رواية اسمعني بقلبك الفصل الرابع 4 – بقلم الكاتبة نون

رواية اسمعني بقلبك – الفصل الرابع

لحظة واحدة ممكن تفصل بين قلب بيحارب عشان يعيش
وقلب تاني بيحارب عشان مايحسش
كل حاجة بدأت بين واجب ومشاعر بين ماضي مستخبي وحقيقة بتقرب وبين وعد لازم يتنفذ مهما كان الثمن
دى مش مجرد عملية قلب
دى عملية هتفتح قلوب اتقفلت بقالها سنين.
الساعة كانت واحدة الضهر والمستشفى في قمة زحمتها
الممرات مليانة بدكاترة وممرضات ومرضى وعيلهم والصوت مش بيسكت
بس آسر كان في عالم تاني خالص
قاعد في غرفة الأطباء لوحده وقدامه ملف حياة مفتوح وعيناه مش بتقرأ الكلام
عيناه بتشوف حاجة تانية
بتشوف ابتسامتها الصغيرة لما عرفت إنه بيتكلم لغة الإشارة
ابتسامة مختلفة عن كل الابتسامات اللي شافها من زمان
فيها دهشة وفيها ارتياح وفيها حاجة شبه فرحة خجولة
بنت اتعودت إن العالم مش بيتكلم بلغتها
وفجأة لقيت حد بيتكلم
آسر اغلق الملف وقام وقف عند الشباك
دماغه مش قادرة تفصل بين موضوعين
الموضوع الأول ندى والحقيقة اللي لازم يعرفها
الموضوع التاني حياة نفسها
وده الموضوع اللي بيخوفه
لأنه حاسس بحاجة مش المفروض يحس بيها
حاجة بتقوله إن في حاجة في حياة غير ندى
غير التشابه
غير الأسرار المشتركة
في حاجة في حياة نفسها
في صمتها
في طريقة بصتها
في الشجاعة اللي شافها في عينيها لما سألته لو ممكن تموت في العملية
و الإحساس ده بالذات هو اللي جواه
إنت مش هنا عشان تحس يا آسر
إنت هنا عشان تعمل عملية وتعرف الحقيقة
وبس
الباب خبط وآسر طلع من أفكاره
اتفتح الباب لقى نجلاء السكرتيرة
قالت بسرعة
دكتور آسر في حالة طارئة دخلت الطوارئ دلوقتي
رجل في الخمسين وقلبه وقف في عربيته والإسعاف جبتو وبيطلبوا حضرتك
لبس البالطو بسرعة ومشي بخطوات سريعة
الطوارئ كانت في حالة استنفار كامل
الفريق الطبي حاوط السرير والمريض متصل بعشرين جهاز ووجهه شاحب كالموت
آسر دخل وبدأ يشتغل فوراً
صوته اتغير خالص
بقى صوت الجراح البارد المتحكم
اللي مش بيحس بحاجة غير الشغل
قال بهدوء قاطع
إيه البيانات
الممرضة قالت بسرعة
نبض 30 ضغط 70 على 40 في السابق قصور قلب من سنتين وبياخد دواء منتظم
آسر كشف عليه بسرعة ماهرة وقال
محتاج كاتيتر قلبي دلوقتي حضروا غرفة القسطرة
قالوا جاهزة يا دكتور
قال يلا بينا
ساعة وربع وبعدين
آسر طلع من غرفة القسطرة والمريض استقر وهو تعبان لكن ناجي
خلع قفازاته ورمى بيها في الزبالة ووقف يكتب في الملف
الممرضة الصغيرة ريم اللي بتحبه من بعيد من زمان وقفت جنبه وقالت بإعجاب
ربنا يبارك في إيدك يا دكتور الراجل ده كان بيموت
آسر مكمل كتابه في الملف وقال من غير ما يرفع راسه
هو لسه بيموت لو ما اتعالجش بجد من دلوقتي
خليه يلتزم بالدواء والأكل ويبعد عن الضغط
ريم هزت راسها وقالت
حاضر يا دكتور
ثم ترددت وقالت
دكتور آسر ممكن أقولك حاجة
قال وهو لسه مش رافع عينه
قولي
قالت بخجل
من زمان وأنا شايفك بتشتغل وبتنقذ الناس وإنت حزين ومحدش يعرف إيه اللي فيك
بس من امبارح لما دخلت على المريضة في 312 شوفت حاجة في عينيك مختلفة
حاجة مش شوفتهاش فيك قبل كده
رفع آسر راسه للأول مرة ونظر إليها نظرة فيها تحذير
ريم قالت بسرعة
آسف يا دكتور دي مش تتدخل بس قولتها لأني فعلاً شايفه إنك إنسان تاني من امبارح
آسر اغلق الملف وقال بجمود
شكراً يا ريم
وبعدين مشي
بس جملتها فضلت في دماغه
حاجة مختلفة في عينيك
هو كمان حس بيها
بس خايف يعترف
الساعة أربعة العصر
آسر قرر يروح يطمن على حياة قبل ما يكمل جولته
الموضوع مش طبي بالظبط
هو عارف ده
بس مش قادر يمنع نفسه
وقف عند باب 312 وطرق
فتحت أمها سميحة الباب ووجهها كان فيه آثار دموع
نظرت له وقالت بصوت متحكم
اتفضل يا دكتور
دخل لقى حياة نايمة على السرير
وجهها على الوسادة وشعرها منتشر من حواليها
نايمة بهدوء لكن حتى في نومها وشها فيه أثر تعب
سميحة وقفت جنبيه وقالت بصوت خافت
صحيت بدري وفى قلق أكتر من اللازم
آسر قال بصوت هادئ
طبيعي قبل العملية المريض بيبقى قلقان
سميحة ترددت وقالت
دكتور آسر أنا عايزة أسألك حاجة
هو توقع السؤال بس قال
أيوه
قالت
العملية دي فعلاً ضرورية ولا في بديل
قال بصدق
مفيش بديل يا فندم الصمام اللي عندها بيتلف بسرعة ولو معملناش العملية دلوقتي هنخسر الفرصة
سميحة بصتله وقالت
وهي هتنجح
آسر بصلها مباشرة وقال
هعمل كل اللي في إيدي وان شاء الله تنجح
سميحة هزت راسها ثم قالت فجأة بصوت اتغير فيه حاجة
أنت اتغيرت يا آسر
من زمان كنت شايفك وعارفك
آسر حس بضربة في صدره
هي عرفته
أو بالأصح اعترفت إنها عرفته
سميحة أكملت بصوت فيه ألم قديم
أعرفك من زمان وعارفة إنك راجل شريف
وعارفة إنك اتأذيت من زمان
آسر سأل بصوت متحكم جداً
وأنتي عارفة ليه اتأذيت
سميحة صمتت
صمت طويل ومؤلم
ثم قالت
مش دلوقتي يا آسر
في وقت تاني
آسر قال بهدوء لكن فيه حسم واضح
يا فندم أنا استنيت تسع سنين
أفتكر إن الوقت جه بقى
سميحة نظرتله وفي عينيها حاجة شبه أسف
بس قالت
بعد عملية حياة
وعد
آسر بص على حياة النايمة
وقال بصوت هامس وعد
ورجع نظره لسميحة وأضاف
بس أنا كمان عندي وعد
إنها هترجع من العملية كويسة
سميحة نزلت منها دمعة من غير ما تحس
مسحتها بسرعة وقالت
ربنا يسمع منك
في اليوم التاني
الساعة كانت عشرة الصبح
آسر كان بيراجع نتايج تحاليل حياة الأخيرة
الأرقام مش بتعجبه
الصمام فيه تآكل أسرع مما توقع
معناه إن العملية لازم تتقدم
قام ومشي على 312
طرق ودخل
حياة كانت صاحية المرة دي
قاعدة على السرير وفي إيدها كتاب مفتوح
لما شافته رفعت راسها وفيه سؤال واضح في عيناها
آسر جاب معه نوتة وكتب
في تغيير في موعد العملية لازم تتعمل بكرة
حياة قرأت وكتبت
بكرة ليه
كتب
التحاليل الأخيرة بتقول إن الوضع أسرع مما كنا متوقعين
لو استنينا أسبوع هيبقى في خطر أكبر
حياة قرأت وهزت راسها
كتبت
تمام بكرة
آسر بصلها مندهش شوية
سألها بالكتابة
مش خايفة
كتبت وهي باصاله مباشرة
خايفة جداً
بس خوفي مش هيغير حاجة
يبقى مش ههدر وقت فيه
آسر بصلها
وحس بحاجة جواه
ده مش شعور الطبيب تجاه المريضة
ده حاجة تانية
حاجة مرتبطة بشجاعتها
بهدوءها وهي بتواجه خوفها
بطريقتها في الحياة
بدأ يكتب بس وقف
مش عارف يكتب إيه
كتب في الآخر
هتبقي كويسة
حياة قرأت وابتسمت ابتسامة صغيرة وكتبت
إنت تضمن ده
كتب بجدية
أيوه
حياة بصته ثانية
ثم كتبت
ليه بتضمن
آسر وقف عن الكتابة
سؤال غريب
ليه بيضمن
الإجابة الطبيعية إنه بيضمن عشان جراح ماهر وهيعمل كل اللي في إيده
بس الإجابة الحقيقية
الإجابة الحقيقية إنه مش قادر يتخيل إنها مش تبقى كويسة
والإحساس ده بالذات هو اللي مش المفروض يحس بيه
كتب
عشان انتى أمانة في إيدي
حياة قرأت وبصتله بطريقة عميقة
ثم كتبت جملة مش يتوقعها
كتبت
وأنت مين اللي هيضمن إنك تكون كويس إنت كمان
آسر تجمد
إيه
حياة أكملت كتابه
أنا شايفاك من أول يوم
شايفاك بتتعامل مع الناس بس مش موجود معاهم
عيونك بتشتغل وقلبك في مكان تاني
إنت بتنقذ الناس وإنت نفسك محتاج حد ينقذك
آسر قرأ الكلام مرتين
ثلاثة
أربعة مرات
جملة من بنت صمّا مكنش يتوقعها
جملة وصلت لحتة جواه محدش وصلها من سنين
قام من الكرسي فجأة وقال
هتبقي كويسة إن شاء الله
ومشي من غير ما يلتفت
حياة بصت على ضهره وهو بيخرج
وحست إنها لمست حاجة في الراجل ده
حاجة حساسة ومؤلمة
حاجة محتاجة تتعالج هي التانية
ليلة العملية
حياة قاعدة مع أمها في الأوضة
الأم مش بتكلمها
باصه في الأرض وعيونها حمرا من البكاء
حياة مدت إيدها ومسكت إيد أمها
الأم رفعت راسها وفي عيونها خوف حقيقي
حياة كتبت على موبايلها
ماما أنا عارفة إنك خايفة بس أنا محتاجة منك حاجة قبل بكرة
الأم قالت بصوت مرتجف
إيه يا حبيبتي
كتبت
محتاجة تفضلي جنبي الليلة ومتسيبنيش
الأم ضمتها بقوة وقالت بصوت مخنوق
أنا مش هسيبك يا روح أمك مش هسيبك طول عمري
فضلوا ماسكين بعض
في خوف ام على بنتها
وبنت في خوف من المجهول
بس كلاهما عارفين إن في أسئلة هتتجاوب بكرة
بعد العملية
لو العملية نجحت
صباح يوم العملية
الساعة سبعة الصبح
آسر واقف قدام المرآة في بيته
بيربط ربطة عنق ثم يحلها ثم يربطها تاني
عملها عشرين مرة من غير ما يحس
دماغه في مكان تاني
هو عمل المئات من العمليات الصعبة ومفكرش قبلها حتى ثانية
النهارده مختلف
النهارده في حاجة جواه مش قادر يسميها
خوف مش طبي
خوف شخصي
مش من فشل العملية
خوف من حاجة مرتبطة بحياة نفسها
صوتها في دماغه وهو عارف إنها مش بتتكلم
عينيها اللي بتشوف أكتر من المفروض
بجملتها اللي قالت فيها إنه هو كمان محتاج حد ينقذه
خرج من شقته ونزل لعربيته
بس قبل ما يركب وقف لحظة
وبص على السماء
وقال بهمس في الهواء
ربنا معانا
الساعة تسعة الصبح
غرفة العمليات كانت جاهزة
النور الابيض الساطع
والأجهزة الطبية شغالة
والفريق في أماكنهم
حياة كانت مستلقية على ترولي العمليات وهي بتتحرك في الممر
السقف بيعدي فوقيها وهي باصاله
وصلت غرفة العمليات
حست بالبرد
مش برد الأوضة
برد الخوف
الممرضة حطت إيدها على إيدها وهي مش قادرة تحس بيها عشان مش بتسمع إيه بتقوله
بس حست بالدفا
حياة لفت راسها لقت آسر واقف جنبيها وهو لابس قبعة العمليات والماسك الطبي
عيونه البنية باصالها من فوق الماسك
كتير كتير من اللي عايزة تقوله
ورفعت إيدها ببطء وعملت إشارة بلغة الإشارة
قالت له
أنا خايفة
آسر بص حواليه الفريق الطبي منشغل بالتجهيزات
ثم رفع إيده وقال بلغة الإشارة
عارف بس
أنا جنبك
حياة حست بدموعه بس حبستها
وأشارت
وعدتني إني هبقى كويسة
آسر بصلها ثانية طويلة
ثم أشار بثقة هادية
وعد
حياة أغمضت عيونها
وحست بالبنج في جسمها
وآخر صورة شافتها قبل ما تغيب
كانت عيون آسر البنية الداكنة
باصصالها
وفيها حاجة شبه وعد
وشبه خوف
وشبه حاجة تالتة
هي نامت قبل ما تعرف تسميها
هل العملية هتنجح؟
وإيه السر اللي سميحة هتقوله بعد العملية؟

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية اسمعني بقلبك) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!