رواية حذاري يا سيدات – الفصل الثاني
“حاولوا يهدوني… لكن العشر سنين بيرجعوا قدامي زي شريط سينما، مشهد ورا مشهد، كل ضحكة، كل دمعة، كل لحظة صدقت فيها إن البيت ده حقيقي.
كنت قاعدة، مبحلقة فيه، في البرود اللي مالي ملامحه، في الهدوء القاتل اللي بيغلف كلامه، كأن المواجهة دي لا تعنيه، كأن الألم اللي بينخر في قلبي مش جزء من حياته.
أنا المفروض أقرر؟ أواجه؟ أطلب الطلاق؟ أخسر نفسي والبيت؟
ولا أرجع لأهلي وأسيب ولادنا يواجهوا نفس المصير التدمير النفسي اللي حاصل لولاد هند؟
ولا أسكت وأراقبه، أكمل علشانهم، وأحاصره وانا مش عارفة انام ليل ولا نهار والشك بينهش في قلبي زي ريهام؟!”
_ ملاحظ إنك مش طبيعية من الصبح.. عايزة فلوس؟
“كأنه مش شايف العاصفة اللي بتدور حواليه.
اخدت نفس، صوتي كان فيه رجفة، بس كنت ثابتة..”
=المديرة الجديدة.. نزلت وقابلتها.
” حرك عينه.. مسح عرقه.. حركة إيده فضحته.
خلاص.. دا جوزي وأنا عارفاه وحفظاه..
كدا يبقى عملها.”
=ليه يا أمير؟!.. أنا قصرت معاك في حاجة؟.. مش عاجباك؟.. شكلي وحش؟!.. عمري ما اهتميت بيك؟!”
_ بصي…انا عايزة اتكلم وأقولك بس…
“حاول يتكلم..
لا، مش هديله الفرصة.. مش هسمحله يفصّل الكذبة على مقاسي.”
=تتكلم تقول إيه؟!.. تشرحلي إزاي خونتني؟!.. تبررلي المغازلة الرخيصة اللي بتحصل؟!.. من كام يوم كنت بتتعلم إنستا، والنهاردة جبت واي فاي!
وشيمزات وبرفانات.
أنا المفروض أكون مركزة مع أول ولد داخل على سن مراهقة، مش آخد بالي من أبوه كمان؟!
“سكت.
رفع راسه، بصلي، ببرود يموت وقال”
_خلصتي؟
“أنا مش مصدقة..
أنا كنت فاكرة إني هسمع تفسير، رد..
حتى كدب.. أي حاجة غير الفراغ اللي بيردهولي.”
= آه..
“استند بظهره، كأنه قرر يقفل الموضوع بأسرع طريقة.”
_ لو كنت حكيتلك، كنتي هتصدقيني إني مش خاين ولا كذاب ؟
“ردي خرج من بين أسناني، كأنه كان جاهز من البداية”
_لا وألف لاء.
“هز كتفه، كأنه مجرد حوار بيحصل في مقهى مش مواجهة بين زوجين انهارت بين إيديهم حياة كاملة.”
_عشان كدا محكيتش.. عشان الرصة الجمل والإهانات دي متعرضلهاش.
“الوجع بيضغط على صدري..
يعني إيه؟!..
البرود ده جاي منين؟!..
إزاي بيقول الكلام ده وكأنه بيقرأ خبر مش بيعلن انهيارصرخت بكل قوتي وقولت !”
=يعني ايـه؟ فهمني..ايـــه البرود اللي انت فيـه ده.
_دا أسلوبي من النهاردة.
= دا استاذة هناء أثرت جامد بقا..
“مش قادرة أشهق..الهواء تقيل..العين بتدوّر على مخرج..
الدماغ مش قادر يستوعب إن ده الرد.. إن دي النهاية!
ابتسم، نص ابتسامة، كأنها خنجر هي دي الضربة الأخيرة.”
_بالمناسبة.. اسم المديرة الجديدة “هَنا”، مش “هناء”.
” مش مستحملة.. الدنيا بتضيق.. السواد بيزحف..
حاولت أتمسك بأي حاجة.. لكن، خلاص..
الظلام غطّى كل شيء.”.
_ حمدلله على سلامتك.
“حمدلله على سلامتي؟!
أنا مش طايقة أشوفه، بس مكنش ينفع مردش. الدكتورة واقفة، ليلة أختي واقفة، وأنا مضطرة أرد بجمود:
= الله يسلمك.
” ليلة حضنتني، قلبها ملهوف، صوتها يفيض قلقًا:
_انهيار عصبي!!.. ليه انهيار؟ مش قولت لك ستين مرة تاخدي بالك من صحتك، وبلاش تاخدي كل حاجة على أعصابك؟!”
“أغمضت عيني للحظة..
يا خبر.. إنهيار عصبي ده حصل وأنا لسه في أول صدمة! أومال لما أعرف باقي الحكاية؟
الدكتورة قالت كلمتين، توصيات مستحيلة التنفيذ.. راحة؟! هدوء؟!
دا بيتي بيتهد..يادكتور تعب عشر سنين اتنسف في لحظة!
مشيت الدكتورة وهو معاها ..
فضلت لوحدي أنا وليـلة ، ليـلة أختي الصغيرة بس اقرب حد ليّ، أقرب من هند وريهام، وانهرت بين إيديها، صرخت بعلو صوتي، كأني طفلة تاهت في زحام، بتستغيث يمكن حد يسمعها.”
_أمير؟! أمير يخونك؟ لا لا.. هند وريهام منفسنين منك، إكمن أزواجهم مش زيه..
“نظرت لها، صوتي خرج من بين دموعي:
=أنا واجهته يا ليلة، ومأنكرش.. ما أنا لسه حكيالك!
_متديهوش فرصة يدافع، دخلتي زي القطر.
أمير!! دا مبيسبش صلاة، دا أنا بشوفه زوج مثالي.. وقصة حبكم؟! بيتكم؟! يستحيل!
” ليه ليلة مصرة تلاقي له مخرج؟!
ليه!!. أنا نفسي مش قادرة أصدق؟!”
=مدفعش عن نفسه ليه؟ فهميني يا ليلة.”
_تعبان، مخنوق، مش عايز نكد.. انتِ اللي تعرفي جوزك أكتر.
“هي مش فاهمة حاجة.. هي بتحاول تطبطب، تحط تفسير منطقي لحاجة مالهاش تفسير.
مشيت ليلة بعد ما رتبت البيت، عملت لي أكل، وقالت إنها هتيجي بكرة..
فضلت لوحدي.. أفكر.. أعمل إيه؟
قررت أنقل كام حاجة لأوضة الأولاد واقعد فيها ، وكدا كدا هم هيقعدوا عند جدتهم 15 يوم.. كل يوم الصبح بطمن عليهم، وأرجع البيت..
الليل كان ثقيل، الوحدة أرخم من أي وجع.
سمعت صوت المفتاح في الباب..
عرفت إنه رجع.
كنت قاعدة على مكتب مارو، ابني الكبير، عنده 9 سنين..”
دخل أمير، نظر لي، وكأنه بيدور على رد فعل أعرفه:
_ إيه؟ وحشتك المذاكرة ولا إيه؟
” سكتّ.”
_أنا آسف.
“رفعت رأسي ببطء واتكلمت”
_على أنهي؟ على الخيانة؟!! ولا على الكذب، ولا على الأسلوب اللي يجيب انهيار؟!
_أنا مخونتكيش والله!.
“ضحكت ضحكة مالهاش صوت:”
_قالوا للحرامي أحلف.. قال: هيااا جالك الفرج.
_أنا عمري ما خونتك.
=الظاهر إنه كان كتير، بس كنت مغفلة.
“حاول يرد، يلاقي مخرج، كأنه بيدور على نقطة للتهدئة:
_طب تعالي نأجل ده لحد بس ما أطمن على صحتك.. واللي عايزاه هعملهولك، صدقيني.
“رفعت حاجبي، نظرت إليه بسخرية ما بقتش أملك غيرها:
=أي حاجة؟!
_أي حاجة.
=اديني مساحتي.
تراجع خطوة، كأنه مش مستوعب طلبي:
_بمعنى؟!
=بمعنى إني هقعد هنا، وأنت في الأوضة التانية.. أكلك، شربك، هدومك، حتى عيالنا، كل ده على عيني.
لكن لا ما بينا كلام ولا سلام.. اسهر، اخرج، اتكلم، صاحب، غازل، أشتري لبس وهدوم.. براحتك.
وأنا كمان هعمل اللي يريحني. آه، متخفش، لا ههرج، ولا هخرج، ولا هعمل أي حاجة تمسّ كرامتك ورجولتك.
هفضل محافظة على اسمك لحد آخر نفس فيا يا أمير.
_بتول…
=دي أكتر حاجة هتريحني، وتريح أعصابي.
” نظر لي لحظة، كأنه بيحاول يستوعب القرار، كأنه لسه مصدق إني فعلاً وصلت لمرحلة إني أطلب ده منه.”
_ماشي يا بتول.. وأنا هعملها.. بس مش هنفضل كتير.
“خرج.
مسكت ورقة وقلم، بدأت أكتب وأفكر ..
عشر سنين.. عشر سنين من التفاصيل اللي بقت نسخة مكررة، من الأيام اللي بتعدي من غير ما يكون فيها حاجة تستاهل تتحسب، من الحوارات المختصرة اللي فقدت الشغف والدفء.
زمان كنت بستناه بفارغ الصبر، كنت بتحمس للحكايات اللي بيحكيها، للمفاجآت الصغيرة اللي كانت بتخليني أضحك من غير سبب.. دلوقتي؟ بقت أيام عادية، روتين متكرر.
كل حاجة بقت بالعِشرة.. بالعادة.. مش بالحماس اللي كان في الأول.
أنا محتاجاه يكون سند، وهو محتاج حد يهتم بيه.. بس هل ده كفاية؟
في الأول كان بيشوفني، بيلمح أي تغيير بسيط، يسأل، يهتم..
دلوقتي؟ لو اتغيرت بالكامل، مفيش فرق.
وأكتر حاجة بتوجع مش البعد.. لأ، هو إننا لسه سوا، بس مش زي زمان..
إننا بقينا متعودين على بعض أكتر من إننا شايفين بعض بجد.
هل ده الطبيعي؟ هل كل الجوازات كده؟ ولا أنا بس اللي مستنية حاجة ما بقتش موجودة؟
ولو حتى فكرت أرجّع اللي فات.. هل لسه فيه حاجة تستاهل؟
نمت وأنا بسأل نفسي السؤال ده.”
| صباح يوم جديد|
“الصبح.. ليلة كانت واقفة قدامي، صوتها فيه إصرار مزعج.”
_إحنا نروح للدكتورة تاني.
هززت رأسي، بجمود:
= يا ليلة، أنا بقيت كويسة.
_طب فكرتي؟ سمعتيه؟ عملتي حاجة في اليوم ده؟!
“شهقت، استغربت من نبرتها، من الطريقة اللي بتدافع بيها عنه..هي أختي انا ولا أخته!. “
_منكم لله يا هند انتِ وريهام.. زي ما خربتوا عليها.
=متدعيش عليهم، حياتهم متبهدلة خِلقة.. وبعدين عملوا الصح.
نظرت لي، بقهر:
_أنهي صح يا ناس؟ الراجل الأمير دا خاين؟!
دا رن عليا أربع مرات يتأكد إن بعد ما أخلص محاضراتي، أجي وأطمن عليكي، وأبعت له أطمنه.
“معرفش ليه من جوايا اتبسطت.. للحظة حسيت إن حاجة جوة قلبي هديت.”
_بتفكري في إيه؟!
=إيه اللي يخلي الراجل يميل للست اللي من النوع ده؟ على الرغم من إنه عارف إنها لا تصلح لبيت، ولا إنها تشيل اسمه؟
_انتِ حالًا خلتيه بيميل للست؟!
قبل ما أرد، الباب خبط ، ودخلت هند وريهام، ملامحهم مليانة قلق.
“هند بصوت فيه ارتباك:”
_انهيار عصبي إزاي؟ ليه؟!
“ريهام حضنتني، صوتها مليان توتر:”
_قلبنا وقع لما عرفنا اللي حصل من رامز…أصل امير حكى له.
“هند بصوت ملهوف:”
_قبل كل حاجة، لازم تعرفي الحقيقة.
“ريهام اتكلمت بسرعة، بعيون بتترجاني أصدقها:”
_أيوة لازم.. أمير مش خاين.
“نظرت لهم، مبهوتة.. أكيد بيقولوا كدا عشان تعبي.”
“ريهام شدّتني ومسكت إيدي، عيونها فيها إصرار:”
_مش مصدقانا ليه؟! أقسم بالله الموضوع طلع فيه لبس.
“هند حلفت بحياة ولادها، صوتها مليان جدية:”
_كل ما في الموضوع إن هَنا الزفتـ ـة دي عزمت أمير على عشاء عمل، على أساس إنه اجتماع لمديري ورئيسي التنفيذي.
وأمير راح على الأساس إنه اجتماع، وطلعت هي محضرة ده علشان تقابله.
لكن هو صدّها، وفهمها إنه بيحبك، وإنه مخلص ليكي.
وحاول يفهمها بالراحة، من غير ما يجرح مشاعرها.”
“ريهام بحزن، عينها مليانة ندم:”
_أمين الكلـ ـب قال كده لما قارنته بأمير.. وشدّينا ،أنا وهو، قولت له: إمتى هتبطل؟، ليه عينه زايغة؟، ليه ما يتعلمش من أمير؟! إديته وعظة، فحب يثبت لي إن كل الناس زيه خاينة.
وراني صور لأمير وهَنا وهي بتحاول تمسك إيده.
ولما هند شدّت رامز ، وخليته يعترف، قال لنا كل الحقيقة..وكلمتني نيجي زي ما خربناها، نصلحها.
إرجعي لبيتك، وجوزك.
” مشيوا والنفس اتحبس في صدري، دماغي بقى دوامة، المشهد كله اتقلب.
أنا.. كنت غلطانة؟
أنا.. كنت متسرعة؟
القلب كان بيدق، بسرعة، بقوة، بيحاول يلاقيني وسط العاصفة دي..
بس هل هلاقي نفسي؟”
_إزي الحال؟ يعني أنا واثقة في جوزك أكتر منك؟
“نظرت لها، مش مصدقة إنها بتقول كده، كأن كل اللي حسّيته مش مهم، كأنها شايفة الصورة أوضح مني.”
= طب وتصرفاته يا ليلة ؟! والشميزات والبرفيوم.. والتغير المفاجئ؟
ليلة رفعت حاجبها بسخرية، كأنها شايفة إن دي مش حجة كفاية:
_روتين.. زهق.
“شهقت، ما قدرتش أستوعب كلامها بسهولة.”
= لا، أنا عارفة جوزي كويس.
“هزّت راسها، ضحكت ضحكة سخرية خلتني أشعر إن كل حاجة قدامي بتتفكك.”
_يا شيخة إتلهي على عينك.. قال أنا عارفة جوزي كويس، دا أنتِ لسه كنتِ هتخربي بيتك بإيدك..على يدي.
“ضحكت على إسلوبها واتكلمت بتفكير”
= ما إحنا لسه متأكدناش هو خاين ولا لأ.
_هلطم.. أنتِ تصالحي جوزك، وتقولي له الحقيقة، وتتأسفي!
“نظرت لها، بقهر ممزوج بإصرار:”
=مش بالسهولة دي، ومتنسيش إنه كذب، ودارى.. ومتغير.
سكتت لحظة، وبعدين سألتني:
_بتفكري في إيه؟
“سحبت نفس عميق، وأنا بحاول أرتب أفكاري.”
= إيه اللي يخلي الراجل يميل للست اللي من النوع ده؟ على الرغم من إنه عارف إنها لا تصلح لبيت، ولا إنها تشيل اسمه؟بالذات نوع أمير..اللي مش عنيه زايغة.
_عايزة توصلي لإيه؟
ابتسمت ابتسامة مش واضحة، غامضة، كأنها بتحمل إجابة مش سهلة..
=أقولك أنا يا ستي…
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية حذاري يا سيدات) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.