رواية ملك بلا مملكة – الفصل الرابع
حين أُغلق القفص على يامان، لم يرَ في الحديد سوى شكلٍ من أشكال الانتظار،كان واثقًا أنه استسلم بإرادته، وأنه هو من اختار ألّا يقاوم،كان يظن أنه هو من سمح للعشب أن يُرشق على أنفه، وهو من ترك ركبتيه تلينان لحظة، لا عجزًا، بل حسابًا وتقديرًا للموقف، هكذا أقنع نفسه، وهكذا بنى داخله روايةً متماسكة عن سيطرته الكاملة على ما حدث.
لكن غابة الإنكا لم تكن أرضًا عادية. لم تكن محروسة فقط بمحارباتها، بل بشيء أقدم منهن جميعًا؛ شيء يتنفّس تحت التربة، ويجري بين الجذور، ويصعد بخارًا من شقوق الصخور. كان سحرًا لا يُرى بالعين، لكنه يُحس كخيطٍ دقيق يلتف حول المعصم ويضيق دون أن يُلاحظ.
حين وقف يامان داخل القفص، قرر أن يختبر أبسط ما يملكه من قدراته، أغمض عينيه محاولًا أن يلتقط همسات الريح البعيدة، وأن يحصي خطوات الحراس خارج الدائرة، وأن يميّز نبض القلوب في مجلس المحاربات كما اعتاد أن يفعل في أراضٍ أخرى، لكنه لم يسمع سوى إيقاع الطبول المتكرر،كان السمع كأنه مغطّى بستار كثيف يحجب التفاصيل الدقيقة التي تميّز بها دائمًا.
فتح عينيه بهدوء، ثم جرّب أن يمدّ ظلّه، فالظل كان دومًا جزءًا من أدواته،كان يستطيع أن يجعله يطول ويتقدّم عليه، وأن يتسلّل بين الصخور أو يلتف حول خصومه قبل أن تتحرك قدماه، لكنه هذه المرة رأى ظلّه ثابتًا تحت القفص، قصيرًا ومنكمشًا، كأنه ظلّ رجل عادي لا أكثر. عندها تسلّل شيء بارد إلى أطراف أصابعه.
حاول بعدها أن يستدعي القوة الخام التي تسري في عروقه كلما أراد. تلك الحرارة التي تبدأ من صدره وتمتد إلى أطرافه، وتتحول إلى اندفاعة صافية من التركيز والقوة، ركّز ذهنه وأطلق الإرادة كما يفعل دائمًا، منتظرًا ومضة أو شرارة،لكن شيئًا لم يحدث،لم تكن القوة مفقودة تمامًا، بل كانت كأنها خلف جدار شفاف، قريبة ومحجوبة في آنٍ واحد.
تحرك داخل القفص ببطء، لا ليهرب، بل ليتحسس الهواء من حوله،كانت رائحة الأعشاب التي رُشقت على أنفه باقية، غير أن أثرها الجسدي زال منذ وقت،جسده استعاد توازنه، لكن قواه لم تعد،رفع بصره نحو قمم الأشجار العالية، فرأى بخياله المدرب خيوطًا باهتة من طاقة خضراء تتشابك بين الأغصان، أدرك أن تلك الخيوط لم تكن وهمًا، بل شبكة قديمة من سحر نسوي منسوج حول الغابة كقبة غير مرئية.
عندها بدأ الشك يتحول إلى يقين. لم يكن قد استسلم لأنه أراد، بل لأنه لم يكن يملك القدرة على المقاومة كما اعتاد، غابة الإنكا لم تكن تمنع الرجال من الدخول فحسب، بل كانت تُخضع أي قوة لا تنتمي إلى سحرها، لذلك لم تطارده المحاربات بجنون، ولم تقيده بالسلاسل، إذ كانت الغابة نفسها هي القيد الأكبر.
لم يغضب يامان، بل شعر بشيء مختلف، شيء أقرب إلى الاعتراف الهادئ، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، وجد نفسه واقفًا في أرض لا تطيعه ولا تخضع لإرادته،كان شعورًا لم يعرفه منذ طفولته الأولى. ومع ذلك، لم يشعر بالضعف، بل باهتمام عميق، لأن الأرض التي تستطيع أن تحجب معظم قواه لا بد أن تخفي سرًا يستحق الفهم.
وهنا فقط أدرك الحقيقة كاملة، لم يكن استسلامه بطولة محسوبة ولا خطة محكمة كما ظن، بل كان خدعة نسجتها الغابة من حوله بهدوء، وأقنعته بأنه هو من اختار الطريق.
ساد الصمت في مجلس المشاعل حين وقفت الزعيمة،
لم تكن الأكبر سنًّا بينهن، بل كانت الأصغر تقريبًا، لكن حضورها كان يُغني عن السنوات،كانت تقف مستقيمة الظهر، قصيرة القامة نسبيًا، إلا أن ظلها على جدار الصخور بدا أطول من الجميع،شعرها الأسود الطويل مضفور بخيوط حمراء داكنة، وعيناها بلون العسل المحروق، ثابتتان لا ترتجفان.
حين تحدثت، لم ترفع صوتها، ومع ذلك، انخفضت الطبول وحدها،
قالت إن الرجل الذي دخل أرض الإنكا هو أول ذكر يعبر حدود الغابة منذ أجيال طويلة، وإن الغابة نفسها لم تقتله ولم ترفضه، بل تركته يُقاد إلى المجلس، وهذا في عرفهم علامة، وليست صدفة،
نظرت إلى يامان داخل القفص نظرة لم تكن عدائية، بل فاحصة. ثم أعلنت قرارها:
لن يُقتل الآن.
لن يُشنق.
ولن يُلقى في الحمم،عليه أن يحدد قدره بنفسه.
سيُفك قيده عند بزوغ الفجر، ويُمنح حق القتال،سيخوض نزالات متتالية ضد خمس من محاربات الإنكا، إن استطاع أن ينتصر على اثنتين منهن قبل أن يُهزم، فسيُمنح العفو ويُسمح له بمغادرة الغابة حيًا، تحت مراقبة سحرها،أما إن هُزم… فسيُعتبر ملكًا للغابة، ويُترك للمحاربات الخمس أن يستخدمنه بالطريقة التي يرغبن بها، وفق قوانين المجلس التي لا تُناقش،
لم تبتسم وهي تنطق بالشطر الأخير، ولم تحتج إلى توضيح
ارتفعت الطبول مرة أخرى، لكن بإيقاع أبطأ، أثقل، كقلبٍ يستعد لركضة طويلة،ثم تقدمت أولى المختارات.
كانت خمسًا، وقفن صفًا أمام المشاعل، يتقدمن خطوة واحدة في آنٍ واحد، كأن الأرض تحفظ ترتيب أقدامهن
الأولى كانت طويلة، ذات بشرة برونزية داكنة، وندبة تمتد من كتفها إلى عظم ترقوتها،عيناها سوداوان، بلا رمشٍ زائد، وحول معصمها أساور نحاسية سميكة. كانت تحمل رمحًا قصيرًا مزيّنًا بعظام مصقولة. حضورها أقرب إلى العاصفة المكبوتة.
الثانية أقصر قليلًا، لكن جسدها مشدود كقوس. شعرها الكستنائي القصير ينسدل حتى عنقها، وعلى وجهها نقاط طلاء أزرق تحيط بعينيها الواسعتين. لم تحمل سلاحًا ظاهرًا، بل وقفت ويداها فارغتان، بثقة من يعرف أن جسده سلاح كافٍ.
الثالثة كانت بيضاء البشرة نسبيًا، بعينين خضراوين صافيتين، وشعر أشقر داكن مربوط إلى الخلف،ارتدت جلدًا داكنًا خفيفًا يسمح بالحركة السريعة، وعلى فخذها خنجران من حجر بركاني أسود، يلمعان بحدة غير طبيعية.
الرابعة بدت الأكثر هدوءًا. شعرها طويل ومفرود، تتخلله ضفائر رفيعة تحمل خرزًا ملونًا. عضلات ذراعيها واضحة لكنها غير متضخمة، متناسقة كانت تمسك بقوس قصير مصنوع من خشب داكن، وعلى ظهرها جعبة سهام ريشها أسود بالكامل. عيناها لم تفارقا يامان لحظة.
أما الخامسة، فكانت الأصغر سنًا بعد الزعيمة، وربما الأقرب إليها ملامحها ناعمة بشكل لافت، لكنها تحمل قسوة متعمدة في نظرتها. على ذراعيها وشم دائري يشبه الشمس نصف المحروقة، وسيفها المنحني يتدلّى منخفضًا، كأنه جزء من ساقها لا يفارقها، لم تكن تبتسم، لكنها لم تبدُ غاضبة أيضًا؛ بل فضولية.
وقفن جميعًا في صمت، تتراقص ألسنة النار على وجوههن، فترسم ظلالًا حادة على عظام الخدود والفكوك في القفص، كان يامان يراقب.
شعر بالسحر الأخضر للغابة لا يزال يضغط على صدره، يحجب معظم قوته، لكنه لم يعد يلوم نفسه على الاستسلام الآن فقط فهم اللعبة،ليست معركة قوة مطلقة، بل اختبار بحدود مفروضة،رفعت الزعيمة يدها، فتوقفت الطبول
قالت إن الفجر هو الحكم.
ثم انطفأت بعض المشاعل، وبقيت الأخرى مشتعلة، تتراقص في ليل الغابة الكثيف.
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية ملك بلا مملكة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.