رواية ملك بلا مملكة – الفصل السابع
بعد أن استلقى يامان على قمة الصخر وكانت أصابعه ما تزال تنبض ألمًا لم يشعر بالزهو بل شعر بإحساس عميق يتشكل داخله إحساس بأن ما يجري داخل هذا الكهف لا علاقة له بنزالات الساحة ولا بمحاربات الإنكا وحدهن كان التدريب يبنى حوله هو حول الجسد حين يُجرد من كل امتياز وحين يُترك عاريًا من أي قوة خارقة اعتاد الاتكاء عليها.
كان يراقب الساحرة الصغيرة وهي جالسة على صخرتها المنقوشة بهدوء لم تتدخل لتنقذه من سقوط ولم تمنحه سرًا يعيد له طاقته ولم تواسه بكلمة كانت تتركه يصطدم بالأرض ويعود وحده كان صبرها أوسع من حدود اليومين وتكوّن في داخله شعور ثقيل بأنها لا تعده لنزالين بل لشيء أكبر من غابة الإنكا نفسها وأكبر من أسرارها شيء يشبه حربًا قادمة لا يعرف عنها شيئًا بعد.
تغير جسده تدريجيًا لم يعد حمل الصخور مستحيلًا صار يلتقط الكتل التي أسقطته في البداية ويرفعها بثبات الكتف والقدمين دون انفعال أعمى برزت عضلات ساعديه بخطوط واضحة واتسع ظهره وتماسك جذعه وصارت خطواته أثقل قوة وأخف ارتباكًا ركض بين الأشجار لمسافات أطول دون أن ينهار صدره وتسلق الجدار الصخري مرة أخرى لا لأنه أُمر بل لأنه أراد أن يختبر نفسه وهذه المرة صعد بثقة موزعة بين يديه وساقيه حتى بلغ القمة دون سقوط.
أعطته الساحرة رمحًا خشبيًا بسيطًا وسيفًا بلا زخارف ولا طلاسم وطلبت منه أن يتعلم الاقتصاد في الحركة تدرب على طعنات قصيرة محسوبة وعلى دوران الجسد حول محور القدم بدل القفز غير المدروس كرر الحركات مئات المرات حتى صارت عضلاته تتحرك قبل أن تكتمل الفكرة في ذهنه وصار السيف امتدادًا لمعصمه والرمح امتدادًا لكتفه
وحين استقامت عضلاته بالكامل وتماسك جسده في هيئة متوازنة بلا ميل ولا اندفاع ظن أن المرحلة التالية ستكون العودة إلى الساحة لكن الساحرة نهضت أخيرًا وتمتمت بكلمات لم يفهمها فتغير الهواء داخل الكهف وامتلأ ببرودة مفاجئة ومن الظل خلفه تشكل كيان مظلم لم يكن إنسانًا بالكامل ولا ظلًا خالصًا كانت له هيئة واضحة وعينان حادتان باردتان يتحرك بخفة غير طبيعية كأنه خال من الوزن
اندفع الكيان نحوه قبل أن يستقر السؤال في ذهنه كانت الضربة الأولى سريعة حد الإهانة تلقاها بصعوبة وتراجع خطوتين حاول أن يرد بطعنة مستقيمة لكن الكيان لم يكن حيث ظنه اختفى من أمامه وظهر إلى جانبه وأسقطه بضربة خفيفة محسوبة نهض يامان سريعًا وهاجم بسلسلة حركات تعلمها حديثًا وتحرك حول خصمه بدل الاندفاع المباشر ولحظة قصيرة ظن أنه يقترب
لكن الكيان كان أسرع وأخف وأكثر برودة في قراراته كان يضرب حيث يختل التوازن ويتراجع حين يجب ويهاجم حين يظن يامان أنه استعاد الإيقاع حاول يامان أن يضبط أنفاسه كما تعلم وأن يصغي لحركة قدميه على الأرض دون اعتماد على أي طاقة محجوبة ومع ذلك كانت كل مواجهة تنتهي بسقوط مرة يُلقى بضربة كتف ومرة يُنزع رمحه بحركة التفاف سريعة ومرة يُثبت السيف عند عنقه كما حدث في الساحة.
تكررت المواجهة مرات عديدة وفي كل مرة كان ينهض ويحسن حركة ويطيل نفسًا ويختصر ضربة لكن الفجوة ظلت واسعة كان الكيان المظلم سريعًا كريح خفيفًا كظل قاسيًا بلا انفعال قويًا بلا مبالغة حكيمًا في التوقيت وبارعًا في استغلال الخطأ وبعد نزال طويل سقط يامان على ركبته وسيفه بعيد نصف خطوة حاول أن ينهض لكن القدم المظلمة ثبتت على صدره ثم اختفى الكيان كما ظهر وعاد الصمت إلى الكهف
نظر يامان إلى يديه وإلى اتساع كتفيه وإلى الصخر الذي صار يحمله بسهولة وأدرك حقيقة مرة كل ما بناه لا يساوي ربع قوة وخبرة ذلك الكيان رفعت الساحرة الصغيرة نظرها إليه وقالت بهدوء إن هذا ليس خصمًا بل ما سيواجهه يومًا ثم سكتت وتركته يواجه الفكرة وحده.
لم تقل له الساحرة الصغيرة إنه ضعيف ولم تسخر من عجزه أمام الكيان الذي صنعته بل جلست فوق صخرتها المسحورة تتأمل اضطراب أنفاسه ثم أخبرته بهدوء أنه ما زال يعتمد على عضلاته ويظن أن العالم يُهزم بالقوة وحدها وأن القوة ليست إلا ظلًا للحقيقة وأن الظل لا ينتصر إن لم يعرف مصدر نوره.
طلبت منه ألا يعتمد على جسده فقط وأن يكف عن مطاردة النصر بالسيف وأن يجلس في حضرة الغابة كما يجلس التلميذ أمام معلمه فخرج من الكهف وسار بين الأشجار حتى بلغ فسحة يتسلل إليها الضوء وجلس كما أمرته وظهره مستقيم ويداه على ركبتيه وأنفاسه ما تزال ثقيلة من أثر القتال.
قالت له أن يستمع لا إلى الأصوات الظاهرة وحدها بل إلى ما يكمن تحتها فسمع حفيف الأوراق حين تمر بها الريح ثم أحس بنبض خفي يسري في جذوع الأشجار وشعر بالأرض من تحته كأنها كائن حي يتنفس لا جماد صامت ثم طلبت منه أن يترك عقله يتحرك بلا قيد وأن يراقب أفكاره دون أن يقاتلها أو يتمسك بها حتى بدأت الأفكار تهدأ وصار ذهنه ينساب بعيدًا كجدول ماء لا يعترضه حجر.
تبدلت ملامحه وخفت توتر عضلاته ولم يعد صدره يعلو بعنف بل صار النفس يدخل ويخرج في سكينة وشعر بالهواء كأنه تيار يجري خلاله لا مجرد أنفاس ثم أمرته أن يتخيل حجرًا بعيدًا خلف الأشجار لا ليحمله بل ليعرفه وأن يستشعر ثقله وبرودته ومكانه دون أن يلمسه فغاص في إحساسه حتى شعر بذلك الحجر كأنه بين يديه وإن لم يتحرك من موضعه
أخبرته أن العالم لا يُخترق بالقوة وحدها بل بالفهم وأن من يفهم التيار يسير معه دون أن يغرق وأن العقل إذا صفا صار أبصر من العين وأشد مضاءً من السيف فجلس يامان أيامًا طويلة تحت سلطان زمنها لا يشعر بمرور الساعات وفي تقويم البشر لم تكن سوى يومين حتى هدأ صوته الداخلي ولم يبق داخله إلا صمت صاف عميق.
وحين فتح عينيه لم يشعر بأنه ازداد قوة في جسده بل شعر أنه اتسع من الداخل وأن الغابة لم تعد محيطة به فقط بل صارت ممتدة في أنفاسه وأن المعركة القادمة لن تكون اختبارًا لذراعيه وحدهما بل لصفاء عقله وسكون قلبه وقدرته على الإصغاء لما لا يُرى ولا يُسمع إلا لمن تعلم.
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية ملك بلا مملكة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.