رواية شاهد قبر الفصل التاسع عشر 19 – بقلم اسماعيل موسى

رواية شاهد قبر الفصل التاسع عشر 19 – بقلم اسماعيل موسى

لم يكن السفر مجرد انتقال بل كان اقتلاعًا من حياة كاملة
في صباح رمادي وقف ناصر داخل المطار حقيبته بجانبه وعيناه ثابتتان على بوابة المغادرة
لم يكن خائفًا لكنه كان يشعر بثقل كأن الماضي كله يقف خلفه يحاول شده للخلف
اقترب يحيى ووضع يده على كتفه وقال بهدوء افتكر يا ناصر اتعلم الأول والباقي هييجي
هز ناصر رأسه دون كلام ثم التفت ومشى
عندما هبط في فرنسا شعر أن العالم تبدل فجأة
الهواء بارد والوجوه غريبة والكلمات حوله لا يفهم منها شيئًا لكنه فهم حاجة واحدة
أنا لوحدي
لم يُتح له وقت للتأمل كانت سيارة الشركة في انتظاره وأخذته مباشرة إلى المصنع
هناك أدرك أن ما رآه في حياته لم يكن سوى بداية
داخل مصنع تابع لـ BMW لم تكن هناك مجرد سيارات بل منظومة تتحرك ككائن حي
أذرع آلية تدور بدقة وخطوط إنتاج لا تتوقف وشاشات تعرض بيانات لا تنتهي وكل شيء محسوب
وقف ناصر للحظة صامتًا وقال في نفسه أنا هنا إزاي
في أول يوم وقف أمام مشرفه رجل بملامح حادة قال له بإنجليزية باردة وظيفتك ملاحظة الأعطال مش مطلوب منك تصلح مطلوب منك تلاحظ
ابتسم ناصر ابتسامة خفيفة وقال في نفسه ألاحظ بس ده أنا عايش على كده
مرت الأيام الأولى ثقيلة كان يقف أمام الشاشات يحاول فهم تقارير معقدة ويراقب خطوط الإنتاج ويكتب ملاحظات ثم يمسحها لأنه غير واثق
في الليل لم يكن ينام كان يرجع لكل ملاحظة ويعيد التفكير ويقارن بين الصوت والبيانات وبين الإحساس والأرقام
ببطء بدأ يرى
بعد أسابيع لم يعد يرى سيارة بل نظام ولم يعد يسمع صوتًا بل إشارة
في أحد الأيام أثناء اختبار نهائي مرت سيارة أمامه وكل شيء فيها بدا مثاليًا لكنه لم يتحرك وظل يحدق
ثم قال بهدوء في حاجة غلط
نظر إليه المهندس باستغراب وقال فين كل الاختبارات عدت
اقترب ناصر دون أن يلمس السيارة وقال اهتزاز خفيف مش واضح بس موجود
تم فتح البيانات ولم يظهر شيء لكنه أصر وقال راجعوا تراكب القياسات فيه مشكلة تداخل بين الأجزاء
بعد الفحص خيم الصمت لأنه كان على حق
منذ ذلك اليوم لم يعد مجرد موظف جديد بل اسم بدأ يُذكر
مرت الشهور وأصبح أول من يصل وآخر من يغادر يدون كل شيء ويراجع كل حالة ويسأل ويتعلم ويربط
لم يكن يسعى لإثبات نفسه بل لفهم كل تفصيلة
في صباح يوم مختلف ظهر إعلان على الشاشات يطلب من جميع الموظفين التوجه لحضور سباق Formula 1 لدعم فريق الشركة
تبادل الجميع الحماس أما ناصر فكان هادئًا
سأل زميله ما هي الفورميلا وان
ضحك الرجل وقال هتعرف لما تشوف
في يوم السباق كانت المدرجات تهتز وصوت المحركات يمزق الهواء والسيارات تمر كأنها ومضات
وقف ناصر وعيناه متسعتان وقال في نفسه دي مش سرعة دي جنون
بعد لحظات بدأ يركز على صوت المحرك وتوقيت النقلات وسلوك السيارة في المنعطفات
ثم قال بهدوء وسط الضجيج في تأخير بسيط في استجابة الدعسة العربية دي مش مظبوطة بالكامل
نظر إليه زميله بدهشة وقال إنت سامع ده
ابتسم ناصر وقال أنا مش سامع أنا فاهم
بين صخب المدرجات وقف ناصر ثابتًا عينيه على الحلبة لكن عقله أبعد من ذلك
انطلقت الجولات الأولى من سباق Formula 1 كعاصفة لا يمكن السيطرة عليها
الأصوات تصرخ والسرعات تتجاوز حدود المنطق والسيارات تنطلق كأنها سهام مشتعلة
منذ اللفة الأولى كان الصراع واضحًا
سيارات Ferrari وMercedes-Benz تتناوب على الصدارة بدقة مذهلة
مرة هذه تتقدم ومرة تلك ترد الهجوم كأن السباق بينهما فقط
أما سيارة BMW فكانت خلفهم في المركز الرابع ثابتة لا تتقدم ولا تتراجع كثيرًا
الجمهور يهتف والمدرجات تهتز لكن ناصر كان صامتًا
عينيه على الحلبة لكن عقله في مكان آخر
لم يكن يرى المراكز بل يرى التفاصيل
همس لنفسه ليه متأخرين
بدأ يحلل السرعة القصوى جيدة والتوازن في المنعطفات مقبول والفرامل مستقرة
لكن كان هناك شيء ناقص
شيء لا يُرى بسهولة شيء بين اللحظة واللحظة
أغمض عينيه لثواني ثم فتحها فجأة وقال الاستجابة
سيارتهم لا تعاني من ضعف بل من تأخر
جزء من الثانية في كل خروج من منعطف يتكرر فيصنع فجوة
بينما السائق يضغط تتأخر السيارة في الرد واستجابة الدعسة أبطأ من المنافسين
مرت الجولات سريعًا ودخل السباق مرحلته النهائية
لم يتغير شيء وظلت Ferrari وMercedes-Benz في المقدمة بينما بقيت BMW في المركز الرابع
داخل فريق الشركة كان المديرون يبتسمون ويتصافحون ويتحدثون بحماس معتبرين هذا المركز إنجازًا لم يسبق لهم الوصول إليه
لكن ناصر لم يبتسم لأنه لم يكن يرى النجاح بل كان يرى الخطر
تحرك من مكانه ونزل من المدرجات بهدوء سريع وتسلل بين الحواجز حتى اقترب من منطقة الفرق حيث يقف المهندسون والمساعدون
وقف يراقب في صمت يركز على الشاشات والبيانات وعلى سماعات التواصل بين الفريق
كانت عيناه تتابع الأرقام درجة حرارة المحرك وضغط الوقود والتذبذب في الأداء
ضاقت عيناه وقال في نفسه في حاجة غلط
بدأت اللفة الأخيرة والتوتر بلغ ذروته والجميع واقف يترقب
ناصر كان يحدق في سيارة فريقه وهي تندفع بأقصى سرعة
همس بصوت منخفض العربية دي مش هتكمل
ثم قال أخطر ممكن تنفجر
رفع صوته فجأة وصرخ اوقفوا العربية
التفت الجميع نحوه بدهشة وغضب
قال أحدهم مين ده وقال آخر إزاي دخل هنا واعتبره البعض مجرد شخص مجنون
لكن ناصر لم يتراجع وظل صوته يعلو وهو يصرخ لو مكملتش دلوقتي هتخسروا أكتر من سباق
بالنسبة لهم كان غريبًا اقتحم المكان
أما هو فكان يرى النهاية قبل أن تحدث بلحظات قليلة
اندفع ناصر مبتعدًا عن الحواجز وركض بأقصى سرعته نحو سيارات الإسعاف ورجال الإنقاذ القريبين من الحلبة
كان يلهث وصوته يعلو وهو يقول العربية بتاعتنا هتعمل حادث لازم تتحركوا دلوقتي
توقف أحد المسعفين ونظر إليه بدهشة وقال اهدى يا رجل إيه اللي بتقوله
لكن ناصر لم يتوقف وأشار بيده نحو الحلبة وقال الحقوها العربية دي فيها مشكلة خطيرة هتخرج عن السيطرة أو تنفجر في أي لحظة
تبادل رجال الإنقاذ النظرات بينهم وبعضهم ظن أنه مجرد مشجع فقد أعصابه
لكن نبرة صوته كانت مختلفة ومليئة بيقين مخيف
أحدهم أمسك بجهاز اللاسلكي وبدأ يتحدث بسرعة مع غرفة التحكم
وفي نفس اللحظة وصلت عناصر الأمن إلى المكان
اقترب أحد رجال الشرطة وقال بصرامة ابتعد فورًا عن المنطقة دي
حاول ناصر الإفلات وهو يشير للحلبة ويقول العربية قربت توصل للنقطة الحرجة اسمعوني بس
لكن الأيدي أمسكت به بقوة وتم سحبه للخلف بعيدًا عن المسار
ناصر كان يقاوم وصوته يعلو وهو يصرخ هتنفجر والله هتنفجر
الضوضاء حوله كانت تزداد والهتافات وصوت المحركات يملأ المكان والتوتر يسيطر على الأجواء
بينما كانوا يقتادونه بعيدًا التفت ناصر بعنف نحو الحلبة واتسعت عيناه فجأة
وفي لحظة واحدة دوى صوت انفجار هائل شق الهواء
سيارة BMW تحولت إلى كرة من اللهب داخل الحلبة
تطاير الحطام وارتفع الدخان الأسود بسرعة
توقفت القلوب قبل السيارات وسقط صمت مرعب على المدرجات
اندفع رجال الإنقاذ هذه المرة بأقصى سرعة نحو موقع الحادث
أما ناصر فتوقف عن المقاومة وسكن جسده فجأة وعيناه ثابتتان على النيران
همس بصوت مكسور أنا قلتلكم

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية شاهد قبر) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!