رواية لأنك أنت الفصل السابع 7 – بقلم ندى محمود توفيق

رواية لأنك أنت – الفصل السابع

(( لأنك أنت ))
_ الفصل السابع _
بصباح اليوم التالي بعد مرور يوم طويل وشاق ذهنيًا وعصبيًا، استيقظ سليم من نومه ودخل الحمام ليأخذ حمام صباحي دافيء ثم خرج واتجه للمطبخ ليحضر له وجبة إفطار صغيرة.. جلس على طاولة الطعام الصغيرة المتوسطة بالمطبخ وبدأ في تناول طعامه وهو شارد في حياته التي تبدلت كلها بأيام معدودة والآن هو وحيدًا بمنزل الرجل الذي كان صاحب فضل كبير عليه بعد الله، للحظة تمنى لو أنه مازال موجودًا ويشاركه وحدته فطالما كان يرجوه لميكث معه بعض الأيام وكان سليم دائمًا يتحجج بالعمل.. الآن يقول ياليتني فعلت، لكن يشاء القدر أن يرسله لمنزله بعد غيابه.. ربما لحكمة لا يعلمها إلا الله…
استقام واقفًا بعد إنهاء وجبته واتجه إلى غرفته ليرتدى بنطال اسود يعلوه قميص بني والتقط مفتاح المكتبة وغادر الغرفة ثم المنزل كله وقاد خطواته على الدرج حتى خرج من البناية ووقف أمام باب المكتبة التي كانت بالطابق الأرضي من البناية ووضع المفتاح بالقفل ليفتحها ويدخل، فور دخوله قذفت بذهنه ذكريات كثيرة جمعته بالعم صبحي داخلها منذ صباه وهو يزوره فيها، تارة يجلس ليذاكر ويقضي واجباته وتارة يقرأ الكتب والقصص.
أخذ جولة شوق داخل المكتبة أولًا وهو يتفقد كل شيء ويستعيد الذكريات بين أرفف الكتب، حتى انتشله من لحظات الحنين صوت طفل صغير يهتف بفرحة:
_أنت هتفتح المكتبة تاني ياعمو خلاص؟
التفت سليم بجسده للخلف نحو الصوت فوجد ياسين يبتسم له بلهفة فابتسم سليم تلقائي وتقدم نحوه حتى وقف أمامه ورفع يده يمسح على شعره بلطف يسأله بفضول:
_أه هفتحها تاني.. أنت بقى إيه سبب حبك لمكتبة العم صبحي كدا
رد ياسين بهدوء لكن في عيناه لمعة حب وامتنان طفولية:
_أنا بحب جدو صبحي كان دائمًا بيجبلي حلويات وبيقعدني معاه في المكتبة وبيخليني اقرأ واتفرج في القصص براحتي من غير ما ياخد فلوس مني
مال ثغر سليم بابتسامة حزينة وبائسة على فراق صبحي، فطالما كان يحب الأطفال ويحنو عليهم جميعًا ربما كان يرى فيهم ابنته التي حُرم منها عمره كله وكان يعوض فراغها بعكفه وحبه لأطفال حيّه ومنطقته.
أجاب سليم على ياسين بود:
_وأنا زي جدو صبحي يا ياسين تقدر تيجي تقرأ وتتفرج في القصص براحتك زي ما كنت بتعمل
تهللت اسارير ياسين بفرحة غامرة وهتف يشكر سليم بانتنان شديد:
_شكرًا جدًا ياعمو.. ومتخفش على فكرة أنا مش ببوظ حاجة وبحافظ على الكتب كويس أوي
ضحك سليم بخفة وعاد يمسح على شعره مجددًا بحنو ثم قال غامزًا بصرامة مزيفة:
_بس أنا مفيش حاجة عندي ببلاش قصاد كدا هتساعدني هنا في الشغل لما أكون محتاج مساعدة.. اتفقنا
هز ياسين رأسه بالموافقةورفع يده يمدها لسليم ليصافحه وهو يرسم على وجهه ملامح وجه حازمة ورجولية:
_موافق أنت جربني بس ومش هتندم
قهقه سليم عاليًا ومد يده يصافحه بحرارة متمتمًا في جدية مماثلة له:
_على بركة الله يابطل
عاد ياسين لملامح وجهه الطفولية مجددًا وهو يضحك ثم سأل سليم بفضول:
_أنت اسمك إيه ياعمو ؟
_سليم
طرح سؤال آخر باهتمام:
_ أكيد أنت ساكن في بيت جدو صبحي فوق لأنك ابنه صح
أماء سليم رأسه بالموافقة ثم هتف بود:
_ أيوة صح.. أنت دلوقتي روح البيت يلا عشان ماما متقلقش عليك ولما تكون فاضي وخلصت واجبك والمدرسة والدروس تعالي هنا المكتبة عندي واقعد اتفرج براحتك في الكتب
زم ياسين شفتيه للأمام بحسرة وحزن وأجاب:
_أنا بابا وماما ماتوا وراحوا عند ربنا
غضن سليم حاجبيها بحيرة وأول سؤال طرحه عليه كان:
_أمال أنت عايش مع مين؟!!
ياسين بأسى:
_ مع أختي فيروز
ضيق سليم عيناه متعجبًا وتذكر لقائه بها ليلة الحادث وذلك الرجل الذي كان يعاملها معاملة مريبة، أن لم يكن ذلك الطفل طفلها فمن ذلك الرجل هل زوجها أم لا، لم يدم تحليلاته في عقله كثيرة حيث راح يطرح سؤاله الثاني بفضول:
_وجوز أختك عايش معاكم في البيت ؟
هز ياسين رأسه بالنفي وقال في بساطة وهو متعجبًا :
_لا فيروز مش متجوزة ياعمو سليم
اتسعت عيني سليم قليلًا بفعل الاندهاش، ودار بعقله سؤال محير.. أن لم يكن ذلك الرجل زوجها فلماذا كانت مستسلمة له وذهبت معه طوعًا وأكدت له أنه زوجها ولم تطلب المساعدة.
بالخارج كانت فيروز بطريقها للمنزل بعد انتهائها من درسها الخصوصي الذي تعطيه لأحد أطفال الحي، وعندما رأت أصدقاء أخيها يلعبون بالشارع ولم ترى ياسين بينهم وهي تركته يلعب معهم قبل أن تذهب، فاقتربت من أحدهم وسألته بقلق:
_ياسين فين يا أحمد ؟
أشار لها بأصبعه الصغير تجاه المكتبة وأجاب:
_دخل مكتبة عمو صبحي
التفتت برأسها تجاه المكتبة وضيقت عيناها بدهشة، متسائلة بعقلها عن هوية الذي أعاد فتحها مجددًا بعد موت العم صبحي، وبلحظة انتابها هاجس الرعب من وجود أخيها بالداخل مع شخص مجهول لا تعرفه، فهرولت مسرعة تجاه المكتبة وهي تصيح منادية عليه لكنها تسمرت مكانها عند باب المكتبة عندما رأت أخيها يقف مع نفس الرجل، تلاقت عيناها مع عيني سليم في نظرة مطولة كلاهما نظراتهم ترسل اسئلة مختلفة تحتاج لإجابات.
لكنها رفعت نظرها عن سليم واقتربت من أخيها لتقبض على ذراعه وتوبخه بحزم:
_أنا مش قولتلك متتحركش من قدام العمارة عشان مقلقش عليك لو ملقتكش
تجاهل ياسين توبيخ فيروز ونظر لها مبتسمًا ثم حول نظره لسليم وقال وهو يعرفها على سليم :
_ده عمو سليم يا فيروز ابن جدو صبحي.. هيفتح المكتبة تاني وكمان قالي هيخليني اقعد اتفرج واقرأ في الكتب براحتي زي ما كان جدو صبحي بيعمل
رفعت فيروز رأسها والتقت نظراتهم للمرة الثانية فهزت رأسها بهدوء سليم وتمتمت تقدم له واجب العزاء:
_عم صبحي الله يرحمه كان دائمًا بيحكي عنك.. ربنا يرحمه يارب ويصبرك
ردد سليم ( أمين ) وهو لا يحيد بنظراته الثاقبة عن فيروز وكأنه يحاول كشف أسرارها الغامضة من عيناها التي تخفي الكثير، بينما سليم فأمسكت كف أخيها وجذبته معها هاتفة:
_يلا يا ياسين
سار ياسين معها وقبل أن يخرج من المكتبة التفت برأسه للخلف ولوح لسليم بيده الأخرى مودعًا إياه بحب هاتفًا:
_سلام ياعمو سليم هبقى اجيلك تاني
رفع سليم يده بدوره يودعه مبتسمًا وبعد رحيلهم أخرج هاتفه ليجيب على الاتصال الذي كان من مروان وفور إجابته وصله الرد القوي من مروان:
_أنت فين ياسليم ومتقوليش بعدين ومش وقته.. فهمني إيه اللي حصل معاك
أجابه سليم بهدوء:
_طيب تعالي على بيت عم صبحي بس متجيبش سيرة لأي حد أني كلمتك ولا مكاني فين
***
فور دخول فيروز وياسين إلى المنزل اتجهت فيروز إلى غرفتها ولحق بها ياسين تنفيذًا لأمرها، فجلست على حافة الفراش وأجلست أخيها الصغير بجوارها وسألته بفضول:
_أنت كنت بتتكلم مع سليم ده في إيه يا ياسين ؟
حرك كتفيه وزم شفتيه بطبيعية تامة وأجاب:
_ولا حاجة أنا دخلت المكتبة وسألته أنت هتفتح المكتبة تاني قالي أيوة وبعدين قالي أنه هيخليني اقرأ براحتي في الكتب بس بشرط أني لما أكون مش معايا دروس ولا مذاكرة وهو محتاج حاجة اساعده في المكتبة
رفعت فيروز حاجبيها بتعجب من شرطه وأشارت لأخيها بأن يكمل وهي تسأله سؤال أعمق شعرت بأنها تحتاج سماع إجابته لسبب كان يأكل صدرها:
_سألك عليا أو قال أي حاجة عني ؟
هز ياسين رأسه بالإيجاب وهتف يجيب على أخته بحماس وحيرة:
_ايوة سألني سؤال غريب أوي يا فيروز.. الأول كان فاكر أني ابنك فقولتله أنك اختي بعدها سألني جوز أختك عايش معاكم في البيت فقولتله أنك مش متجوزة، هو عمو سليم يعرفك يافيروز؟
سكتت وهي تتذكر حادث السيارة ومحاولته لتقديم المساعدة لها لكنها أخبرته بأن حازم زوجها خوفًا من بطش حازم وشره، يبدو أنه لم ينسى تلك الليلة وربما لم يصدق أنهم زوجين ولذلك قرر إنهاء شكه بسؤال أخيها ومعرفة الحقيقة.
تنهدت مطولًا بعد دقائق من التفكير وراحت توجه الأوامر لأخيها بقلق وحزم:
_طيب متروحش هناك وحدك تاني يا ياسين ده راجل غريب واحنا منعرفش هو مين ونوياه إيه
رمق أخته بعدم اقتناع وغضب ثم هتف معترضًا اعتراض تام يدافع عن سليم:
_راجل غريب إيه بقولك يبقى ابن جدو صبحي يا فيروز وبعدين هو راجل كويس أنتي مشوفتهوش لبسه وشكله حلو ازاي لو كان راجل وحش كان هيبقى شكله زي سمير الجربوع ده
اتسعت عيني فيروز بدهشة من رد أخيها الصادم وراحت تنهاه فورًا بحدة:
_ولد عيب إيه الألفاظ اللي بتقولها دي مينفعش تقول كدا
هتف ياسين بقرف وكره شديد تجاه سمير:
_عيب ليه مهو فعلًا كدا أنا مقولتش حاجة غلط عليه، بعدين هو دائمًا بيضايقك ولو ضايقك تاني المرة دي هضربه ومش هخلي أي حد يضايقك وحتى حازم يافيروز لأني عارف أنه هو كمان بيضايقك
شعرت فيروز بلحظة بتضارب في مشاعرها بين رغبة في الضحك على كلماته التي لا تناسب سنه أبدًا وبين شعور الفخر به وبشخصيته القوية والشجاعة.
مسحت على شعره بحب وابتسمت له بود ثم تمتمت بحكمة وهدوء:
_متشغلش بالك أنت ياحبيبي أنا هعرف اتصرف مع أي حد يضايقني، أنت بس اسمع الكلام ومتروحش عند سليم تاني حتى لو هو ابن عم صحبي برضوا احنا منعرفهوش ولا عمرنا شفناه
تصنع ياسين أمام فيروز الانصياع لرغبتها ولم يتفوه بأي اعتراض لكن داخله ينوي أنه لن يقطع علاقته بسليم….
***
عودة لمكتبة العم صبحي كان سليم جالسًا على مقعد المكتب وبيده كتابًا عن ريادة الأعمال يقرأ به، لم ينتشله من سلامه النفسي سوى وصول مروان الذي داخل وهو يهتف مبتسمًا باندهاش:
_أنت كمان فتحت المكتبة لا ده كدا الموضوع كبير أوي فعلًا!!
أشار سليم بعيناه على المقعد المقابل له وهتف:
_أهلًا يامروان اقعد بس الأول
تقدم مروان نحو المقعد وجلس وهو موجه جسده كاملًا باتجاه سليم ونظراته الثاقبة معلقة على وجه صديقه ثم أعاد سؤاله بفضول شديد:
_اديني قعدت يابشمهندس أهو.. احكيلي بقى يلا
تنهد سليم الصعداء قبل أن يبدأ في سرد الأحداث الأخيرة التي دارت بينه وبين عائلته لينتهي به المطاف الآن بمنزل العم صبحي بعد أن أتخذ قرار لا رجعة فيه.
كان مروان يستمع إليه بصدمة وعلامات الاعتراض وعدم الرضا بادية على صفحة وجهه المحتدمة فهتف وهو يزجره بانزعاج:
_إيه اللي أنت بتعمله ده.. أنت اتجننت ياسليم الموضوع مش مستاهل كل ده كنت اتواصلت مع عوني بيه على حل وسط لو مصمم متكملش المشروع
خرج صوت سليم محتقن من فرط الغضب:
_بابا عايز يخليني نسخة من شخص غيري ويلغي قراراتي وشخصيتي ويخليني اتبع أساليبه اللي دايمًا أنا ضددها ومعترض عليها، كمان هو متخيل أن الأملاك والفلوس نقطة ضعف عندي وحب يستخدمها ضدي عشان يجبرني انفذ رغبته فأنا حبيت اثبتله أني مليش نقطة ضعف ومش بتهدد ولا بيتلوي دراعي
تأفف مروان بنفاذ صبر ورفع يده يمسح على وجهه بحنق ثم سأل بحيرة:
_طيب وهتفضل قاعد بقى في بيت عم صبحي هنا لغاية أمتى أكيد مش هتعيش عمرك كله هنا
تمام سليم بهدوء أعصاب تام وعدم مبالاة:
_معرفش هقعد لغاية امتى بس أكيد لسا الوضع مطول أوي ووراد لما أحب ارجع هرجع وأعمل اسمي أنا وحدي بعيد عن مجموعات عوني الطوخي
هز مروان رأسه بعدم تصديق وهو يضحك ساخرًا ويجيب على صديقه:
_لا أنت وسعت منك أوي كدا.. عمومًا خلاص براحتك مش هنتكلم في الموضوع ده تاني دلوقتي لغاية ما تهدي وبعدها أن شاء الله هترحع عن اللي في دماغك ده.. أنت بس قولي دلوقتي هتصرف من فين بعد ما رجعت كل حاجة لعوني بيه
ابتسم سليم بنظرة ثقة وخبث:
_إيه هو أنا تلميذ ولا إيه متقلقش ده أمره سهل أنا هتصرف وكمان لسا حسابي البنكي في مبلغ محترم يكفيني لفترة طويلة شويتين
التزم مروان الصمت للحظات يفكر فيما سرده له سليم ثم قطع الصمت بسؤاله المهتم:
_كاميليا هانم عملت إيه أكيد القرار ده مكنش سهل عليها
تنهد سليم بضيق عند تذكر أمه وأجاب في صوت رخيم:
_كانت رافضة طبعًا بس اضطرت تقبل بالأمر الواقع لما لقتني مصمم.. أنا بس هكلمها يوميًا أطمن عليها، وأنت متجبش سيرة لأي حد عن مكاني حتى أمير فاهم يامروان
غضن مروان حاجبيها باستغراب وسأل في استنكار لطلبه:
_وده ليه أن شاء الله أنت حتى مكانك مش هتقولهم عليهم
سليم بذكاء ونظرة قوية:
_بابا دلوقتي في ذروة غضبه وأنا مش ضامن إيه الحركة اللي ممكن يعملها لو عرف مكاني عشان يجبرني ارجع، رغم أني فاهم دماغه بس المرة دي أنا مش متوقع عوني بيه ممكن يعمل إيه عشان يرجعني غضب
ابتسم مروان بذهول من كلمات سليم وقال مبتسمًا بقلق:
_انا طول عمري اسمع عن جبروت أبوك وقسوته وأيده الطايلة اللي ملهاش حدود بس مش للدرجة ياسليم أنت برضوا ابنه
ابتسم سليم بأسف وقال في يقين:
_ لا للدرجة بابا دائمًا كان بيربيني أني أكون تحت طوعه ويفرض سيطرته عليا وأنا دلوقتي خربتله النظام ده كله وهديت كل اللي كان بيبنيه وخرجت عن طوعه.. فتوقع منه أي حاجة يعملها عشان يرجع النظام اللي ربانا عليه أنا وأمير
زم مروان شفتيه باضطراب وهمس:
_ربنا يسترها ياصحبي
***
بتمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل داخل منزل داليا وشاهين تحديدًا بغرفة نومهم…
كانت داليا تقف أمام المرآة وبيدها الفرشاة تسرح شعرها بلطف وعقلها شارد بأخيها وعائلتها، فانتشلها من شرودها صوت رنين هاتف زوجها التفتت نحوهه واقتربت من الهاتف لتجذبه وتنظر إلى اسم المتصل فتقرأ اسم ” مروة ” ينير الشاشة، غضنت حاجبيها بتعجب امتزج بغيظ شديد ولم تلبث لتفكر حتى وجدت شاهين يخرج من الحمام بعدما انتهي من حمامه ويهتف مبتسمًا:
_كويس أنك منمتيش يا ديدي
وجدها ترفع الهاتف وتوجهه باتجاهه متمتمة بحدة:
_مروة بتتصل !!!
تسمر مكانه للحظات بعدما شعر بانعقاد لسانه لكنه تدارك الموقف فورًا وتصنع الحنق يجيبها بقرف:
_كنسلي عليها.. أنا قولتلها ونبهت عليها مليون مرة لو الدنيا اطربقت فوق دماغ الكل في الشغل مترنش عليا في وقت متأخر
هدأت حدة ملامح داليا قليلًا لكن غيرتها وغيظها لم يهدأ حيث قالت بعدم اقتناع:
_يعني هي بترن في وقت زي ده عشان شغل !!
تقدم شاهين إليها ووقف أمامها ثم جذب الهاتف من يدها والقاه على الفراش بعدم اكتراث بعدما أغلق الاتصال الوارد من مروة وهتف:
_أيوة طبعًا شغل يا حبيبتي هيكون إيه غير كدا.. الله اعلم إيه المصيبة اللي حصلت تخليها ترن عليا متأخر كدا
أصدرت داليا تأففًا حار وعقدت ذراعيها أمام صدرها ثم هتفت وهي تملي عليه رغباتها أو أوامرها بالمعنى الأدق:
_طيب اسمع يا شاهين أنا البنت دي مش عجباني ومش مرتحالها فـ ياتنبه عليها وتحطلها حدودها يا إما تطردها خالص من الشغل وإلا صدقني هتشوف مني تصرف هيصدمك
ابتسم شاهين وقال وهو يمسح على شعرها ووجنتها بحنو متمتمًا:
_إيه حيلك حيلك ليه كل العصبية والغيرة دي كلها، اهدي يا روحي ومتقلقيش هي متقدرش تتخطي حدودها وبكرا أنا هعاقبها على التصرف اللي عملته ده دلوقتي
ردت داليا بنظرة ملتهبة:
_اتمنى فعلًا أنك تحطلها حدودها لأن وقتها هضطر أنا اللي أتدخل
مال عليها ولثم وجنتها بقبلة حميمية متمتمًا:
_كل اللي أنتي عايزاه هعمله يا حبييتي، سيبك منها بقى دلوقتي.. أنتي مش عايزة تعرفي أنا ليه كنت بقولك كويس منمتيش !
بدأت ابتسامتها في الظهور مجددًا وأجابته بدلال بعد قبلته لها:
_ليه؟!
غمز لها بخبث وهمس:
_وحشتيني وحابب نسهر مع بعض سهرة حلوة
اتسعت ابتسامتها بحب وتمتمت مجيبة عليه بغنج أنثوي:
_أنت كمان وحشتني أوي يا شاهين
التقط كفها ورفعه إلى فمه يقبّل ظاهره بحنو وسط نظرات داليا الهائمة عشقًا به، أحدهما يعيش المشاعر الصادقة والآخر يخفي أسرار الجحيم في جعبته، أحدهم يقسم بالأبدية والآخر يسلك طريق النهاية.
***
داخل منزل عوني الطوخي…
كان أمير جالسًا بالصالون وجهه يظهر عليه العبوس والغضب شاردًا، حتى انتبه لأبيه الذي اقترب وجلس بجواره وراح يسأله بصوت غليظ:
_كلمت سليم ؟
هز أمير رأسه بالإيجاب دون أن يتفوه بكلمة فتابع عوني يسأل بفضول:
_مقالكش قاعد فين ولا بيعمل إيه؟!
رفع أمير رأسه وحدق بأبيه في حنق وأجاب:
_لا مرضيش يقولي.. وقالي أنه مش وقته اعرف مكانه بحجة أنه حابب يقعد لوحده الفترة دي وميعرفش حد مكانه.. بس أنا عارف أنه مش هو ده السبب اللي خلاه ميقوليش على مكانه يابابا
تسائل عوني بحيرة:
_أمال إيه السبب ؟!
ظهر الاحتقان في عينيه من فرط الغيظ وراح يجيب على أبيه بعصبية دون أن ترتفع نبرته:
_سليم فاهم أنك أول واحد هيجي في بالك أنه يقوله على مكانه هو أنا وهتوصله من خلالي.. عشان كدا مقاليش، يارب تكون مبسوط باللي وصلت ليه ولادك ياعوني بيه
انفعل عوني وصاح باستياء:
_وهو فكره كدا أني مش هعرف أوصله يعني
هب أمير واقفًا وصاح باهتياج:
_أنت بتتعامل معاه على أنه عدوك ليه ده ابنك يا عوني بيه.. واحنا ولادك مش موظفين عندك في شركاتك، أنت خسرت سليم ولو فضلت بنفس تفكيرك كدا هتخسرني أنا كمان يابابا
ثار عوني وهب واقفًا وراح يصرخ بابنه بصوت جهوري هائج:
_إيه خلاص أنتوا الاتنين بقيتوا شايفيني الأب اللي بيعتبركم أعداؤه.. بقيت غلطان أني عايزكم تكونوا احسن مني أنا شخصيًا عشان تمسكوا الهلمة والمُلك والجاه ده كله من بعدي
ابتسم أمير ساخرًا وقال بأسى:
_لا بلاش نضحك على بعض ياعوني بيه أنت لا يمكن تحب أن يكون في حد احسن منك حتى لو ولادك
أنهي أمير كلماتها واندفع نحو الدرج متجهًا إلى غرفته بينما عوني فكان يستشيط غيظًا منه وقاد هو الآخر خطواته متجهًا لغرفته، التي فور دخولها وجد كاميليا تجلس على مقعد الأريكة الصغيرة المقابلة للفراش وتنظر له باستنكار متمتمة:
_سامعة صوتك بتزعق مع أمير.. إيه ناوي تحرمني منه كمان زي ما حرمتني من سليم
تقدم عوني وجلس على الفراش وهتف بثبات انفعالي مزيف كله وعيد وثقة:
_ومين قالك أنك اتحرمتني من سليم.. مش أنتي ليكي ابنك يرجعلك.. هيرجع، أنا بس سايبه يومين كدا لغاية ما يهدي يمكن يراجع نفسه ويرجع البيت وحده ولو مرجعش أنا هعرف ارجعه
ضيقت كاميليا عيناها بحيرة وسألت باهتمام:
_وهترجعه ازاي ياعوني.. أنا عارفة طرقك دي مش بتحل دي بتعقد أكتر
عوني بهدوء تام وهو يمد جسده على الفراش ويسحب الغطاء عليه:
_ملكيش دعوة هيرجع ازاي أنتي بس لو عرفتي مكانه قوليلي عشان اعرف اتصرف
تابعته كاميليا وهو يضع رأسه على الوسادة ويغلق عيناه لينام بعد آخر عباراته فمال ثغرها باستهزاء وغيظ منه هامسة:
_ليك نفس كمان تنام!!!
***
بصباح اليوم التالي داخل النادي الخاص بأمير…
كان ملازم غرفة مكتبه الخاصة منذ ساعات لا يخرج منها يحاول الهاء نفسه بالعمل وعدم التفكير في أي شيء يعكر مزاجه، وزاد الأمر سوءًا رؤيتة لـ ” مريم ” بصباح اليوم فور وصوله للنادي وهي تجلس مع أيمن فتجاهل نظره ومشاعره وأكمل طريقه متصنعًا اللامبالاة بأمرها.
انتشله من عمله المزيف الذي يلهي نفسه به طرق الباب فأجاب على الطارق يسمح له بالدخول دون أن يرفع نظره عن شاشة الكمبيوتر التي أمامه، فانفتح الباب وظهرت من خلفه مريم التي دخلت واقتربت منه حتى جلست على المقعد المقابل له وهو مازال لم يرفع نظره عن الشاشة فتنحنحت برقة ليرفع أمير رأسه لها ولأول مرة يطالعها بوجه جامد خالي من التعابير دون ابتسامة أو ترحيب حار كما اعتادت منه فهتفت هي مداعبة إياه:
_واضح أن الموضوع كبير فعلًا.. أنا سألت عليك قالولي في مكتبك مطلعتش منه من وقت ما جيت
تجاهل جملتها ورد عليها بسؤال مختلف في نبرة رجولية:
_عاملة إيه يامريم؟
ردت عليه بلطف مبتسمة لكن نبرتها كانت تحمل الاهتمام والقلق:
_أنا كويسة الحمدلله، أنت مالك شكلك مش عاجبني في حاجة حصلت معاك؟
رفع حاجبه بابتسامة ساخرة وقال:
_ومن أمتى الاهتمام ده بقى؟!
زمت شفتيها وردت بالرفض ضاحكة:
_لا أنت فهمتني غلط أنا بس مش متعودة عليك في الحالة دي فعندي فضول اعرف مالك!
استفزه بشدة ردها واستشاط حقدًا واشتعل لهيب الغيرة في صدره عندما تذكر جلساتها المتكررة مع أيمن فصاح منفعلًا:
_طيب يا آنسة مريم أنا كل ما في الموضوع أني مش فاضي وبشوف شغلك اللي حضرتك مش فاضية تشوفيه لأنك طبعًا كل يوم مع استاذ أيمن بالساعات بتحكي، اتمنى تكون حكاويكم في أمور الدولة لإن مفيش حاجة غير دي بنسبالي ممكن تكون أهم من شغلك اللي انتي مهملاه
اتسعت عيني مريم بدهشة من أسلوبه الحاد ونبرته المرتفعة التي يحدثها بها لأول مرة في حياته، فوثبت واقفة وصرخت بعصبية شديدة محاولة التحكم في دموعها من الأنهمار أمامه:
_أنا مسمحلكش تكلمني بالطريقة دي يا أمير متنساش نفسك أنا مش واحدة من اللي شغالين عندك.. وحاجة متخصكش أنا بقعد مع مين ولا بحكي في إيه، وأنا شايفة شغلي كويس أوي
وأنت عارف ده أنا عمري ما أهملت في شغلي
ثم استدارت واندفعت من أمامه متجهة إلى الباب لكنها توقفت بعد أن فتحت الباب والتفتت برأسها نحوه وقالت في غضب:
_وأنا آسفة أني كنت شايلة همك وجيت اطمن عليك.. اعتبرها أول وآخر مرة يا أمير
راقبها وهي تنصرف ثائرة وعيناها ممتلئة بالدموع وبقى مكانه دون حركة يحدق في أثرها بعينان ملتهبة بنيران الغيرة والسخط منها ومن ذلك الكائن اللزق….
***
خرجت فيروز إلى الشرفة تنظر إلى الشارع تبحث عن أخيها الذي يلعب من اصدقائه وعندما لم تجده سألت أحد اصدقائه فأخبرها أنه ذهب لمنزل العم صبحي إلى ابنه الذي يُدعى سليم، فتسارعت نبضات قلبها رعبًا ودار بعقلها ألف سيناريو مرعب، خصوصًا وهي مازالت لا تثق بسليم.
دخلت مهرولة وارتدت عباءة مناسبة وغادرت المنزل شبه ركضًا حتى وصلت إلى بناية العم صبحي وصعدت الدرج ركضًا وهي لا تدري بالأعين التي تراقبها منذ دخولها، وصلت إلى الطابق الثاني حيث يوجد شقة العم صبحي التي يقطن بها سليم.
رفعت يدها وضربت على الباب بكفها كله وهي تلهث من فرط الخوف ففتح لها سليم وعندما رآها غضن حاجبيه باستغراب ليجدعا تسأله بغضب:
_ياسين فين؟
ضيق سليم عيناه بتعجب وأجاب بجهل:
_معرفش بعدين إيه اللي هيجيبه عندي
كانت فيروز نظراتها مشتعلة وترمق سليم بنارية، وخوفها وعدم ثقتها به دفعتها إلى أن تدفعه من أمامها وتدخل إلى المنزل عنوة وهي تصيح منادية على أخيه ظنًا منها أنه خطفه ويخبئه بالداخل بينما سليم فلحق بها بخطوات هادئة بعدما فهم ما يدور في عقلها ووقف بمنتصف الصالة واضعًا كفيه في جيبي بنطاله بكل ثقة ووقار، تركها تفتح بالمنزل كله بحثًا عن أخيها وبعد انتهائها خرجت وعادت له تنظر بحيرة ليبتسم هو لها بنظرة ساخرة ويقول بلهجة قوية:
_اطمنتي واتأكدتي أنه مش عندي وأني مش خاطفه
هتفت فيروز بغضب واضطراب:
_وأنا إيه اللي يطمني أنت واحد لقيتك فجأة حواليا وحوالين أخويا.. إيه عرفني نيتك إيه !!
أجاب سليم بكل هدوء وثبات رجولي متزن:
_لو خايفة على أخوكي مني تقدري تمنعيه وتخليه ميجليش المكتبة تاني
رمقته فيروز شزرًا وابتعدت من أمامه مندفعة لخارج المنزل لكن قبل مغادرتها تسمرت بأرضها عندما رأت حازم أمامها يقف كالثور الهائج ويتطلع إليها بنظرات مرعبة فالتفتت برأسها تلقائيًا تجاه سليم الذي كان يقف على بُعد خطوات خلفها وعادت برأسها تنظر إلى حازم بارتيعاد فتقهقهرت للخلف لا إداريًا لتجده يتقدم نحوها هائجًا ويجذبها من ذراعها ثم يوجه لها صفعة عنيفة على وجنتها……
…………. نهاية الفصل ………..

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية لأنك أنت) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!