رواية النغم الحزين الفصل الثالث عشر 13 – بقلم فاطيما يوسف

رواية النغم الحزين الفصل الثالث عشر 13 – بقلم فاطيما يوسف

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.

رجعت “مهرة” من شغلها مطلعتش شقتها، رجليها سحبتها لمكتب “الحاج مرسي” صاحب العمارة، الراجل اللي هي عارفة إنه مبيشغلش عنده حد إلا لما يفتش وراه، خبطت على الباب ولما فتح لها، دخلت وقلبها بيدق بسرعات رهيبة ، خايفة تسمع عنه شر أو يكون جرى له حاجة:

ـ أني جاية أسألك ليه مشيت “نعمان” يا حاج وقطعت رزقه وهو كان طالب ومحتاج للشغل دي جامد ؟ وكمان رايدة أسألك فين عنوانه ولا أهله لأن هو ليه فلوس حداي ومشي من قبل ما ياخدها؟
الحاج “مرسي” ، كان قاعد بيعد رزمة فلوس في إيده، نفخ دخان سيجارته بلامبالاة ورفع نظارته وهو بيبص لها بلا مبالاة:
ـ والله يا دكتورة “مهرة” أنا ذات نفسي معرفش عنه حاجة، “نعمان” جالي الفجر من أسبوع وشه مكنش يتفسر، حط المفاتيح قدامي وقالي يا حاج ” مرسي” حاجتك اهي، لازم امشي وأسيب العمارة لظرف طارئ ملوش تأجيل، وانا هقطع عيشه وهمشيه ليه طالما كان شايف شغله كويس .

“مهرة” مسكت في طرف المكتب بصوابعها المرتعشة، وعيونها بدأت تلمع بدموع الحيرة:

ـ ظرف طارئ إيه يا حاج؟
طب إزاي تسيبه يمشي كده من غير ما تعرف رايح فين؟ طب ساب عنوان؟ رقم تليفون ليه؟ أي ورقة تدل عليه؟

الحاج”مرسي” هز كتافه بقلة حيلة وقام وقف:
ـ يا بنتي وأنا مالي وماله؟ الراجل جاب لي المفاتيح، وسلمني الأوضة نضيفة، همسك فيه وأقصص وراه ليه بقى، وبعدين الجدع حر يا ستي مش عايز يكمل شغل هنجبره يعني، وحوار ورقه هو مكانش مقدم في الوزارة علشان ناخد منه غير صورة بطاقته ولما جه يمشي خدها معاه .
مهرة سهمت بدهشة وهي مش عارفة أي طريقة توصل له بيها واتكلمت بحدة:
ـ يعني ايه هو انتو أي حد هياجي لكم هتشغلوه اكده واصل من غير ما تعرِفوا أصلَه وفصلَه، كيف الكلام دي يا حاج؟!
اكده لو جه بلطجي علشان يشتِغل هتشغلوه عادي واحنا نُبقى في خطر .

الحاج “مرسي” اتنهد بضيق:
ـ يا دكتورة “مهرة،” الراجل كان حاله حال نفسه، وعمره ما عمل مشكلة، وأنا استجدعته وقلت شاب غلبان وشقيان ومكانش بيعمل مشاكل ، وبعدين ياستي الجدع جه وفارق من غير ما حد يحس بيه وفي الاخر هنطلعه بلطجي يعني؟!

“مهرة” ارتمت على الكرسي وهي بتنهج، حست ببرودة بتسري في جسمها كله. همست بصوت مخنوق بالوجع لنفسها:
ـ يعني إيه؟ يعني هو كان خيال؟!
كان بيضحك عليّ؟ طب واللحظات؟ والضحك؟ والعزومات اللي عزمها لي؟

الحاج مرسي طبطب على المكتب وقال بنبرة خالية من المشاعر:
ـ الأكيد إن “نعمان” ده لقى شغلانة تليق بجامعته ومركزه التعليمي ، ومسابش وراه خيط واحد يوصل له، وأنا مهتمتش بالموضوع ده لأن الحمد لله لا ضرر ولا ضرار من ناحيته ، أنا نصيحتي ليكي، انسي إن كان فيه بواب بالاسم ده.

خرجت “مهرة” من المكتب وهي حاسة إنها تايهة في ضباب، قعدت على سلم العمارة، في نفس المكان اللي كان “نعمان” بيقعد فيه يقرأ كتبه بهدوء، حطت إيدها على الرخام، حست ببرودة المكان، كأن قلبه هو اللي ساب لها البرودة دي ومشي، ومن جواها هتموت من القلق عليه ،

بكت بحرقة وهي بتكلم نفسها:
“إنت مين وفين يا ” نعمان”؟ شاب غلبان ولا شيطان ضحك عليّ؟ ولا ملاك كان بيحميني وراح لمصيره؟
قامت من مكانها ودخلت شقتها وجريت على دولابها طلعت هديته وفتحت الكتاب اللي اشتراه لها لأول مرة، وبتقربه منها وهي بتشم ريحة عطره في الكتاب اللي سحبتها لحضنها كأنها بتعبي ريحته جواها علشان قلبها يبطل رجف، هتموت من القلق عليه وجواها بيأكد لها إنه عمره ما يختفي إلا إذا كان حصل له حاجة، جواها بيقول لها إنه كان صادق في عشقه ليها وعمره ما يغدر أبداً،
طلعت الكتاب من حضنها وفتحته واستغربت لما لقت صفحة من نصه متنية ، فتحتها ولقت قلمه معلم على كذا جملة قرأتهم بصوت عالي:

ـ أحيانًا نرحلُ لا لأننا نرغبُ في الرحيل
بل لأن بقاءنا يُثقلُ قلبَ من نحب فنختارُ الغيابَ بصمت ونتركُ قلوبَنا خلفنا تُناديهم
فـأصعبُ حبٍّ هو ذاك الذي نستطيعُ إكماله
ثم نختارُ أن ننهيه بأيدينا، لا ضعفًا بل خوفًا عليهم منّا، أو خوفًا علينا منهم، فـثمةَ أناسٌ يبقون فينا مهما ابتعدوا كأنهم تركوا أرواحهم وسافروا فنقضي العمر نحاولُ أن نجد مثلهم فلا نجد، فإن غبتُ يومًا دونَ تفسير
فتذكّر أنني حاولتُ أن أقول الكثير ولم أستطع
وأن صمتي لم يكن بُعدًا بل كان وداعًا طويلًا بلا صوت .

دموعها نزلت زي الشلالات على عيونها بقهر ولأول مرة المهرة تخاف وتضعف، فهمت معنى رسالته وإنه كان عارف إنه هيمشي وانصدمت في اللحظة دي صدمة عمرها وأخيراً نطق لسانها مع دموع عينيها وهي حاطة ايديها على قلبها اللي بيدق بعـ.ـنف ومن شدة دقاته كأنه بيهز ضلوعها:
ـ ليه يا “نعمان” دي أني حبيتك وكنت اول حب واول دقة قلب وأول منفس جميل لـ”مهرة” ماشافتش في حياتها الا الوجع والشقى والظلم والقهر؟!

جالك قلب تعمل فيا اكده يا “نعمان” ؟!

آاااه ومليون آااه على وجع قلبي، ليه خنتني وحبيت ما كنت تفضل عنيد وتحارب الدنيا الوحشة وحدك.

ومسحت دموعها الغزيرة وهي بتمسك موبايلها وتطلع صورهم وسهمت نظراتها على صورته وهي بتبكي ومنظرها يقطع القلب:
ـ خايفة أظلمك ويطلع صابك أذى وأنى معرفاش أوصل لك ، وجوايا هيقول لي إنك مشيت بمزاجك وخنت عهد الحب اللي بيناتنا.

وعند الكلمة دي مسحت دموعها بقوة المهرة المعهودة وبصت للفراغ بنظرات مرعبة وكملت:
ـ وحياة قلبي اللي حبك، وهواك وأخلص لك، ووثق فيك وفي الأخر يلقى الغدر منك وطلعت إنت اللي مفارق بمزاجك ورجعت لي ندمان؛ الله في سماه ياخاين ميثاق الحب اللي اديته لك لا أخليك تندم ندم عمرك، وأوريك وش المهرة اللي عمرك ما تتمنى تشوفه يا “نعمان” .

ورجعت تبكي تاني بوجع يشق الجبال من القهر :
ـ ياااااااارب خفف عني ياااااااارب مقدراش أتحمَل يارب، تعبت في حياتي وجع وحرمان لما استكفيت ومهتحملش إنه يطلع غدار، اكده قلبي هيموت وهو لساته مولود جَديد عوده أخضر، هون على قلبي ياااااااارب.

وفي نفس اللحظة الليل كان رامي سواده على البحر، والموج بيخبط في الصخر بصوت عالي كأنه صرخة مكتومة في صدر غريق، “نعمان” كان واقف لوحده، بعيد عن كل الأضواء، بعيد عن العالم اللي سابه وراه، وبعيد عن “يونس” اللي لسة ملامحه ملامح حـ..ـرب. الهوا البارد كان بيخبط في وشه، بس مكنش قادر يطفي النار اللي قايدة في جوفه،

سند إيده على السور ، ونزل راسه وهو بيتنفس بصعوبة، كأن الهوا انعدم في الرئة، وكأن كل نَفَس بياخده بيتحول لنصل حامي بيقطع في نياط قلبه، الشوق لـ “مهرة” مكنش مجرد اشتياق، ده كان “نزيف” داخلي ملوش علاج.

ـ آه وألف آه يا “مهرة” آااااه .

نطق اسمها بصوت مبحوح، صوت مكسور، الهمسة طلعت منه تايهة وسط صوت الموج، لكنها كانت محملة بوجع سنين تيهة، غمض عيونه بقوة، فظهرت ملامحها قدامه فوراً، ضحكتها اللي كانت بتنور ضلمة أيامه، نظرة عينيها اللي كانت بتخترق حجب السر اللي شايله، ولمسة إيدها اللي كانت بتمسح بؤس المهمة الصعبة اللي بيقوم بيها ،

قلبه كان بيدق بدقات تقيلة، مجهدة، كأنه شايل فوق طاقته بدأ يلوم نفسه بصمت قاتل:
ـ ليه خليتك تحبيني يا “مهرة” ؟ ليه سمحت لقلبي يفتح بابه ليكي وأنا عارف إن طريقي آخره سد؟ ليه سحبتك لجنة وهمية وأنا عارف إن نـ.ــار الواقع مش هترحمك؟”

الحزن اتملك منه، حزن مغصوب عليه، حزن الراجل اللي لقى وطنه بعد غياب، وفجأة صدر له أمر بالنفى للأبد، كان حاسس بالظلم، مش ظلم الناس، لكن ظلم الظروف اللي خلت أحلى حاجة في حياته هي أكتر حاجة بتعذبه دلوقتي ،كان بيتقهر وهو بيتخيلها بتعمل إيه؟ بتبكي؟ بتنادي عليه؟ ولا بدأت تلعن اليوم اللي شافت فيه وشه؟

طلع موبايله بإيد بتترعش، موبايل تاني خالص غير اللي كانت بتكلمه عليه، فتح الاستوديو وراح لصورتها اللي صورها لها من بعيد وهي بتضحك وسط زمايلها في الجامعة يوم المناقشة،

ثبت عينيه على ملامحها، والحنين شده لآخر مدى، كبّر الصورة على الشاشة لحد ما ملامح وشها ملت الفراغ، وبدأ يحرك صوابعه على الشاشة ببطء شديد، كأنه بيلمس جلدها الحقيقي، كأنه بيطبطب على خدها اللي أكيد غرقان دموع بسببه، كان بيلمس ملامحها في الصورة بلهفة المجنون، وعيونه كانت بتلمع بوجع السنين وهو بيعتذر لها كأنها حقيقة:

ـ حقك عليّ يا ست البنات.. وحقك على قلبي اللي مقدرش يبعد، ومقدرش يكمل، أنا مقهور من جوايا يا “مهرة” ميت ألف مرة في الساعة وأنا بتخيل إنك شايفة “نعمان” خاين وغدار.

الخوف من اللي جاي كان بياكل قلبه، هو رايح لمهمة مصيرية، مهمة مفيهاش رجوع بسهولة، ولو رجع.. هيرجع بوش تاني، بمكانة تانية، وبحقيقة ممكن تهد الثقة اللي بنتها “مهرة” فيه، كان بيسأل نفسه برعب:
ـ يا ترى لو رجعت لك بالحقيقة يا “مهرة” هتسامحي؟ لو عرفتي إن “نعمان” الغلبان مكنش غير قناع، هتقبلي “يونس” ؟ ولا هتعتبري إني استغليت ضعفك واحتياجك للأمان عشان ألعب بيكي وأنا زيك وقعت في هواكي وعشقتك ومقدرتش أحارب انجراف مشاعري ناحيتك .

اللحظة دي كانت هي القبر الحقيقي لـ”نعمان” ، كان حاسس إنه لو “مهرة” مسامحتوش، حياته كلها ملهاش لازمة، حتى لو نجح في مهمته، حتى لو العالم كله سقف له النجاح عنده كان نظرة رضا من عيون المهرة، والنهاردة هو خسر النظرة دي بايده.

قرب الموبايل من شفايفه، وباس صورتها برقة وجع، ودمعة سخنة نزلت من عينه لمست الشاشة، كأنها رسالة منه ليها مش هتوصل لها، همس بكسرة تقطع القلب:
ـ يمين الله يا “مهرة” ما حبيت ولا هحب غيرك، ولا عرفت معنى السند إلا وأنا جنبك ،لو العمر في بقية، هجيلك وهترجاكي تسامحي وتغفري لحد ما تصفحي، ولو الموت سبقني فاعرفي إني مت وأنا شايل اسمك بين ضلوعي.

قفل الموبايل وحطه في جيبه بحركة سريعة كأنه بيخبي كنز، ورفع راسه للسما اللي كانت خالية من النجوم، وخد نفس طويل، ورسم على وشه ملامح الجمود اللي بتفرضها عليه مهمته،
دلوقتي مفيش مكان لـ”نعمان” الضعيف، دلوقتي مفيش غير “يونس” المحارب اللي لازم يخلص شغله، حتى لو كان التمن هو قلبه اللي سابه أمانة على سلم العمارة، في انتظار رحمة المهرة اللي ممكن ماتجيش من أساسه ووقتها هيبقى ده الموت اللي بالحياة لـ”نعمان” لااا “يونس نعمان الهلالي” .

*******

ـ صُح الكلام اللي سمعته دي يا “سند” وهيدور في البلد كلاتها ولبانة في بق العيال اللصغيرة قبل الكَبيرة ؟؟
بقى أغيب عن البلد شهرين ارجع الاقى كل دي حُصل؟!

وبصت لأختها وكملت:
ـ كيف دي كلاته يُحصُل يا خيتي بين ولادك الشباب يقاتلوا بعضهم علشان حرمة؟

جاوبتها “رابحة” بقلب مفطور على حال ولادها وحال “سمير” اللي مشي من ساعة اللي حصل ومتعرفش عنه حاجة:
ـ آه يا خيتي آه على المرار الطافح اللي أختك فيه ، يا خيبة بالويبة على رجالتي اللي خلفتهم وكبرتهم هيقاتلوا بعض واني واقفة في نصهم لحد ما أجلي ياجي على يدهم.

وكملت وهي بتضرب على رجليها بحسرة:
ـ والتاني اللي فر ومعرفاش ليه طريق جرة وممكن يلبد لأخوه في اي مكان ويغدر بيه زي ماهو غدر بيه هو كمان.

رد “سند” وهو بينفخ بضيق :
ـ بلاش كلامك دي يا حاجة اللي يرضى عنيكي ، أني ولا هخاف ولا ههاب من غدر حد، ابنك لو راجل يواجهني وجها لوجه، وأني مغدرتش بحد ولا غصبت حد على حاجة، وهو اللي مصمم يشعلل النـ.ـار بيناتنا.

اتعصبت وصوتها علي وقلبها مولع نـ.ـار :
ـ بس يا ولدي بس، انت اللي راكب راسك وانت اللي بيدك تفض الموال المهبب دي، وقلبي وربي مرضينش عنك يا “سند” ، علشان انت اللي بيدك تلم أخوك في دارَه وتحابي عليه، ممسامحكش يا ولدي .

هنا ردت أختها وهي بتعرض عليهم حل المشكلة من وجهة نظرها لكن اللي نطقته جنن “سند” وخلاه اتعصب ومش شايف قدامه ونظرات عيونه انقلبت لجحيم كان هيبلعهم ولولا انها خالته وهي أمه كان أدبهم على كلامهم وتخطيطهم، في الوقت ده كانت “نغم” جت وقدمت لها واجب الضيافة وجت تمشي صممت إنها تقعد وتسمع الكلام اللي هتقوله:
ـ شوف يا “سند” يا ولدي أني هحل لكم المشكلة داي وهقطع بحور الدم اللي هتشب بينك وبين خوك، انت اتجوَزت “نغم” علشان إصراره عليك انك تتجوزها ومرايدش تطلقها علشان تحميها من بطشه ويده الطويلة،
ابني “موسى” لما رجع من بلاد برة وشاف اسم النبي حارسها لما كانت مطلقة من “سمير” عجبته وكان متفق وياي إننا نتكلم عليها بعد ما عرف إنها الطلقة التالتة وومنهاش رجوع، وإنتي عارفة إنه مطلق هو كمان علشان يعني مش بيخلف، فهو كان عايز يتجوزها وهيشيل ولادها في عينيه وهياخدهم ويسافر برة بعيد عن “سمير” خالص وظلمه ليها، واكده تُبقى اتحلت المشكلة والأخ يفضل جار أخوه، و”سند” ممعتبرهاش مرته ومتجوَزها من الاول شوي وهيطلِقها بس مرايدش يسيبها لأخوه علشان يبهدلها.

“نغم” انصدمت وهي بتحط ايديها على بقها بتكتم صدمتها وعيونها بتبرق لـ”سند” اللي كانت عيونه بتنطق جحيم وفجأة هب من مكانه وشد “نغم” من ايديها بعيون محمرة بغضب وأمرها:
ـ اطلعي على شقتك ومتنزليش الدوار دي تاني مهما حُصل.

كانت متسمرة مكانها وهي مصدومة وكأن رجلها اتثبتت في الأرض وبقها مفتوح على وسعه بذهول لحد ما انتفضت على صياح “سند” :
ـ لساتك هتقفي مكانك يااالاااااااااا .

جريت من قدامهم وقلبها بيدق برعب على “سند” وخايفة من اللي هيحصل وخصوصاً اللي اتقال مكانش سهل على أي راجل،

في الوقت ده كان السكون في الدوار يسبق العاصفة، “سند” واقف زي الصقر، ملامح وشه كانت بتتحول لكتلة من الغضب المكتوم وهو بيسمع كلام خالته، “نغم” جريت من قدامه ودرجات السلم كانت بتزيق تحت رجليها المرعوبة، لكن روحها فضلت متعلقة عليهم تحت، مستنية الانفـ.ــجار،

“سند” لف ببطء، وعيونه كانت حرفياً بطلع شرار، بص لخالته “نظيرة” اللي قاعدة ومربعة رجليها وكأنها حلت معضلة الكون، وبص لأمه “رابحة” اللي كانت بتهز راسها بالموافقة على كلام أختها، وضحك ضحكة مكتومة، ضحكة وجع وسخرية، خلت “رابحة” تقبض على جلبابها بخوف وقال:

ـ “موسى”؟! موسى ولدك يا خالة؟ هو دي الحل اللي جاي بيه من بلاد برة؟ تقطعي بحور الدم اللي هتقولوا عنيها بإنك تدبـ.ــحي كرامتي في نص داري؟

خالته “نظيرة” ردت ببرود يحـ.ــرق الدم وهي شايفة إنه مكبر الموضوع:
ـ وماله “موسى” يا “سند”؟ دي واد خالتك يعني كيف “سمير” ومتعلَم ومعاه شهادات، وكمان مطلق مش على ذمته مرة زيك، يعني مفيش واحدة هتنكد على “نغم” ، وهياخدها ويعيشوا برة، واكده “سمير” هيتحط قدام الأمر الواقع وينسى “نغم” ويطلعها من راسه ماهو البَعيد عن العين بَعيد عن القلب ، وتنطفي النار بين وبين أخوك يا ولدي .

“سند” قرب منها خطوتين، ووطى بجسمه لحد ما بقى وشه في وشها، وفحيح صوته كان أرعب من طلقات الرصاص وهو بيشاور لهم بايده بتحذير قاطع:
ـ شوفوا انتو الاتنين “نغم” مرتي” يا خالة، خابرة يعني إيه مرتي؟ يعني شرفي، يعني عِرضي، ولدك ” موسى” دي وهو بيفكر في اللي في راسه دي مكنش عارف إن البيت دي فيه راجل؟ كيف يجرؤ يحط عينه على حريم الناجي، وإنتي واقفة قدامي بتقوليها بملء بقك؟ هو أني متجوَز ست من الشارع عشان كل واحد يجي يرمي بياضه ويقول هاتها؟

وبصوت عالي رعبهم:
ـ ايه اتجنيتوا اياكم في عقولكم المريضة داي ؟!
رابحة اتدخلت وصوتها طالع بحسرة:
ـ ما هو دي الحق يا ” سند” إنت متجوَزها عشان سبب وانت خلفته وقلت هتفضل تحميها، والكل خابر وحتى أهل البلد إنها من مش ليك واصل، وإنك واخدها عهد ووعد، وبدل ما الكونتيسة تعيش طول عمرها خايفة من ” سمير” وهتغويك بخوفها الباطل دي، فتروح لـ”موسى” مش غريب واخوكم التالت وتعيش حياتها بعيد عنك انت وأخوك، وإنت ترجع لحياتك ولو عايز تتجوز اللي تليق بيك وتملى عليك حياتك تاني غير داي انت حر وتفض بحور الدم اللي بينك انت واخوك أني تعبت حرام عليكم.

“سند” انتفض وكأن أمه ضـ.ــربته بسـ.ـــكين في ضهره، صوته زلزل أركان الدوار:
ـ ومين اللي قال لكم تدوروا على حلول وتدخلوا في اللي ملكوش فيه من أصله؟!
مين اللي نصبكم حكام على اللي جوه صدري ويخصني؟
أني “سند الناجي” يا أماي، اللي لو واحدة اتكتبت على اسمه شرعاً وقفل عليها بابه، بتبقى محرمة على رجالة الأرض لحد ما يوريني فيها الموت!

خالته “نظيرة” حاولت تلطف الجو بس بغباء أكتر:
ـ يا ولدي متصعبهاش، دي “موسى” بيقول إنه هيشيل ولادها عيال “سمير” في عيونه، يعني هيريحك من شيلة تَقيلة ومن عيال أخوك اللي هيشوفوا الحزن والغم والهم كل يوم.

هنا “سند” فقد السيطرة تماماً، خبط إيده على الطرابيزة اللي كانت قدامه، الكوبايات اتكسرت والازاز طار في كل حتة:
ـ شيلة تقيلة إيه؟! عيال أخوي هما عيالي، والدار دي دارهم، و”نغم” دي مرتي، و ولدك يا خالة لو لفظ بس باسم “نغم” تاني، والله ما هفرِقه عن “سمير” في عداوتي وياه، وهيكون حسابه معاي ملوش آخر، أني مش مصدق إن الحريم هما اللي بيخططوا كيف يخلوني أفرط في عرضي!

“رابحة” وقفت قدامه وبصت له بعين مليانة اتهام:
ـ إنت عشقتها يا “سند” !
عشقت اللي مش ليك؟
عشقت مرت أخوك يا خسيس؟
قول بقى إنك هتدافع عنيها اكدة عشان عينك منها من زمان، عشان كنت رايد مرت أخوك ! وعامل حجة إنك هتحميها عشان تداري خيبتك! “سمير” كان معاه حق يوم ما قال إنك كنت بتراقبها بعينيك وهو معلقها في رقبته.

“سند” اتصدم من كلام أمه، الوجع في عينيه كان بيبكي الحجر، هز راسه بأسى وقال بنبرة هادية بس مرعبة:
ـ دلوك يا أماي؟ دلوك بتنهشي في ولدك وتتهميه في شرفه عشان خاطر “سمير” اللي خرب دماغك وهج؟
دلوك ولدك الكبير اللي البلد كلاتها هتحلف بأخلاَقَه كان هيبص لعرض أخوه، للدرجة داي أني خسيس ومش راجل في عيونك ؟
الله يسامحك يا أمي، الله يسامحك.

وكمل كلامه بتصميم:
ـ ويكون في معلومك إيه يعني لو عشقتها هي دلوك حلالي قدام ربنا وقدام الخلق.

وأكد لها بكل قوة وتمسك باللي أدهشها :
ـ لازم تعرِفي إن “نغم” بقت مرت “سند”، واتطلقت من “سمير”، وحوار إني محطة في حياتها و اللي بيني وبينها هينتهى دي يتمسح من قاموس البلد كلاتها، واليوم اللي هسمع فيه إن حد فيكم فتح السيرة دي تاني، ميهمنيش لا صلة رحم ولا خالة ولا عمة ولا حتى أم.

“نظيرة” وقفت وهي بتعدل طرحتها بكرامة مجروحة:
ـ اكده يا “سند” ؟ بتطرد خالتك عشان خاطر عرضت مساعدتي عليك لحل مشكلتك مع أخوك؟ ماشي يا ولدي.

“سند” شاور للباب بإيد ثابتة وقلب ميت وهو بينبه على خالته:
ـ الدوار دي يدخله الرجالة اللي بيحفظوا الغيبة وبيصونوا العِرض، اللي يفكر يشارك في تقسيم الحريم على الرجالة، ملوش مكان وسطنا وابنك ميعتبش عتبة الدوار دي تاني وطريقي وطريق ولدك “موسى” بقى سد، وعرِفيه يمين بعظيم إن قابلني في طريق لاهكون مكسِـ.ــر عضامه بيدي، الخاين دي اللي مهيصونش بعينيه أهل البيت اللي هيدخله يا خالة.

خرجت “نظيرة” وهي بتبرطم بكلام مسموم، و”رابحة” وقفت تبص لـ”سند” بكسرة وجبروت في نفس الوقت، لكن “سند” مأداهاش فرصة تتكلم، سابها واقفة مكانها وطلع السلم بخطوات زي الرعد.

******

رجع “سند” لبيته و فتح الباب بقوة، دخل وعيونه كانت لسة محمرة، بص لها نظرة طويلة، نظرة تملك، نظرة عشق محرم بقى حلال بس متغلف بنيران الحـ..ـرب،
قرب منها، مسك دراعها بقوة كأنه بالطريقة دي بيثبت ملكيته ليها لكن القوة اتبدلت لحنية، وهمس قدام وشها وهو بينهج:
ـ سمعتي؟ سمعتي هما رايدين يعملوا إيه؟ رايدين يبيعوا ويشتروا فيكي وكأنك أمَه في سوق العبيد، كانك ملكيش راجل.

وكمل بغضب وهو حاسس إن برج من راسه هيطير ومش طايق الدنيا باللي فيها:
ـ هما لحد دلوك هيحطوا في دماغهم إني بديل ومجرد وقت في حياتك، لحد دلوك مهيحسوش إنك مرتي وبقيتي ملكي وبتاعتي، وعلشان اكده لازمن نخرِص ألسنتهم، هنروح أني وإنتي لدكتور علشان يشوف ليه الحمل متأخر احنا متجوَزين بقالنا اربع شهور وزيادة،
وقتها لما تربطنا العيال محدش هيقدر يفتح بقه بكلمة واحدة وكرامتي كراجل اتجوَزك على سنة الله ورسوله هتترد لي قدام الكل .

“نغم” هزت راسها ودموعها نزلت وجواها مرعوب من فكرة الحمل وحاولت تتناسى وهي بتأكد له :
ـ أني والله معايزاش غيرك يا “سند”، والله ما رايدة غيرك في الدنيا داي كلاتها، أني عارفة إنك مصدوم من اللي سمعتَه وليك حق تتضايَق.
وبعدت عيونه عن عيونه واتكلمت بقهر ووجع وسيلان دموعها على وشها كأنها أنهار :
ـ أني خابرة زين إني مهياجيش من وراي ليك غير وجع الراس والقهر والوجع، حقك علي يا “سند” .

“سند” شدها لحضنه بقوة كأنه بيدفنها بين ضلوعه، وصوته كان طالع زي الفحيح:

ـ مفيش قوة على الأرض هتاخدك مني، كلاتهم في كفة وانتي وحدك في كفة تانية واصل ، إنتي نغم السند، واليوم اللي هفكر فيه أسيبك، هيكون اليوم اللي بيشيعوا فيه جنازتي يا عمري الجاي والحاضر.

“نغم” استسلمت لحضنه، وهي بتتمسك بيه وبقربه وهي دافنة وشها في صدره العريض ، وما كان منه غير إنه شدد على ضمتها ودفن ايده في شعرها ومسك رقبتها بتملك وهمس بصوت أجش خشن وهو متأثر بقربها:
ـ أني محتاجك قوي يا “نغم” ضميني لحضنك قوي.

مسحت دموعها وهي بتضمه لحضنها جامد وقررت إنها تبدل الدموع لبسمة وتخلي كفها رقيق وحنين عليه في عز وجعه وهدت أعصابها ، قررت إنها تعيشه ليلة ولا ألف ليلة وليلة، تنسيه وتنسى معاه وجع الكون كله، وجه في بالها فكرة لأول مرة هتتجرأ تعملها وهمست له بدلال:
ـ أني مش هضمك لحضني بس يا سندي؛ لاااه أني هنسيك الدنيا باللي فيها، قل لي عِندك اعصابك تتحمَل دلال وغرام نغمك؟

وكملت بنفس طريقة الدلع وهي بتحط صباعها على شفايفه:
ـ انت بقالك تلت أيام بايت عند “دعاء” وبصراحة اتوَحشتك قوي.

“سند” كان لسة أنفاسه عالية، وصدره بيعلى ويهبط بحدة كأنه طالع من معركة، لكن لما سمع دلال “نغم” وهمسها اللي زي السحر، الدنيا سكنت فجأة، بص لعيونها اللي لسة مبلولة بالدموع بس فيها لمعة تحدي وأنوثة مكنش شافها قبل كدة،
وضمت شفايفها وهي بتقول له :
ـ بحبك يا نور عيني.

الكلمة نزلت على ودنه زي جمرة نار وسط التلج، بلع ريقه وصوته طلع أجش، خشن، ومحمل بشوق سنين كان حابسه ورا سد الحرمان من “دعاء” :
ـ تعرِفي يا “نغم؟ أني أعصابي فلتت من يوم ما شميت ريحتك لأول مرة، وريني يا مكارة وريني كيف السند هيتوه في بحر نغمه.

“نغم” سحبت إيدها من إيده برقة، وابتسمت ابتسامة خلت قلبه يتنفض من مكانه، مشيت بخطوات زي الفراشة، وراحت ناحية الصب اللي في ركن الأوضة، وشغلته، وبدأت أنغام “بتونس بيك” لوردة تملا الفراغ،
لفت له، وفكت طرحتها وسابت شعرها الأسود يليل على ضهرها، وبدأت تتحرك ببطء، بمرونة غريبة كأنها مش ماشية على الأرض، كأنها بتعزف بجسمها على دقات قلبه، ” سند” سحب كرسي وقعد، وعيونه مكنتش بتفارق سنتيمتر واحد منها، كان مبهور، مذهول، كأنه بيشوف “نغم” لأول مرة،
بدأت وردة تغني:
“بتونس بيك.. وإنت معايا..
بتونس بيك.. وبلاقي في قربك دنيايا..
لما تقرب.. أنا بتونس بيك.. ولما بتبعد.. أنا بتونس بيك..”

وهي بدأت تتمايل مع الأغنية، إيدها كانت بتتحرك في الهوا برقة الفراشة، ووسطها بيتحرك بدلال فطرى، لا فيه تصنع ولا فيه حركات مش مدروسة ،كانت بترقص بـعشق لسندها، كانت بتبص له بنظرات تدوبه، مرة تغمض عيونها وتلف حواليه، ومرة تقرب منه لحد ما ريحة عطرها الساحر تعبي صدره، وتلمس كتفه بإيديها وتلف تاني وتبعد، وهي بتبتسم له بسحر ودلال خلى “سند” يحس إنه مش قادر يتنفس من رقتها ونعومتها،

كان بيشربها بعينيه، ايده كانت ضاغطة على ايد الكرسي لدرجة إن عروقه برزت، كان عايز يقوم يضمها ويوقف الزمن، بس سحرها كان مكتفه، خلاه زي المسحور مش قادر يتحرك من مكانه، مبهور بجمالها اللي انفجر قدامه فجأة،

قربت منه وهي بتغني مع وردة بهمس، وعيونها في عيونه:
ـ وعينيك بتقولي كلام أحلى من أي كلام،أنت اللي بتسعد أوقاتي، وتأثر على كل حياتي، أجمل تأثير،
أرجوك ما تسبنيش وحديا، وإن غبت ولو حتى شوية، كلمني كتير.

“سند” مد إيده ومسك طرف وسطها برقة، وسحبها ناحيته بهدوء وهو لسة قاعد، بص في عيونها اللي بقت بتنور ضلمته بسحرها وقال بصوت واطي ومحشرج من اللهفة:
ـ أني مش بس بتونس بيكِ يا نغمي، أني بيكِ بعيش، وبغيرك بكون جسم مفيهش روح، إنتي النهاردة عملتي في “سند الناجي” اللي معملهوش فيه السلاح ولا النار.

حطت إيديها على كتافه، ومالت عليه لحد ما وشها بقى قدام وشه، وأنفاسهم اختلطت ببعض همست له وهي بتداعب شعره بكفها الرقيق:
ـ الليلة داي ليك وحدك يا سندي.. ليلة هننسى فيها الدنيا باللي فيه ، هدية مني ليك، يارب تعجبك ،الليلة مفيش غير “نغم” اللي دايبة في عشق “سند”.

“سند” قام وقف فجأة، وبحركة سريعة شالها بين إيديه كأنها ريشة، شهقت بضحكة ناعمة ولففت دراعاتها حوالين رقبته، بص لها بنظرة كلها جوع عاطفي، واشتياق ملوش آخر، وهمس في ودنها وهو بيقرب من سريرهم:
ـ إنتي سحرتيني يا”نغم” ، إنتي كنتي بتطلعي روحي وبترديها تاني، والليلة داي وربي في سماه ما هيخلص إلا وإنتي مطمنة إنك سيدة الكون، وسيدة قلب “سند” للأبد.

دفنت راسها في رقبته، وهي بتشم ريحته اللي بتمثل لها الأمان، وبدأت تهمس له بكلام عشق دوبه ،كلام محفور في الوجدان، وهو كان بيسمعها وهو حاسس إنه ملك الكون،

اللمسات كانت أرق من النسيم، والنظرات كانت أعمق من البحر، وفي اللحظة دي، كانت الدنيا برا عالمهم بتغلي، بس جوه مملكة “سند” و”نغم”، كان مفيش غير النغم اللي عزفه العشق على أوتار قلوبهم، ليلة دابت فيها كل الحواجز، وانصهرت فيها الأرواح قبل الأجساد، ليلة بيثبت فيها “سند” لنفسه قبل الكل، إن نغم مكنتش مرحلة في حياته، ” نغم” كانت الحياة اللي كان بيدور عليها وسط غبار المعارك.

******

مرت الأيام على “شيماء” وكأنها سنين من العذاب، أوضتها اللي كانت هي الأمان بقت سجن ضيق بيخـ.ــنق أنفاسها، “علي” اللي عيونها مكنتش بتشوف غيره بعد ماعلقها بيه وخلاها تعشقه كان متجاهلها تماما ، مبقاش يرد على رسايلها، وفي الجامعة بقى بيعدي من قدامها ببرود يقتـ..ـل، كأنه ميعرفهاش، كأنه مكنش في يوم من الأيام بيثبت لها حبه ليها ، كانت مخنوقة جداً لأنها اتعلقت بيه جامد ، والساعة بتعدي عليها دهر، ماسكة تليفونها وعيونها وارمة من كتر البكا، تسأل نفسها:

ـ “يا ترى أني غلطت؟ هل خوفي على نفسي وإني أحافظ عليها هما اللي ضيعوه مني؟

وبإيد بتترعش، ونفس مقطوع من الخوف، كتبت له رسالة أخيرة بدموعها وخصوصاً لما بتشوفه واقف مع البنات في الجامعة جواها بيتقطع من الغيرة :
ـ ليه الجفا دي كلاته؟ أني والله ما كان قصدي أشك فيك واصل، ولا أقلل من حبك ليا ، بس البنت لازمن تخاف وتحافظ على نفسها ،رد عليّ وطمن قلبي، أني من غيرك تايهة ومهعارفاش راسي من رجلي، وحشني كلامك معاي قوي يا ” علي” .

بعد ساعات من السهر والظنون اللي بتاكل في عقلها، جه الرد بارد، ناشف، وكأنه سـ..ـم بيسري في عروقها:
ـ اللي بيحب بيثق يا “شيماء”، وأني اخترتك إنتي بالذات من بين بنات الجامعة عشان أدبك وعقلك وجمالك ، بس الظاهر إني غلظت في اختياري، أمي لما عرفت إنك رفضتي تاجي، زعلت وقالت لي يا ولدي اللي متثقش فيك وإنتو على البر، مهتصونكش وإنتو في الدار، عموماً، لو لساتك باقية على اللي بيناتنا، نتقابل بكرة في الجامعة ونقفل الموال دي خالص.

بلعت ريقها بصعوبة وقالت له :
ـ طب خلاص لما آجي الجامعة بكرة تتصل بوالدتك في التليفون وأكلمها الاول تمام؟

جاوبها بتقل ومكر:
ـ تمام، براحتك بس خليكي خابرة زين انك مواثقاش فيا لحد دلوك .

وتاني يوم في الجامعة،
الشمس كانت حامية، بس “شيماء” كانت حاسة ببرودة في أطرافها كأنها في عز الشتا، وقفت ورا مبنى المدرجات مستنية “علي”، ولما جه، كان لابس قناع التقل والجمود، فقربت منه بضعف وهي بتأكد له ثقتها فيه:

ـ “علي” أني والله العظيم واثقة فيك، بس قلبي كان خايف، وكمان اللي هتطلبه صعب قوي .

ولما لاقته زعلان من كلامها عرضت عليه فكرة تطمنها قبل ما تنفذ اللي هي عايزاه:
ـ طيب عشان خاطري، خليني أكلم والدتك دلوك في التليفون، أمهد لمرواحي وياك هناك.

“علي” رسم ابتسامة نصر خفيفة وداراها فوراً، طلع تليفونه ببرود وقال:
ـ ماشي يا “شيماء” ، عشان تعرفي بس إنك غالية، وإنك ظالماني معاكي.

عمل اتصال، وفتح الاسبيكر وحط التليفون قدامها، صوت ست كبيرة ومجهدة ، صوت بيقطر تعب ونفس الوقت حنية، طلع من التليفون وهو بيتهدج:
ـ أيوة يا حبيبي.

رد عليها وهو بيبص ل”شيماء” في عيونها وهو قاصد يربكها بنظرات الهوى الكذاب:
ـ يا ست الكل “شيماء حبيبتي اللي كل يوم مزهقك كلام عنيها وعن حبي فيها واللي مطيرة النوم من عيني معاكي، واللي إنتي طلبتي تشوفيها بنفسك .

ردت الست في التليفون بحماس وطيبة خلت “شيماء” اطمنت :
ـ ايوه يا حبيبي ، هاتها وتعالى اني مستنياكم، معلش أني مريضة يا بنتي ومهقدرش أقوم من فرشتي واصل، ونفسي أملي عيني منك وأشوف العروسة اللي ابني اختارها قبل ما اموت ومتخافيش الدار دارك وأني كيف والدتك بالظبط.
وفضلت تكلمها وتطمنها انها هتنور البيت وتوصف مدى اشتياقها لشوفتها، في الوقت ده
” شيماء” حست إن جبل انزاح من على صدرها، صوت والدته كان طيب لدرجة تخلي الحجر يلين، لكن مكنتش تعرف إن “علي” المعيد المتنور، استغل “الذكاء الاصطناعي” وسجل نبرة صوت حريمي وبرمجها ببرنامج وهمي عشان تقول الكلام ده بالظبط، عشان يكتف آخر ذرة عقل باقية فيها، وقالت له بتشجيع:
ـ خلاص يا “علي” أني هاجي وياك مقدرش على زعل ست الحبايب، وكمان زيارة المريض واجب.
وركبت معاه، وكانت ماشية وراه زي المسحورة، وصلوا لعمارة في منطقة هادية، هادية زيادة عن اللزوم، مفيهاش حس ولا خبر. طلعت السلم وقلبها بيدق لدرجة إنها حست إن الناس في الشوارع سامعين خبطاته، “علي” طلع المفتاح وفتح الباب، وبص لها بابتسامة غامضة:
ـ اتفضلي يا ست البنات، نورتي بيتك ياقلب “علي” من جوة .

دخلت “شيماء” بتوجس وخجل ، عيونها بتلف في الصالة، بتدور على والدته، على ريحة الست الكبيرة اللي سمعت صوتها، وسألته:
ـ فين والدتك يا علي؟ البيت شكل ما يكون فاضي ومفيهوش حد .

“علي” قفل الباب وراه، وتكة المفتاح كانت في ودن “شيماء” زي صرخة رعب، وشه فجأة اتبدل، نظرة الحبيب العاشق الرزين اختفت، وظهر مكانها وحش” عيونه بتلمع بطمع مقرف في جسمها وملامحها، ولكن كمل بخبث:
ـ أمي تعبانة جوه يا ” شيماء” تعالي متخافيش يا حبيبي، هي مستنياكي في أوضة النوم بتاعتها عشان مهتقدرش تتحرك.

مسك إيدها وبدأ يجرها، وهي ماشية وراه ورجلها بتخبط في بعضها، لحد ما فتح باب الأوضة، ودخلت الصدمة كانت إن الأوضة فاضية، مفيهاش غير ريحة عطر رجالي نفاذة، وسرير مترتب ببرود مرعب. لفت له وهي بتنهج:
ـ فين أمك داي يا ” علي”؟ إنت قولت إنها اهنه فين الست اللي كَلمتني؟
اني عايزة اروح دلوك وسع من قدامي .

” علي” قرب منها، وحاصرها بينه وبين الباب اللي قفله بظهره، وبدأ يفك الكرافتة بتاعته ببطء مستفز:
ـ “أمي في علم الغيب يا شوشو ، الصوت اللي سمعتيه دي كان شوية تكنولوجيا، عشان تاجي برجلك لمكاني، أني من يوم ما شوفتك في المؤتمر بثوبك الجديد وأني هموت وأعرف إيه اللي مستخبي ورا النضارة الكبيرة داي والحجاب اللي قافلاه على نفسك وخصوصاً البنات اللي هيتحدتوا عن جمالك اللي هتخبيه والعبد لله مفيش بنت تستعصي عليه أبداً.

” شيماء” حست بدوخة ورعب، بلعت ريقها بصعوبة وصوتها طلع مخنوق:
ـ “إنت بتقول إيه؟ بعد عني يا “علي” ، إياك تقرب مني ، إنت خدعتني!
معقولة إنت طلعت بتمثل عليا الحب والغرام تطلع بالدنائة داي؟

وضربته في صدره بايديها الضعيفة وهي بتبص لعيونه بوجع وحزن لاول مرة يربكه ، بالرغم من انه وقع بنات كتير في حباله ووهمهم بحبه ووصلهم لنفس النقطة إلا إنه لأول مرة يحس بملام غريب وعجيب جواه:
ـ دي أني وثقت فيك وسلمتك قلبي الضعيف وحبيتك بجد يا ” علي” ليه اكده حرام عليك.

” علي” ضحك ببرود وحاول يسكت صوت العتاب اللي جواه واللي كل ثانية بيزيد، ويبعد نظرته عن عينيها وبدأ يقرب منها أكتر، إيده امتدت ببطء وشالت النضارة من على وشها، فظهرت عيونها واسعة، مبلولة بدموع القهر:

ـ يا جماله على العيون الفتاكة، دي إنتي هتداري ورى النضارة داي كنز يا شوشو.

وبحركة سريعة وقاسية، شد طرف الحجاب من على راسها، فوقع الحجاب على الأرض وانفجر شعرها الأسود الطويل، نزل على كتافها زي الشلال، غطى ضهرها وظهر لمعه تحت ضوء النجفة، كان وقف مبهور، بلع ريقه بصعوبة وهو بيبص لشعرها ولجمالها اللي فجأة بقى متاح قدامه:
ـ أوبا دي إنتي كنتي هتحرمني من جنة! كل دي كان مستخبي تحت الطرحة داي ، تصدقي اني النهاردة هوريكي حاجات في نفسك عمرك ماكنتي هتكتشفيها، هدوبك معاي يا جامد إنت.

بدأ يلمس شعرها بإيده، و”شيماء” كانت بتصرخ وتنفض إيده عنها بانهيار:
ـ بعد عني يا غدار! والله ما هسيبك، أني هفضحك في الجامعة وفي كل حتة! سيبني أمشي يا “علي” ، حرام عليك متضيعش فيا الحاجة البريئة وتسلبني أعز ما أملك، ارجوك فوق يا “علي” متستقواش على ضعفي وقلة حيلتي، فوق أني حبيتك بجد وصدقتك.

“علي” حول نبرته للين مصطنع، حاول يضمها وهو بيهمز بكلام عشق مسموم:
ـ يا حبيبتي اهدي، أني بحبك ورايد مصلحتك، إنتي دلوك هتُبقى مرتي قدام قلبي، مفيش داعي للخوف دي كلاته.

وبنظرة مرعبة طلب منها:
ـ استسلمي للي هيحصُل بيناتنا علشان مهحبش الغصب في القرب، عايزك تكوني وياي وفي حضني بإرادتك يا شوشو.

“شيماء” كانت بتقاومه بظوافرها، خربشت وشه وهي بتصرخ:
ـ مرتك في الحرام كيف يا مجنون انت؟!
فوق أني وثقت فيك يا بني آدم! سيبني أخرج من اهنه يا “علي” علشان اللي إنت رايدَه مني مش هتطوله غير بموتي.

لما لقى اللين منفعش معاها، وبدأت تدافع عن نفسها بعـ.ــنف، وشه قلب لسواد، وجذبها من شعرها بقوة خلتها تقع على ركبها وقسي عليها بالكلام وهو بيركب وش الشيطان الحقيقي:
ـ “إسمعي يا بت إنتي! إنتي اللي جيتي اهنه بمزاجك ومحدش ضربك على ايدك، بصراحة اكده انتي عجبتيني وهاخد اللي اني رايده منك يعني هاخده ورجلك فوق رقبتك هتسمعي الكلام وتبطلي عند ولا أوريكي الوش التانى.

ملقاش فايدة من محايلتها وهي بتضرب فيه جامد وبتدافع عن نفسها بشتى الطرق ، هــــ…ـــجم عليها زي المسـ.ــعور، بدأ يقـ.ـــطع في هدومها وهي بتشهق بالبكا وبتدعي عليه، رماها على السرير بكل جبروت، وثبت إيديها وهو بينهج، وعيونه كانت حرفياً بتاكل في ملامحها، وبدأ يقتحم عالمها الخاص واحدة واحدة بجبروت وسواد، وهي مغمضة عيونها وبتدعي إن الأرض تنشق وتبلعها قبل ما يطول شرفها اللي كان أغلى ما تملك،

كانت بتنازع تحت إيده زي عصفور مذبـ.ــوح، أنفاسها بتطلع بشهقات مكتومة كأن الروح بتفارق الجسد في كل لمسة غدر منه، وعيونها اللي كانت بتلمع بالأمل انطفت وبقت بتبص للفراغ بذهول وانكسار يشق الحجر، دقات قلبها كانت بتهز ضلوعها برعب وهي شايفة أحلامها بتتحول لرماد وشرفها اللي صانته بسنين العمر بيتداس عليه بجزمة الغدر في لحظة سواد. دموعها نزلت سخنة حرقت وشها، ومبقتش قادرة حتى تصرخ، صوتها اتخنق في حنجرتها وبقت بتشهق بصمت وهي حاسة ببرودة الموت بتسري في عروقها مع كل قطعة قماش بتتمزق من هدومها، واستباحة ايده لبرائتها، استسلمت بجسمها المرتعش وهي بتدعي ربنا إنها تموت في اللحظة دي قبل ما تشوف وشها في المراية تاني، وإحساس الغضب من نفسها ومن غباء قلبها كان أصعب عليها من وجع الاقتحام اللي كان بيحصل لكيانها كله، سابت روحها للريح تذريها وهي جثة هامدة فوق سرير الغدر، وهي مستنية النهاية اللي هتكتب ضياعها للأبد ولكن في لحظة

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية النغم الحزين) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!