Ads by Google X

القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية فداء الروح الفصل الثالث بقلم أمينة يونس

 رواية فداء الروح الفصل الثالث بقلم أمينة يونس


رواية فداء الروح

رواية فداء الروح الفصل الثالث بقلم أمينة يونس

لفصل الثالث

وقفت أمام المرآة وهي تنزع ذلك الوشاح ذي الألوان الزاهية والذي لفته حول عنقها في ذلك البرد القارص والذي لا تنزعه أبداً خارج المنزل رغم تغطية حجابها لعنقها ولكنها تشعر أن الأنظار تخترق قماش الحجاب حتي تري ما تحاول هي أن تخبأه لذا تحرص علي ارتداء ذلك الوشاح وكأنه ما سيحميها من نظرات الناس نظرت إلي انعكاس صورتها في المرآة بشرود وهي تمرر يدها على عنقها الذي يظهر عليه آثار بعض الندوب والتي ظلت شاهدة علي حرق طالما تمنت أن تنسي تفاصيله لكن تأبي تلك إلا أن تذكرها به كلما نظرت للمرآة وكأنها تجسد أمامها ذلك اليوم بكل ما فيه ذلك اليوم الذي انتزع منها كل ما تملك بعد أن تجاوزت فقد والديها ليأتي ذلك الحادث ويكون الطامة الكبرى بالنسبة لها ففي ذلك اليوم انقلبت حياتها رأساً على عقب

أفاقت من شرودها علي صوت دلال تخبرها ببداية حلقة من مسلسلها المفضل لتكمل تبديل ملابسها وتخرج لتجلس بجوارها تتابع المسلسل بصمت

دلال بتساؤل : هل أحضر لكِ طعام العشاء؟

فداء برفض : لا لقد تناولت الطعام في الحفل

عم الصمت بعدها حتى انتهاء المسلسل فاستأذنت فداء للخلود للنوم

ولكن أبي النوم إلا أن يجافيها في تلك الليلة الطويلة لتتذكر أن بعد عدة أيام ذكري وفاة والديها

لترجع بذاكرتها إلي ذلك اليوم حين كانت في عمر الثالثة عشر حينها كانت تعيش مع والديها بسعادة فهي ابنتهم الوحيدة المدللة حتي أتي ذلك اليوم الذي لم تشرق له شمس من وجهة نظرها فقد اضطر والديها إلي السفر ليلاً للانتهاء من بعض الأعمال العالقة في شركتهم في حين تم إيداعها عند جدتها كانت تحب جدتها وتحب المكوث معها لكن لا تعلم لمَ رفضت الذهاب في ذلك اليوم رفضاً قاطعاً وذرفت الكثير من الدموع كي تذهب معهم حتي اضطر والديها أن يذهبا بها إلي جدتها قصراً وهي مصرة علي عدم الذهاب

تعالي رنين الهاتف في منزل جدتها حوالي الساعة الثالثة صباحاً لتستيقظ كلتاهما فزعاً علي ذلك الرنين المزعج في ذلك الوقت المتأخر من الليل

هرعت جدتها إلي الهاتف لتجيب علي ذلك الاتصال الذي بث الرعب والقلق في أوصالها

جدتها ( سهير ) : مرحباً

شهقة فزع خرجت من بين شفتيها في تلك اللحظة وهي تستمع إلي الطرف الآخر لا تكاد تصدق ما تسمع تتمني لو كان أصابها الصمم أو توارت تحت التراب قبل أن تسمع تلك الكلمات التي كانت بمثابة طعنة بخنجر مسموم في منتصف قلبها

تهاوت علي الكرسي المجاور للطاولة الموضوع عليها الهاتف ودموعها تتساقط غزيرة علي وجنتيها وحيدها وآهٍ من وحيدها قرة عينها فقدته للتو هو وزوجته معاً

لاحظت اقتراب تلك الصغيرة وهي تفرك عينيها بنعاس

نظرت إليها بشفقة علي حال تلك الصغيرة التي فقدت والديها دفعة واحدة لا تعرف هل تواسيها أم تواسي نفسها هي في الحقيقة لا تعرف كيف تنقل لها هذا الخبر القادم

فداء بنعاس : ماذا هناك جدتي ؟

ثم لاحظت دموع جدتها علي وجنتيها فتحدثت باستغراب : لمَ تبكين جدتي ؟

حاولت الجدة الحفاظ علي ثباتها كي لا تنهار أمام الصغيرة فجلست علي ركبتيها أمام فداء وتحدثت بنبرة جاهدت لتخرج طبيعية إلي حد ما : حبيبتي هل إذا وضع أحدهم أمانة لديكِ لبعض الوقت وحان الوقت ليستردها هل ستعطيها له ؟

فداء بنزق : ما هذه الأسئلة جدتي في هذا الوقت المتأخر من الليل ؟

سهير بصبر : أجيبي عن سؤالي فقط

فداء بنفاذ صبر : بالطبع جدتي فهي حقه من الأساس

سهير ودموعها تتساقط: إذن فقد استرد الله أمانته

عقدت فداء ما بين حاجبيها وهي تتسآل باستغراب : أي أمانة تلك ؟

سهير : والديكِ

تجمدت فداء في مكانها للحظات وهي تحاول أن تفهم الأمر بمعني آخر غير الذي تسلل إلي عقلها الصغير لكن كلمات جدتها لا تحمل غير ذلك المعني

نظرت لجدتها باستجداء علها تنفي ما قالتها ولكنها تابعت : وقع حادث سير وقد فقدنا والديكِ

خرجت منها صرخة مكتومة ودموعها تتساقط غزيرة تغرق وجنتيها

بدأت إجراءات الدفن لوالديها في حين بقيت هي في المنزل بصحبة دلال كالمغيبة تشعر أنها في كابوس مزعج وستستيقظ منه بعد فترة لتكتشف أن والديها علي ما يرام ولكن مرت الأيام وكلما استيقظت تأكدت أن ما حدث كان واقعاً مؤلماً اختطف والديها من بين أحضانها ولكنها سلمت بالأمر الواقع وحاولت تجاوز الأمر و البدأ في حياة جديدة بصحبة جدتها فهي الشخص الوحيد المتبقي لها من عائلتها ودلال التي حاولت تعويضها قدر الإمكان عن حنان الأم الذي افتقدته ولكن لطالما افتقدت والديها في مواقف عدة في حياتها فالفراغ الذي يخلفه الوالدين بعد رحيلهما لا يستطيع أحد ملأ ذلك الفراغ مهما كان

عادت من شرودها علي صوت آذان الفجر لتفاجئ بأنها لم تنم بعد فقامت لتصلي الفجر ثم راحت في ثباتٍ عميق فغداً هو يوم إجازتها

استيقظت في اليوم التالي لتفاجئ بكارلا تقف عند رأسها وضعت يدها علي صدرها وهي تشهق بفزع : هل يفعل أحد ذلك كارلا لقد كاد قلبي أن يتوقف

كارلا بأسف : آسفة كنت علي وشك إيقاظكِ لكنكِ لم تعطيني فرصة

زفرت فداء بتعب : حسناً لا مشكلة والآن هل لي أن أتابع نوني

قالتها وهي ترفع الغطاء لمتابعة نومها

جذبت كارلا الغطاء وهي تهتف : لا يكفي نوماً لقد قاربت الساعة علي الحادية عشر

هزت فداء كتفيها بلامبالاة: وما المشكلة أنه يوم إجازتي

زفر كارلا بنفاذ صبر : هيا فداء سنقضي اليوم خارجاً ؟

رفعت فداء إحدى حاجبيها وهي تتسآل : من قال ذلك ؟

رفعت كارلا رأسها باستعلاء : أنا

فداء بحزم : لو وقفت علي رأسكِ لن أخرج من باب المنزل أنا في حاجة لبعض الراحة

بعد مرور بعض الوقت كانتا تسيران في شوارع العاصمة تشاهدان واجهات المحلات وهما تتناولان المثلجات فكارلا تعشقها في ذلك الجو البارد

أشارت كارلا إلي أحد المطاعم المشهورة : ما رأيكِ إن نتناول طعامنا به ؟

هزت فداء رأسها بمعني لا مشكلة

كانتا تتناولان طعامهما بصمت حتي قطعته كارلا وهي تتحدث بتوتر : لقد قمت بحجزٍ لدي طبيبة نفسية فهلا تأتين معي ؟

أمسكت فداء بيدها وكأنها تمدها ببعض القوة : بالطبع كارلا وهل سأترككِ تذهبين وحدك كما أشعر أنني في حاجة للحديث أن أيضاً فقد حان الوقت لتخطي الماضي بكل بما فيه

نظرت كلاً منهما إلي الأخرى وهي عازمة علي تجاوز الماضي

بعد بضع ساعات كانتا تجلسان ممسكتين بأيدي بعضهما في أحد العيادات النفسية الشهيرة

تعالي صوت الممرضة وهي تنادي : كارلا عبد السلام

نظرت إلي فداء تستمد منها العون فطمأنتها بعينيها وحثتها علي السير كما رفضت بشكل قاطع أن تدخل معها فمهما يكن هي بحاجة لأن تكون بمفردها

سارت كارلا علي مهل حتي وصلت إلي غرفة في نهاية الممر فسحبت نفساً عميقاً وطرقت علي باب الغرفة

سمعت صوتاً من الداخل يسمح لها بالدخول دخلت لتجد طبيبة شابة ذات ملامح هادئة ترتدي نظارة طبية أنيقة وتجلس علي الكرسي أمام المكتب

تحدثت الطبيبة بصوت هادئ وابتسامة رزينة تزين ثغرها : مرحباً حبيبتي تفضلي بالجلوس

جلست كارلا أمامها بتوتر وهي تفرك يديها : أنا أنا

أهدتها الطبيبة بسمة مطمئنة وهي تحثها علي الحديث : تكلمي أنا أسمعك

سحبت كارلا نفساً عميقاً وهي تتحدث : أشعر بعقدة الذنب تقتلني كل يوم ولا أستطيع تجاوز الأمر

نظرت لها الطبيبة باستفسار لتتابع حديثها صمتت كارلا للحظات ثم تحدثت بصعوبة وكأنها تلقي حملاً كان جاثماً علي صدرها : أنا السبب بموت أبي

نظرت كارلا حولها وهي تشعر أنها ألقت قنبلة ممقوتة للتو لكن ولدهشتها لم تبدي الطبيبة أي رد فعل بل لم تتغير ملامح وجهها البتة مما طمأن كارلا لتتابع حديثها الذي تشعر وكأنه حبل يلتف حول رقبتها فيخنقها

عادت بذاكرتها إلي قبل عدة أشهر مضت

كانت تعيش مع والديها حياة سعيدة فهي مدللتهم الغالية فبعد عدة سنوات من إنجابها تعرض والدها لحادث فقد علي أثره قدرته علي الإنجاب ولكن ذلك لم يشكل أي فارق مع والدتها فقد تغلب حبها له علي رغبتها في الإنجاب مجدداً واكتفت بكارلا فعاش ثلاثتهم بسعادة فكانت كارلا تري أنهم أسرة مثالية وتري في والدها فارس الأحلام الذي تحلم به وطالما تمنت أن يشبه زوجها المستقبلي والدها في كل شيء حتي أتي ذلك اليوم الذي حطم كل أحلامها فبعد أن كانت تظن أنها أمسكت النجوم بيديها عادت لتكتشف أن سقطت إلي الحضيض

كانت عائدة من جامعتها بسعادة فقد ظهرت نتيجتها اليوم فقررت الذهاب إلي والدها لتبشره في المقهى الذي يمتلكه

دخلت إلي المقهى والابتسامة تزين ثغرها ولكن سرعان ما محيت تلك الابتسامة وتجمدت في مكانها وهي تري والدها جالساً في جانب متواري عن الأنظار بصحبة أمرأه تكاد تقاربها في العمر ممسكاً بيدها وتعالي أصوات ضحكاتهم

خرج صوتها متحشرجاً من آثار الدموع التي تجمعت بعينيها : أبي

كانت الصدمة جلية علي ملامح والدها فلم يكن يتوقع قدومها في ذلك الوقت ولم يرد أن تشاهده في ذلك الموقف أبداً

توقفت عن استرسالها في الحديث عندما سمعت صوت الطبيبة: يكفي لليوم

وضعت يدها علي وجهها لتكتشف تساقط دموعها وكأن المشهد يتجسد أمامها مرة أخري

كان جالساً علي مكتبه ممسكاً بورقة وقلم ولكنه كان شارداً في مكان آخر بتلك الحورية التي سلبت لبه و شغلت تفكيره وحرمته النوم هو متأكد أنه رأها من قبل وأن ذلك ليس العهد الأول برؤيتها لكن هذا ما لا يتذكره أبداً

ولكن ما هو متأكد منه أنه معجب بها وبشدة وإذا كان ذلك إعجاب فقط فكيف يكون الحال إذا وقع بحبها

أفاق من شروده ليجد أنه رسم فستان بداية الجمال علي الرغم أنه صمم أجمل الفساتين للعديد من المشاهير إلا أن ذلك الفستان يظل أجملهم فإذا كان هو نفسه انبهر به فماذا عن الآخرين ؟

هو متأكد أن ذلك الفستان لن يليق إلا بها ستظهر به كأميرة متوجة

لكن ما يشغل باله في ذلك الوقت هو أين رأها من قبل

قاطعه طرقات علي باب غرفته تبعها دلوف والدته إلي الغرفة وهي تحمل صينية عليها عدة أطباق من الطعام

والدته ( ليلي ) بابتسامة حنونة : عندما لم أرك علي العشاء علمت أنك في صومعتك تصمم أحد فساتينك فلم أرد تعطيلك فقررت إحضار العشاء في الغرفة

بادلها فادي الابتسامة بأخري بشوشة : تفضلي أمي لقد أنرت الغرفة بقدومك

قالها وهو يأخذ الصينية منها ويضعها علي طاولة تتوسط الغرفة ثم أمسك بيدها مقبلاً إياها وهو يجذبها لتجلس علي طرف الفراش في حين جلس هو أرضاً واضعاً رأسه علي قدميها

كانت والدته مثالاً للأم التي ضحت بل غالٍ ونفيس في سبيل سعادة ابنيها التوأم فادي و هادي خاصة بعد وفاة زوجها وهي في الثلاثينات من عمرها فرفضت الزواج رفضاً قاطعاً وعكفت علي تربية أبناءها فكانت لهم الأم وحاولت تعويضهم عن غياب الأب

أخذت تمسح علي شعره بحنان وهي تتسآل: كأن هناك ما يشغل بالك ؟

لطالما كانت الأم نبع الحنان الذي لا ينضب من يشعر دون حديث من يستمع دون كلل أو ملل من ينصح دون غاية من يعطي بلا حدود هكذا هي الأم مهما حاولنا وصفها بالكلمات لا نوفيها حقها

فادي بابتسامة : كيف تعلمين أمي ما يجول في خاطري دون سؤال ؟

ابتسمت ليلي وهي تتحدث بثقة : هذا ما يسمي بإحساس الأم وهو لا يكذب أبداً

ثم تابعت بحزم : والآن لا تحاول المراوغة وأجب عن سؤالي

بدأ فادي حديثه وأخبرها عن فداء وعن شعوره نحوها

جعدت ليلي ما بين حاجبيها وهي تتسآل باستغراب: هل وقعت بحبها من أول نظرة

فادي بتوضيح : لا يمكنني الجزم أنه حب ولكن لنقل إعجاب انبهار لست متأكد ولكن ما يحيرني ويشغل تفكيري هو أين رأيتها

ربتت ليلي علي كتفه : حبيبي حياتنا ليست سوي أقدار فإن كانت قدرك فلن تكون إلا لك والآن هيا إلي العشاء

جلس فادي ووالدته يتناولان طعامهم بهدوء يتخلله بعض الأحاديث بينهما

حتي سمع صوت سقوط شيء أحدث دوياً مفزعاً

ذلك الصوت بث الرعب في قلب والدته فتمسكت بزراعه بخوف : فادي ما ذلك الصوت ؟

في حين ظهر القلق جلياً علي ملامح فادي وهو يهز رأسه بنفي دلالة جهله بذلك لكنه قرر الخروج من الغرفة ليستطلع ماهية ذلك الصوت لكن والدته أبت بشدة وهي تتمسك بذراعه فاضطر إلي الخروج وهي تتشبث بذراعه وكأنها تحتمي به وأعطته المكنسة اليدوية وكأنها سلاح يدافعان به عن نفسيهما

خرجا إلي ردها المنزل فشاهدا ما جمدهما موضعهما

يتبع الفصل الرابع اضغط هنا

الفهرس يحتوي على جمبع فصول الرواية  (رواية فداء الروح ) اضغط على اسم الرواية


reaction:

تعليقات