رواية اسمعني بقلبك الفصل التاسع 9 – بقلم الكاتبة نون

رواية اسمعني بقلبك الفصل التاسع 9 – بقلم الكاتبة نون

جذبها إليه في عناق هادئ
عناق رجل نجا من الموت ليعود إلى موطنه الحقيقي
كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل
الطريق الصحراوي الممتد نحو أطراف القاهرة يكسر سكونه ضوء مصابيح سيارة آسر
فجأة لمع ضوء في مرآته الخلفية سيارة تومض بأنوارها العالية بإلحاح استفزازي
آسر لم يرتبك فهو يمتلك الثبات الانفعالي
لقد خفف سرعته وبدلاً من الهرب انحرف بسيارته إلى مدخل فرعي لمصنع مهجور يعرف أن الشرطة ترابط فيه
توقفت السيارة الضخمة أمام سيارته ونزل منها ثلاثة رجال يتقدمهم المنشاوي
كانت عيناه تلمعان ببريق وحشي بريق من خسر كل شيء ولم يعد لديه ما يخشاه.
خرج آسر من سيارته ببطء
قال المنشاوي بصوت أجش.
الورق يا دكتور.. سلمني النسخة الأصلية وانا هقدر انقذ نفسي
وانت ربما.. ربما أسمح لك بالعودة لتلك الفتاة في المستشفى
آسر ابتسم
أنت متأخر جداً يا منشاوي. النسخ والاصل كلها وصلت بالفعل للنيابة
ولإدارة الرقابة الإدارية أنت انتهيت واللعبة خلصت
تراجع المنشاوي خطوة الغضب احتقن في وجهه
أشار لرجاله بالتقدم لكن في تلك اللحظة قطعت صرخات صفارات الإنذار سكون الليل.
أضواء زرقاء وحمراء لاحت في الأفق حاصرت المكان في ثوانٍ
كان آسر قد فعلها لم يواجههم بقبضته بل واجههم بالقانون بذكاء
سقط المنشاوي على ركبتيه بينما كان الضباط يقيدون يديه
يصرخ بكلمات غير مفهومة لكن آسر لم يعد يلتفت له
المعركة انتهت والآن.. بدأ وقت الحياة.
بعد ساعة في الغرفة 312.
كانت حياة لا تزال مستيقظة كانت تجلس على سريرها
تنظر إلى الباب بانتظار عودته
حين فُتح الباب ودخل آسر كان شكله يوحي بالتعب لكن عينيه كانت تلمعان بلانتصار
وقفت حياة فوراً وخطت نحوه بخطوات سريعة
لم تسأل لم تنتظر كتابة في النوتة
وضعت يدها على وجهه كانت قلقة عليه وهذا القلق في عينيها كان أصدق من أي كلمة
آسر أغلق الباب خلفه وأخذ نفساً عميقاً ثم جذبها إليه في عناق هادئ
عناق رجل نجا من الموت ليعود إلى موطنه الحقيقي
لم يكن عناقاً عاطفياً مبالغاً فيه بل كان عناق اكتفاء
ابتعد قليلاً نظر في عينيها الخضراء اللتين كانتا تحكيان له كل شيء
أمسك يدها ووضعها على قلبه.. نبضات قلبه كانت سريعة
أخرج النوتة وكتب
المنشاوي انتهى. مفيش حد هيقدر ياذينا تاني
حياة ابتسمت ابتسامة ارتياح غسلت كل مخاوفها
كتبت له
أنا مكنتش خايفة من المنشاوي.. كنت خايفة عليك
آسر أمسك القلم ونظر إليها
ثم كتب
بكرة بتاعنا إحنا عملية القوقعة هتتعمل الأسبوع الجاي وهتسمعي أول صوت في حياتك الجديدة.. هيكون صوتي
حياة شعرت برجفة خفيفة في قلبها …جلست
وجلس بجانبها و أمسك كفها وخلل أصابعه بأصابعها
كان صمتهما في تلك اللحظة مليئاً بالوعود.
لم تكن هناك حاجة للكلام ولا للنوتة كانت نظراتهما هي لغتهما المشتركة
آسر شعر لأول مرة منذ سنوات أنه آسر الإنسان ليس الجراح ليس الشخص الذي يطارده الماضي كان رجلاً أحب ويستعد ليعيش
اقترب من وجهها وضع جبينه على جبينها وأغمض عينيه
كانت اللحظة الأكثر نقاءً في حياته
لم يعد الماضي موجوداً ولم يعد المستقبل مقلقاً
كان الحاضر.. والحاضر فقط كان كل ما يهم.
بحبك قالها بوضوح لتقرأها من حركة شفتيه
حياة دمعت عيناها و وضعت يدها على قلبه مرة أخرى وشعرت بكل نبضة تنبض باسمها.
خارج الغرفة كانت الحياة في المستشفى طبيعية لكن في الغرفة 312 كان هناك عالمان يلتقيان
وعاصفة تهدأ ونور يبزغ من بين أنقاض الصمت
وبداية حياة جديدة لهما
مرت الأيام كأنها دهر من الانتظار
لم يعد اسم المنشاوي يتردد إلا في أروق النيابة العامة
بينما تحول الاهتمام كله إلى الغرفة 312
حيث كانت حياة تستعد للحظة التي ستقسم حياتها إلى ما قبل و ما بعد
في صباح يوم العملية
وقف اسر أمام سرير حياة التي كانت مستسلمة بسلام تام للتخدير
انحنى آسر وقبل جبهتها هامساً بكلمات لم تسمعها لكنها شعرت بكل كلمه
العملية بسيطة علمياً لكنها أهم عملية في حياتي
استغرقت الجراحة ثلاث ساعات من التركيز المتواصل
لم يكن آسر هو الجراح
كان ذلك لزميله المتخصص لكنه كان حاضراً يراقب كل حركة
يطمئن على كل مليمتر في وضع القوقعة الإلكترونية كان قلبه يدق مع نبضات قلبها وعيناه لا تفارقان شاشة المراقبة
خرج زميله في النهاية ملوحاً بإبهامه
نجحت يا آسر.. الجهاز في مكانه
تنفس آسر الصعداء تلك كانت الخطوة الأولى.
بعد أسبوع في غرفة هادئة ومعزولة تماماً عن ضجيج المستشفى
كان يوم التفعيل اللحظة التي سيتم فيها تشغيل المعالج الخارجي للقوقعة
آسر كان يجلس أمام حياة وبيده الجهاز الصغير
كانت يداه ثابتتين لكن قلبه كان يضطرب
ألبسها الجهاز بعناية ثم أشار للدكتور المختص ببدء التشغيل
أغمضت حياة عينيها كانت خائفة مشدودة الأعصاب.
آسر اقترب منها وضع يده على عليها ليطمئنها.
حياة .. اشار لها ممكن تحسي بصوت غريب في البداية ده طبيعي.. ركزي معايا
بدأ التفعيل
في البداية كان هناك صمت ثم بدأت ترددات إلكترونية حادة تتسلل إلى أعصابها.
فتحت حياة عينيها بذهول شعرت باهتزازات غريبة داخل رأسها
آسر كان يراقب وجهها بكل تفاصيله يترقب رد فعلها
قال آسر بصوت هادئ واثق
حياة؟
ساد صمت ثم فجأة اتسعت عينا حياة
لم يكن صوتاً طبيعياً تماماً كان صوتاً يحمل بصمة التكنولوجيا
لكنه كان صوتاً.. صوت آسر
بدأت دموعها تنهمر
لم تكن تفهم الكلمات بعد لكنها كانت تميز الذي يخرج من شفتيه
رفعت يدها المرتجفة ولمست وجهه ثم لمست رقبتها حيث تشعر باهتزازات صوته.
آسر
همست بكلمة غير واضحة لكنها كانت أول محاولة للنطق.
آسر لم يستطع التماسك أكثر. جذبها إليه في عناق طويل عناق امتزجت فيه أنفاسهما ببعضها.
أنا هنا.. أنا جنبك وهفضل جنبك لحد ما تتعودي على كل صوت في الدنيا
لم تعد بحاجة للنوتة لم تعد بحاجة لقراءة الشفاه بصعوبة
كان صوت آسر هو الترجمة الوحيدة التي تحتاجها للعالم
بعد ساعات كانا يقفان على شرفة المستشفى
الهواء كان يداعب خصلات شعرها والارض في الأسفل تعج بالحياة.
حياة نظرت إليه وكانت عيناها تحملان بريقاً جديداً.
كتبت في نوتتها لآخر مرة
ليس لأنها لا تستطيع الكلام بل لأنها اعتادت على هذا
أنت أول صوت سمعته.. وأهم صوت هسمعه طول عمري
آسر أخذ القلم منها ألقاه بعيداً وأمسك يديها بين كفيه.
مش عايز نوتة تاني
عايز أسمعك.. عايز أسمع ضحكتك
وأسمعك وأنتِ بتقولي اسمي بصوتك
حياة ابتسمت ضحكة خفيفة خرجت من حنجرتها
كانت أنقى موسيقى سمعها آسر في حياته
اقترب منها وبحركة حانية قبل جبينها.
في تلك اللحظة لم تعد هناك مستشفى ولا ماضي مؤلم ولا صراعات.
كان هناك رجل وامرأة بدآ رحلة الحياة معاً
رحلة بدأت بصمتٍ طويل وانتهت بصوتٍ لا يعرف التوقف عن قول أحبك
سقطت اورق ندى القديمة في درجٍ منسي
فقد فقدت قيمتها لأن القصة التي كانت مخبأة في طياتها انتهت
وبدأت قصة حياة وآسر
قصة ستبدأ كل يوم بكلمة بحبك بصوت مسموع

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية اسمعني بقلبك) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!