رواية عشقت محتالة – الفصل السادس
البارت 6
كان واقف مكانه، ملامحه تبان هادية بس عينيه فيها نظرة خلت جميلة تنكمش على نفسها بخجل. سألها وهو بيرفع حاجبه:
“جميلة؟ بتعملي إيه في أوضتي؟”
جميلة كانت بتحاول تتلاشى النظر لهيئته اللي تخطف الأنفاس، ووشها بقى زي الطماطم وهي بتهته في الكلام:
“أنا.. أنا كنت.. كنت بناديك بس عشان الغدا جهز، وخبطت كتير ومردتش .”
هز راسه بهدوء وقالها بنبرة رخيمة:
“تمام.. هلبس وأنزل وراكي.”
جميلة هزت راسها بسرعة وقررت تخرج عشان تهرب من الموقف ده، لسه هتمشي لقت أدهم بيقرب خطوات ناحيتها.. جميلة بدأت ترجع لورا بتوتر وارتباك، وكل ما هي ترجع خطوة، هو يقدم خطوة، لحد ما حست إن الهوا بيخلص من حواليها.
“في.. فيه إيه يا أدهم؟”
أدهم مردش، وفضل يقرب بجمود وبوجه جامد، لحد ما جميلة لقت ضهرها خبط في حاجة صلبة، وبقت محاصرة بينه وبين الدولاب. وفجأة، رفع إيده الاتنين وحاصرها بيهم، ونزل بمستواه لحد ما بقوا في نفس الطول. جميلة غمضت عينيها برعب وارتباك، ودموعها بدأت تلمع في عينيها من كتر الخجل والتوتر، وقلبها كان بيدق لدرجة إنها خافت يسمع دقاته.
حست بأنفاسه قريبة من وشها، فاستسلمت تماماً، لكنها فاقت على صوته الهادي وهو بيقول ببرود مستفز :
“جميلة.. عايز ألبس، أنا كدة هاخد برد من التكييف.”
فتحت عينيها وبصتله ببلاهة وعدم استيعاب:
“ما.. ما تلبس!”
رد عليها ببساطة وهو بيشاور براسه على الحتة اللي هي واقفة فيها:
“ألبس إزاي وإنتي واقفة سادة قدام الدولاب؟”
جميلة لفت وشها وراها واتفاجئت إنها فعلاً واقفة سادة باب الدولاب تماماً. استوعبت في لحظة إنه كان بيقرب عشان يفتح الدولاب وياخد هدومه مش عشانها هي، فاتحركت بسرعة وهي بتستعيد أنفاسها المقطوعة وبتقول بإحراج لا يحسد عليه:
“آآه.. الدولاب! أنا.. أنا آسفة جداً، مخدتش بالي.. أنا هسبقك وأنزل استناك تحت.”
لسه هتجري من جنبه، لقت إيده الدافية اتمدت ولمست خدها برقة غريبة، خلت جسمها كله يتنفض. ثبتت مكانها وهي حاسة بصباعه بيمشي على بشرة خدها بنعومة، وسمعته بيقول بصوت واطي فيه بحة حنينة:
“خدودك حمرا كدة ليه؟”
جميلة رفعت عينيها وبصت له.. وفي اللحظة دي، تلاقت عيونهم في نظرة طويلة. أدهم كان باصص لعيونها وكأنه بيدور على الحقيقة فيهم ، وجميلة كانت تايهة في سواد عينيه اللي كان فيه مزيج من الحنان والقسوة والغموض.. حست إنها بتغرق، وإن التمثيلية دي بدأت تسحبها لمكان ملوش رجوع.
مكانتش جميلة عارفة ترد بأي كلمة، لسانها كان عاجز تماماً قدام لمسة إيده ونظرته اللي كانت بتخترقها، لكن فجأة انقذها من الموقف ده دقات خفيفة على الباب اللي كان مفتوح أصلاً، ودخول يزن وهو بيجري بهدوم المدرسة وشنطته اللي لسه على ضهره.
يزن دخل وهو بينهج وفرحان:
“انتي هنا يا جميلة؟ ده أنا قلبت عليكي القصر كله وبدور عليكي في كل حتة!”
جميلة استغلت وجود يزن كأنه طوق نجاة اترمي لها من السما، بعدت عن أدهم بسرعة وهي بتحاول تلم شتات نفسها وتاخد نفسها اللي كان مكتوم، وراحت ناحية يزن وخدته في حضنها وقالت بلخبطة:
“يا روحي.. حمد لله على السلامة! كنت لسه بنادي أدهم عشان ننزل نتغدى كلنا سوا.. يلا بينا ننزل حالاً، وبالمرة تحكيلي عملت إيه في أول يوم مدرسة.”
أدهم فضل واقف مكانه، ساند إيده على طرف الدولاب، وعينه مراقبة حركاتها المرتبكة وهروبها الواضح. ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة غامضة مش باين هي حب ولا انتصار من تأثيره عليها، وهو بيبص لضهرها وهي واخدة يزن ونازلة بسرعة كأنها بتهرب من حريق.
__________________________________
وعلى الجانب الآخر، في المستشفى..
كان علي واقف قدام أوضة الكشف، مربع إيده وضخمته كانت لافتة أنظار كل اللي في الطرقات. كان باين عليه القلق رغم هدوءه المعتاد، وعينه مابتفارقش باب الأوضة لحد ما الدكتور خرج وهو بيقلع الجوانتي.
علي قرب منه بلهفة:
“ها يا دكتور.. طمني، الإصابة كبيرة؟”
الدكتور ابتسم بهدوء عشان يطمنه:
“لا مفيش داعي للقلق خالص. هي مجرد حاجة بسيطة، التواء بسيط في الكاحل نتيجة الوقعة. مفيش كسور ولا حتى شرخ، الحمد لله.”
علي أخد نفس طويل وطلعه براحة:
“الحمد لله.. طيب محتاجة أي حاجة؟ جبيرة أو كدة؟”
الدكتور رد وهو بيكتب الروشتة:
“لا، هي محتاجة بس راحة تامة لمدة يومين، وكمادات مية ساقعة، والدهان ده مرتين في اليوم. وتقدر تمشي عليها عادي بس بحساب في الأول.”
خبط على الباب بهدوء لحد ما سمع صوتها الرقيق بيأذن بالدخول. دخل الأوضة لقاها قاعدة على السرير، وشها كان لسه مخطوف والدموع منشفة على خدودها. أول ما شافته داخل اتوترت وخفضت نظرها على الأرض.
علي بص لها بنبرة هادية:
“الحمد لله طلعت بسيطة.. التواء بسيط وهتخفي في يومين.”
ياسمين هزت راسها بكسوف وبصت في الأرض:
“شكراً يا أستاذ.. أنا بجد أسفة إني تعبتك معايا.”
علي استغرب رقتها وخجلها اللي مكنش متعود عليه في شغله، ورد بجدية:
“تعب إيه بس؟ أنا اللي خبطتك، وده واجبي. المهم دلوقتي، هقدر أوصلك فين؟ أهلك زمانهم قلقانين عليكي.”
ياسمين ملامحها اتغيرت وظهرت عليها مسحة حزن، وقالت بصوت واطي:
“أنا ساكنة مع والدي في…”
علي حس بحاجة غريبة تجاهها، ميكس بين الشفقة والإعجاب ببراءتها، فقال بحزم:
“طيب يلا بينا.. العربية بره، وأنا هوصلك لحد باب البيت.”
ياسمين حاولت تقوم، بس أول ما رجلت لمست الأرض اتأوهت. علي من غير تفكير قرب منها وسندها، والمرة دي هي ممانعتش، بالعكس، حست بأمان غريب وهي مسنودة على دراعه القوي.
في العربية، الصمت قطعته نبرة صوت علي الهادية وهو بيبص لياسمين بطرف عينه:
“بقولك إيه يا آنسة ياسمين.. أنا بصراحة واقع من الجوع، ولو تسمحي لي، نعدي ناكل في أي مطعم في طريقنا.. اعتبريها محاولة مني أكفر بيها عن غلطتي، وكمان الدكتور قال إنك محتاجة تغذية كويسة عشان الالتواء ده يخف بسرعة.”
طبعاً علي كان بيتحجج وبيكدب، هو بس حس إنه مش عايز يوصلها بسرعة، وعايز يعرف أكتر عن البنت الرقيقة اللي دخلت حياته فجأة دي. ياسمين بصت له بتردد، فركت إيدها في بعض، وبعدين هزت راسها بموافقة مكسوفة.
علي فرح جداً إنها وافقت، وقال بابتسامة وسعة:
“تمام جداً.. تحبي تتغدي إيه؟ اختاري أي حاجة تحبيها.”
ياسمين سكتت شوية بتفكر، وبعدين قالت بصوت واطي:
“كشري.. نفسي في كشري.”
علي استغرب جداً؛ كان متوقع تطلب بيتزا أو برجر أو حاجة شيك، لكن طلبها البسيط ده لمس قلبه. هز راسه بموافقة:
“تمام.. أحلى طبق كشري لأحلى آنسة ياسمين.”
انطلق علي بالعربية لحد ما وصل لمطعم كشري مشهور، ورغم إنه مطعم كشري بس كان مكانه راقي جداً. علي نزل وساعد ياسمين تنزل، وسندها لحد ما دخلوا وقعدوا على ترابيزة هادية في ركن بعيد.
طلبوا الأكل، الجرسون جه وسألهم بابتسامة:
“تحبوا تطلبوا ديزيرت أو تشربوا حاجة بعد الأكل؟”
علي بص لياسمين ولقاها ساكتة ومنزلة راسها بخجل، فسألها بلطف:
“تحبي تحلي بإيه يا ياسمين؟”
ردت بخجل: “عادي.. أي حاجة.”
علي فكر ثانية وقال: “إيه رأيك في سلطة فواكه؟ بتبقى خفيفة ومنعشة.”
وافقت ياسمين بهزة راس، فعلي بص للجرسون وقال: “تمام.. هاتلنا اتنين سلطة فواكه.”
أول ما الجرسون مشي، علي سحب كرسيه شوية وقرب بفضول:
“قوليلي بقى يا ياسمين.. إنتي عندك كام سنة؟”
ردت بصوت ناعم: “عشرين سنة.”
علي رفع حواجبه بإعجاب: “اممم.. إنتي لسه صغيرة خالص، يا دوب في بداية حياتك.”
ياسمين بصت له بفضول طفولي وسألته: “وإنت عندك كام سنة؟”
علي ضحك وقال لها بلهجة تحدي: “خمني كدة تفتكري عندي كام؟”
ياسمين بصت لملامحه شوية وقالت بتردد: “اممم.. أربعة وعشرين مثلا ؟”
هنا علي ضحك من قلبه، ضحكة صافية مخرجتش منه من زمان:
“ياااه! أنا شكلي صغير للدرجة دي؟”
ياسمين وشها احمر وقالت بكسوف: “أصل ملامحك.. يعني.. إنت أيوة شكلك ضخم، بس وشك مش باين عليه إنه كبير.”
علي بصلها بابتسامة حنونة وقال: “أنا هتم التلاتين كمان شهرين بالظبط.”
وكمل عشان يوضح لها سبب ضخامته: “والضخامة دي بحكم شغلي مش أكتر.. أنا بشتغل بادي جارد لواحد من أكبر رجال الأعمال في مصر، ومحتاج دايماً أكون في الفورمة دي.”
ياسمين سكتت وهي بتبص له بذهول.. “بادي جارد؟” خافت شوية في الأول، بس رجعت بصت لعينيه اللي كانت مليانة طيبة مابتتفقش مع ضخامة جسمه.
_______________________________
وعلى سفرة الغدا، كان الجو هادي بس مشحون بتفاصيل كتير. أدهم قاعد في كرسيه المعتاد في مقدمة السفرة بهيبته اللي بتفرض الصمت، وعلى يمينه جميلة اللي كانت بتاكل بحذر وتوتر، وعلى شماله يزن اللي كان بيلعب بالشوكه أكتر ما بياكل.
يزن فجأة ساب الشوكة وقال: “الحمد لله.. أنا شبعت.”
ولسه هيقوم بس صوت أدهم الحاد وقفه مكانه: “يزن.. اقعد كمل طبقك.”
يزن رد بسرعة وتذمر طفولي: “بس يا بابا أنا فعلاً شبعت مش قادر.”
جميلة كانت متابعة الحوار ومبتسمة من جواها؛ الطريقة اللي أدهم بيتعامل بيها مع يزن مكنتش طريقة أخ، دي كانت طريقة أب بيحاول يربي ابنه بجدية وحب في نفس الوقت.
أدهم بصله بنظرة تهديد هادية: “قدامك خمس دقايق، لو مقعدتش وخلصت طبقك.. مفيش سفر يوم الجمعة، وهنلغي كل حاجة.”
يزن سمع كلمة السفر من هنا، وقعد مكانه بسرعة البرق وبدأ ياكل بنشاط وهو بيقول: “خلاص خلاص.. هاكله كله أهو.”
جميلة بصت لأدهم باستغراب وسألت: “سفرية إيه؟”
أدهم رد عليها بدون ما يرفع راسه: “إحنا متعودين آخر جمعة في كل شهر إننا نسافر يومين في أي حته نغير جو، كمكافأة ليزن على مجهوده في الدراسة، بس بيكونوا يومين بس عشان شغلي وعشان دراسته.”
يزن اتدخل بحماس وعيونه بتلمع: “بس سفرية المرة دي هتكون أجمل سفرية في الدنيا، عشان جميلة هتكون معانا.. صح يا بابا؟”
أدهم سكت لثانية، رفع عينه بص لجميلة نظرة طويلة نش مفهومة خلت قلبها يدق، وبعدين هز راسه ورجع بص لطبقه وقال بكلمة واحدة: “صح.”
يزن خلص أكله وقام وهو بيضحك: “أنا خلصت طبقي كله أهو.. هقوم أغسل إيدي وأحضر شنطتي من دلوقتي.”
بمجرد ما يزن خرج من الغرفة، خيّم السكون على المكان. أدهم ساب الشوكة من إيده وبص لجميلة بجدية مرعبة، وبدأ يراقب رد فعلها بدقة وهو بيقول:
“إن شاء الله أول ما نرجع من السفرية دي، هنبدأ فوراً في إجراءات الورث بتاعك. بابا الله يرحمه كان كاتب وديعة كبيرة باسمي وباسمك، وحقك محفوظ من سنين.. ولازم تستلمي نصيبك بنفسك.
جميلة حست كأن حد دلق عليها مية ساقعة. الكلمة وقعت عليها زي الصدمة؛ ده معناه إن وقت اللعبة قرب يخلص، وإنها بمجرد ما تستلم الفلوس لازم تختفي زي ما إبراهيم خطط.. يعني هتسيب القصر، وهتسيب يزن، والأصعب إنهاةنش هتشوف أدهم تاني.
الحزن ظهر على ملامحها بوضوح، وردت بصوت واطي ومبحوح وهي بتبص في طبقها:
“أنا.. أنا مش عايزة حاجة يا أدهم.. مش عايزة فلوس ولا عايزة ورث.”
أدهم هنا مقدرش يتحكم في نبرة صوته اللي عليت فجأة وهو بيقوم من مكانه بعصبية مكتومة:
“مش بمزاجك! ده حقك .. ومحدش بيتنازل عن حقه بالسهولة دي، جهزي نفسك عشان الموضوع ده يخلص.”
سابها وقام من على السفرة بخطوات واسعة وسابها غرقانة في دوامة من الذنب والحزن.. هي خايفة من اليوم اللي هيعرف فيه إن أخته اللي بيحارب عشان يديها حقها، طلعت مجرد محتالة بتسرق مشاعره قبل فلوسه.
_____________________________
دخل إبراهيم بيته وهو شايل في قلبه سواد سنين، بيت كبير وفخم بس بارد، مفيهوش روح زيه بالظبط. أول ما دخل، الخادمة قربت منه بأدب:
“أجهزلك الغدا يا إبراهيم بيه؟”
رد عليها بكلمة واحدة قاطعة وهو بيمشي من غير ما يبصلها:
“لا.”
طلع غرفته وقفل الباب وراه، الغرفة كانت ضلمة ومقبضة. راح ناحية الطاولة اللي في الركن، ومسك برواز قديم. صورة بتجمعه بأخوه محمود وأبوهم وهم شباب.
مسك البرواز بإيد بتترعش من الغل، وبدأ يمسح بإيده على صورة أخوه، وعينيه بتطلع شرار ونبرة صوته اتحولت لفحيح مرعب وهو بيكلم الصورة:
“طول عمرك أبوك بيفضلك عني.. محمود الكبير، محمود الذكي، محمود اللي يورث الإمبراطورية.. وأنا؟ أنا كنت دايماً الهامش، اللي بياخد الفتفات اللي بتفيض منك.”
ضغط على البرواز بقوة لحد ما ضوافره علمت في الخشب، وكمل بضحكة مكتومة وسادية:
“لحد ما خلصت منك.. قتلتك وريحت نفسي من نظرة الفخر اللي كانت في عين أبوك ليك. ومكتفتش بكده، رميت عيالك في دار أيتام عشان يدوقوا الذل اللي شفته طول عمري وأنا عايش في ضلك.. كان نفسي يتوهوا ويموتوا من الجوع.”
رمى البرواز على السرير بغل وقعد ينهج:
“بس ابنك طلع سويسي بجد، وقدر يبني نفسه ويرجع ياخد اللي كان بتاعك.. لكن المرة دي مش هسيبه. الوديعة دي بتاعتي أنا، وتمن السنين اللي ضاعت من عمري وأنا تحت رجلك. وجميلة هي السكينة اللي هدبحكم بيها كلكم، وبعدها هقفل صفحة عيلة محمود السويسي للأبد.”
بص للمراية وابتسم ابتسامة صفرا، وهو بيفكر إن خلاص، الحلم اللي خطط له من عشرين سنة بقاله خطوة واحدة ويتحقق، ومش فارق معاه مين هيدوس عليه في طريقه، حتى لو كانت بنت أخوه الحقيقية أو اللي بتمثل .
_______________________________
ياسمين شاورت بإيدها وقالت بتوتر: “أيوة.. بس هنا.”
علي وقف العربية وبص لها باستغراب: “هتنزلي هنا؟ أعتقد بيتك لسه بعيد.”
ياسمين ردت بسرعة: “أيوة، أنا هتمشى شوية لآخر الحارة.. بس معلش، مينفعش توصلني لجوه، الناس هنا مش بتسكت وكلامهم كتير، مش عايزة مشاكل.”
علي عقد حواجبه بضيق: “وايه المشكلة؟ أنا خبطتك وبوصلك لبيتك، ده حقك وده واجبي.”
ياسمين بصت له بنظرة رجاء: “أرجوك.. أنا عارفة طريقة تفكيرهم، لو سمحت سيبني على راحتي.”
علي استسلم لرغبتها لما شاف الخوف في عينيها، وقال بنبرة حنينة: “طيب، بس على الأقل هفضل ماشي وراكي بالعربية براحه لحد ما أتطمن إنك دخلتي البيت.. ولو سمحتي، امشي براحة عشان رجلك متتعبكيش أكتر.”
هزت راسها بابتسامة رقيقة خلت قلبه يدق: “حاضر.. شكراً يا أستاذ علي.”
علي تاه في عينيها اللي شداه بطريقة غريبة وقال بصوت واطي: “أنا معملتش حاجة، أي حد مكاني كان هيعمل نفس اللي عملته.”
ياسمين ضحكت ضحكة خفيفة وقالت: “لا طبعاً، مش أي حد كان هيروح يغديني كشري في مطعم شيك زي ده.”
علي مسح على شعره بارتباك من المشاعر الجديدة اللي مسيطرة عليه، وقال: “أنا اللي عايز أشكرك إنك وافقتي تتغدي معايا، وقضيت معاكي أجمل وقت عدي عليا من سنين.”
ياسمين وشها قلب أحمر وابتسمت بخجل وقالت: “أنا لازم أنزل بقى.. سلام.”
علي رد بحزن مداري لإنها خلاص هتسيبه: “سلام.. خدي بالك من نفسك.”
ردت برقة: “حاضر.”
ياسمين فتحت باب العربية ونزلت وهي بتعرج بسيط، وعلي وفى بوعده ومشي وراها بالعربية خطوة بخطوة لحد ما وصلت لعتبة بيتها. قبل ما تدخل، لفت وشها وبصت له وابتسمت بخجل وهزت راسها بوداع، وبعدين اختفت ورا الباب.
علي فضل واقف بالعربية مكانه لثواني، اتنهد تنهيدة طويلة كلها حيرة، ودور العربية ومشي وهو بيكلم نفسه بسخرية: “جرى إيه يا عم علي؟ إنت وقعت ولا إيه؟”
وفجأة ضرب بإيده على الدركسيون بغضب وندم وقال بصوت عالي: “غبي! يا غبي.. ليه مطلبتش رقمها؟ كنت اطلبه حتى بحجة إنك عايز تطمن على رجلها.. ضاعت منك يا فلحوس!”
_________________________________
طلعت ياسمين السلالم بصعوبة، كل درجة كانت بتحس فيها بنغزة في رجلها، لحد ما وصلت لشقتها اللي من حسن حظها كانت في الدور الأول. فتحت الباب بالراحة، لقت الشقة هادية وضلمة، اتنفست براحة وهي بتقول في سرها: “الحمد لله.. باين عليه مش هنا”.
دخلت أوضتها، غيرت هدومها ورمت نفسها على السرير بتعب، بس عقلها مكنش تعبان خالص.. كان بيعرض أحداث اليوم بالعرض البطيء. كل ما صورة علي وهيبته وضخامته وتفاصيل نظراته تيجي في بالها، تلاقي ضحكة مرسومة على وشها بشكل لا إرادي.
طلعت موبايلها، ووصلت السماعات، وشغلت أغنية نانسي عجرم “شيخ الشباب” وقعدت تدندن معاها وهي مغمضة عينيها وبتتخيل ملامح علي:
“شو واثق بحاله شو قلبه قوي
وقلبي من جماله دايب مستوي
“كانت قصة اعجاب صارت حب وعذاب
تارى شيخ الشباب حبه بيكوى كوى
اتنهدت وهي بتسترجع نبرة صوته اللي على رغم خشونتها ،إلا إنها حنينه
“كأنه بيعرفنى وحس بقلبى شو عندى حنين
وأنا اسأل حالى شو خصه؟
عم يسألنى بصفته مين؟
مفكرته مجنون ماتوقعته يكون
حبيبى ونصى التانى اللى راح حبه بجنون
كانت غرقانة في كلمات الأغنية ومشاعرها الجديدة اللي بدأت تتولد، وفجأة.. حست بإيد تقيلة بتمسح على ظهرها بحركة غريبة. اتفزعت ياسمين ونفضت السماعات من ودانها ولفّت بسرعة.. قلبها كان هيقف من الرعب لما لقت منصور أبوها واقف وراها.
منصور كان في حالة يرثى لها، هدومه مبهدلة وعينيه حمرا وريحة الخمرة فايحة منه وبتملا الأوضة، كان باصص لها بنظرة غريبة مش نظرة أب لبنته أبداً، نظرة كلها غدر وشر.
ياسمين رجعت لورا وهي بتترعش من الخوف:
“فيه.. فيه حاجة يا بابا؟ إيه اللي دخلك كدة؟”
منصور بضحكة سكرانة وهو بيقرب منها أكتر، ومد إيده حطها على كتفها وضغط عليه بقوة:
“تعالي هنا.. إنتي كبرتي وبقيتي زي القشطة يا بت يا ياسمين.. إنتي كنز وأنا كنت غافل عنه.”
ياسمين صرخت بفزع وهي بتحاول تبعد إيده عنها:
“بابا! إنت بتعمل إيييييه؟ إبعد عني …
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية عشقت محتالة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.