصلش نصيب لا دا كان بيصبحها بعلقة و يمسيها بعلقة و الله اعلم أنا هايعمل فيا إيه !!
أجابتها اختها بجدية قائلة:
-معاكي حق في كل كلمة قلتيها بس هاتي لي واحد كدا عليه العين و القيمة و فكر يجي لنا
يا حياة فوقي لنفسك احنا فقرا و تحت اوي و لا أنتِ مش واخدة بالك ؟!
ردت ” أمل” بإقتراح قائلة:.
-إيه رأيك لو تصلي صلاة استخارة و تقعد مغاه و تصلي بعدها صلاة استخارة إن ارتاحتي نقول مبروك و لو مافيش راحة يبقى نرفضه !!
ردت ” حياة ” بتخذير واضحة و قالت:
– لو مش مرتاحة مش هكمل الجوازة يا أمل ؟!
– متكمليهاش هو أنتِ حد يقدر عليكي غير ربنا ؟!
انغمز أربعتهن في ضحكاتهن ما إن ختمت أختها حديثها بينما أكدت “حياة” حديثها بجدية مصطنعة قائلة:
– ايوة أنا قوية و مفترية و محدش يقدر يمشي كلمته عليا !
بعد مرور يومين
وقف “فيصل” على باب شقة حياة حاملًا الحلوى صافحه شقيقها و قال بترحاب شديد
– يا الف أهلًا و سهلا اتفضلوا اتفضلوا
دخلت عائلة فيصل و جلسوا داخل غرفة الضيوف مر أكثر من خمس دقائق تبادلوا خلالها اطراف الحديث، حتى قال والد فيصل بإبتسامة واسعة
-الاه اومال فين عروستنا ؟! مش ناوين نشوف القمر و لا إيه ؟!
رد “فيصل”بخفوت و قال:
– عروسة إيه ما شفتها في الصورة هي سيرة ؟! و لا أنت ناوي تدبسني بجد ؟!
تابع والده بجدية و هو ينظر لـ شقيق حياة و قال:
– دا فيصل مافيش على لسانه غير كان نفسي انساب عم أحمد الجمال و ابنه حامد و طول الليل منمش من الفرحة
مال “فيصل” و قال بجدية مصطنعة
– أنا منمتشمن وجع عيني بسبب اللحام بقلك إيه يابا أنت شكلك بتدبسني بجد !!
لكزه والده في كتفه و قال بإبتسامة واسعة
– ما يلا يا حامد بقى العريس عاوز يشوف العروس خلونا نفرح
بعد مرور خمس دقائق
ولجت “حياة” حامل بين يدها العصائر الطازجة وضعتها على سطح المنضدة الخشبي ابتسم والد فيصل ثم قال:
– الله أكبر إيه الحلاوة دي ؟!مخبيها عننا فين دي يا واد يا حامد
رد شقيقها و قال باسمًا:
– حياة دي وش الخير عليا و الله ما في يوم دعت لي و إلا ربنا جبر خاطري دي البصة في وشها رزق.
رد والد فيصل و قال بجدية مصطنعة و هو يقف عن الأريكة:
– طب قوم بقى نشرب العصير برا و نسيبهم يتعرفوا على بعض و لا ممنوع ؟!
رد “حامد” و قال باسمًا:
– أنت تؤمر يا عم يُسري اتفضل اتفضل .
بعد مرور دقيقتين
تفقد فيهما “فيصل” السقف جيدًا، و كأنه يمر بهذا الظرف لأول مرة، أما هي كانت تنظر لأرضية الحجرة و تفرك بأناملها في بعضهما البعض بُتر هذا الصمت سؤاله حين قال:
– أنتِ اسمك إيه ؟!
تنحنحت ثم قالت بصوتٍ مرتجف إثر خجلها
– حياة، و أنت ؟!
– فيصل
دام الصمت لدقيقة ثم سأل سؤالًا آخر و قال:
– أنتِ عندك كام سنة ؟!
– تلاتين و أنت ؟!
– خمسة و تلاتين
ظل يحرك رأسه علامة الإيجاب، وقع بصره على قطعة الشوكولاتة التقطها ثم قدمها لها
و هو يقول باسمًا:
– ينفع تقبلي مني دي ؟!
التقطها منه و هي تقول بخفوت
– شكرًا
ابتسم لها و قال :
-بُشرة خير إن شاء الله
كادت أن تقف عن مقعدها لتخرج من الغرفة من فرط خجلها لكنه استوقفها قائلًا بهدوء
– حامد بيقول إن دعوتك دعوة الخير لأي حد ما تدعي لنا
ردت بنبرة هادئة
– ربنا يجبر بخاطرك و يرزقك
كادت أن تخرج من الغرفة حتى استوقفها قائلًا :
– و يوفقنا إن شاء الله .
عاد والده و تجمعت العائلة من جديد، جلس جواره ثم قال بخفوت :
– ها نقول مبروك ؟!
رد فيصل بذات النبرة و قال:
– يابا و الله حاسس إنك بتدبسني ؟!
ابتسم والده ملء شدقيه و قال بصوتٍ مرتفع
– فيصل بيقولي هنعرف الرد منكم إمتى ؟!
يتبع
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية فيصل العاق) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.