رواية قرية الزمهرير الفصل الثالث 3 – بقلم مصطفى محسن
قعدت ساكت شوية وببص حواليا كأني مستني حد يطلعلي من الضلمة، حاولت أقنع نفسي إن اللي سمعته مجرد كلام، وإحساسي بيبالغ، قمت بسرعة وقفلت الشبابيك كويس وقفلت الباب بالمفتاح، بس أول ما قعدت حسيت بحاجة غريبة… حسيت ان الشقة اتسحبت مني وبقت مكان تاني، فضلت سامع صوت تكتكة الساعة بس، وفجأة تليفوني رن، الرقم كان غريب، رديت بتردد، سكت شوية ومحدش اتكلم، كنت لسه هقفل، لكن سمعت نفس الصوت الراجل اللى كنت هنقذه… بيقول بنبرة صوت تقيلة: أنت فتحت الكيس… صح؟ قلبي وقف لحظة، قمت واقف ومش عارف أتكلم، الصوت كمل: أنا قولتلك… اللي يعرف سرهم… بيبقى جزء منه، قفلت المكالمة وإيدي بتترعش، حاولت أقول لنفسي إن ده اكيد تسجيل مش مكالمة، لكن قبل ما أفكر أكتر، باب الشقة خبط خبطة واحدة تقيلة خلت جسمي كله ينتفض، وقفت مكاني مش قادر أتحرك، الخبطة اتكررت تاني بس المرة دي أقوى، وبعدها الصوت سكت تماما.
–
كنت واقف قدام الباب وجسمى كله بيترعش، حاولت اقنع نفسى ان اللى بيحصل ده مش حقيقى بس أنا فعلاً فتحت الكيس وشوفت كل حاجة، يعني الموضوع حقيقي مفيهوش شك، بس فكرة إن نفس صوت الراجل يكلمني في التليفون وهو المفروض مات خلت عقلي يكون مشتت، حاولت أقنع نفسي إن اللي سمعته ممكن يكون تسجيل معمول بطريقة ذكية أو حد بيقلد صوته عشان يخوفني، خصوصًا إن الناس دي واضح إنها منظمة وعندها إمكانيات، فجاة الباب خبط تانى بس كانت أقوى وقطعت أي تفكير، وصوت الراجل من بره قال: عارفين إنك جوه… بلاش نضيع وقت، بصيت حواليا بسرعة وأنا بفكر أتصرف إزاي، عيني راحت على الفلاشة والكيس، جريت بسرعة اخدتهم وحشرتهم في المطبخ تحت حاجات قديمة، وبعدين قربت من الباب من غير ما أعمل صوت وبصيت من العين السحرية، كان في راجلين واقفين، لبسهم عادي جدًا، بس نظراتهم ثابتة بشكل مريب، واحد فيهم بص ناحية الباب كأنه حاسس إني ببص عليه، وقال بهدوء: احنا عارفين إنك جوه يا عاصم… وزي ما إنت شوفت، إحنا كمان بنوصل لأي حد بسهولة، قلبي كان بيدق جامد، بس حاولت أتماسك وسألت من ورا الباب: عايزين إيه؟ رد التاني بسرعة: عاوزين الحاجة اللي معاك، وساعتها اتأكدت إنهم عارفين كل حاجة، لكن اللي خلاني أقلق أكتر إن واحد فيهم قال جملة خلتني أفهم إن الموضوع أكبر مما كنت متخيل: قال… الراجل اللي إنت حاولت تنقذه… ماكنش أول واحد يحاول يهرب… وإنت مش أول واحد يوصل له الكلام ده.
–
سكت لحظة وأنا واقف بحاول أقرر، لو فتحت الباب معناه إنى انتهيت، والهروب لازم يكون دلوقتي حالًا قبل ما يكسروا الباب، بصيت حواليا بسرعة وحددت القرار، اتحركت على أطراف صوابعي ناحية المطبخ ومنه للمنور بصيت لتحت لقيت مواسير صرف نازلة جنب الحيطة، مسكت فيها بإيدي ونزلت بحذر، إيدي كانت بتتزحلق وقلبي في رجلي، وفي نفس اللحظة سمعت صوت خبط جامد على الباب من جوه الشقة، واضح إنهم بدأوا يحاولوا يفتحوه بالعافية، نزلت بسرعة أكبر لحد ما وصلت الأرض، أول ما رجلي لمست الأرض جريت على طول من غير ما أبص ورايا، دخلت في شارع جانبي ضلمة ومشيت بسرعة وأنا بحاول أهدى نفسي، كنت عارف إنهم مش هيسيبوني بسهولة، وقفت عربية من أول الشارع، ركبت وقلت للسواق أتحرك بسرعة بعيد عن هنا، وأنا قاعد ببص في المراية كل شوية، حاسس إن في حد ورايا، لكن الشوارع كانت فاضية، حاولت أستوعب أنا هعمل إيه، افتكرت انى نسيت الكيس والفلاشة فى البيت، بس أنا لسه حافظ كل اللي شوفته، وبعد شوية السواق وقف عند منطقة بعيدة، نزلت ومشيت شوية على رجلي ودخلت قهوة قعدت في ركن بعيد، وأنا بحاول أفكر، لأول مرة من ساعة ما خرجت من القرية حسيت إني مطارد بجد، مش مجرد شاهد… لا، أنا بقيت هدف، وساعتها بس فهمت إن الهروب من البيت كان مجرد بداية… لكن الهروب الحقيقي لسه ما بدأش.
–
فضلت قاعد لحد ما الدنيا بدأت تنور، كنت محتاج أفكرهعمل ايه، مفيش مكان أقدر أرجع له غيرانى اسافرالقاهرة، هناك أقدر أختفي وسط الزحمة وأبدأ من جديد، قومت من مكاني وخدت أول مواصلة على القاهرة، طول الطريق كنت سرحان وبفكر في اللي حصل وفي اللي جاي، أول ما وصلت دورت على مكان أبات فيه، لفيت شوية لحد ما لقيت شقة صغيرة في حارة، إيجارها مناسب، دفعت وقعدت فيها على طول، المكان كان بسيط جدًا بس كان كفاية إني أبقى بعيد عن أي حد يعرفني، نمت شوية من التعب، وتاني يوم صحيت بدري وقررت أنزل أدور على شغل، لازم أعيش طبيعي، فضلت ألف على شركات ومكاتب لحد ما لقيت شركة طالبة محاسبين، دخلت سألت وقدمت، قعدت مستني دوري وأنا بحاول أبان هادي، دخلت للمسؤول وقدمت الورق واتكلمت بشكل طبيعي جدًا، وهو سألني شوية أسئلة بسيطة وبعدين قال لي استنى برا، خرجت وقعدت وأنا مستني الرد، وبعد شوية ندهوا عليا وقالوا لي هتبدأ شغل من بكرة، وأنا لأول مرة من يومين حاسس إن في حاجة بدأت تستقر، بس وأنا نازل على السلم، سمعت صوت حد ورايا بيقول اسمي: عاصم… وقفت مكاني ولفيت ورايا.
–
وقفت مكاني وبصيت ورايا، لقيت شادي صاحبى واقف، بيابتسم وقال: عاصم؟ معقول! سلمنا على بعض وكأننا رجعنا سنين ورا، قال لي: إنت فين يا بني من زمان مش عارف عنك حاجة؟، ضحكت ضحكة خفيفة وقلت له: الدنيا سحلتني بس، إنت عامل إيه؟ قالي: الحمد لله، انا شغال هنا بقالي فترة، بس إنت جيت القاهرة امتى؟ سكت لحظة وبصيت حواليّا وقلت له بصوت واطي: مش هينفع الكلام هنا، شادي ركز في وشي كأنه فهم إن الموضوع أكبر من مجرد كلام، وقال: خلاص، تيجي معايا البيت ونتكلم براحتنا، هزيت راسي ووافقته من غير تفكير، خرجنا سوا وركبنا مواصلة لحد ما وصلنا شقته، بس أول ما دخلت حسيت بحاجة غريبة، نفس الإحساس التقيل اللي كان بييجي مع غروب الشمس في قرية الزمهرير، كأن المكان فيه حاجة مش باينة، حاولت أتجاهل الإحساس وقعدت، شادي عمل قهوة وقعد قدامي وقال: احكي، إيه اللي حصل؟ سكت شوية وبعدين بدأت أحكيله كل حاجة، من ليلة الترعة لحد اللي حصل في الشقة والناس اللي جتلي، كنت بتكلم وهو ساكت مركز في كل كلمة، بس كل شوية كان يبص ورايا أو ناحية باب الشقة كأنه سامع حاجة، ولما خلصت، فضل ساكت ثواني وبعدين قال: أنا كنت عارف، بصيت له بصدمة وقلت: عارف إيه؟ قال: إن الموضوع مش بس ناس بتختفى وتدفن… الموضوع أقدم من كده، وأصعب، سكت لحظة وبعدين قام وراح ناحية المكتبة وفتح درج وطلع منه ملف، حطه قدامي وقال: أنا بقالى سنين بجمع في ده، كل حاجة ليها علاقة بقرية الزمهرير، الناس اللى اختفت، حوادث غريبة، وحتى حكايات قديمة، فتحت الملف وأنا متردد، لقيت قصاصات جرائد قديمة، وصور لأماكن حوالين الترعة والجبل، وفي نصهم ورقة مكتوب عليها نفس الجملة اللي كانت في الورق اللي لقيته: “تم الدفن”، قلبي دق جامد، بصيت له وقلت: إنت عرفت منين ان فيه حاة غلط؟ رد بصوت واطي: من واحد قبل ما يختفي: بس في حاجة أهم، مد إيده وطلع ورقة تانية، كانت رسمة لمكان شبه المغارة اللي اتقال عليها في التسجيل، بس حواليها دايرة كبيرة وعليها كلام غريب، رموز وكلمات مش مفهومة، وقال: المكان ده مش مجرد مغارة… ده مكان معمول له طقوس من زمان، واللي بيحصل مش بس عشان فلوس أو دهب، في حاجة تانية بتتغذى على اللي بيحصل، حسيت بقشعريرة في جسمي وافتكرت كلام الراجل عن إنهم لازم يدفنوا الناس وهي عايشة، قبل ما أتكلم، سمعنا صوت خفيف جاي من جوه الشقة، صوت خبطة بسيطة كأن حاجة وقعت لوحدها، أنا بصيت لشادي وهو بصلي، الصوت جاي من الأوضة اللي جوه، شادي قام ببطء وقال: إنت سمعت؟ هزيت راسي وأنا حاسس إن نفسي تقيل، مشينا ناحية الأوضة، أول ما قربنا الباب كان مفتوح سنة صغيرة، وشادي زقه بإيده، الأوضة كانت فاضية… بس الحاجة اللي كانت على الحيطة خلتني أتجمد مكاني.
–
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية قرية الزمهرير) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.