رواية في ظلال القضية الفصل التاسع عشر 19 – بقلم ملك سعيد

رواية في ظلال القضية الفصل التاسع عشر – بقلم ملك سعيد

اقتربت من باب غرفته وما أن فتحت الباب حتى تجمّدت مكانها مما رأت….
كان رحيم جالسًا على السرير ، ظهره مسنود على الوسادة خلفه ، وقدميه تمتد أمامه بينما تجلس فتاة ترتدي معطفًا أبيض اللون…. ومن استنتاجها فإنها طبيبة العلاج الطبيعي .
كانت تمسك بقدمه برفق وتدلكها بحرفيّة ، لكن ما جذب انتباه سارة لم يكن العلاج بل نظرات الإعجاب الواضحة في عيني الفتاة وهي تنظر إليه .
اشتعل شيء غريب داخل صدرها
غضب؟
غيرة؟
لا تعرف… شعرت بحرارة ترتفع إلى وجهها بسبب ذلك المشهد ، سمعت الطبيبة تقول لرحيم بابتسامة لم تُعجب سارة ابدًا :
” اتمنى تكون مرتاح في مرحلة العلاج الطبيعي معايا؟؟؟ “
اجابها وهو ينظر أمامه بشرود بنبرة باردة :
” مش هتفرق “
اغتاظت من رده البارد فعادت لمتابعة عملها مرة أخرى ، بينما رحيم لم يكن ينظر إليها بل إلى الفراغ ، ولم ينتبه لتلك التي تراقبه وهي تشتعل بنار الغيرة ، ضمت يديها بقوة وجزت على أسنانها ثم قالت بنبرة حاولت أن تكون هادئة لكنها خرجت مشتعلة:
” واضح إن الجلسة مريحة أوي “
التفت رحيم بسرعة وهو متفاجئ من وجودها ، اتسعت عيناه بعدم تصديق ثم سألها :
” سارة إنتِ إنتِ هنا؟؟؟ “
تجاهلت سؤاله بينما تدخلت الطبيبة تسألها بأدب مصطنع:
” اهلًا بحضرتك… إنتِ قريبته؟ “
رمقتها بنظرات نارية جعلت الطبيبة تسحب يدها من على قدم رحيم تلقائيًا ، ثم ردت ببرود :
” لاء مش قريبته “
رفع رحيم حاجبيه بإندهاش ونظر لها مطولًا ليحاول قراءة ما في عينيها…
إلا أن سارة لم تمنحه الفرصة ، فقد اقتربت منه وقالت بنبرة أشد غيظًا وهي وللحق لا تفهم سبب غيرتها عليه :
” واضح انك مستمتع بالجلسة اوي؟ حتى الدكتورة مستمتعة ، شكلي قطعت اللحظة “
ارتبكت الطبيبة ثم قالت :
” لو وجودي مضايق حضرتك… ممكن اخرج برا “
رمقتها بنظرة كافية لإخراج الطبيبة فورًا من الغرفة ، فتركتهم بمفردهم.
بمجرد أن أُغلق الباب قال رحيم بنبرة متفاجئة مبطنة بسعادته الداخلية :
” إنتِ غيرانة؟؟ “
شهقت بصدمة من سؤاله ثم هتفت بنبرة حادة كي تنفي شكه بها أو لنقل لتنفي فكرة شعورها بالغيرة عليه :
” أنا غيرانة!! إنت أكيد اتجننت ، هغير عليك ليه مستحيل “
ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها صادقة ثم تابع حديثه بمكر مبطن :
” ايوا شكلك بيوحي انك غيرانة “
رفعت ذقنها بعناد ثم قالت بتبرير :
” قولتلك مش غيرانة ، أنا بس جيت اتطمن عليك ولما لقيت المنظر ده ، اتضايقت طبيعي يعني “
” ليه اتضايقتي يا سارة؟؟؟ “
سؤاله كان كافيًا ليجعلها تهرب بنظراتها بعيدًا عنه ، شعرت أن قلبها بدأ بخيانتها وأن شكه بغيرتها عليه حقيقية وهذا ما لم تسمح به ، فقالت بحدة خفيفة كي تخفي ارتباكها:
” علشان… علشان… معرفش بس المهم اني مش عايزة أشوفها عندك مرة تانية “
ضحك بخفوت ثم سألها بترقب :
” دي أوامر يعني؟؟ “
نظرت له بغضب ثم أجابته:
” اه أوامر عندك مانع؟؟ “
ابتسم بمكر لا يليق بشخصيته اللطيفة وهو يقول بنبرة خبيثة :
” ابدًا معنديش مانع ، أنا كلي تحت امرك ، وبلاها الدكتورة دي خلينا في دكتور احسن “
ابتسمت برضا بسبب تنفيذه لرغبتها فلاحظت مراقبته لها فإنمحت ابتسامتها سريعًا قبل أن تتراجع بارتباك للخلف وهي تقول بتوتر :
” أنا أنا اه أنا اتأخرت ولازم امشي خد بالك من نفسك ، ولا اقولك أنا مالي عنك ما خدت بالك ، أنا ماشية.. “
كان يكتم ضحكاته على شكلها المرتبك وحديثها المتوتر
فلاحظت ذلك مما جعلها تشتعل من الغضب بسبب ارتباكها أولًا ، و بسببه ثانيًا ، فإستدارت وفتحت الباب ثم فرت هاربة بسرعة كي لا تكشف أمامه….
فور خروجها من الغرفة انطلقت ضحكاته في المكان كلما تذكر ارتباكها أمامه وغيرتها الواضحة عليه ، وغيرتها خير دليل على وقوعها في حبه ، هدأت ضحكاته ثم قال بنبرة سعيدة بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة تحمل الكثير من السعادة :
” شكلك وقعتي في حبي يا سارة ، ما هو مش طبيعي كل الغيرة دي من ولا حاجة ، وأنا عارف انك عنيدة ومستحيل تعترفي لنفسك قبلي بحبك ليا ، بس أنا عارف هعمل إيه علشان اجبرك تعترفي بحبك ليا ، وبطرقي الخاصة…. “
ابتسم بخبث بعدما انهى حديثه المتوعد لسارة ، فهو ومن هذه اللحظة سيبدأ بتنفيذ خطته الخبيثة كي يجعلها تعترف لنفسها بوقوعها في حبه ومن ثم تعترف له بعدما يجعلها تعاني قليلًا في حبه مثلما عانى كثيرًا بحبها ، وها قد أتى موعد انتقامه منها ليجعلها تتذوق طعم الحب و آلامه مثلما تذوقه هو…..
___________________
تجمدت الكلمات في حلقها ، لكن دموعها الحارة انهمرت على وجنتيها دون سابق إنذار ، تنتفض أمامه كعصفور محاصر بين براثن ذئب ، ارتبك لوهلة من بكاءها انهيارها المفاجئ لكنه ظل جامدًا ، وتراجع مبتعدًا عنها بملامح باردة كأن شيئًا لم يحدث .
وضعت يدها على وجهها وهي تبكي بنحيب مرتجف ، تتناثر شهقاتها بين كلامها المتقطع وهي تقول :
” أنا… أنا آسفة… والله مكنتش أقصد…. أورطك معايا “
هز رأسه بلا اهتمام وعيناه تتابعها من أعلى لأسفل ببرودٍ قاتل ، وكأنه يتلذذ بارتجافها ، رفعت عينيها المحملتين بالخوف إليه ثم قالت بنبرة مهزوزة :
” أنا… تعبت والله تعبت… أنا آسفة اني ورطتك معايا ، بس صدقني كان غصب عني هو بيكرهني جدًا من يوم ما اتولدت وهو كارهني وبيقولي اني سبب موت أمي ، كان بيعاملني اسوء معاملة ، و اتحرمت من طفولتي عمره ما حسسني اني بنته بيتعامل معايا كإني عدوته ، معرفش أنا ذنبي إيه في موت أمي دي حاجة مش في إيدي ، هي ماتت وقت ما كانت بتولدني ، وياريتني ما كنت جيت على الدنيا دي وكانت هي اللي عايشة… “
كانت الكلمات تتدفق منها بلا وعي بجانب ارتفاع معدل أنفاسها حتى بدأ جسدها بالإرتعاش بينما تعالى صوت شهقاتها ، يديها ترتجفان ، صدرها يعلو ويهبط بلا انتظام ، حتى اقتربت من نوبة هستيرية
ظهر الخوف في عينيه عندما لاحظ حالتها التي تسوء بشكل غير طبيعي .
” حياة “
نطق اسمها بقلق لم يستطع إخفاءه وهو يخطو خطوة نحوها ، فلم تجيب كانت غارقة في دوامة انهيارها ، كادت أن تسقط فاندفع نحوها سريعًا وأمسكها من كتفيها ، وبدلًا من أن تدفعه أو تصرخ ، سقط رأسها على صدره فاقدة الوعي ، جحظت عيناه بصدمة ثم تمتم بنبرة خائفة وهو يرفع رأسها له ويضربها بخفة على وجنتها:
” حياة… حياة فوقي “
لم يتلقى ردٍ منها ، فإختفى كل غضبه ، كل تهديده ، وحلّ محلهم الرعب من حالتها تلك ، حملها بسرعة بين ذراعيه ، واندفع بها نحو غرفة النوم ، وضعها على السرير برفق ، وسحب الغطاء عليها ثم جلس جوارها يراقب وجهها الصغير الباهت ، وملامحها المنهكة .
مسح على وجهه وهو لا يعلم كيف يتصرف ، ثم أعاد نظره لها وهو يفكر بقراره بالإنتقام منها ، وجد نفسه يتراجع عن قراره بعدما تذكر انهيارها المفاجئ و حديثها عن كره والدها لها ، أعاد كل حديثها برأسه ، شعر انه سيصاب بالجنون بسبب ما يمر به ، من فراره من الشرطة إلى التقاءه بها حتى زواجه منها تحت تهديد السلاح ، هل يعاقبها بسبب توريطها له بمشاكلها ، أم يصبح لها سدًا منيعًا ليحميها من شر والدها……
__________________
” التاسعة مساءً “
كان جواد يجوب البهو الواسع ذهابًا و إيابًا ، خطواته متوترة سريعة تحمل غضبًا مكتومًا لا يقل عن خوفه ، في يده هاتفه يضغط على زر الاتصال للمرة التي لا يعرف عددها…..
لكن الرد لم يتغير كان واحد فقط :
” الهاتف مغلق “
زفر بقوة ومسح على وجهه بكفه ، وعيناه تنطقان بالندم ، نعم ندم لأنه رفض الخروج معها للتجول وتركها تذهب بمفردها بمكان لا تعلم به شيء….
تقدم العمدة بخطوات بطيئة وهو يستند على عكازه نظرًا لتقدمه في العُمر ، نظر إلى جواد بضيق ثم أخذ يعاتبه لتركه زوجته تخرج دونه :
” إزاي تسيب مراتك تخرج لوحدها؟ ، دي غريبة عن هنا متعرفش حاجة في البلد ولا الناس ، وكان لازم تخرج معاها “
تسمر مكانه وصمت للحظة حتى هتف بصوت منخفض محمل بالندم:
” أنا عارف اني غلطان مكانش لازم اسيبها تخرج لوحدها ، بس أنا هدور عليها لحد ما الاقيها و ارجعها “
العمدة هز رأسه بقلق وهو ينظر له بتعاطف فبالتأكيد انه سيجن حتى يجدها ، نظر مؤمن لشهاب ثم تقدموا ناحية جواد الذي ينظر ارضًا بملامح قلقة ، تحدث شهاب بنبرة جادة :
” يلا يا جواد لازم نخرج ندور عليها واحنا معاك لحد ما نلاقيها “
اضاف مؤمن وهو يخرج مفاتيح سيارته من جيب بنطاله:
” البلد كبيرة وفيها طُرق كتير ، بس متقلقش بإذن الله هنلاقيها “
هز رأسه بموافقة وقال بصوتٍ حاسم :
” مفيش وقت لازم نتحرك فورًا ، قبل ما الوقت يتأخر أكتر “
وبالفعل تحركوا للخارج ، اتجه جواد ناحية سيارته وركبها ، بينما صعد شهاب بسيارته الخاصة ، كما فعل مؤمن ، كي يتفرقوا لإيجاد ريم بشكل أسرع..
تحرك جواد بسيارته وكان يشغل تفكيره هي ريم ، كيف حالتها الآن؟
هل هي بخير؟
كل هذه الأسئلة كانت تدور بعقله ، زاد من سرعة سيارته وكل ما بداخله يحثه أن يسرع كي يجدها بأسرع وقت ، ومهما كلفه الأمر……
___________________
كانت تسير بخطوات متعثرة في ذلك الطريق الموحش ، ظلام دامس وسكون ثقيل لا يقطعه إلا صوت الهواء وهو يحرك الاغصان فيصدر خشخشة خفيفة تُرعب قلبها ، ضمت ذراعيها حول جسدها المرتجف لشعورها بالبرد و الخوف .
التفتت خلفها بسرعة وعيناها متسعتان لسماعها أصوات حركة من خلفها ، هي تعلم أن هذه الأصوات ما هي إلا أصوات الهواء وهو يضرب أغصان الأشجار بعنف ، لكنها بمفردها وبهذا المكان التي لا تعلم كيف جاءت له ، غبية ريم كيف نسيتِ انك لا تعرفين أي شيء بهذه البلد ، لا وبكل غباءٍ قررتِ التجول وبمفردك
همست لنفسها بصوت مرتعش يمتزج فيه الندم مع الخوف :
” أنا إيه اللي خلاني اعاند واخرج؟… اديني هموت من الخوف و البرد… وجواد زمانه قاعد ولا على باله إن كنت عايشة ولا ميتة ، أكيد نسي اني جيت معاه… أو أنه يعرف بنت اسمها ريم اصلًا “
نظرت أمامها للفراغ المظلم وهي لا تعلم أن جواد يجوب الطُرقات كي يصل إليها…
استمرت في السير لكن فجأة تعثرت قدمها وسقطت على الأرض ، صدرت منها صرخة ألم وهي تتحسس كاحلها بوجع ، التمعت عيناها بالدموع من شدة ألمها بجانب خوفها وبالطبع البرد الشديد الذي و بالتأكيد سينهي حياتها في هذه اللحظة .
أزالت دموعها التي انهمرت على وجنتيها وقالت بصوت حاولت أن تجعله قوي إلا انه صَدر مهزوز :
” لازم أكون قوية.. مينفعش أضعف… وخصوصًا دلوقتي “
اخذت نفسًا عميقًا ونهضت ببطء من فرط ألمها ، وأخذت تسير خطوة بخطوة وهي تستند بإحدي يديها على ركبتها ، رفعت نظرها للسماء المظلمة ودموعها هبطت رغمًا عنها ثم تمتمت بدعاء :
” يارب ساعدني “
القت نظرة على هاتفها الممسكة به ثم قالت بانزعاج منه ومن نفسها ومن العالم أجمع :
” كان لازم حضرتك تفصل يعني؟ اديني هموت بسببك ،
كان زماني اتصلت بالزفت جواد علشان يلحقني ، بس هقول إيه نحس من يومي “
ضغطت عليه بغيظ وتابعت سيرها وهي تتمنى أن يظهر لها أي شخص ليساعدها حتى لو كان لص فهي موافقة……
___________________
كانت ممددة على الأريكة وعيناها مثبتتان على شاشة اللابتوب ، تتابع إحدى الأفلام الأجنبية باندماج واضح
لكن قاطع صفو اندماجها رنين هاتفها ، اغمضت عيناها بإزعاج وهي تسب المتصل لقطع متابعتها بالفيلم ، امسكت الهاتف فوجدت المتصل ” شاكر “
اتسعت عيناها بقلق فما سبب اتصاله بها بهذا الوقت
اخذت تعاتب نفسها لتبادلها معه رقم هاتفها في حفلة أمس ، ابتلعت ريقها ببطء ثم أجابت على الهاتف قائلة :
” الو “
جاءها صوته الدافئ واللطيف الذي أجاد اصطناعهم بمهارة :
” مساء الخير يا غرام… بصراحة لقيت نفسي بفكر فيكي قولت اتصل عليكي “
شدت على الهاتف بغضب من تصنعه ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة كأنه يراها وهي تجيبه بلطف زائف :
” مساء النور يا شاكر…خير إيه سبب تفكيرك فيا “
” أنا بس كنت عايز اشوفك ، إيه رأيك نتعشى سوا انهاردة ، مطعم…. الجديد بيقولوا الاكل هناك حلو ، ها إيه رأيك؟؟ “
توترت من عرضه ، لا تريد لقاءه فهي تمقته لكن المهمة أهم من رغبتها بعدم الموافقة بالخروج معه ، اخذت نفسًا خفيفًا واخبرته بصوت ثابت رغم توترها :
” تمام ماشي هنتقابل هناك الساعة كام؟ “
رد بسعادة شديدة:
” الساعة عشرة ، أنا هستناكي “
” تمام وأنا مش هتأخر “
انهت المكالمة سريعًا ، ثم نهضت واخذت تتحرك في الصالة ذهابًا وإيابًا وهي تفكر في الورطة التي وقعت بها ف بعد ساعة ستكون معه بمفر… لا مستحيل أن تذهب معه بمفردها ف شاكر ليس بالرجل السهل ورغم قوتها وخبرتها في التعامل مع الرجال إلا انها وبالحق خائفة لأول مرة في حياتها تشعر بالخوف بإحدى مهماتها ، فكرت بحل لهذه المشكلة ، وفورًا جاء ببالها مروان ، نعم هو من يستطيع مساعدتها أليس هو شريكها بالمهمة ، فقررت الاتصال به واخباره بعرض شاكر الخبيث…..
____________________
” في الجهة الأخرى “
كان مروان يقف بجانب غيث بالصالون كلاهما عاقدًا ذراعيه يتناقشون بموضوع مريم تلك الفتاة التي ظهرت في حياتهم فجأة
كلامة استفهام لا يعرف أحد لها أصلًا ولا جذورًا ، قال مروان وهو ينظر لمريم التي تجلس بجانب والدتهم يتحدثون بأمور عدة :
” لازم نعرف مين أهلها بأسرع وقت “
اومأ غيث وهو يقول بحسم :
” وأنا مش هرتاح غير لما لاقي أي خيط يوصلنا لعيلتها “
قاطع حديثهم رنين هاتف مروان فأخرجه من جيب بنطاله ونظر إلى الشاشة فوجد المتصل هي غرام ، تغيرت ملامحه لقلقٍ واضح فقال بغيث وهو يبتعد عنه متجهًا للخارج كي يرد عليها :
” هخرج ارد على التليفون “
اماء غيث بلا اهتمام بينما عيناه معلقة على مريم التي تجلس مع والدته مندمجة في الحديث ، تابع ضحكتها الخفيفة ، وانكماش وجهها عند التعجب ، وحركات يديها الطفولية وهي تروي شيئًا لا بد انه صغير وبريء مثلها ، لا ينكر انها جذبته منذ أن رأها ليلة أمس ، جذبته بأقل حركة ، أقل ابتسامة ، بل بنظرة واحدة منها ، ظل ينظر إليها يراقبها بصمت ، وهو يشعر أن شعور جديد يتسلل إليه كلما ينظر إليها ، ولا يعلم أن هذا الشعور ما هو إلا الحب
مشاعر لم يتوقع انه يومًا ليشعر به .
____________________
وصل إلى الحديقة الخلفية حيث الهواء البارد والهدوء المسيطر على المكان ، ثم رفع الهاتف إلى أذنه بعدما ضغط على زر الإيجاب وسألها بنبرة باردة يخفي بها قلقه من اتصالها في هذا الوقت بجانب حنقه منها بسبب سخريتها عليه عندما أوصلها لمنزلها:
” ايوا يا غرام في ايه؟ “
اجابته بسرعة ونبرة صوتها يظهر بها الخوف :
” مروان شاكر لسه مكلمني وعزمني على العشا الساعة عشرة “
قبض على يده بغضب لعرض شاكر عليها لتناول العشاء برفقته ثم سألها بضيق واضح :
” وإنتِ طبعًا وافقتي؟؟ “
اجابته الأخرى بإيجاب :
” ايوا طبعًا مش ده دوري في المهمة “
زفر بقوة ثم قال بصوت حازم :
” تمام جهزي نفسك نص ساعة وهكون قدام بيتك “
” ليه؟؟ “
حرك عيونه بملل واجابها بغطرسة:
” أكيد مش جاي اتقدملك ، هوصلك للمطعم وهكون معاكم بس على طاولة تانية وعيني هتكون عليكم…”
ثم أكمل بتحذير صارم :
” بس وقسمًا بالله لو شوفته قريب منك شوفي هعمل فيكوا إيه “
ارتفع حاجبيها بدهشة من نبرته التحذيرية وتهديده المباشر ثم سألته بتوجس:
” ليه كل ده حضرتك نسيت إن مهمتي اوقعه في حبي علشان اخد منه المعلومات ونعرف نوقعه “
رد بصوته الخشن قائلًا وهو يجز على أسنانه بغضب مكتوم:
” سمعتي قولت إيه ممنوع يقربلك يا غرام ، علشان متشوفيش وشي التاني ، ويلا روحي جهزي نفسك مش هستناكي كتير قدام البيت “
انهى المكالمة بدون أن يعطيها فرصة للرد وهو يتنفس بعنف من فرط غضبه من فكرة خروجها لتناول العشاء رفقته ، ذلك الرجل النذل عديم الرجولة ، شخصٍ بلا أخلاق فكيف يتركها تذهب بمفردها لا محال أن يسمح لها بذلك فهو سيعمل على أن يبقى بجانبها وعيونه ستكون كاميرا مراقبة لها كي يضمن عدم تقرب ذلك الحقير منها ، كما فعل في رقصته معها بحفلة أمس ، لن يسمح ابدًا .
ارسل لغيث رسالة مختصرة بما حدث وانه سيذهب ليقل غرام للمطعم وسيظل معها حتى انتهاء موعدهم ، اتجه إلى سيارته وصعدها ثم قادها متوجهًا لمنزل غرام….
______________________
كانت عيناه تجولان بالشارع المظلم أمامه ، ظلام لا يقطعه سوى ضوء مصابيح سيارته وهي تشق الطريق بحثًا عنها ، لفت انتباهه ظل يتحرك أمامه ببطء ، ضيق عيناه محاولًا رؤية ذلك الشخص الذي يتمشى أمامه بمسافة كبيرة ، توقف بسيارته ثم خرج منها صافعًا الباب خلفه ، وبدأ يسير مسرعًا نحو الظل ، أخذ يخطو خطوة ثم أخرى أسرع حتى استطاع تمييز الشخص الذي أمامه…
شعر طويل متناثر على كتفين مرتجفين ، جسد متعب ، خطوات متعثرة ، اتسعت عيناه عندما استطاع تمييزها نعم هي ريم ، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ارتياح ، لكن تلاشت ابتسامته فور أن رأى عرج قدمها فتحدث وهو يقترب منها بخطوات سريعة:
” ريم خلي… “
لم يتابع تحذيره عندما لاحظ تعثر قدمها وميلها للأمام
فانطلق نحوها قاطعًا المسافة التي بينهما واحاط خصرها بذراعيه قبل سقوطها وهو يقول بنبرة محملة بكل ما يشعر به من خوف عليها :
” وأخيرًا لقيتك….. “
يتبع……
____________________
جواد جه الصعيد علشان يدور على القاتل ، راح دور على ريم شوفتوا مسخرة زي دي وكله من ريم العنيدة اللي هتجبله شلل قريب

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية في ظلال القضية) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق