رواية ملك بلا مملكة – الفصل الثامن
لم يعد يامان يجلس كما يجلس المحارب الذي ينتظر إشارة القتال بل صار يجلس كما تجلس شجرة لا تعرف إلا الثبات وكان في أيامه الأولى يصمت بجهد وكأن الصمت معركة جديدة لأن عقله كان يعود إليه كحصان جامح كلما حاول أن يتركه يرعى بعيدًا وكانت صورة الكيان المظلم تنبثق في داخله فيشتعل الغضب كشرارة صغيرة لكنه تعلم ألا يقاتل هذه الشرارة بل يراها ويتركها تحترق وتنطفئ من تلقاء نفسها
كان يجلس تحت الأشجار ساعات طويلة لا يعد الزمن ولم يعد يبحث عن نتيجة وكان يستمع أولًا إلى أصوات الغابة ثم بدأ يستمع إلى استماعه نفسه فكان يسمع الريح ثم يدرك الهدوء الذي يليها ويسمع دقات قلبه ثم يلاحظ الفراغ القائم بين الدقة والأخرى وهناك في ذلك الفراغ الصغير بدأ يفهم أن القوة لا تكمن في الضربة بل في اللحظة التي تسبقها وأن الفعل يولد من سكون خفي وأن السكون أعمق من كل حركة
تعمق أكثر فصار يجلس منذ شروق الضوء حتى انكساره عند حواف الجبال ثم ينهض قليلًا ليشرب من النبع ويعود وكان الألم يمر في ركبتيه وظهره من طول الثبات لكنه لم يهرب منه بل صار يتأمله كما يتأمل فكرة عابرة فكان يرى الألم ثم يرى نفسه وهو يراه ثم يكتشف أن بين الرائي والمرئي مسافة وفي تلك المسافة شعر بحرية لم يعرفها من قبل
شيئًا فشيئًا لم تعد الغابة تحيط به فقط بل صار يشعر أنه قائم داخلها كما هي قائمة داخله وأن صوت الطائر ليس صوتًا خارجيًا بل اهتزاز في وعيه وأن برودة الهواء ليست ملامسة للجلد فحسب بل مرور صفاء في صدره وحين جاء الليل ذات مرة لم ينهض بل جلس في العتمة وترك الخوف يظهر وترك صورة الكيان تقف أمامه في ذهنه لكنها لم تعد ترعبه ولم تتضخم بل بدت صورة عابرة ثم ذابت كما تذوب السحابة في فضاء واسع
وفي صمته الطويل لم يعد يسأل إن كان سيهزمه ولم يعد يقيس نفسه بقوته بل صار يريد أن يعرفه وأن يعرف سر اكتماله وموضع نقصه هو وحين نهض أخيرًا بعد أيام من الغياب في أعماقه لم يكن في وجهه تحد ولا في عينيه نار بل كانت فيهما سكينة عميقة تشبه بركة ماء لا يعكرها حجر ثم سار نحو الساحرة ووقف أمامها بهدوء وقال دعيني أواجهه من جديد ولم يكن يطلب النصر هذه المرة بل كان يطلب الفهم.
حين اندلع الهجوم لم يكن أحد قد لمح ظلَّه بعد
كانت سولين قد اختارت ليلًا بلا قمر، ليلًا خاليًا من العلامات، كأن السماء نفسها تواطأت معها لتُخفي الحركة الأولى، فانفتحت أطراف الغابة على صمت ثقيل، ثم انشطر الصمت فجأة كما ينشطر الزجاج تحت ضربة غير مرئية
لم يأتِ جيش مصاصي الدماء كجيشٍ تقليدي، لم تُسمع صيحات، ولم تُرفع رايات، بل تدفقت الظلال بين الأشجار في سرعة خاطفة، كانت تتحرك بخفة لا تترك أثرًا، وبقسوة لا تعرف ترددًا، فضُربت مواقع الحراسة قبل أن يُطلق فيها عواء إنذار واحد
استُبيحت أطراف المعسكر، وسقطت الصفوف الأولى من الذئاب قبل أن تُكمل تحوّلها الكامل، ومن استطاع أن يتحول وجد نفسه في مواجهة خصمٍ لا يخطئ، يضرب في المفاصل، ويختار القلب أو الحنجرة بضربة واحدة محسوبة
حاول الملك إيمير أن يعيد تنظيم صفوفه، فارتفع صوته فوق ساحة القتال كهديرٍ يأمر بالتماسك، لكن الفوضى كانت أسرع من أوامره، فالميمنة سُحقت، والميسرة انعزلت خلف جدار من نار سوداء أشعلها سحرة سولين، وانقطعت الإمدادات بين الكتائب
في قلب الساحة تقدم آدم قائد الجيش، مقاتلًا كما لم يقاتل من قبل، كان رمحه يثقب الظلال ويطرح اثنين أو ثلاثة في كل اندفاع، لكن سولين لم تدخل الميدان إلا بعد أن أنهكت المدافعين، ظهرت فجأة أمامه كما يظهر حدُّ سيفٍ من العدم، تحركت بخفة غير بشرية، وتبدلت مواقعها بين رمحه وصدره في ومضة واحدة، وحين حاول أن يثبت قدميه وجد الأرض نفسها قد انزلقت من تحته
دام اشتباكهما لحظات بدت دهورًا، ثم أُصيب آدم بضربة خاطفة قطعت اتزانه وأسقطته أرضًا، وقبل أن ينهض كانت أنيابها قد لامست عنقه دون أن تقتله، تركته حيًا مهزومًا ليرى السقوط كاملًا
سقط عرش إيمير قبل أن يُدرك أنه سقط، اقتُلع من ساحة القصر الحجري، وكُسرت رايته، وانسحبت من بقي من الذئاب إلى عمق الغابة في فوضى ممزقة، أما الذين أُحاط بهم من كل جانب فقد طُرِحوا أرضًا، قُيِّدت أطرافهم بسلاسل داكنة من سحرٍ قديم، ولم يُقتلوا، بل اقتيدوا أسرى، عبيدًا في خدمة سيدة الليل
كانت سولين لا تريد إبادةً كاملة، كانت تريد إذلالًا ممتدًا، أرادت أن ترى الذئب راكعًا، وأن تسمع صوته وقد استُبدل بالعواء صمتًا مطيعًا
حين بلغ الخراب ذروته وصل الهنطاع ومعه هشمير، دخلا ساحة القتال كريحين متعاكستين، الهنطاع اندفع مباشرة إلى قلب الاشتباك، سيفه يشتعل بقوة جسدية هائلة، يمزق صفوف مصاصي الدماء في مسار دموي صريح، بينما وقف هشمير في الخلف، ينسج كلماتٍ غامضة، يرسم دوائر من طاقة تعصف بالظلال وتدفعها بعيدًا
للحظة ظن بعض الذئاب أن الميزان يتعدل
لكن سولين كانت تنتظر
فصلت الهنطاع عن هشمير بحاجزٍ من ظلام كثيف كالجدار، ثم هاجمتهما بخطة لا تعتمد على المواجهة المباشرة، بل على الاستنزاف والتحكم، أرسلت ثلاثًا من نخبتها لتشتيت الهنطاع، كل واحدة تضرب ثم تختفي، تجرّه خطوة بعد خطوة نحو أرض مكسوّة بسحرٍ كامن، وحين ارتفع سيفه ليسدد ضربة قاضية انطلقت القيود الداكنة من تحت قدميه، التفّت حول ساقيه وأسقطته على ركبتيه
أما هشمير فقد واجهتها بنفسه، لكنه حين رفع يديه ليستدعي قواه القديمة اكتشف أن تعاويذه تتبدد في الهواء كدخان، كانت قد أعدّت حقلًا مضادًا يسلبه تركيزه، وكلما نطق بكلمة انعكست عليه، حتى ضاق صدره وتعثرت أنفاسه
لم يُقتلا
ذلك كان أقسى
جُرِّد الهنطاع من سيفه أمام من تبقى من الذئاب، وضُرب حتى انحنى دون أن ينكسر، وأُجبر هشمير على الركوع في دائرة الظلال التي حاول أن يكسرها، وأمرت سولين بتركهما أحياء ليشهدا بداية عهدها
وفي تلك الليلة لم يكن السقوط عسكريًا فقط، بل كان سقوطًا في الكرامة والمعنى، إذ أدرك الجميع أن الحرب التي بدأت لم تكن غارة عابرة، بل إعلان سيطرة، وأن سيدة مصاصي الدماء لم تأتِ لتختبر قوتهم، بل لتُثبت أنها صارت القوة الأعلى في الغابة كلها
بعد سقوط العرش لم تتوقف سولين عند حدود المعسكر المحترق بل وسّعت هجماتها كمن يرسم دائرة نار حول خصمه حتى يضيق عليه الهواء
تحركت قواتها ليلًا على دفعات منظمة لا تشبه الفوضى الأولى بل تشبه إدارة باردة لحرب محسوبة فكانت القلاع الحجرية للذئاب تُهاجَم واحدة بعد الأخرى تبدأ بقطع طرق الإمداد ثم إسكات أبراج الإشارة ثم اختراق البوابات من الداخل عبر عملاء بايعوها خوفًا أو طمعًا
في قلعة الشمال سقطت الأسوار بعد ثلاث ليالٍ من الحصار الصامت إذ تسللت نخبتها عبر الممرات الجبلية وفتحت الأبواب الثقيلة من الداخل فدخلت الظلال كالسيل وأخمدت آخر جيب مقاومة خلال ساعة واحدة
وفي حصن الوادي حاولت الذئاب القتال حتى آخر ناب لكن سولين لم تواجههم بقوة مباشرة بل أرهقتهم بالعطش والخوف وأرسلت رسائل واضحة أن كل من يستسلم يُترك حيًا ومن يعاند يُمحى اسمه من السجلات فلم تمضِ أيام حتى فُتحت البوابة وخرج القادة منحنين يقدمون مفاتيحهم
أما القلعة الشرقية فقد شهدت المعركة الأعنف إذ تجمعت بقايا المقاتلين حول قائدهم الجريح أملاً في استعادة الهيبة غير أن سولين حضرت بنفسها تلك الليلة وكسرت مقاومتهم في ساحة القلعة أمام عيون الجميع ثم أمرت بتركهم أحياء ليحملوا خبر الهزيمة إلى سواهم
هكذا تتابعت السقوطات حتى لم تبقَ قلعة واحدة خارج سلطانها وأُجبرت القبائل أن تأتي إلى حدود عرشها تحت عشرها صاغرين مستسلمين يدفعون العشر من قوتهم ومحاصيلهم وحتى من صغارهم الذين يُؤخذون رهائن لضمان الطاعة ولم يعد أحد يجرؤ على رفع راية دون إذنها
ثم بدأت مرحلة الترسـيخ
أعلنت نفسها سيدة الليل والدم والحدود وأصدرت قوانين جديدة أولها حظر أي تجمّع مسلح للذئاب دون موافقة ممثليها وثانيها إلزام كل قبيلة بتسجيل أعدادها وقادتها وتحركاتها وثالثها منع التحالفات السرية تحت طائلة الإبادة الجماعية
قسّمت الأرض إلى قطاعات يشرف على كل منها قائد من مصاصي الدماء يعاونه مخبرون محليون وبنت نقاط مراقبة عند المعابر الجبلية ومصبات الأنهار وأقامت أبراج حراسة سوداء على التلال العالية تُضاء بلهيب أزرق عند أي حركة مريبة
كانت الأبراج متباعدة على مسافات محسوبة بحيث ترى كل واحدة الأخرى فإذا أُشعلت إحداها اشتعلت السلسلة كلها خلال دقائق وصار الليل شبكة إنذار لا فجوات فيها
نُصبت حاميات صغيرة داخل بعض القلاع ذاتها لا للحماية بل للتذكير الدائم بمن يملك القرار وأُقيم سجل مركزي للأسرى والرهائن تُحدّث بياناته كل شهر وألزمت القبائل بإرسال مندوبين إلى مجلسها كل اكتمال قمر لتجديد العهد
بهذا لم تعد السيطرة مجرد انتصار عسكري بل نظام حكم مكتمل يقوم على الخوف المنظم والرقابة الدائمة والعقاب السريع
وتحت هذا النظام لم تعد الذئاب تسأل كيف هُزمت بل كيف تعيش يومًا إضافيًا دون أن تثير انتباه سيدة الليل التي أحكمت قبضتها على الغابة كلها دون أن ترفع صوتها أكثر من اللازم
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية ملك بلا مملكة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.