رواية ملك بلا مملكة – الفصل الخامس
مع أول خيط رمادي للفجر، فُتح القفص دون ضجيج. لم تكن هناك قيود تُفك، لأن يامان لم يُقيد أصلًا بسلاسل؛ كانت الغابة نفسها هي القيد الخفي.
خرج بخطوات ثابتة إلى ساحة دائرية من ترابٍ رطب، تحيط بها أعمدة خشبية تتدلّى منها رموز منحوتة بعناية. كان الهواء باردًا، والندى يلمع فوق الأرض كطبقة رقيقة من الزجاج.
وقف يامان في المنتصف، وشعر بذلك الثقل غير المرئي لا يزال جاثمًا على صدره، لم تكن قوته غائبة بالكامل، لكنها كانت بطيئة الاستجابة، كأن هناك مسافة فاصلة بين إرادته والطاقة التي اعتاد أن تطيعه فورًا.
تقدّمت المحاربة الأولى، الطويلة ذات الندبة الممتدة من كتفها إلى ترقوتها، وهي تمسك رمحًا قصيرًا بيد واحدة. لم تندفع إليه كما يفعل المقاتلون عادة، بل بدأت تدور حوله بخطوات محسوبة. كانت تتحرك خطوة إلى الأمام ثم جانبًا، ثم تتوقف فجأة بلا سبب ظاهر، حاول يامان أن يلتقط نمط حركتها كما اعتاد أن يفعل مع خصومه، لكنه لم يجد إيقاعًا ثابتًا يُبنى عليه.
اندفعت فجأة، لا مباشرة نحوه، بل إلى جانبه، ثم انحرفت نصف انحرافة وغرست الرمح في الأرض عند قدمه، مجبرةً إياه على القفز لتجنب الاصطدام. قفز يامان فعلًا، لكنه أدرك في الهواء أن الضربة لم تكن موجهة لإصابته، بل لدفعه إلى حركة محسوبة مسبقًا،عند هبوطه، التف حبل جلدي منخفض حول كاحله، وتعثرت قدمه لحظة قصيرة كافية لإرباك توازنه.
استعاد وقفته بسرعة، وانتزع الرمح من يدها بقوة جسدية صافية، لوهلة قصيرة ظن أنه قلب الموازين، لكن ابتسامتها الهادئة أخبرته بعكس ذلك.
تركت الرمح طواعية، واستغلت اللحظة التي احتاجها ليستعيد ثباته، فسددت ركلة دقيقة إلى داخل ركبته أربكت مركز ثقله،في الحركة التالية كانت خلفه دون أن يلتقط صوت خطوتها، وضغطت بكوعها خلف عنقه وسحبت ساقه المقيّدة جزئيًا بالحبل، فسقط أرضًا.
ثبتت الرمح عند عنقه دون أن تغرسه، وضربت الأرض ثلاث مرات إعلانًا لانتهاء الجولة الأولى.
نهض يامان ببطء،لم يكن الألم ما أثقل صدره، بل الإرباك، لم يفهم أسلوبها، لم يستطع قراءة نيتها قبل الحركة، ولم يستطع استشعار انتقالها كما اعتاد، لأن سحر الغابة كان يعطل أدواته المعتادة في التحليل والاستشعار.
تقدّمت المحاربة الثانية، الأقصر قامة ذات الطلاء الأزرق حول عينيها، وقد وقفت أمامه بلا سلاح ظاهر. اقتربت منه أكثر مما يسمح به المنطق في مواجهة رجل يتمتع ببنيته القوية.
بدأ الاشتباك بسرعة؛ تفادى يامان أول ضربة وردّ بأخرى أصابت كتفها، لكنه لاحظ أن أثر ضربته بدا أضعف مما توقع، كأن الأرض امتصّت جزءًا من قوتها.
تحركت حوله بخطوات قصيرة سريعة، ومع كل خطوة شعر باهتزاز خفيف في التربة تحت قدميه،لم تكن الطبول تُدق، ومع ذلك بدا أن الأرض نفسها تضبط الإيقاع، حين تقدم خطوة للأمام، انزلقت قدمه في انخفاض طفيف لم يكن موجودًا قبل لحظة،لم تُحفر الحفرة بيد، بل كأن التربة لانت في موضع قدمه تحديدًا.
استغلت اختلال توازنه، فأمسكت معصمه والتفت حول ذراعه بحركة حلزونية أربكت مفصل كتفه، حاول أن يتحرر بقوة عضلاته، لكن كلما شد ازداد انزلاقه،وجهت ضربة مفتوحة إلى صدره أربكته، ثم كنسَت ساقه وهو غير مستقر بالكامل، سقط مرة أخرى، وفي لحظة كانت ركبتها تثبت معصمه وذراعه ملتوية بزاوية مؤلمة.
ضربت الأرض ثلاث مرات، معلنة نهاية الجولة الثانية
ارتفعت ضحكات خافتة من أطراف الساحة. لم تكن ضحكات صاخبة، بل نبرات ساخرة واثقة. قالت إحداهن إن قوته كبيرة لكن قدميه لا تعرفان أرضهم، وأضافت أخرى أن الغابة لا تحارب معه بل عليهم ،ابتسمت الأولى وهي تعيد ترتيب حبالها، وكأن النزال كان درسًا بسيطًا.
وقف يامان مرة أخرى، وهذه المرة شعر بصدمة حقيقية. لم تكن هزيمته هي ما أوجعه، بل عجزه عن فك الشفرة،لم يكن قتالهن فرديًا، بل شبكة مترابطة بين الجسد والأرض، كل حركة تصدر من محاربة تستكملها الغابة بنعومة خفية،أدرك أن مشكلته لم تعد مجرد قوة محجوبة، بل افتقاد لفهم النظام الذي يتحركن داخله.
حاول أن يستدعي طاقته، لكن الجدار الشفاف لا يزال قائمًا. عندها فقط تسلل إلى داخله سؤال لم يطرحه من قبل: هل عجزه سببه سحر الغابة وحده، أم أنه لم يتعلم يومًا كيف يقاتل دون الاعتماد على قوته الخاصة؟
كانت ضحكات الإنكا تتردد في خلفية الفجر، خفيفة لكنها واضحة، وللمرة الأولى منذ سنوات بعيدة، شعر يامان أن خصومه لا يرونه أسطورة… بل تحديًا يمكن تفكيكه.
بعد الجولة الثانية، لم يطلب يامان نزالًا ثالثًا
ظل واقفًا في منتصف الساحة، صدره يعلو ويهبط ببطء محسوب، وعيناه لا تنظران إلى المحاربات الخمس، بل إلى عرش الزعيمة.
تقدم خطوة واحدة فقط، علامة احترام لا خضوع،
قال بصوت هادئ إن القتال بلا فهم ليس شجاعة، وإنه يطلب مهلة، لم يطلب شفقة، ولم يشتكِ من سحر الغابة، بل قال إنه يريد وقتًا يتدرب فيه وحده داخل حدودهم، حتى يخوض النزالات كما ينبغي،ساد همس حاد بين الصفوف
إحدى المحاربات سخرت قائلة إن الذئب يطلب أن يتعلم المشي بعد أن انكسرت قدماه.
أخرى اعترضت بأن أرض الإنكا ليست ساحة تدريب للغرباء، وأن من يعجز يُحسم أمره، لا يُمنح فرصة ثانية.
ارتفعت الأصوات قليلًا، لكن الزعيمة الشابة رفعت يدها، فعاد الصمت بسرعة.
نظرت إلى يامان طويلًا، كأنها تقيس ليس قوته بل صموده تحت الإهانة، ثم قالت إن الغابة لم ترفضه، وإنها لن ترفض طلبه،ستمنحه يومين كاملين داخل حدود الغابة.
يومين يتدرب فيهما بمفرده، دون أن يُساعده أحد
لكن الشرط لن يكون بسيطًا.
إذا فاز بعد اليومين على اثنتين من المحاربات، فلن يكون ذلك كافيًا،عليه أيضًا أن يهزمها هي شخصيًا، إن انتصر عليها، نال حريته الكاملة وخرج حيًا كما وعدت، أما إن عجز عن هزيمتها، حتى لو تغلب على الأخريات، فلن يُمنح الحرية
لم تشرح السبب،ولم يعترض أحد
وافقت المحاربات على الشرط بصمت، لأن الزعيمة حين تدخل نفسها في المعادلة، يتحول الأمر من لعبة إلى اختبار مصيري.
أُطلق سراح يامان داخل الغابة، لكن تحت رقابة غير مرئية. لم يرافقه أحد، ومع ذلك شعر أن الجذور تنصت إلى خطواته
ابتعد عن الساحة، وسار نحو عمق الأشجار حيث الضوء أخف والهواء أثقل،كان يبحث عن الأعشاب.
لم يكن جاهلًا بعالم النبات،يعرف أوراق السلفان، وجذور الهربان، ورائحة الليرما الزرقاء التي تعيد الصفاء إلى الحواس، اعتقد أن بإمكانه إيجاد ما يخفف أثر السحر الأخضر الذي يحيط بالغابة،راح يتتبع الروائح الخفيفة بين الأشجار، ينحني أحيانًا ليفحص نبتة، ويترك أخرى، وجد أعشابًا تعيد النشاط الجسدي، وأخرى تهدئ التنفس، لكنه شعر أن ما يحجبه ليس تسممًا ولا وهنًا طبيعيًا،في منتصف اليوم الأول، لمح شيئًا غريبًا.
بين جذعين ملتفين، كان هناك حجر مسطح نصف مدفون في الأرض، تتسرب من تحته نسمة باردة غير منسجمة مع حرارة النهار. انحنى، وأزاح بعض الطين، فاكتشف حلقة حديدية صغيرة مخفية بعناية،رفع الحجر بصعوبة، فكشف فتحة ضيقة تقود إلى درج حجري ينحدر نحو الأسفل،لم تكن تلك فتحة طبيعية.
نزل ببطء، متحسسًا الجدران الرطبة، حتى وصل إلى قبو عميق محفور في الصخر، كان الضوء خافتًا، يأتي من شق صغير في الأعلى،وهناك، في زاوية القبو، رآها
فتاة صغيرة السن، لا تتجاوز الخامسة عشرة، بشعر أسود كثيف غير مرتب وعينين واسعتين بلون رمادي باهت،لم تكن مقيدة بالسلاسل، لكن الرموز المنقوشة على الجدران حولها أوضحت أن السجن سحري لا مادي
نظرت إليه بدهشة لم تخلُ من ابتسامة خفيفة
قالت إنها لم تتوقع أن يكون أول من يعثر عليها رجلًا
عرّفت نفسها بأنها عرافة صغيرة، وأن رؤاها أقلقت مجلس المحاربات. لم يقتلوها، لكنهم حبسوها هنا لأن نبوءاتها لا تناسب قوانين الغابة دائمًا.
اقترب يامان خطوة، متفحصًا الرموز المحيطة بها، شعر أن السحر هنا مختلف عن سحر الساحة؛ أقدم، أهدأ، وأشد عمقًا
قالت له إنها تعلم سبب ضعفه.
وإن الأعشاب التي يبحث عنها لن تعيد له قوته، لأن ما يقيّده ليس نباتًا ولا سمًا، بل ميثاق قديم بين الغابة والسماء
ثم رفعت رأسها نحوه وقالت بصوت خافت:
ساعدني على الخروج،وأخبرك كيف تقاتل الغابة بدل أن تقاتلك
لم يكن في صوتها رجاء طفولي، بل يقين محسوب.
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية ملك بلا مملكة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.