رواية ست الدكتورة والخيال – الفصل الرابع
ــ ويوم ما تبوص تبوص لدي؟
ــ ومالها؟ مالها دي؟ أصل لو هتقارنيها بالقديمة فـ الدكتورة ضوفهرها برقبة القديمة.
كملت بعصبية:
ـــ ومن غير سلام، علشان مش هسمح إن حياتي من كل الجوانب تبوظ علشان مجرد عادات متخلفة.
طلعت من السرايا وكانت بتسحب شنطتها.
ــ حيلك يا دكتورة، حقك عليا وعلى رأسي.
ــ شكراً يا سليم بيه بس أنا كدا كدا شغلي خلص، واحدة كنت جاية أشتغل مش اتمايع وحضرتك أكيد عارف كدا كويس.
للأسف أصرت ومقدرتش عليها ولا قدرت أغير رأيها.
طلعت العمة هنية وجريت عليها.
ــ كدا يا بتي هتهملينا؟ طب دا أنتِ كنتي واخدة بحسي!
عينها دمعت وحضنتها وهي بتقولها:
ــ شغلي هنا خلص يا عمة، هقعد تاني أعمل إيه؟ وبعدين أنا كدا كدا كان باقي لي أيام وأمشي، فمفرقتش كتير.
تدخلت في الكلام وقولت:
ــ أقنعيها يا عمة هنية تقعد والصباح رباح وأنا بنفسي اللي هحجز لها التذكرة وهأخدها أوصلها مينفعش تروح في الليل كدا.
سحبت الشنطة منها وهي مشت ورايا هي والعمة.
بعد زن مني ومن العمة.
لو بس يبطلوا يتدخلوا في حياتي بس أنا مش هسمح لهم يتدخلوا تاني من هنا ورايح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ أدينا وصلنا يا بتي إيه اللي حصل لكل دِه؟
طلعت كل الدموع اللي كتماها وكل الوجع فجأة إتحد مع بعضه وقعدت على الكنبة ودموعي رافضة إنها تقف.
ــ الهانم الكبيرة بتقول عليا إني بلف على سليم بيه، وقالت إني جاية طمعانة، وهزقتني، وأنا ما استحملتش ودخلت لميت هدومي وكنت ماشية ولسة برضوا عايزة أمشي مش عايزة أقعد دقيقة واحدة والله.
ــ هي كدا هتفضل كدا لحد ما يطير آخر واحن واحد من حواليها طمعاً في إنها تفضل دايماً كبيرة البيت ومحدش يأخد مكانها، عيالها مسافرين وليهم شغلهم هناك بسبب مشاكلها مع مراتاتهم ، هدي نفسك أنتِ يا بتي وإقعدي ومتديش لكلامها أي معنى ولا تعبريه واصل.
ــ لاه يا عمة أنا اتطردت ولولا إني مهينفعش أروح دلوقتي وأدخل البلد وحدي في الليل كنت فعلاً روحت.
ــ روقي بالك يا بتي.
ــ ولو يا عمة دي هزقتني، بس أنا قولت إن مش أنا اللي ألِف على واحد وأتلزق فيه، لاه دا أنا يتفات لي بلاد.
من جوايا بنكر دا وإني إتسابت من أول مطب بس مش هاين عليا حد يشوف وجعي، ولا تتشاف كسرتي من تاني في المكان اللي كنت مفكرة إني هبني نفسي فيه، ويظل السؤال المحير” ليه الناس مؤذية كدا؟”
ويحدث أن تبكي من كثرة جروحك، كلما تحسس جرحه وجده ينزف.. مسكين ظن أنه تعافي!…
قضيت ليلي كله بعيط، وكإنها كانت القشة اللي قطمت ضهري؛ فخلتني أنهار أكتر وأكتر.
ما أنكرش إن قلبي مال له، بس أنا من دنيا وهو من دنيا، مكنش ينفع قلبي يميل وأنا نفسي منفعش، وأنا في نظر مجتمعي ومحيطي معيوبة.
أطول ليلة تعدي عليا، أوجع ليلة تعدي وتدوس عليا.
صليت الفجر وقعدت سرحانة وباصة للنيل.
ليه الدينا قاسية كدا؟!
سمعت خبط عـ الباب فطلعت فتحت له وأنا مفكرة إن معاه التذاكر لكن كان باين على وشه الخضة.
ــ في واحدة من الأحصنة يا دكتورة بتولد.
إتلافيت الشنطة بتاعة الأدوات والبالطو وطلعت وراه بسرعة.
كانت ولادتها متعسرة وفضلنا لحد الساعة عشرة الصبح معاها.
ــ سليم بيه في حصان وقع وهو بيجري ومش قادر يقوم.
قالها له واحد من الرجالة فطلعنا معاهم جري.
مش معقول بجد! المصائب لا تأتي فُرادى، كله ورا بعضه لاء وإيه في اليوم اللي المفروض أمشي فيه.
كشفت عليها وللأسف كان كسر.
ــ سليم بيه دا كسر، خلي باقي الرجالة يمسكوها كويس.
خلصت معاها بعد ساعة وكنت خلاص فصلت وجبت آخري.
فقعدت على أقرب دِكة مسنودة وعندها ضِل.
ــ بقى عايزة تمشي وتهملي كل دا يا ست الدكتورة ؟!
ــ لولا إن قلبي مش هيطاوعني أسيبهم بيتألموا كدا كنت مشيت.
ــ تحس إن هما إتحدوا وقالوا والله ما أنتِ ماشية.
قال بابتسامة:
ــ طب والله ببفهموا.
جات العمة هنية وهي شايلة صينية الأكل.
ــ برضك عايزة تسيبي وكل العمة مكنش العشم واصل يا ست الدكتورة!
ــ دا إحنا عينّا للعمة.
ــ يخليكي لينا يا قلب العمة، هاه نويتي على إيه ؟
ــ على إني أخلص النهاردة مع الأحصنة وأمشي.
قلب وشه وقال وهو بيحاول يخليني أقعد تاني:
ــ يا دكتورة حقك عليا وعلى رأسي بس والله ما ينفع، أنا بعتذر لك بالنيابة عن أمي.
قالت العمة بعده:
ــ أنا لو منك أقعد، دا سليم بيه بنفسه اعتذر لك، ومحقوق لك، وبعدين حرام تعب شهور يضيع ومش باقي على المسابقة غير أيام.
ــ بس مش هينفع، طيب والتذاكر اللي اتحجزت.
رد سليم بيه:
ــ عادي يأخدها صاحب نصيبها بقى .
بعد زن منهم وعِند مني مع الأسف زنهم كسب على عِندي.
دخلت أطمئن على المهرة اللي ولدت وكتبت علاج ليها طلبت منهم يجيبوه وقعدت جنبها.
فضلت أملس على رأسها لأن يا حبة عيني كان واضح عليها مدى التعب، من نعمة ربنا عليا إنه أنعم عليا بالعلم دا بجد .
قربت منها الحصان الصغير اللي قعدت تمسح عليه بلسانها وساعدته يرضع منها.
ــ نفسي قوي ياعمة أركب خيل.
ــ أنتِ بتعرفي يا بتي؟
ــ أوه بقى دا أنا من عشاق الخيل، وكنت بركب الخيل من أيام الكلية وإتعلمت وإتدربت على ركوبه، دا أنا خيّالة شاطرة.
ــ ومجربتيش ليه طول الفترة اللي أنتِ كنتي فيها هنا؟
ــ اتسحلت في الشغل، وفجأة كدا نسيت ودلوقتي لما شوفت شوية صحاب مع بعض بتسابقوا حبيت أرجع أعيش اللحظة.
جه سليم بيه وكان قريب منها فالعمة قالت له إن نفسي أركب خيل وهو قال نتسابق.
وأنا واقفة وعلى وشي ملامح clown من الإحراج اللي هو يا جماعة إنتو لو قاصدين تثبتوا كلام الحاجة أمه مش هتعملوا فيا كدا وحياة ربنا.
رفضت وعديت الموضوع.
رنت ماما عليا:
ــ إيه يا ست عاليا! من يوم ما سافرتي وأنتِ لو مرنيتش متفكريش ترني؟
ــ حقك عليا يا أمي، ضغط الشغل صدقيني .
ــ ماشي يا ستي، ما علينا خلينا في المهم؛ خطوبة بت عمك الأسبوع الجاي، وأنتِ وهي صحاب من وأنتم صغيرين وطالعين مع بعض، فـ لازم تبقي موجودة.
ــ أنتِ عارفة إنها مش بتطيقني ولا بتحبني، وبعدين دي من اللي كانوا شمتانين فيا يوم ما حصل اللي حصل، أنتِ متخيلة يا أمي إنها بتستكتر عليا أي حاجة! كنا زمان يا أمي، إنما دلوقتي بتعتبرني عدوتها مع إني يعلم ما ربنا ما أذيتهاش قبل كده.
ــ ولو يا عاليا، دا واجب عليكي إنك تيجي، خصوصاً إن بقالك كذا شهر مجيتيش، دا غير إنك كدا هتسيبي فرصة ليهم إنك يمسكوا عليكي حاجة يجيبوا في سيرتك بيها.
قولت باتعراض:
ــ بس أنا مش عايزة أجي، ولا مستعدة حتى إني أتعامل مع أي حد هيبص ليا من فوق لتحت ويضحك ضحكة صفرة ولا يشمت ولا حتى يتقالي كلمة توجعني؛ أنا عايزة أبطل أتعامل معاهم.
ــ الهروب عمره ما كان، في حاجات بتحتاج مننا إننا نواجهها ونقف في وشها، لو موقفناش في وش الريح هنعيش عمرنا كله كل ما تقابلنا نسمة هوا نهرب منها علشان خايفين ييجي بعدها ريح، تعالي واللي يكلمك تقدري تردي بدل الكلمة عشرة، متسيبيش حد يدوس على طرف ليكي، اللي يدوس لك على طرف دوسي عليه كله.
عنيا دمعت وسكتت.
كملت كلامها:
ــ عيطي يا عاليا متكتميش جواكي، تعالي وواجهي كمان، من حقنا نعيش زعلنا ونعيش فرحتنا، بس منمسكش في الزعل ونتبِّت فيه، أنا لما سيبتك تسافري قولت عشان تفصلي وتتلهي في الشغل شوية وترجعي تقدري تواجهي.
قولت وأنا بعيط:
ــ حاضر يا أمي.
ــ حضر لك الخير يا حبيبتي، سلام بقى، معاكي خمس تيام _ أيام_ يا عاليا هتيجي قبل الخطوبة بيومين.
قفلت معاها وروحت دخلت الإستراحة.
دفنت وشي في المخدة وإنهارت من العياط، لما تنهزم، تتوجع، تتكسر، تتنبذ بسبب تفكير متخلف، لما اللي حواليك يستكتروا عليك نعمة بس لمجرد إنهم شايفين اللي ظاهر ليهم بس يبقى قمة الأسى والله.
محدش كان يعرف عن تعبي ومرضي، ويوم ما واحدة منهم شافتني بتألم ومش قادرة أقوم من السرير من التعب اللي من كتره كنت شِبه مغيبة ضحكت ضحكة صفرة وقالت، تعبت نفس تعبك اللي كلنا بنتعبه كـ بنات ومعملتش ربع اللي عملتيه، وأنتِ كلهم عرفوا مالك بسبب الجو دا، ما تنشفي شوية.
مسحت دموعي لما سمعت صوت خبط عـلى الباب فغسلت وشي وطلعت، كان واحد من الرجالة اللي شغالين في الإسطبل بيقول إن المهرة اللي ولدت شكلها مش طبيعي.
خدت الشنطة والبالطو وطلعت كشفت عليها وكان سليم بيه قاعد مع حد وأنا طالعه طلبت منه أتكلم معاه لحظة.
ــ خير يا دكتورة؟
ــ كنت محتاجة أنزل أسبوع إجازة كمان كام يوم.
ــ حصلت حاجة خلتك عايزة تمشي طيب؟
ــ لاء بس عندنا مناسبة في العيلة والمفروض أنزل وكدا، بس كمان أربع خمس أيام كدا.
ــ المشكلة يا دكتورة إن إننا هنكون محتاجين إنك تكوني موجودة بالذات الفترة دي صعب قوي إنك متكونيش موجودة، لأن المسابقة خلاص ، وبعدين أنتِ قررتي تمشي من هنا والخيل من زعله حصله زي ما أنتِ شايفة كده.
ابتسمت على آخر جملة وقولت:
ــ خلاص هنزل تلات أيام بس وبعدها أرجع، يا سليم بيه مش باقي غير أيام والمسابقة تنتهي ووجودي ينتهي هنا معاها.
ــ مين قال الكلام ده ؟
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية ست الدكتورة والخيال) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.