رواية مرفوض من المجتمع – الفصل الأول
الفصل الاول
#مرفوض_من_المجتمع
كتابة رؤى صباح مهدي
الفصل الاول
“ولد ”
هذا الكلام اللي كالته الداية لابوية بعدما طلعت من غرفة امي المحطوطة بيها زينة ورود اصطناعية بسيطة ووراهة ضج البيت بالهلاهل وضربوا طلق وجان هذا اول يوم بحياتي. بيبيتي نقلتلي خبر يوم ولادتي. تكول.. الكل جان فرحان بيومها. وهذا كلة تغير ورة فترة من ولادتي.
بيومها طلعت امي تكضي شغلاتها وعافتني يم بيبيتي وجان عمري كم اسبوع بيبيتي تحجيلي تكول جنت دالعب وياك احاول انطيك اصبعي تلزمة بس انت مدتكدر تشوفة. بيبيتي حاولت وحاولت بس فشلت كل محاولاتها ومن رجعت امي من شغلتها صار وياها الحوار اللي غير حياة العائلة كلها.
بيبي كالت لامي:
“ابنج ما يشوف”
امي وابتسامة عدم تصديق على وجهها:
“شتحجين يمة ”
بيبي ردت عليها بكل ثقة وحزن:
“ودي يمة يجوز يكدرون يساعدوه بالمستوصف مادام بعدة صغير. خاف وصاخة من الولادة؟”
امي ظلت تباوع عليها لا تاخذ ولا تنطي متعرف شتجاوب. ابنها وعزيز قلبها معقولة ميشوف؟ معقولة؟
قررت تاخذني للمستوصف الوحيد بقريتنا الصغيرة بشمال غرب الموصل. وهناك وية معداتهم القليلة الطبيب نقل الخبر الصاعق لامي:
“ابنج اعمى. من الولادة ”
لطمت امي صدرها ودموعها سبقت كلماتها:
“شون يعني اعمي؟ ميا شوف للابد؟ ماكو حل دكتور فدوة لعينك؟”
جواب الطبيب جان قاطع :
“راح يظل هيج ماكو اي حل”
رجعت امي والخيبة والالم والانكسار على وجهها خلت كل الناس اللي داير مدايرها يسألوها واني بيدها اشرت علية واني ايدي طايرة بالهوة تلعب وية الظلام وكالت لابوية وكل اللي يسالون عن حالها ودموعها:
“رياض اعمى”
وانهارت على الكاع واني بيدها والكل مصعوق بكلامها ومحد مصدكها. ابوية بوجهه المعصب وطبعه الجاف صرخ بيها:
“شتحجين؟ شنو هالحجي ”
ردت عليه وهي تنشج بتقرير الطبيب . رفعته عالي وصل لايدة واخذه منها بلا ميدنج راسة وعينه حمرة من العصبية وقرا بصعوبة الكلام المكتوب بخط الطبيب المجقلب وشمر الورقة. باوع على امي بعصبية ونار تطلع من عيونه وكال:
“شسوي بولد اعمى.. شسوي بي؟”
وعافها وراح وهي تبجي واني بيدها واخوتي وخواتي كلهم بين الفاهم للوضع وبين المافاهم يباوعون علينا باهتين.
من يومها قل الاهتمام برياض الاعمى . شمروا الزينة اللي حطوها احتفالا بولادتي وبقيت بفراشي ساعات وساعات حتى لو ابجي محد يشيلني لحد ما انام من التعب وامي بعدها عدها امل هذا العمى اللي بية مؤقت ويروح بيوم من الايام وبيوم جنة ببيت جدي اهل امي وامي كاعدة تباوع علية واني بفراشي ابجي وكامت بلا اي تخطيط اقتربت مني وظلت تباوع علية عسى ولعل ابادلها النظرات وبعدين طلعت لسانها تلاعبني متأملة اباوع عليها بس اني ماباوعت عليها ولا ضحكت ولا طلعت مني حركة تدل على اني اشوفها وجدي شافها وكال بسخرية :
“ديري بالج لا يكطع لسانج”
وضحك بسخرية وعافها وهي انهارت تبجي.. اقترحت عليها بيبي تأخذني لقبور الصالحين تنذر النذور عسى ولعل وامي ما قصرت اخذتني لاصحاب الرقية ووراهة لقبور الصالحين مثل نور الدين والشيخ فتحي والنبي يونس وزين العابدين ونذرت نذور هواي وذبلت عيونها من البجي بس ورة كل هذا اني بقيت اني. وعيوني بقت مطفية.
بقيت عايش بمجتمع ريفي يكره المختلف ويهمل المعاق ويعتبرة عثرة ويحطمة ويحطم اي طموح عنده ويدمر وجوده يعتبرة ما موجود ولا يستحق اي شي لان همة يتوقعون منه من يكبر يداريهم ويصرف عليهم فشلون واني اعمى ما اشوف بيوم من الايام راح اكدر اعتني باحد واني محتاج احد يعتني بية.
بدة الاهمال من ذاك اليوم وبديت اني يعتبروني ماموجود وبدة الكل يحطمني رغم اني ماجنت اعتبر نفسي مختلف عن الباقين ورغم اعاقتي جان عندي حلم بسيط هو ان يعاملني اهلي والناس على اني انسان طبيعي. بس هذا مستحيل بمجتمعنا مستحيل وهالشي هو اللي سببلي المعاناة مو عدم الابصار.
بعد ما صار عمري اكبر تمنيت يصير عندي صديق يلعب وياية ويعاملني بشكل طبيعي بس هذا الشي جان كلش صعب بس اني ما استسلمت وبيوم جنت كاعد وعمي اجة كعد بصفي وهو الوحيد اللي يعاملني زين ويحن علية. كال بصوت عبالك ديكلي سر:
“رياض.. اني رايج للجيش.. شتريد اجيبلك وياية من ارجع؟”
رديت عليه بكل ثقة :
“راديو”
ضحك وهو ديسالني:
“راديو؟؟!!”
رديت عليه بكل تأكيد:
“راديو”
سألني عمي بفضول:
“شتسوي بالراديو عمي”
رديت ببراءة طفل صغير عنده حكمة اكبر من عمره :
“تعبت من الوحدة عمو”
الراديو جان املي الوحيد حتى اكدر اقضي الساعات الطويلة اللي اكعدها وحدي. بعمر 5 سنوات وهيج افكر.. اكيد عمي انصدم بس ما بين لي ولا خلاني احس باللي جان يفكر بي ولا عرفت حركاتة بذاك الوقت.
عمي راح للجيش واني جنت انتظره لحظة بلحظة يرجع ومن دزلنة رساله يسال بيها علينة جانت احلى من العسل لان بيها جان ذاكرني بالاسم وكايل اشتريت لرياض الراديو اللي طلبه. ظليت اطلب منهم يعيدون الرسالة حتى اسمعها مرة لخ من كد اشتياقي للراديو وفرحتي بعمي الي اشتراه الي بس خالي ظل يصيح عليه حتى اسكت.
علاقتي بالراديو بدت من ساعه اللي اهلي بيها جانوا يعلكوا الي وقت اللي ميريدوني اطلع وياهم وفعلا اول ما يعلكوه الي اكعد اسمع واروح بعالم ثاني وية اغاني الزمن الجميل والاشعار الريفية والفصحى وبرامج الاذاعات واصوات المستمعين واحس نفسي بيناتهم واحجي وياهم واتخيل نفسي واحد منهم.
من رجع عمي واخيرا من الجيش اني جنت اول واحد ركضت عليه وسلمت عليه بس ظل عمي يسلم الهدايا لكل الاطفال واني ماكو. ظليت انتظر لى ان خلصوا كلهم واباوع بعيوني المطفية بكل خيال احس بي الى ان خلص عمي توزيع الهدايا كلهاوراحوا الجهال وهوستهم الفرحانة باللي حصلوا وبقيت اني واكف مترقب بعدني والامل بوجهي احصل هديتي.
الفصل التالي: اضغط هنا
يتبع.. (رواية مرفوض من المجتمع) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.