القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية أوهانا الفصل الثاني والثالث - بقلم مريم عوف

رواية أوهانا الفصل الثاني والفصل الثالث بقلم الكاتبة مريم عوف

رواية اوهانا الفصل الثاني 2

تسللت الفتاتان إلى خارج البنية يشاهدان الشروق و قطرات الندى المتناثرة فوق أوراق الأشجار و الزهور بـ حديقة جارتهم
أصبحوا كـ المساجين لا يران الشوارع سوي بصحبة والديهما ، حُرم عليهما خطو خطوة واحدة أو حتى الذهاب إلى البقالة في أول الشارع....لا يتحدثان مع أي غريبٍ من أولئك الذين احتلوا الحى
و كله ذلك الأمر من تحت رأس ذلك الحقير الذي يدفع الأموال لـلأهالي مقابل تخليهم عن جسد ابنتهم  ، أي حقارة تلك !! و إن كان لفظ حقير قليلا عليه 
هتفت آلاء  المرتعدة و هي تلتفت إلى مدخل البناية خمس مرات بـ الثانية خشية أن يعلم والديهما بـ نزولهما دون إذن " فاطمة يلا نطلع تاتي او حتي نقعد علي السلم "
ألتفت إليها فاطمة " بطلي نكد و رعب يا آلاء مش الكام دقيقة اللي بنشوف فيهم الشارع هتعملي كده !! "
تحدث بنبرة أشبه للعتاب و اللوم علي أنفسهن "خايفة يزعلوا مننا " ، ثم ألقت نظرة خاطفة عليها و هي تتصنع الشجاعة " و بعدين مالك عاملة نفسك هركليز و لو لمحتيه بس معدي هتقلبي قطة "
كانتا الفتاتان يتبادلان أطراف الحديث في ذلك الشارع الخالي من الناس لا يوجد سوي بضعة أشخاص في أول الشارع 
أنتفضتا يُخبأن جسديهما بـ بعضهما علي ذلك الفحيح القادم من خلفهما يشبه فحيح الأفاعي و لم يكن سوى شخص واحد....
نظرة لهما بـ إستمتاع من خوفهما البرئ " القطتين بيعملوا ايه علي الصبح كده "
لم تكلف فاطمة نفسها عناء الرد فقد فر صوتها إلى مكان لا تعلم أين هو من الأساس و إن كانت تملك القدرة الجسدية لفعلتها 
بينما آلاء حاولت إستجماع بعض من شجاعتها و إيجاد صوتها الذي خرج كـ الهمس " و أنتَ مالك بينا ؟! "
رفع حاجبه مستنكرًا شجاعتها و إن كانت زائفة ، توقع أن تبكي "واضح إن القطة بـ تخربش بدري "
نظرة له من رأسه حتي أخمض قدميه نظرة مستحقرة ، ثم أمسكت يد فاطمة المرتجفة يفران إلى أعلى ...

كان السيد أمجد يصرخ بهما خشية فقدانهما "أنا مش قولت ماتطلعوش برة البيت ولا كنتم عايزني أموت من حسرتي عليكم "
لم تجرؤ إحداهما على رفع عينيها إلي أعين والدها فـ هو محق يكفي ذلك الشعور الذي كاد يقتلهما بالأسفل ، و كأن النهاية كانت وشيكة 
" تحبوا أقعدكم من المدرسة زي ما في ناس عملت و لا ايه بالضبط "
أقتربتا منه يحتضنانه و يعتذران منه ، هتف الأخر في لوم و عتاب و قد هدأ قليلا " كنت هعمل ايه لو أخدكم و ماعرفتش ليكم طريق ، و تبقى كأنها جريمة خطف عادية "
"احنا آسفين ، هتبقي أخر مرة "
أخر تنهيدة طويلة و هو يقول "يا ريت تبقي أخر مرة "

تمر الأيام بـ بؤس و كأبة شديد. علي الأهالي ، كل شيء يبدوا و كأنه..... و لكن هو حقًا دون جدوى
كل الأحلام تُهدم ، تلك الأم التي كانت تجهز لزفاف ابنتها و تعد * الجهاز * الخاص بها الآن هي منفطرة القلب على وليدتها....

فتحت فاطمة باب المنزل لوالدتها التي عادت من التسوق للتو و قابلتها هي و آلاء في برائة شديدة و كأنهما لا يريدان شيئًا
"أستر يا رب مش بـ قلق غير من هدؤكم "
تحدثت ألاء و هي تمثل إنشغالها في ترتيب المبتاعات " ابدًا ابدًا يا مامي اوعي تقلقي "
بينما فاطمة هتفت في إندفاع " مامي ممكن نروح لـ هدي بليييز "
كانت الأم سـتهم بـ الإعتراض و لكن فاطمة قاطعتها " ماني ده أخر مرة نشوفها "
واففت الأم علي مضض حينما تذكرت أن غدًا هو عام هدي السادس عشرة هي و شقيقتها التوأم و أنهم ذاهبون فقط لـ يودعوها

كانت الفتيات يجلسن بغرفة هدي المنخرطة في بكاء حاد لا فائدة منه سوى أن يزيدها حسرة 
أحتضنتها ألاء و هي تربت على ظهرها في حنو " صلي علي النبي بس كده و قومي ادعي مش أنتِ اللي كنتي بتقولي ليا كده لما اقعد اعيط كتير "
أخذت شهقاتها تنخفض تدريجيًا و قد قررت العمل بنصيحة آلاء
بينما هاجر لم تكن بأحسن منها حالًا فقد قررت الإنعزال بمفردها ، أغلقت على نفسها رافضة أي حديث أو مواساة أو التطرق إلى أي شيء يخص الموضوع

"تملك كل شيء ما لم ترى الأقوى منك يسلبك إيها و 
   أنت تقف مكتوف الأيدي "
دونتها "آلاء" في مذكراتها و تلك الغضة لا تفارق قلبها مع بعض النغزات البسيطة ، أصبح هم الأيام ثقيلاً عليها و هي التي لم تكن تفمر سوى بـ اللعب
خرجت إلى الشرفة الموجودة بغرفتها تشم بعض الهواء و تتأمل السماء و المزيد من التفكير........تلك العادة التي أصبحت تؤرقها ، أفاقت من شرودها على ذلك الإنعكاس لـ شيء فضي غلي مقلتيها ......أخذت تلتفت يمينًا و يسارًا تبحث عن مصدر ذلك الإنعكاس حتى تقابلت أعينها مع مقلتين يحدقان بها من ذلك الركن المعتم.....فرت هاربة إلى فراشها حتي أنها نسيت باب الشرفة ، بينما في الجهة الأخري كان يقف يدخن سيجارته و يفكر في ذلك الشبه....لسي بـ بعيد عنه ..

الفصل الثالث

صباحًا وجدت هدى ميتة في فراشها و كأن الله رحمها و استجاب لدعاءها بينما والديها يقفان يشاهدان تشيع جثمان صغيرتهم و الأخرى تساق إلى مستنقع من الفساد و هما قليلان الحيلة.
شعر الأب و كأن خنجرًا يوضع في قلبه ، ليس له القدرة على حماية صغيرته و تلك الدمعة العالقة في عينيه تأبى النزول ، يجب عليه أن يتماسك و يكون جبلًا يتحمل كل هذه المصائب دون أن ينحني
مر أسبوع ثقيل عليهما قررا عدم إقامة عزاء و أعتزلا الناس فكما هناك شخصٌ حزينٌ لهم ألافٌ أخرون يشمتون بهم ، فـ مواساة نفسك بنفسك أهون بكثير من شفقة خلفها شماتة بك

شقت إحدى عربات الحراسة خاصته الطريق غير مبالية بضيقه أو أن من الممكن أن يؤذي أحد
كان اليوم صباح الجمعة و الناس بالأسواق يبتاعون لوازمهم حتى رأو تلك السيارة فـ خشيت كل ام على ابنتها و شددت من احتضانها 
ترجل الحارس من سيارته يفتح الباب الخلفي و يلقي شيئا ، بل شخصًا !!
لم يكن سوى جسد هاجر الملفوف بـملاءة بيضاء يطغى عليها بقع دماء حمراء داكنة تشير إلى أنها من مدة طويلة 
أم جسدها فكان يطغى عليه اللون الأزرق و الأرجواني...لا يدرى الناس كم عانت تلك المسكينة حتى تسكن روحها بسلام 
هرع أحد الفتيان من الحى إلى شقة والديها ينادي لهم و ما إن رأيا المنظر حتى سقط الرجل مغشي عليه من صدمة هتك عرض صغيرته بتلك الطريقة بينما والدتها أخذت تبكى و تنوح بجانب جثمان صغيرتها "ااااه يا بنتي منه لله...منه لله ، اشوف فيك يوم يا رائف "
أثر ذلك المشهد فى نفوس الكبار قبل الصغار و تشجع الناس الجميع للإبلاغ عن رائف 

كان السيد أمجد يجلس مع بعض أهالي الحى على ذلك المقهي الشعبي و معهم والد هاجر
تحدث السيد أمجد بنبرة عطوفة لها " انا عارف إن الصدمة كبيرة عليك بس لازم نبلغ كده حقها ممكن يضيع هي و بنات تانية كتير.....و بعدين تبقى مرتاحة في تربتها "
لم ينطق الرجل الرجل بشئ لم يفق توه من صدمة فقدان الأولى حتى لحقت بها الثانية بـ أبشع الطرق ....أخذ يفكر مطولًا وسط أصوات الرجال التي تشجعه على أخذ القرار من حوله حتى هتف بصوت خافت ضعيف يغلب فيه الإنكسار " انا موافق شوف ايه الإجرائات "
هلل الناس من حوله و البعض الأخر أخذ يدعو له أن يربط الله على قلبه و يلهمه الصبر و النصرة 

قرر السيد أمجد أن يجمع أكبر كم من شهادات أهل الحى و خاصة المتضررين الذين سُلبوا فتياتهم ،ظانين في بلد يجور فيها الظلم ؛ مادمت صاحب المال الأكثر ، النفوذ الأكبر ، المنصب الأعلى القانون ينحني لك أحترامًا و يقف في صفك و لا يبالي كم من الأبرياء خلفوا خلفهم 

في صباح الأربعاء ، توجه السيد أمجد بصحبة المحامي و والد هاجر و و رجلان آخران من أهل الحى ، امام مبني النيابة العامة قرروا أخذ خطوة جريئة ضد رائف العادلي
امام وكيل النيابة تحدث المحامي بنبرة رسمية " حضرتك موكليني عايزين يرفعوا قضية على المزعوم رائف العادلي "
توقفت يد أمين الشرطي عن الكتابة و نظر إلى الضابط في صدمة و خوف 
تحدث الضابط فى نبرة أشبه بـ الإستهزاء "رائف العادلى عضو مجلس الشعب إنتم ترفعوا عليه قضية "
أستنكر المحامي و و الأربعة رجال الأخرين ردة فعله أليس من المفترض أن ينصر القانون المظلومين !!
نهض الضابط في غضب ضاربا يده اليسري بالمكتب و هو يصيح " أقعدوا على حنب كده نستدعي الباشا و نشوف حكايتكم "
أنظروه خارج المكتب وذلك المحامي يتوعدله أن يقصيه من منصبه لعدم تنفيذه للقانون و لم يتح للعدالة أن تأخذ مجراها .
  ثلاثون دقيقة و كان قد حضر رائف و هو ينظر لهم بسخرية و توعد....
دخلوا جميعا إلى الغرفة  الخاصة بذلك الضابط ، أخذ يعتذر منه مرارًا و تكرارًا أنه إضطره للحضور   تحدث رائف وهو ينظر تجاههم " يا شيخ محاضر ايه بس احنا أهل بس هو سوء تفاهم صغير ، انهي المحضر ولا اقولك احرقه ولا كأنه موجود "
هتف الأخر بخضوع و امتثال للأوامر " تحت امر سعادتك "

نهض الأخر  يهندم ملابسه  و يغلق زرار حلته ب و هو ينظر نحوهم بتركيز شديد.....
خرجوا جميعًا خارج ذلك المبني الكئيب الظالم للبعض و للبعض الأخر هو ساتر لجرائمهم
اتجه رائف نحو السيد أمجد يهمس  في أذنه بـ فحيخ يشبه فحيح الأفاعي " هعتبرها  ذلة من عیل صغير و يستحسن تكون كده و إلا ردة فعل هيبقي وحش " 
ابتعد عنه يلكزه في كتفه مبعدًا إياه عن طريقه ، ر حل وهو يبتسم له ابتسامة جانبية مستفزة و هو يعلم أنهم يشتعلون من الغيظ و الغضب الآن.. يتبع الفصل الرابع اضغط هنا
reaction:

تعليقات