رواية حين أزهر الحزن – الفصل الثامن
…حين هدأ الليل، ظلت ديلان تتنفس ببطئ وترتجف بين الحين والأخر، بينما باران بقي صامتآ؛ لكن صمته هذه المرة لم يكن صرامة، كان هدوء رجل وجد مكانه أخيرآ.
وعندما لاحظ أن قربھا بدأ يربكه، حاول أن يبتعد قليلآ كعادته، لكنها مدت يدها بسرعة وأمسكت طرف ثوبه، لتھمس له كي لا يهر,ب : إبقَ، لا تتركني الليلة.
تجمد لوهلة، ثم استسلم لرغبتها. مد ذراعه يضمها إليه، فوضعت هي رأسها على صدره مرة أخرى، لكن هذه المرة كان قلبها مطمئنآ، كأنها وجدت أخيرآ الملاذ الذي لن يخذلها.
٫٫أغمضت عينيها وهي لا تسمع سوى نبضه تحت وجنتها، في حين ظل هو يراقب ملامحها حتى غلبها النوم.
ابتسامة صغيرة ارتسمت لأول مرة على وجهه منذ زمن بعيد..✨
¤___________وفي لحظة ضعف أخرى، رفعت رأسها بسرعة ضمن فلاش من الذاكرة.! باب يُقفل، ظل يُرمى بانقضاض وصوت يختنق. فتغلبت عليها موجة من الذعر، وقفزت عن السرير كأن قدماها تبحثان عن مكان للفرار. أمسكها باران دون قسوة، قبض على خصرها برفق وجعل نظرته جامدة على وجهها كما لو أنه يرسم لها حدود الأمان : توقفي، لا أحد سيقترب منكِ.! لا أحد سيسمح لهم بأن يعودوا.
سقطت الكلمات من فمه مُحملة بغضب حازم على حماية ما أصبح له وملكهُ.
رأته يضغط شفاتيه لحظة، كأنما يخشى انفلات صوت يهدر ما تبقى من صبره.
،،حاولت أن تهدأ قليلآ. فأجلسها وجلس بجانبها.. خرجت منها صرخة صغيرة فبكت بعدها لبضع دقائق بلا ضجيج، كان بكاء تطهير وبعده جاء الارتخاء..
نطق هو بهمهمة ناعمة : لم أدرِ كيف أهتم لأحد هكذا؛ لكنني لن أدعكِ تبرحين فلا تخافي.
أغمضت عينيها وارتاحت بين ذراعيه، رفعت يدها الصغيرة لتلمس وجه فتغيرت ملامحهُ عند لمستها — صار أكثر إنسانية وأقل صلابة. ثم رفعت شفتيها تبتسم ابتسامة باهتة، همست : هنا أستطيع أن أتخلى عن الخوف قليلآ.
رد عليها بقبلة خفيفة على جبينها، قبلة
تبادلت فيها الأنفاس في صمت طويل.
‘أحاطها بذراعه كما لو أنه يحاول أن يعيد ترتيب المكان الداخلي لكل منهما. يداه كانت ناعمة بحذر، تمر على شعرها، تُمسك جانب جبينها لتمنع رجفة تسبق البكاء.. لم يُمط بها حديثآ يوجعها؛ اكتفى بأن يثبت وجوده، وأن يجعل كل شيء في العالم القادم غير مهم. ثم بدأ يعلمها تقنية بسيطة للتنفس : تنفسي معي. شهيق, وزفير.
فاتبعت أنفاسه، ورغم الخوف انتظم تنفسها تدريجيآ.. ارتعشت أنفاسها وهي غارقة في صدره، وصوته يردد : أنا هنا ولن أترككِ.
رفع رأسها قليلآ وعينيه كانت قريبة جدآ من عينيها، نظرة ممتلئة بارتباك لم تعرفه عنه من قبل.! اقترب أكثر، حتى صار وجيب قلبه يلامس أنفاسها.
ثم تراجع فجأة، كأن شيئ ثقيلآ يقيده.
أمسكت بيده بقوة، وعيناها المغرورقتان بالدموع تحدق فيه بشجاعة لم يعتدها منها.
همس بصوت متقطع : أخشى أن أؤذيكِ يا ديلان.
ردت برجفة : لن تؤذيني، أنا أثق بكٓ.
كلماتها كسرت الجدار الأخير بداخله. لم يعد يستطيع أن يمنع نفسه ولا أن يبتعد. عاد إليها ببطئ كمن يسير إلى مصيره، ولم يضطر أيهما إلى اعتراف صريح بالكلام؛ لأن كل ما في عينيهما قال ما فاق الكلمات..💖
..اقتربت هي أكثر، كأنها تسلم نفسها له بلا خوف، وترك لها باران زمام القرار، لكنه حين لمس دفئها للمرة الأولى، أدرك أنها لم تعد تلك الفتاة الصغيرة والضعيفة؛ بل شريكته التي اختارته بكل قلبها وروحھا.
كانت لحظة مزيج من الرجفة والأمان، من الخوف والرغبة ومن الحذر والانصهار. حتى صارت أول ليلة تجمعهما كزوجين، لم ينطق فيها أي اعتراف، لكن المشاعر وحدها أعلنت الحب الذي وُلد أخيرآ.
ليلة حملت حب نقي، واحتواء صادق، وميلاد جديد لشعور طال اختباؤه.
الأن الليل سيشهد على نضوج حب لم يُعلن، لكنه تَجسد بالفعل..❤️🔥
٫٫فحين تمددت بفراشها كانت أنفاسها تتلاحق بسرعة، نظرت إلى حبيبها فوجدت في عينيه شيئ لم تراه من قبل.! صبر يتسع لعمرين، وحنان قادر أن يمحو سنوات من الألم.
كان يمرر يده على شعرها ببطئ كأنه يهدئ موجآ هائجآ.. لم يقترب بعنف، بل انتظر أن تسمح له عيناها بخطوة أخرى. همس بصوت أجش رقيق : ماذا فعلتِ بي..؟
شعرت دموعها تترقرق من جديد، لكنها لم تكن دموع خوف هذه المرهٓ، بل دموع امرأة وجدت رجل يراعي ضعفها ويحتويها.
رفعت يدها المرتجفة لتلمس وجهه مجددآ، أصابعها الصغيرة تتتبع خطوط الزمن على ملامحه.! كان فرق العمر بينهما فجوة، لكنها الأن تحولت إلى جسرآ، ونضجه يمنحها ما لم تعرفه يومآ “الأمان”
§..اقترب منها أكثر، طبع قبلة ثانيه على جبينها، ثم على وجنتها..
كانت قبلاته كرساله أمان تكتب “أنتِ لستِ وحدكِ بعد الأن”
وكلما زادت قبلاته كلما خفت ارتعاشها، وكلما زاد يقينها أن هذه الليلة نهاية كابوس عاشت فيه طويلآ.
همست بصوت متقطع، يكاد يختفي بين أنفاسها : باران، دعني أضيع فيكٓ ليطمئن قلبي.
ارتجف داخله لتلك الكلمات، شعر كأنها وضعت بين يديه أثمن ما يمكن أن يُعطى لرجل عاش عمرآ في وحدة.
لم ينتظر بعدها كثيرآ، بل أحاطها بحضنه الكامل، وتركها تنصهر في حنانه.
..تداخلت أنفاسهما أكثر، وتحول الارتجاف إلى دفئ، والخوف إلى شغف هادئ.. لم تكن ليلة عابرة، كانت لحظة اكتمال، لحظة يسلم فيها قلبان جريحان نفسيهما لبعض، ليصنعا من الألم حبآ جديد.
همس إليها : ما دمتِ هنا، لم أعد أريد شيئآ أخر.
لم تكن تلك مجرد عبارة تقليدية؛ كان فيها شق بأنھا إستطاعت أن تصل لجدار قلبة وأعماق روحه.
هدأت دموعها، واطمأن قلبها أخيرآ بين ذراعيه.
,,,ساد الغرفة صمت مختلف.! صمت انتظار مهيب لشيئ جديد يولد بينهما.
رفع رأسه قليلآ ليتأملها، عيناها نصف مغمضتين، تتعلقان به ببراءة وارتباك. كان يعرف أنها لم تعرف من قبل معنى أن تسلم نفسها لأحد. هي ابنة الألم، وابنة الوحدة.. وهذه اللحظة ليست فقط جسدآ يقترب من جسد؛ بل روحان تحاولان أن تجدا وطنھا في بعضهما.
ھمس قائلآ : ديلان، هل حقآ تثقين بي..؟
ابتسمت رغم ارتجاف شفتيها، وأومأت برأسها في هدوء.
حينها فقط سمح ليديه أن تُحيط وجهها وقبلها قبلة طويلة، لم تكن عاصفة أكثر ما ھي دافئة وعميقة، كسرت أخر جدار خوف بينها وبينه.
شعرت هي أن رجفة تسري في جسدها، مزيج من خوف وراحة، لكنها لم تتراجع؛ بل أطبقت أصابعها على يده، كأنها تقول له “لا تتركني مجددآ”
اقترب أكثر، وجعل حضنه أوسع حتى غابت ملامحها في صدره.
لم يكن في ملامحهُ عجلة، بل صبر عجيب.. كان يراقب ارتباكها ويتنفس معها، يهمس لها بكلمات تطمئنها
ومع كل لمسة، كان يزيل حجرآ من جدار خوفها.. ومع كل نظرة، كان يفتح باب جديدآ نحو عالم لم تعرفه.
تلاقت أنفاسهما أكثر، واختفى الخوف شيئ فشيئآ، حتى لم يبق سوى ديلان التي سلمت قلبها وروحها لرجل اختارت أن تبدأ معه حياة جديدة.
٫٫٫الليلة، لم يكن ما جرى بينهما مجرد علاقة زوجين، بل كان اكتمال لعهد.! هو صار وطنها، وهي صارت حياته.
وحين أغمضا عيونهما بعدها، كان الصمت في الغرفة عهد جديد، كتب على جسدين وروحين التقيا أخيرآ بعد سنوات من الضياع…….
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية حين أزهر الحزن) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.