رواية وجع مخفي – الفصل العاشر
البارت العاشر
جاد
النهارده كتب كتاب تقى.
أختي الصغيرة… اللي كنت دايمًا بقولها “لما تكبري هشوفك عروسة.”
لبست البدلة الكحلي عشانها.
ظبطت القميص، لبست ساعتي الفضي، وحطيت بيرفيوم خفيف.
كنت المفروض أطلع على القاعة على طول.
بس وأنا خارج… وقفت.
فكرت في أمل.
هي دلوقتي في المستشفى… بين أجهزة وصوت ممرضين…
وأنا رايح فرح.
الفكرة نفسها كانت بتوجع.
قولت لنفسي:
“طب ما أعدي عليها الأول… دقيقة بس.”
مش عشان أتباهى بالبدلة.
ولا عشان أقول إني شيك.
لكن عشان تشوفني طبيعي.
تشوفني واقف.
تشوف إن الحياة لسه بتمشي… وإننا لسه عندنا أيام نلبس فيها كحلي من غير خوف.
ركبت العربية وغيرت الطريق ..المستشفى الأول.
يمكن أبتسم قدامها بثبات…
بس الحقيقة؟
أنا محتاج نظرة منها تطمني قبل ما أروح أفرح.
كتب كتاب تقى مستني…
بس أمل أهم.
حتى لو هتأخر شوية…
كله فداها …
وصلت المستشفى قبل ما أروح كتب كتاب تقى.
وقفت قدام قسم العزل.
الممرضة قالتلي بلطف:
__مينفعش تدخل من غير تعقيم كامل ولبس الجاون…
هزيت راسي …أنا عارف.
بس النهارده مش جاي أقعد…
جاي دقيقة بس.
وقفت قدام الإزاز اللي قدام أوضتها.
كانت قاعدة على السرير، ضهرها شوية للباب…
بصّت صدفة ناحيتي.
عيونها اتوسعت لحظة.
وبعدين ابتسمت.
مش ابتسامة كبيرة…
ابتسامة هادية، فيها تعب… وفيها فرحة صغيرة.
رفعت إيدي من بعيد ولوّحت لها.
لفيت قدامها بهزار خفيف عشان تشوف البدلة كاملة.
شاورِتلي بإيدها كأنها بتقول:
__شيك.
قربت خطوة من الإزاز، حطيت كف إيدي عليه.
وهي حطت كفها قدامه من الناحية التانية.
بينّا طبقتين إزاز…
ومسافة أكبر من أي مسافة.
فتحت شفايفها ببطء، قريت الكلمة من غير صوت:
__متتأخرش.
هزيت راسي:
__هرجعلك.
ما دخلتش ..ما لمستهاش.
بس كنت عارف إن اللحظة دي أهم من أي صورة في كتب الكتاب.
ومشيت…
سايب قلبي واقف قدام الإزاز.
_______________
تُقى
كنت قاعدة قدام المراية…
النور واقع على وشي، وصوت ضحك خالتي وبنات خالي مالي الأوضة.
واحدة بتظبط شعري،
واحدة ماسكة إيدي بتعملي ضوافري،
واللي بتحطلي ميكب بتقولي:
“بصي قدامك… متتحركيش.”
رغم إني محجبة…
أصرّوا أسيب الطرحة شوية.
قالوا: “مفيش حد غريب… خليكي تتهني بنفسك النهارده.”
بصيت لنفسي في المراية…
وشي كان هادي، بس جوايا كان في توتر خفيف.
أنا متعودة على أحمد…
وجوده في حياتي مش جديد.
بس فكرة إنه هيبقى جوزي…
الكلمة نفسها تقيلة.
جوزي.
الكلمة دي فيها أمان…
وفيها خوف.
يمكن عشان تجربتي الأولى مع الجواز ما كانتش سهلة.
يمكن عشان الوجع اللي عديت بيه لسه سايب أثر صغير جوايا.
بس المرادي مختلفة.
المرادي أنا مش داخلة خايفة.
ولا مستنية أستحمل.
ولا سايبة نفسي للظروف.
المرادي أنا واعية…
وعارفة إني مش هسمح للي حصل قبل كده يتكرر.
رفعت عيني للمراية تاني.
ابتسمت لنفسي ابتسامة هادية.
مش عشان أنا عروسة.
لكن عشان أنا أقوى من زمان.
كنت لسه ببص في المراية…
بحاول أركز في نفسي وأهدّي دقات قلبي.
الباب خبط خفيفة.
حد قال:
__جاد جه.
قلبي سبقني وبصيت ناحية الباب قبل ما يفتح.
دخل…
بالبدلة الكحلي.
واقف عند العتبة لحظة، كأنه مش مستوعب إني كبرت للدرجة دي.
نفس النظرة اللي كان بيبصهالي وأنا صغيرة أول يوم مدرسة.
ابتسملي ابتسامة فيها فخر… وفيها حاجة أعمق.
قرب خطوتين.
وقال بهزار خفيف يخبي بيه إحساسه:
__هو في عرسان تانية هنا ولا إيه؟
ضحكت غصب عني.
بس عيني كانت مركزة في عينيه.
كان في حاجة مختلفة…
هدوء غريب.
يمكن عشان لسه جاي من عند أمل.
يمكن عشان شايل همين في قلب واحد.
وقف قدامي وبصلي من فوق لتحت،
هز راسه بإعجاب:
__كبرتي يا تقى.
الجملة بسيطة.
بس كسرت في قلبي حتة حنين.
أنا مشوفتش دمعة في عينه…
بس شوفت لمعة.
وقتها حسيت إن مهما الدنيا اتغيرت…
لسه عندي أخ واقف في ضهري.
كنت ببصله وهو واقف قدامي…
مش أخويا الكبير بس،
ده أول أمان عرفته في حياتي.
قرب مني من غير كلام.
مدّ إيده… وبعدين حضنّي.
حضنه كان قوي…مش عشان يفرح،
عشان يطمن.
حطيت وشي في كتفه،
ولأول مرة من بدري قوي… حسيت إني صغيرة تاني.
الدنيا برا الأوضة دوشة وضحك وتجهيزات…
بس جوه الحضن ده كان في سكون.
دموعي نزلت من غير ما أستأذن.
مش دموع خوف ..ولا حزن.
دموع انتقال.
قال بصوت واطي جنب ودني:
__أنا معاكي… ومحدش هيكسرك تاني.
الكلمة خبطت في قلبي.
مسكت في بدلته الكحلي شوية،
زي ما كنت بمسك في قميصه وأنا صغيرة لما أخاف.
رفعت وشي وبصيتله،
وشوفت في عينه نفس الوعد القديم.
يمكن أنا داخلة حياة جديدة…
بس لسه عندي أخ
لو الدنيا هزتني… يمسكني.
مسك إيدي، ابتسامة واسعة على وشه.
قاللي:
__أحمد مستني بره ع نار… تعالي نخرج.
ابتسمت له بتوتر وهزيت راسي.
قلبي دق بسرعة.
مش بس عشان أحمد…
بس عشان اللحظة دي…
الأخ اللي حضنّي قبل شوية… واقف جنبي دلوقتي بيطمنّي.
حسّيته بيطمنّي من غير كلام، بيقوللي:
“ما تقلقيش… أنا معاكِ.”
بصيت في عينيه… وشوفت فيها نفس الحنية، نفس الأمان، نفس الرجاء.
حسيت بشجاعة صغيرة بتتسرب جوه قلبي…
شجاعة تقول لي: “انتي قدها… انتي مستعدة.”
كان في لحظة قصيرة بس مليانة حياة.
الحياة كلها وقفت حواليّ…
بس حضنه وابتسامته خلوا قلبي يهدي شوية…
ويستعد للخطوة الجاية.
خرجت وأنا ماسكة في إيد جاد…
أول ما عيني وقعت عليه، اتسمرت لحظة.
بدلة أوف وايت، قميص أبيض نضيف، وشعره متسرّح بعناية كأنه مستني اللحظة دي من زمان.
مقدرتش أبص له أكتر من ثواني…
نزلت عيني بسرعة، كأني اتلبست متلبسة.
بس إحساس نظراته عليّ كان أوضح من أي حاجة.
نظرة ثابتة… مركزة… مش بتتهرب.
مش عارفة هي كانت إعجاب؟
ولا اندهاش؟
ولا يمكن الاتنين مع بعض…
يمكن مستغرب إن تقى اللي لبست الأسود سنين،
واللي الحزن كان باين في كل تفصيلة فيها،
ممكن في يوم تلبس لون فاتح…
وتبان… حلوة.
مش مجرد حلوة…
لكن حلوة وهي بتحاول تعيش.
قلبي دق بسرعة،
ولأول مرة حسّيت إن يمكن…
يمكن أنا مش بس “اللي فقدت”…
يمكن أنا لسه أقدر أبقى ست بتتشاف.
__________________
أحمد
كنت واقف مستنيها…مش مستني المناسبة …ولا كتب الكتاب.
مستنيها هي.
ولما دخلت…إيدي اتجمدت في مكانها.
تقـى.
مش بالأسود ..مش العيون المطفيّة.
مش النسخة اللي متعودة أخبي خوفي عليها ورا هزار سخيف.
لا…
النهارده كانت لابسة لون فاتح.
فاتح لدرجة خلاني أحس إن الحزن نفسه اتكسف يقرب منها.
شعرها متظبط،
ووشها…
وشها كان فيه حاجة جديدة.
مش ضحكة كاملة ..بس محاولة.
ومحاولتها عندي كانت أغلى من ألف ضحكة.
بصتلها يمكن أطول من اللازم.
مش بإعجاب سطحي…
ولا باندهاش.
ببص لواحدة بحبها من سنين…
وبشوفها لأول مرة من غير دروع.
لأول مرة مش شايلة ذكرى على كتفها…
ولا لابسة حداد في روحها.
كانت تقى…بس أخف.
ولما نزلت عينيها بسرعة،
ابتسمت.
عارف إنها لسه بتخاف.
وعارف إن قلبها مش هيسلّم بسهولة.
بس النهارده…
حسّيت إن في باب صغير اتفتح.
والمرة دي
مش ناوي أمشي منه بهزار
استنيت لحد ما الزحمة خفّت شوية.
جاد اتشغل مع خالته،
والناس بقت بتضحك بعيد.
قربت منها بخطوة هادية…
خطوة محسوبة.
كانت واقفة بتلعب ف أطراف شعرها
وعينيها بتلف حوالين نفسها كأنها بتدور على مهرب.
وقفت قدامها،
مش قريب قوي…
بس قريب كفاية إنها تحس بيّا.
قلت بهدوء:
__ممكن أبصلك شوية من غير ما تهربي؟
رفعت عينيهالي فجأة…فيها توتر…
وفيها سؤال.
ابتسمت نص ابتسامة وقلت:
__مش عشان فستانك حلو…
ولا عشان اللون لايق عليكي.
سكت لحظة… وخفضت صوتي:
__عشان أول مرة أشوفك بتحاولي تعيشي…
مش بس تستحملي.
الكلمة خبطتها …شوفتها في عينيها.
بلعت ريقها وقالت بهدوء متصنع:
__متكبرش الموضوع يا أحمد.
قربت خطوة تانية…
بس المرة دي بصوت واضح:
__أنا مستني اللحظة دي من زمان يا تقى.
مش كتب كتاب ..ولا مناسبة.
مستني اليوم اللي تختاري فيه الحياة تاني…
حتى لو مش معايا.
اتسعت عينيها.
كملت وأنا ثابت:
__ولو اخترتيني…
أوعدك إني مش هبقى بديل عن حد،
ولا محاولة نسيان.
أنا هبقى بداية جديدة.
ولو في يوم حسّيتي إنك مش مرتاحة…
أنا أول واحد هفك إيدك.
سكتت.
والصمت كان مليان مشاعر أكتر من الكلام.
همست:
__إنت بتتكلم كأنك واثق.
بصيت في عينيها مباشرة وقلت:
__لأ.
أنا خايف.
بس بحبك أكتر من خوفي.
والكلمة خرجت لأول مرة…
واضحة.
من غير هزار …من غير لف.
____________
أمل
جاد راح كتب الكتاب…والغرفة سكتت عليّ.
قعدت قدام المراية…وبصّيت.
مش لنفسي…لحد تاني.
بنت وشها باهت عيونها غرقانة سواد…وشعرها؟
مبقاش في.
حسيت كأن المرض واقف قدامي وبيبتسم
كأنه بيقول: *شايفة؟ أنا بكسب.*
دمعة سخنة نزلت على خدي.
مسحتها بسرعة… بعند.
مديت إيدي وقلعت الباروكة.
وقعت في حضني خفيفة…
خفيفة أوي…بس تقيلة على قلبي.
حطيت إيدي على راسي ..ملمس غريب …جلد دافي… هش.
إيدي كانت بتترعش …مش من البرد…من إحساس إن جزء مني اتاخد غصب.
همست لنفسي بصوت مكسور:
__هو أنا لسه أنا؟
سكت شوية…
وبعدين قربت وشي من المراية.
دموعي نزلت من غير توقف…
وراسي بدأت توجعني أكتر وأكتر…
حتى التنفس بقي صعب… كأني ما بقيتش قادرة أتحرك.
حاولت أقف، بس رجليّ خانتني…
ووقعت على السرير فجأة… جسمي كله ارتعش…
وصوتي انقطع… حتى نفسي بقي متقطع.
عيوني اتغرقت بالدوار…
وبقيت حاسة بالبرد والغربة جوايا…
كأني تايهة في فراغ ملوش أول ولا آخر.
حاولت أنادي جاد… أو أي حد…
بس الصوت محبوس… ما فيش حد حواليا…
الغرفة كلها صمت… والمرض بقى أقوى مني…
وبعد ثواني… غمضت عيني…
وغلبني التعب وفقدت وعيي…
______________
جاد
خلصت كتب الكتاب، سلمت على خالتي وأحمد وأختي وبقيت المعزومين.
ونبهت على تقى، لو بس زعلها بكلمة أو نظره، تتكلم معايا فورًا، ووصيت عليها ياخد باله منها.
بعد كده قررت أمشي، مش عايز أمل تقعد طول الفترة دي …. لوحدها.
ركبت العربية وسوقت لحد المستشفى، وكالعادة اتعقّمت قبل ما أدخل ….
دخلت عليها، لقيتها نايمة على السرير.
ابتسمت وقربت منها، عايز أصحيها وأقولها إني جيت…
لكن ما بتصحاش!
ايدي رجعت تتوتر وأنا بمسح ع وشها، قلبي اتقبض…
بدأت أخبط على رأسها برفق، وأنا بقول بصوت مرتعش :
__أمل… يا حبيبتي… اصحي… أنا جيت…
لكن مفيش أي رد!
حسيت قلبي هيقف من القلق… بدأت أهزها بقوة أكبر، وأنا بأصرخ:
__أمل… اصحي…سمعاااني؟!!
لكن الصمت كان سيد الموقف.
زعقت بأعلى صوتي وقلت:
__دكتووور… بسرعة! محتاج دكتور دلوقتي!
بعد لحظات، دخلت الممرضة بسرعة، حاولت تبعدني برفق، ومسكت أمل من إيدي وبدأت تقيس نبضها بحذر.
حسيت قلبي بيتقطع وأنا بشوف الممرضة ماسكة أمل وبتقيس نبضها. ايدي ماكنتش عارفة تسيبها، بس كانوا بيشدوني شوية بعيد عنها عشان يشتغلوا.
قلبي بيصرخ من جوه:
__قومى يا أمل… عشان خاطري… قومى!
الممرضة قالت بسرعة وبحدة:
__نبضها ضعيف… محتاجين تدخل سريع!
دخل الدكتور بعد ثواني، وبدأ يشتغل على الفور، وأنا واقف جمب السرير، ماسك إيديها بحزم، عيني ما بتبعدش عنها، وقلبي مش قادر يهدأ.
كل ثانية كانت بتعدي كأنها سنة… وكل لحظة سكوت كانت بتخنقني أكتر من اللي قبلها.
يبتععععع
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية وجع مخفي) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.