رواية عشقت محتالة الفصل السابع 7 – بقلم سلمى جاد

رواية عشقت محتالة – الفصل السابع

البارت 7
ياسمين حاولت تبعده بكل قوتها رغم بنيتها الضعيفة، بس منصور كان زي الوحش ومسيطر على حركتها. عينيها كانت بتدور في الأوضة يمين وشمال وهي بتنهج من الرعب، لحد ما لفت إنتبها أباجورة تقيلة كانت محطوطة على الكومودينو جنب سريرها.
مدت إيدها بوجع وحاولت توصل لها بصعوبة، وأول ما صوابعها لمستها، مسكتها بكل قوتها ومحستش بنفسها غير وهي بتلف وبترزعها على دماغه بكل غل وخوف سنين.
ياسمين اتصنمت مكانها و أنفاسها محبوسة في صدرها.. شافت منصور وهو بيقع على الأرض زي الشوال، والدم بدأ يسيل من دماغه بغزارة ويغرق السجادة. ياسمين حطت إيديها على بوقها وعينيها بتدمع برعب وهي شايفة منصور ساكن تماماً كأنه جثة هامدة.
“أأ.. أعمل إيه؟ يلهوي أنا قتلته! يلهوي يلهوي.. أنا ضعت!”
كانت بتترعش زي الورقة في مهب الريح، بصت حواليها بجنون، وفتحت دولابها وبسرعة البرق جابت شنطة هدوم، لمّت فيها اللي طالته إيدها، ولبست طقم بسرعة وهي مش قادرة ترفع عينها في اللي مرمي على الأرض. شالت الشنطة والموبايل وجريت بأقصى سرعة عندها، خرجت من الشقة وقفلت الباب وراها ومبصتش وراها ولا لثانية واحدة.
نزلت الشارع، كانت الدنيا بدأت تضلم والجو يبرد. وقفت توكتوك وقالتله بصوت بيرتعش وخافت يادوب مسموع:
“طلعني على الطريق الرئيسي لو سمحت.. بسرعة”
وهي في التوكتوك، فتحت البوك بتاعها عشان تشوف معاها كام، واتصدمت لما لقته فاضي.. يادوب بعض الفكة اللي تحاسب بيهم السواق. نزلت على الطريق الرئيسي، والناس رايحة جاية، وهي حاسة إنها عريانة وسطهم، الكل بيبص لشنطتها ووشها المخطوف.
قعدت على الرصيف في ركن ضلمة، وحاوطت جسمها بإيديها وهي بتترعش من الرعب والبرد، والليل بدأ يليل بجد وسواد الدنيا كله بقا في عينيها.
“هروح فين؟ ومعيش مليم.. والشرطة زمانها هتدور عليا.. يا رب مليش غيرك.”
في اللحظة دي، موبايلها اللي في إيدها نور.. شاشة الموبايل كانت بتعلن عن مكالمة من رقم مش مسجل. ياسمين بصت للموبايل بتردد، كانت خايفة يكون حد عرف باللي حصل.. وقلبها دق بسرعة من الرعب.
عند علي …
كان علي سايق وعقله لسه مع اللي سحرت قلبه، وفجأة وهو بيبص جنبه، لمح حاجة سودة واقعة عند الدواسة.. داس فرامل وبص لقاها شنطة إيد ياسمين.
وقف العربية، مسك الشنطة وبص لها بابتسامة:
“طيب والله جت من عند ربنا عشان أشوفك تاني”
قرر يرجع لها فوراً. بعد دقايق كان واصل الحارة، ركن ونزل قصاد البيت اللي نزلت عنده وسأل ست قاعدة قدام بيتها، دلته وقالتله إنها ساكنة في الدور الأول. طلع علي السلم، ووقف قدام الباب وخبط مرة واتنين وتلاتة.. بس مفيش أي رد، والسكوت اللي جوه كان غريب ومقلق.
وهو لسه واقف مستغرب، ست تانية من سكان البيت كانت نازلة على السلم، بصت له بفضول وحشرية وهي بتفحص بدلته وجسمه الضخم:
“عايز حاجة يا بيه؟ بتخبط على مين؟”
علي رد بجدية وهيبة:
“لو سمحتي، مش الآنسة ياسمين ساكنة هنا؟”
الست لوت بوزها وقالت: “آه يا بيه ساكنة مع أبوها منصور، خبط تلاقيهم جوه، أصل منصور ده نومه تقيل وشربه كتير.”
علي رد بضيق: “أنا بقالي خمس دقايق بخبط ومحدش بيرد.”
الست استغربت وقالت: “يمكن خرجوا يا بيه، مع إن ياسمين لسه داخلة مفيش ساعة.”
علي سكت شوية بيفكر، كان ممكن يسيب الشنطة مع الست دي، بس عقله قاله إن دي فرصته الذهبية عشان ياخد رقمها ويكلمها ويقابلها مره تانية.
بص للست وقال بهدوء: “طيب حضرتك معاكي رقمها؟ أنا زميلها في الشغل ومحتاجها في حاجة ضروري وتليفونها مقفول.”
الست مكدبتش خبر، طلعت موبايلها الزراير من جيب جلابيتها، وقلبت فيه شوية وهي بتبرق، وبعدين ملته الرقم. علي سجله فوراً وشكرها ونزل بخطوات سريعة.
أول ما ركب العربية، اتنهد براحة وبص للموبايل: “جبتك يا ياسمين.. المرة دي مش هتهربي مني.”
دور العربية اتصل علي بالرقم وهو قلبه بيدق بسرعة، وفي الناحية التانية كانت ياسمين قاعدة على الرصيف، منكمشة على نفسها وسط ضلمة الليل، والموبايل في إيدها بيرن برقم غريب. مسحت دموعها بإيد بتترعش وقررت ترد بصوت مبحوح:
“ألو.. مين؟”
علي أول ما سمع صوتها ابتسم بفرحة وراحة مكنش عارف سببها:
“ألو.. أيوة يا ياسمين، أنا علي.. اللي خبطك، فاكراني؟”
ياسمين رددت الاسم بصدمة وعدم تصديق، كأن صوته ده كان طوق نجاة اترمي لها وهي بتغرق:
“أستاذ علي؟”
علي كمل بابتسامة لسه سايق:
“أيوة يا ستي.. معلش بكلمك في وقت متأخر بس لقيت شنطتك واقعة في العربية، فرجعت الحارة عشان أديهالك وخبطت على الباب كتير بس مفيش حد رد، فجبت رقمك من جارة ليكم وقُلت أكلمك أطمن عليكي وعلى رجلك.”
ياسمين أول ما سمعت سيرة البيت، جسمها كله اتنفض وافتكرت منظر أبوها والدم اللي مغرق الدنيا، والشهقات بدأت تطلع منها غصب عنها:
“أنا.. أنا مش في البيت يا أستاذ علي.. أنا مش هناك.”
علي نبرة صوته اتغيرت تماماً للقلق، ووقف العربية على جنب:
“مش في البيت؟ أمال إنتي فين؟ وصوتك ماله يا ياسمين؟ إنتي بتعيطي؟”
ياسمين بصت حواليها في الشارع، الدنيا كانت بتضلم أكتر والناس بدأت تقل، ومسحت دموعها وهي بتاخد قرار مصيري.. هي معندهاش حد، ومنصور لو مات هتبقى قاتلة، ولو صحي هيقتلها هو.. ملقيتش قدامها غير اللي لسه مقابلاه من كام ساعة بس حست معاه بأمان غريب:
“أنا في الشارع.. أنا قاعدة على الرصيف في الطريق الرئيسي.. ممكن.. ممكن يا أستاذ علي تجيلي؟ أنا محتاجة مساعدة أرجوك.”
علي مكنش محتاج يسمع كلمة تانية، دور العربية بأقصى سرعة وقال بصوت حازم يطمن:
“خمس دقايق بكتيره وهكون عندك.. متتحركيش من مكانك، أنا معاكي.”
قفل علي السكة وهو بيدوس بنزين بجنون، وياسمين فضلت ماسكة الموبايل وضامّاه لصدرها وهي بتدعي إنه يجي بسرعة.
_________________________________
أدهم كان واقف ورا العربية، بيقفل الشنطة الكبيرة بعد ما رص فيها شنط السفر كلها. يزن كان بيتنطط جنبه بحماس: “يلا يا بابا.. يلا يا جميلة”
أدهم لف وبصله بابتسامة هادية: “اركب يا بطل، الطريق طويل.”
ركب يزن وراه، وجميلة كانت لسه هتركب جنبه، بس أدهم بصلها بنظرة فيها غيرة مش مفهومة وقال بحزم: “جميلة.. تعالي اقعدي قدام.”
جميلة استغربت وبصت ليزن: “ليه؟ أنا عايزة أقعد مع يزن ورا عشان نلعب سوا.”
أدهم رفع حاجبه وهو بيفتح الباب: “بس أنا مش السواق بتاعكم عشان تسيبوني لوحدي قدام.. اركبي يا جميلة لو سمحتي.”
جميلة اتنهدت باستسلام، وركبت قدام جنب أدهم. دور العربية وخرج من بوابة القصر، والهدوء بدأ يسيطر على الطريق السريع.
بعد حوالي ساعة، يزن غلبه النوم ورا وهو حاضن مخدته الصغيرة. جميلة بصت ورا اطمنت عليه، وبعدين رجعت بصت للطريق وقالت بصوت واطي وناعم:
“هو الطريق هياخد قد إيه يا أدهم؟”
أدهم رد وهو عينه على الأسفلت: “يعني ساعتين وكسر.. يزن نام والجو بقى هادي أوي.”
جميلة سندت راسها على الشباك: “فعلاً.. السكون ده مريح للأعصاب.”
أدهم بصلها بطرف عينه، ولأول مرة ملامحه تلين وتفك من الجمود اللي هو فيه:
“طيب تحبي أشغلك أغنية؟”
جميلة ابتسمت بصفاء وقالت: “ماشي.. يا ريت.”
أدهم فتح موبايله ووصله بوصلة الكاست، وقلب في الأغاني شوية وهو بيدور على حاجة تليق بالمود، لحد ما اختار أغنية هادية بدأت تملأ العربية بصوت شجي. جميلة بصت من الشباك الطريق اللي بدأ يبقى هادي، وأنوار العربيات التانية بتعدي زي الخيالات، ونسمات الهوا الباردة بتدخل من فتحة الشباك الصغيرة وتطير خصلات شعرها بنعومة على وشها.
غمضت عينيها باستمتاع وهي بتسمع الكلمات، وحست إنها لأول مرة من ساعة ما دخلت القصر حاسة بسلام داخلي، وكأن صوت الأغنية والليل بيغسلوها من توتر اللعبة اللي هي فيها.
“ولا أي كلمة حب اتقالت في يوم ما بين اتنين
تسوى حلاوة كلمة منك قولتهالي
عيد قولت إيه كده تاني وتالت، أنا قلبي كله حنين
ولا يطفي ناره حبيبي غير لو عدتهالي
عارف بتعمل فيا إيه كلمة حبيبي؟
زي اللي أول مرة بيحس بأمان
خليك معايا
خليك معايا يا حبيبي مهما كان
خليك معايا
يا حلم عمري اللي في خيالي من زمان
أدهم فضل باصص لجميلة وهي نايمة، وملامحها الهادية بتتحرك مع نور أعمدة الإنارة اللي بيخطف وشها، وقلبه بيدق بعنف. “يا ترى هتكملي في تمثيلك لحد امتى يا جميلة؟” سأل نفسه السؤال ده وهو بيفتكر اللحظة اللي اكتشف فيها حقيقتها.
“فلاش باك”
أدهم كان قاعد في مكتبه، لابس نضارته ومنهمك في الورق، ملامحه كانت حادة وصارمة كالعادة. علي دخل عليه بخطوات سريعة وقال بهدوء:
“فيه أخبار جديدة يا أدهم بيه تخص عم حضرتك.”
أدهم قلع نضارته ببطء، وحط راسه بين إيديه بإرهاق .. هو عارف بكرهه وحقده عليه من وقت ما رجع،وعشان كده دايما بيراقبه عشان يفهم دماغه فيها ايه ناحيته قال وهو بيغمض عينه:
“قول يا علي.. سامعك.”
علي اتكلم بجدية وعملية:
“إبراهيم بيه مؤخراً بيقابل بنت بشكل متكرر، بقاله أسبوعين. البنت دي اتعرف عليها في خناقة في الشارع، كانت سرقت محفظة من راجل وكان مصمم يحبسها، وإبراهيم بيه اتدخل ودفع لها الفلوس، ومن يومها وهو بيقابلها.”
أدهم عقد حواجبه باستغراب:
“طيب.. متعرفش بيقولوا إيه؟ وايه اللي يخلي عمي يهتم بوحدة من الشارع؟”
علي هز راسه بنفي:
“للأسف مقدرناش نعرف الحوار بالظبط، لكن قدرنا ناخد صور ليهم خلال مقابلاتهم، ولما راقبنا البنت عرفنا إن اسمها جميلة أهلها ماتوا وهي في ثانوي، واتطردت من شقتها، ومن ساعتها وهي في الشارع بتسرق. واللي عرفناه كمان إن إبراهيم من أسبوع أجرلها شقة في حارة شعبية وهي نقلت تعيش فيها.. هبعتلك الصور اللي خدناها ليهم.”
أدهم مسك موبايله، فتح أول صورة، كانت لعمه إبراهيم وهو بيتكلم مع بنت بظهرها، ملامحها مش باينة. قلب للصورة التانية، وفجأة سكت.. ملامحها ظهرت بوضوح. قلبه دق دقة غريبة مكنش فاهمها لما شاف عيونها اللي شبه عيون الغزلان وبراءتها اللي متتوصفش. بلع ريقه وهو بيعمل زوم على ملامحها، واستغرب نفسه؛ هو مش من النوع اللي بيعجب بحد من أول نظرة، ولا بيؤمن بالكلام ده أصلاً.
عدى أسبوع، وأدهم كل يوم يفتح صورتها ويتأملها بابتسامة غصب عنه، لحد ما جه اليوم اللي علي بلغه فيه إنهم وصلوا لأخته. في البداية أدهم كان فرحان، لكن لما علي قاله العنوان، الصدمة كانت كبيرة؛ دي نفس الحارة ونفس الشقة اللي إبراهيم أجرها للبنت اللي كان بيقابلها!
ساعتها أدهم فهم اللعبة كلها، وفهم إن عمه باعت له جميلة عشان تنصب عليه وتاخد ورث ياسمين. واتفق مع علي وقرر يروح الحارة ويكمل اللعبة لكن بطريقته.
أول لما عينه جت في عنيها أول مرة وشاف ملامحها اللي بسببها سهران بقالو أسبوع. مكنش عايز يقتلها ولا يواجهها بكذبها.. كان نفسه ياخدها في حضنه ويخبيها عن الدنيا كلها.لكنه سيطر على المشاعر الغريبة اللي سيطرت عليه بصعوبة بالغه.
لما راحت معاه على القصر، كان بيمثل الجمود بس من جواه كان فرحان إنها قدام عينه، ولما جه يودعها عند أوضتها أول ليلة، مشاعره خانته ومقدرش ميغلفش وداعه بقرب يطفي ناره.
أول ما دخل جناحه ليلتها، فضل يلوم نفسه بعنف: “إنت بتعمل إيه يا أدهم؟ دي نصابة.. دي جاية تسرقك وتسرق حق أختك الحقيقية بمساعدة عمك! فوق لنفسك!” ومن اللحظة دي قرر يلبس قناع القسوة ويوريها الويل عشان يدفعها تمن كدبها، بس كل ما بيشوف عيونها، القناع ده بيبدأ يتشقق.
(أيوة طبعا كلنا شاهدين إنك كنت قاسي خالص🙈)
“رجوع من الفلاش باك”
أدهم فاق من ذكرياته على صوت نفس جميلة الهادي وهي غرقانة في النوم. مد إيده ببطء شديد ولمس خصلة من شعرها كانت نازلة على وشها ورجعها ورا ودنها.
اتنهد تنهيدة قوية وشدد قبضته على الدركسيون، وبص للطريق وهمس بصوت واطي وموجوع:
“ليا عندك حق يا جميلة..ذنبك إنك دخلتي عرين الأسد وانتي متعرفيش إني كاشف كدبك من أول يوم.”
_______________________________
هدّي سرعة العربية وهو عينيه بتدور في كل ركن على الطريق، لحد ما لمحها.. كانت قاعدة على الرصيف، منكمشة على نفسها وضامة شنطتها لصدرها، وجسمها كله بيترعش من البرد والرعب.
نزل علي من العربية بسرعة وجري عليها، وبصوت مليان قلق همس باسمها:
“ياسمين”
رفعت عينيها اللي كانت غرقانة دموع، وأول ما شافته، شهقت شهقة مكتومة وكأن روحها ردت فيها. علي لاحظ ارتعاشة جسمها، ومن غير تردد قلع الجاكيت بتاعه وحاوطه على كتافها، وهز راسه ليها باطمئنان وهو بيمسك إيدها يطمنها، وقومها براحه، وشال شنطتها وركبوا لعربية.
مشي بالعربية لدقايق، وبعدين وقف في مكان هادي بعيد عن زحمة العربيات والدوشة. ساد السكوت جوه العربية، وعلي محبش يضغط عليها، فضل مستنيها لحد ما هي اللي تتكلم. وأخيراً، ياسمين نطقت بصوت مخنوق ومتقطع:
“أنا.. أنا قتلت أبويا.”
علي فتح عينيه بصدمة وجمّدت الكلمات في حلقه، مكنش متوقع إن الموضوع يوصل لكدة.
ياسمين حاوطت جسمها بدراعاتها بخوف وهي بتهمس بكلمات مش مترابطة، بس المعنى وصل لعلي بكل قسوته:
“هو.. هو حاول يلمسني.. هو علطول بيبص لي بطريقة وحشة.. أنا بخاف منه أوي.”
ياسمين مقدرتش تتحكم في نفسها أكتر، وانفجرت في بكاء مرير وصوت شهقاتها كان بيقطع القلب. علي سحب مناديل من العربية وداها لها، وتردد للحظة وهو شايفها بالحالة دي، بس مد إيده وطبطب على كتافها من فوق الجاكيت وهو بيقول بحنان:
“ممكن تهدي؟ اهدي عشان نقدر نتصرف.. أنا معاكي.”
بدأت ياسمين تهدا شوية، وعلي بصلها بجدية:
“احكي لي إيه اللي حصل بالظبط؟”
ياسمين هزت راسها وبدأت تحكي له كل حاجة، من أول نظراته المقرفة ليها طول عمرها لحد اللي حصل النهاردة واللحظة اللي خبطته فيها بالفازة وهربت.
علي اتكى على فكه بغضب وعروق إيده ظهرت وقال بصوت غليظ:
“إزاي فيه أب كدة؟ ده مستحيل يكون بني آدم، ولا مستحيل يبقى أبوكي!”
ياسمين ردت ببكاء وشهقات تقطع القلب:
“أنا مليش حد.. وبعد اللي حصل ده خسرت الشخص الوحيد اللي كان ليا في الدنيا.. أنا ضعت خلاص.”
علي رد عليها بغضب حقيقي بس مش منها، غضب على اللي حصل لها:
“ده ميتزعلش عليه، واللي عملتيه كان دفاع عن النفس.. إنتي معملتيش حاجة غلط.”
ياسمين بصت له بلهفة وخوف:
“يعني.. يعني أنا ممكن متسجنش؟
علي اتنهد وقال : محتاج أعرف الأول هو مات ولا لسه عايش، ود بطريقته الخاصة، بس المهم دلوقتي إنها ما ينفعش ترجع البيت خالص.
ياسمين سألت بحيرة ودموعها لسه نازلة:
“أمال أروح فين؟ أنا مليش حد أروح له.”
علي سكت لثواني بيفكر في العواقب، وبعدين أخد قرار حاسم وقال:
“إنتي هتيجي تعيشي معايا في البيت.”
ياسمين برقت من الصدمة والذهول، وبلعت ريقها وهي بتبصله من فوق لتحت بغضب لطيف .
على كمل كلامه بسرعة لما لاحظ ردفعلها:
“أنا مش عايش لوحدي.. خالتي مقيمة معايا في بيتي.. ، وأنا أغلب وقتي بكون في الشغل وساعات ببات بره.. يعني هتكوني في أمان، ومحدش هيعرف طريقك هنا.”
ياسمين فضلت ساكتة وبتبص له بذهول، وبعد محاولات منه لإقناعها، وافقت بضعف لأنها فعلاً معندهاش بديل. دور العربية واتحرك بيها لبيته.
بعد ساعه
علي ركن العربية قدام عمارة في حي راقي وهادي، وبص لياسمين اللي كانت بتفرك إيديها بتوتر وقلق واضح على وشها، وقال بابتسامة هادية:
“وصلنا يا ياسمين…”
ياسمين بصت له وهي بتهته بضعف:
“هو.. هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟”
علي رد بسرعة: “أكيد، اطلبي اللي إنتي عايزاه.”
ياسمين عضت طرف شفتها اللي تحت بتوتر وقالت: “هو إنت ممكن تسّمعني صوت خالتك قبل ما نطلع فوق؟”
علي سكت لثواني بذهول، وبعدين انفجر في الضحك، وياسمين انكمشت في نفسها ومالت برقبتها بكسوف. علي هز راسه بابتسامة وهو مستعجب طيبتها وفطرتها، رغم كل اللي مرت بيه لسه عايزة تتأكد إنه مش بيضحك عليها وإنه فعلاً عايش مع خالته.
“حاضر يا ستي، هتصل بيها قدامك عشان تتأكدي إنها موجودة ومش بضحك عليكي.”
علي طلع موبايله واتصل بخالته، ولحظات وجاله الرد بصوت ست واضحة ملامح طيبتها وحنيتها من نبرة صوتها:
“أيوة يا علي يا حبيبي، اتأخرت كدة ليه يا ضنايا؟ أنا مش عارفة أنام غير لما تيجي وأحطلك لقمة تأكلها.”
علي كان بيراقب رد فعل ياسمين اللي ملامحها ارتخت تماماً وحست بارتياح كبير، ورد على خالته:
“حاضر يا خالتو، أنا جاي في الطريق بس متصل أعرفك إني معايا ضيوف.”
خالته ردت بترحيب: “ماشي يا حبيبي، ضيوفك ينوروا ويشرفوا.”
قفل علي الموبايل وبص لياسمين: “تمام كدة؟”
ياسمين هزت راسها بخجل وقالت بصوت رقيق: “تمام.”
نزلوا من العربية، وياسمين كانت بتتلفت حواليها بتوجس، أول ما دخلوا البوابة البواب شافهم وقال بابتسامة:
“حمد الله على السلامة يا علي بيه..
ولما لاحظ وجود ياسمين قال بنبرة فضولية : “مين دي يا بيه، دي خطيبتك ولا ايه.”؟”
علي بص لياسمين اللي اتصدمت ووشها بقى زي الطماطم، ورد بحدة مدارية:
“وحد الله يا عم محمد.. ودخلني العمارة انت مش هتبطل الفضول اللي فيك ده.”
دخلوا الأسانسير، وياسمين سألت بتردد: ” فكرت هتقول لخالتك أنا مين؟”
علي سكت شوية بيفكر، وبعدين قال: “أنا هقولها الحقيقة بس مش كلها.. هقولها إني خبطتك بالعربية ووديتك المستشفى وعرفت إنك عايشة لوحدك وملكيش حد، والدكتور قال إنك محتاجة راحة تامة وحد يهتم برجلك وعلاجك، فجبتك هنا عشان تكوني تحت عيني وهي تاخد بالها منك لحد ما نشوف هنعمل إيه.”
ياسمين وافقت بهدوء، وخرجوا من الأسانسير وعلي فتح باب الشقة ودخل وهو شايل شنطة الهدوم اللي جابها لها.
وفجأة ظهرت ست في بداية الخمسينات، ملامحها بتفيض طيبة، جريت على علي وحضنته:
“حمد الله على سلامتك يا قلب خالتك، كل ده تأخير يا علي؟”
علي باس إيدها وقال: “معلش يا خالتي، حصلت ظروف.”
خالته “منى” بصت للشنطة اللي في إيده باستغراب: “ظروف إيه؟ وإيه الشنطة دي؟ وإنت مش قولت جاي ضيوف، هما فين؟”
وفجأة عينيها جت على ياسمين اللي كانت واقفة عند الباب في منتهى الخجل والارتباك. منى سكتت وبصت لعلي باستغراب وسألت:
“مين دي يا علي؟”
بص علي لياسمين اللي كانت واقفة عند الباب وشها أحمر من الخجل، ورجع بص لخالته واللي اسمها منى وقال بنبرة هادية عشان يمهد للموضوع:
“دي الآنسة ياسمين يا خالتي، هي دي الضيفة اللي قولتلك عليها…”
منى سابت علي وقربت من ياسمين، وبصت لملامحها الرقيقة بإعجاب وطيبة وقالت:
“يا عيني يا بنتي، إنتي شكلك تعبانة أوي ليه كدة؟ تعالي يا حبيبتي ادخلي.”
ياسمين دخلت بخطوات بطيئة وهي بتعرج، ومنى لاحظت فوراً وقالت بلهفة:
“يا خبر! رجلك مالها يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟”
علي اتدخل بسرعة وقال بالسيناريو اللي اتفقوا عليه:
“ما هو ده اللي أخرني يا خالتي.. وأنا سايق خبطتها بالعربية غصب عني، وديتها المستشفى والدكتور طمني إنها كدمات شديدة بس لازم راحة تامة ومتمشيش عليها كتير. ولما عرفت إنها عايشة لوحدها وملهاش حد يراعيها في ظروفها دي، مقدرتش أسيبها، وجبتها هنا عشان تكون تحت رعاية إيدك الحنينة يا ست الكل لحد ما تخف.”
منى لوت بوزها بحزن وقالت:
“يا حبيبتي يا بنتي! ملهاش حد؟ ولا يهمك يا علي، اعتبرني أمها من النهاردة. تعالي يا ياسمين يا حبيبتي ارتاحي على الكنبة دي عقبال ما أحضرلك لقمة ترم عضمك.”
ياسمين بصت لعلي بنظرة شكر، وعلي غمز لها بعينه كأنه بيطمنها إن الخطة ماشية تمام.
علي حط الشنطة في الأوضة وخرج وقال:
“أنا هسيبكم بقى تتعرفوا على بعض، وهدخل أغير هدومي وأعمل كذا تليفون بخصوص الشغل.. خدي بالك منها يا خالتي.”
ياسمين قعدت وهي حاسة لأول مرة من سنين بدفء البيت والعيله ،إحساس اتحرمت منه طول عمرها، بس قلبها لسه مقبوض من فكرة منصور اللي سابته غرقان في دمه، يا تري عايش ولا مات …؟

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية عشقت محتالة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!