رواية اشواك الغرام – الفصل الواحد والعشرون
الفصل الواحد والعشرون.
_______
دقائق فصلتهم عن الواقع تمامًا، بسبب تلك الطلقة التي خرجت عنوة من سلاح محفوظ تعرف طريقها الي ذِراع شفيق الذي صرخ بوجعِ شديد، هرول مازن الي اخيه يقيد حركة يديه بصدمة وهو يأخذ السلاح منه بغضب شديد قائلا بعنفوان
-انت عملت إيه انت مجنون الله يخربيتك..
كان محفوظ كالمغيب تمامًا ضربه بكُل قسوة وغل بداخله، ولم يشعر بشيءٍ اخر.. هرول الاطباء نحو شفيق وحملوه وهو يتوجع بشدة وينزف الدماء من ذراعيه بغزارة، حملوه علي عربة نقالة نحو احدي غرف العمليات، وسارت حالة من الهرج والمرج، اردف احد الأطباء بغضب
-اخوك لازم يتحبس فورًا اللي عمله دا جريمة وانا مش هسمح ليه يخرج من هنا من غير ماياخد جزائه..
ابتلع مازن ريقه بتوتر وقلق وهو ينظر لاخيه الغائب عن وعيه، لا تأتي المصائب فردًا وإنما تأتي دُفعةً واحدة.
جاءت الشرطة علي أثر وجود بلاغ في المستشفى، أشار احد الأطباء الي محفوظ الذي يقف بجانب عدد من الحراس يقيدوه وهو مستسلم بلا هوادة، اردف الظابط يسأل
– حصل أيه
أشار الطبيب علي محفوظ بغضب مردفًا
-دا لا يمكن يكون انسان دا مجرم ..
وبدء يسرد في ماحدث، فأردف الطبيب بتساؤل
-فين المريض؟
-خدناه علي أوضة العمليات، ودلوقتِ بيعملوله عملية يطلعوا منه الرصاصة .
-فين السلاح اللي أتقتل بيه الضحية ؟
كان مازن يمسك به ف أعطاه للظابط الذي تساءل
– أنت مين بقى؟
-أخوه يافندم.
اومأ الضابط برأسه واشار للعساكر قائلا بأمر
-هاتوه..
اردف مازن بقلق لمحفوظ في محاولة لبث الطمأنينة في قلبه
-متقلقش هجيب محامي وأجي وراك .
سار محفوظ بلا قوة ولا عقل، جسد متحرك فقط مع الضابط وخلفه العساكر، في حين جلس مازن علي المقعد يضع رأسه بين يديه بقلة حيلة قائلًا
-ليه دا كله بيحصل؟ انا مبقيتش عارف أعمل إيه ولا إيه… اتصرف ازاي يارب!!.. فينك ياقُصي، إنت الوحيد اللي هتحل المواضيع دي!
اخرج هاتفه يقوم بالاتصال علي قُصي الذي كان هاتفه مُغلق، ضغط علي شفتيه بغضب شديد ثم قام بالاتصال بميادة التي غفت مكانها من كثرة التعب والتوتر الذي كانت فيه، رأت أمنية هاتفها الذي يرن اخذته بعيدًا عنها حتي تستطيع النوم دون ان تستيقظ مرة اخرى، نظرت للاسم مرارًا وتكرارًا كان مازن أخيها، شعرت بقلبها يقفز من مكانها..
قشعريرة اصابت جسدها، وحيرة في الاجابة أم لاء.. هي في الحقيقة لا تريد ولكن، كي يطمئن فقط.. ردت وهي تضع الهاتف علي أذنها دون الاجابة، وهي تتنفس بسرعة تستطيع استماع لأنفاسها دون مجهود..
اردف مازن بتعب
– ألو يا ميادة، إنتم فين..
خرج صوتها اخيرًا بإرتباك وهي تقول
-ميادة نايمة للاسف .. وانا رديت علشان اقولك هي كويسة ووالدتك وابن محفوظ، ناموا عندنا النهاردة علشان البيت عندكم اتشمع وممنوع حد ينام فيه .
صمت يستمع لها ثم قال متساءلاً
-وإنتِ مين بقى؟
-أنا أمنية، جارتكم.. اظن اتقابلنا قبل كدة في الاوتيل، فاكر؟
قالتها بإستهزاء هي تعلم انه لن يتذكر مهما فعلت، فهو لا يراها في الاساس لكنه صدمها بقوله الهاديء
-فاكر اكيد .. تمام شكرًا ليكي بس ياريت تصحي ميادة دا مش وقت نوم خالص
-معلش بس هي مرهقة والخضة عليها كانت وحشة اوى، مهما كانت دي بنت وطبيعي انها متستحملش.. لكن انا موجودة لو محتاج اي حاجة .. هي بثينة وعلياء كويسين؟
ملس علي وجهة بتوتر فهو لم يكُن سيقول، لكنه في مأزق حقيقي ولا يجد ما يقول له، كان سيلجأ لحبيبته لو كانت تفهمه، لكنها لن تفهم مأزق كهذا ولا تستطيع الوقوف جنبه، هو لن يستطيع الاستناد عليها، قال بنبرة تحمل في طياتها الوجع
– أنا تعبان أوي.. ومش عارف أعمل إيه .
قد أقسمت الا تحن له مطلقًا، ولكن كيف لا تحن وهما يتحدثان للمرة الاولي بعد فترة طويلة، ويشتكي لها، هو في مأزق وهي لن تتركه هكذا، ستهون عليه فمهما كان هي تحبه حد اللعنة .
-حصل إيه، إحكيلي؟.. انا موجودة يعني.. زي اختك، تقدر تتكلم.
وكإنه عثر علي طوق النجاة الخاص به، فروي لها كُل شيء حدث، قالت بنبرة حزينة
-البقاء لله بجد مش عارفة أقول إيه هو موقف صعب جدًا.. بس هقولك اني الموت مش بإيدينا، ومسيرنا كُلنا لله .. ادعيلهم بالرحمة والمغفرة.
-انا فاهم، بس مش عارف أتصرف .
-بالنسبة لمحفوظ دلوقتِ ليل، أكيد هيتحبس وبكرة يتعرض علي النيابة وقتها من بكرة الصبح هاخدله محامي واروح وتبقى تيجي معايا بعد دفنة بثينة وعلياء، اللي هيتغسلوا في المستشفى وهيترحلوا علي المقابر في عربية، ومش هيبقي فيه عزاء خلاص، وهتبلغ اهلك واحدة واحدة الموقف صعب بس انت قدها، ولو علي شفيق أبو النجا ف هنحاوب نتفاوض معاه يتنازل عن قضية اخوك بالتعويض أو أي حاجة، ولو أزمت اوي ف العقوبة تبقى خفيفة، وأهلك هنمهد ليهم الموضوع ونقولهم، هتبقى صعبة بس هيتقبلوا تمام..؟
صمت وهو يستمع لها، قد اراحته كثيرًا بهذا الكلام، قدمت بعض الحلول التي غفل عنها، أكملت حديثها بهدوء
-انت في موقف صعب، بس لازم تكون قدها وتسد.. مالهمش غيرك دلوقتِ، فلازم تبقى سند ليهم، وتحل الموضوع دا.
-شكرًا .. انا مش عارف أقولك إيه غير شكرًا، جيتيني من السماء وأنقذتيني.
-مفيش شكرًا، أظن دلوقتِ تحاول ترتاح، انا عارفة انك مش هتعرف من القلق، بس لازم علشان تعرف تكمل بكرة.
-هعمل كدا فعلاً، شكرًا ليكِ.
أردفت بهمس
– العفو .. هقفل دلوقتِ وأتواصل معاك بكرة.
– تمام يا أمنية .
كانت المرة الأولى التي ينطق أسمها، شعرت بالتوتر الشديد لذا أغلقت الهاتف في وجهة بسرعة ودلفت تضعه بجانب ميادة كما كان، ودلفت الي غرفتها كي تنام برفق .. لكنها في الحقيقة لم تنم وظلت تُفكر في ما حدث، بينما أغلق مازن الهاتف وهو يفكر في أمر تلك الفتاة ..
ولكن وجود ذاك الظابط الذي قال بتساؤل
-إنت مازن حرب؟
نهض مازن بقلق قائلا
-أيوا انا، فيه حاجة؟
-جايين ناخد أقوالك، بمناسبة القضية اللي حصلت في بيتك .
اومأ برأسه وبدء يسرد عليه ما حدث كليًا، وبعد وقت من الأسئلة، غادر الضابط وتركه علي موعد لقاء آخر، بينما جاء بعدها إسلام صديق مازن الذي قال بتنهيدة
-انا اسف لو اتأخرت ياصاحبي بس غصب عني.. المهم قولي حصل إيه؟
-كويس انك جيت يا إسلام، انا محتاجلك أوى والله .
بالفعل جلسا وظل يتحدثا معًا عن ما حدث اليوم من كوارث .
____
الاعمار بيدي الله، ليس بمُتحكم فيها سواه يختار من يُكتب له عُمرًا جديدًا، او ينتهي عمره عند هذا الحد .
وكان قُصي من ما سيكون له عُمرًا جديدًا، كان يلفظ أنفاسه الاخيرة بكٌل ارق، وهو شبه غائب عن الوعي ولكن ذكريات الماضي والحاضر تداهمه بكُل ما أتت من قوة، لحقه رجالة ابيه الذين ذهبوا بأمر منه، ونقلوه الي السيارة منطلقين، وبعدها أمرهم شلبي بأخذه الي شقة في إحدي الحواري الضيقة، حتي يكون بعيدًا عن الانظار..
وأمر بإخفاء كُل تلك الجثث، حتي لو كانت بطريقة غير شرعية، إلا انها اعتادوا علي ذالك، كان قُصي ينام علي الفراش غائب عن الوعي وبجانبه عدد من الأجهزة الطبيّة، وهناك شاشًا ملفوفًا بجانب صدره اثر الطلقة التي اصابته .
فجلب شلبي طبيب ماهر يعلمه بمقابل مادي ولكن العملية يجب أن تكون سرية كما طلب الحاج حرب، وانتهي بالفعل من اداء العملية وخرج وهو يخلع الجواندي الخاص به، فقال شلبي بتساؤل
– طمني قُصي بيه عامل إيه؟
-قُصي بيه أتكتب لهُ عُمر جديد، هو دلوقتِ حالته الصحية مش أحسن حاجة للاسف لازم عناية شديدة وراحة تامة تمامًا، بلاش حركة ولا تعب، هو دلوقتِ في البنج هيفوق بعد ساعة بالكتير ياكل كويس ويرتاح، وهبعت ممرض يرعاه تمام..
-ماشي، بس الموضوع دا ميعرفش عنه حد حاجة وإلا انت عارف العواقب .
-مفهوم..
-والممرض لازم يكون موثوق منه .
-متقلقش دا راجلي وانا عارف ببعت مين، بس لازم أمشي دلوقتِ
-بالسلامة إنت ..
بالفعل استدار الطبيب راحلاً، بينما دلف شلبي الي المطبخ حيثُ تلك السيدة السمينة التي تقف تقوم بالطبخ اردف شلبي بصرامة
-أخلصي جهزي الاكل، علشان اول ما المعلم يصحي ياكل.
– حاضر.
قالتها بطاعة وهي تستكمل ما هو مطلوب منها.
بينما في الحارة، لم يستطيع محمود تنفيذ ما قاله شفيق منه، قطب جبينه بغضب شديد مردفًا
-هعمل إيه دلوقتِ، انا لازم أمشي .
صمت قليلاً ثم قرر قائلا
-خلاص.. انا هخلي حد تاني ينفذ الخطة، وأمشي انا.
بالفعل قام بالاتصال علي أحدهم واتفق معه علي كُل شيء استغرق منه الوقت قليلاً ثم رحل عن المكان وهو يذهب للعنوان الذي أملاه له شفيق، كي يجد رفيف .. واستطاع الوصول بعد فترة من الزمن، وهو يقول للسائق
-خليك هنا، أنا راجع تاني.
أردف الاخر بتوتر وهو ينظر حوله
-بس متتأخرش، المكان شكله ميطمئنش.
اومأ محمود برأسه وذهب يبحث عنها في كُل مكان، حتي وجد هذا المخزن الذي انطفيء النور فيه، نظر له بقلق وقام بفتحه برفقٍ وهو يخرج هاتفه يشعل الكشاف، كي يري ما بالداخل، اُصطدِم برؤية رفيف ملقاه أرضًا فاقدة للوعي بتلك الحالة، تفحص حالها بخوف قائلا
-انتِ السبب في اللي حصل يابنت عمي، بس اخيرًا أتلميت عليكِ، وبقيتِ ملكي ومعايا.
خلع الجلباب الخاص به يلبسه اياها، ويضع علي رأسها الشال وظل هو بشورت قصير وتي شيرت بنصف أكمام، حملها بين ذراعيه للخارج حتي وصل للتاكسي ووضعها فيه ودلف اليه قائلا
-أطلع ياسطا.
اردف الاخر بإعتراض
-مش طالع الا لما اعرف مين دي وإيه جابها هنا، أنت عاوز تلبسني مصيبة ولا إيه..
اخرج محمود مطوة من جيبه قائلا بعنفوان
-هتطلع ولا أشرحك؟
رمقه الاخر بخوف وابتلع ريقه بتوتر قائلا
-خلاص خلاص هطلع..
أدخل المطوة مرة أخرى في جيبه قائلا بضيق
-ناس مبتجيش الا بالعين الحمراء.
أنطلق بهم السائق بعيدًا عن هذا المكان، حيثُ مدينة.. الفيوم، قد عادت رفيف للبداية مرة أخرى.
دلف الحاج حرب الي الشقة التي بها قُصي قائلا بلهفة
-ابني كويس.. ابني فين يا شلبي؟
– متقلقش قُصي بيه كويس، جوا في الاوضة.
دلف للداخل حيثُ وجده مازال نائم في غيبوبته، تبدو عليه علامات الارهاق والتعب، مال حرب عليه بضيق قائلا بنبرة قوية
-قوم ياقُصي، إنت قدها ولازم تقوم؛ وتقف علي رجلك من تاني، كُلنا مستنينك، انت حامينا ومحدش هيرجع شغلنا زي الاول ألا انت .
التفت الي شلبي قائلا
-خلي بالك منه، انا هدخل ارتاح شوية في الاوضة اللي تانية، لو فاق بلغني .. بس انا مش هقدر أقف علي رجلي تاني.
-تحت امرك يا حاج.
مرت تلك الساعات القليلة علي الجميع صعبة، حتي سطعت الشمس عليهم في الصباح، تم تغسيل جثمان بثينة وعلياء وذهب إسلام مع صديقه مازن لدفنهم، بلا جنازة فلم يعلم أحد بعد بتلك الكارثة، انتهوا من دفنهم في مقابر العائلة وقرأوا عليهم الفاتحة، ورحلا معًا ودلفوا مرة اخري للسيارة التي نقلتهم للمقابر، أخرج مازن هاتفه قائلا
-هتصل بميادة، علشان لازم أشوف هقولهم إزاي .
لم يقصد ميادة كان يود تلك الفتاة الاخري التي وعدته بإستدعاء محامي لأجل أخيه، بينما رمقه إسلام بفضول وهو يريد استراق السمع لتلك الغريبة التي ظهرت في حياته مجددًا وتجذبه نحوها بقوة، شغفه لمعرفة كيف تحبه ..
أجابت ميادة بصوتٍ متعب
– ألو يامازن، إزاي متكلمنيش كُل دا.. طمني الحال وصل لفين؟
شعر بالضيق لكونها أجابت، لكنه قال بتعب
-ركزي معايا ياميادة علشان اللي هقوله مش هيعجبك، جمدي قلبك وبلاش تقولي لأمك لو جنبك، مش عاوزينها تقلق.
-فيه إيه يامازن خضتني قول، وعمومًا امي برا مش جنبي .. قول بقي
بدء يسرد لها ماحدث مختتمًا بقوله
-وانا دلوقتِ راجع من الدفنة، والمفروض أخد محامي وأروح للزفت محفوظ .
شهقت بصدمة وهي تنفجر باكية كأغلب النساء عند استماع لتلك الأخبار، فقال بضيق شديد
– خلاص ياميادة أهدي شوية والله انا مش ناقص واللي فيا مكفيني.
-انا مصدومة والله، انت ازاي تدفنهم من غير ما تبلغنا.
– هقولكم إيه يعني ، بعدين محدش فيكوا كان هيحضر الدفنة، ادعيلهم بالرحمة وخلينا نشوف هنقول إيه لأبوكي وامك والعيل الصغير اللي فقد أمه وأبوه في يوم .
-الله يرحمك يا بُثينة انتِ وعلياء، مكونتوش تستاهلوا كدا ابدًا محدش فيكُم كان يستاهل اللي حصل دا خالص .. وربنا يصبر صُهيب، مش عارفة هقوله إزاي امه ماتت دا طول الليل عمال بيعيط، ولا أبوه اللي قتل وشكله هيتحبس!!
تابعت بصدمة وكإنها لاحظت شيء للتو
-بس محفوظ قال انه بإيده قتل قُصي، وقُصي مش ظاهر لحد دلوقتِ، لاء يارب ميكونش اللي في بالي صح.. يارب..
– متقلقنيش انا مش ناقص والله، إن شاء الله ميكونش حصل حاجة هو تليفونه مقفول، بس ابوكِ قالنا دا في شغل وهو بيغيب فترة وتليفونه مقفول ويرجع عادته ولا هيشتريها يعني!
-ربنا يستر.. انا خايفة، ومش عارفة أعمل إيه.
وضعت يديها علي رأسها وهي تبكي أكثر بخنقة، فقال مازن بهدوء
-أهدي كٌل حاجة هتتحل، المهم لو أمنية عندك، إديهالي ياريت.
-أمنية، ليه؟
-اعملي اللي بقولك عليه ياميادة، مش وقت اسئلة.
تنهدت بإستغراب، ثم مسحت دموعها حتي لا تراها والدتها هكذا، وذهبت نحو الخارج قائلا لأمنية وهي تمد الهاتف لها
-أمنية، مازن عايزك!
رمقتها امها بغرابة، كذالك والدة مازن بحيرة، شعرت أمنية بالتوتر ورغم ذالك أخذت الهاتف وهي تجيب قائلة بسرعة وتوتر
-كُلها نص ساعة وأكون في المحكمة.
قالتها واغلقت الهاتف بتوتر والجميع ينظر لها بريبة وشك، وقالت أمينة بقلق
-طمنيني أخوكى قالك إيه ميادة؟
نظرت لهم بقلق في حيرة أتقول أم لاء.. لكنها حسمت رأيها قائلة
-بُثينة وعلياء توفوا ياماما …وأدفنوا النهاردة.
لطمت والدتها بصدمة وهي تقع أرضًا فاقدة للوعي، صرخت ميادة بإسمها وهي تهرول بإتجاها في خوف .
في حين كان ذاك الطفل الصغير .. الذي يُسمي صُهيب، إبن محفوظ .. الشبيهة بِقُصي بنسبة كبيرة، وكان من سماه هو قُصي ايضًا، يقف يبكي في أحد الزوايا، لقد أستمع لحديث ميادة، توفت والدته وابيه سُجِن، استند علي الحائط وهو يبكي بكُل قهر، ووحدة طفل فقد كُل شيء، يومًا لن ينساه سيجعله أقوي وشخصًا ظالمًا في المُستقبل، شخصًا اسوء بكثير مما هو فيه الآن.
_______
كانت نائمة كالملاك المُهنك علي الفراش، شعرها منتشر حولها بكُل أريحية، ترتدي ملابس خفيفة للغاية، وعليها غطاءً خفيفًا يحمي جسدها من البرودة، الكدمات ملأت وجهها، الارهاق غطي علي ملامحها ورغم عن ذاك بقت كما هي جميلة بروحها.
جلس محمود بجانبها يتأملها عن كثب قائلا بإبتسامة مستفزة
-نورتِ بيتك ياحبيبتي، فاكرة لما حلفت زمان تكوني في بيتي ومعايا ومراتي، وانتِ قولتِ لاء، بس كلامي برضو في الاخر أتحقق والنهارده كتب كتابنا والبلد كُلها تشهد وهعلمك وأربيكِ من أول وجديد .
ملس بيديه بكُل حميمية علي خصلات شعرها الجميلة، انتفضت هي علي اثر تلك اللمسة، وبدأت تعود للواقع وهي تستيقظ تنظر حولها بريبة وخوف ما أن وجدته امامها صرخت وهي تعتدل وتجذب الغطاء عليها بخوف ترمقه بصدمة..
أردف بنبرة مقززة
-صباح الخير يارفيفي..
نظرت حولها بصدمة وتوتر، لا تستوعب مما هى فيه حقًا، ما جاء بها الي هُنا مع هذا القذر، قالت بخوف ورعب
-ا.. انا.. هنا بعمل إيه..
-كُنتِ مخطوفة، ومفيش غيري أنقذك.. حتي حبيب القلب اللي أتجوزتيه، مجاش ينقذك.. يوه! أسف، انتِ متعرفيش إنه مات!
جفلت مكانها للحظة، ما الذي يتفوه به الآن؟ مَن مات؟ مَن تركها ورحل؟ أرحل هو الاخر ك أبيها وأمها؟ لماذا لا يبقي أحد معها، لماذا تكون في النهاية بمفردها، هزت رأسها بكُل عنف قائلة
-ما ماتش.. ما ماتش ! قُصي ما ماتش، وعايش ويرجع ياخدني منك يامحمود زي كل مرة..
قهقه محمود عاليًا بسخرية مردفًا
-احلامك دي تبليها واشربي مايتها، مات وادفن كمان قدام عيوني ووعد لما نتجوز هاخدك اوديكِ تزوري قبره..
صرخت فيه بعنف وكُل ما أتت من قوة
-بقولك عايش ما ماتش، سامع قُصي عايش انا عارفة..
انهالت عليه تضربه تخرج فيه طاقتها المكنونة بغلِ، قام بتقييد حركة يديها بسهولة فهي في النهاية أضعف منه، قام بصفعها علي وجهها حتي نزف أنفها وصرخت هي متأمله، امسكها من خصلات شعرها قائلا
– اسمعى يابنت ال*** امور اللوع دي كانت زمان تنسيها خالص انتِ هنا لوحدك وضعيفة وتحت رحمتى ومفيش حد هينقذك مني لو اتشقلبتى علي جدور رقبتك سامعة ولا لاء.. والنهارده كتب كتابنا، سواء عدتك خلصت او لاء.. هنكتب الكتاب برضو.. لحد ما اخد كُل اللي عاوزه منك وهرميكِ في الشارع رمية الكلاب.. سامعه؟
القي بها بعيدًا لترتطم رأسها في الجدار بقسوة وهي تنكمش علي نفسها باكية، تضم نفسها بكُل خوف ورهبة من هذا الحيوان، الذي نهض وتركها في الغرفة وأغلقها بإحكام، صرخت فيه وهي تبكي برجاء
-نور النور… علشان خاطري نوره انا بخاف من الضلمة، أبوس إيدك نوره…
-خافي، ودوقي شوية من اللي عملتيه فيا …
تركها وصعد للأسفل .. بينما ظلت هي تصرخ بأعلي صوتها في المكان وتبكي فهي لديها فوبيا من الظلام، وهو تركها بمفردها فيه دون شفقة أو رحمة، فبدأت تبكي وهي تحتضن الوسادة ولا تردد سوي إسم قُصي..
_____
يُتبّع.
رأيكم مهم.
الفصل التالي: اضغط هنا
يتبع.. (رواية اشواك الغرام) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.