رواية النغم الحزين الفصل الرابع عشر 14 – بقلم فاطيما يوسف

رواية النغم الحزين الفصل الرابع عشر 14 – بقلم فاطيما يوسف

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.

كانت داخلة المكان وهي حاسة بالأمان
لكنها دلوقتي بقت شامة ريحة الموت. السكون كان مرعب، مفيش غير صوت أنفاس “علي” المتلاحقة اللي بتشبه فحيح الأفاعي، كانت جسمها كله بينتفض زي ورقة شجر في ريح عاتية، عيونها الواسعة اللي كانت دايماً بتلمع بالطهارة، دلوقتي غرقانة بدموع الخوف والذهول،

بصت لـ “علي”، لقت وشه اتبدل، الملامح الرزينة، ونظرة الحبيب اللي بيخاف عليها ، كل ده اتمسح، ظهر مكانهم وحش، عيونه فيها لمعة هوس غريبة، لمعة واحد مش بس عايز يرتكب جريمة، ده عايز يتشفى، عيونه مابتفارقش وش “شيماء” ، كأنه بيحلل كل رعشة في جفنها،

حست إن الأرض بتميد بيها، بلعت ريقها اللي بقى زي الشوك في حلقها، وقررت إنها تستنجد بآخر وسيلة عندها الهدوء واللين، وجواها مرعوب وخايف، رفعت إيديها اللي بتنتفض ولمست وشه بحنان غريب ، حطت كفوفها الصغيرة على خدوده في محاولة أخيرة لاستدعاء الإنسان اللي كانت فاكرة إنه جواه:

ـ “علي” بص في عيني يا واد الناس، أني “شيماء” اللي قولت لي إنك حبتني عشان أدبي وعقلي، ليه يا “علي” رايد تذبـ.ــحني بيدك؟ ليه رايد تهد المعبد على راسي وراسك؟
أرجوك هملني خليني أعاود بيتنا بشرفي وكرامتي، أرجوك متجرحنيش جرح الموت بيدك، فوق يا “علي” اللي انت رايد تسلبه مني دي أغلى ما أملك، وانت طيب ونظرة عيونك مهتقولش انك مغتـ.ـصب أبداً.

صوتها كان طالع مبحوح، محمل بوجع السنين اللي قضتها بتصون نفسها عشان اللحظة اللي تلبس فيها الأبيض، كملت وهي بتمسح على وشه باستعطاف يقطع القلب:
ـ أني حبيتك يا “علي” والله حبيتك بصدق، سلمت لك قلبي اللي مسلمتهوش راجل قبلك، بلاش تخليني أكره نفسي وأكره اليوم اللي شوفتك فيه، سيبني أمشي يا “علي” ، والسر دي هيدفن معاي ومهحكيش لحد واصل صدقني ، والله ما هفتح بؤي بكلمة، بس بلاش تكسرني الكسرة اللي ملهاش جبر، حرام عليك شرفي يا “علي” ، أني ماليش غيرَه.

“علي” في اللحظة دي، ملمس إيدها الرقيقة على وشه خلاه يتصلب مكانة، العقدة اللي جواه بدأت تتحرك جوه عقله المريض، هو شايف قدامه تمثال من الطهر، شايف بنت بتمثل دور الملاك ببراعة لدرجة إنه بدأ يصدقها، عقل علي بدأ يصور له إن الهدوء ده هو قمة المكر، إنها بتحاول تغويه بالضعف عشان تداري زيفها هو جواه صرخة مكتومة بتقول:

ـ كدابة إنتي شبهها، هي كانت بتمثل الطيبة زيك اكده! إنتي بتمثلي عشان تخرجي من اهنه وتضحكي عليا تاني بوشك البرئ المخادع.

قرب وشه من وشها، ونبرة صوته كانت باردة زي حد السكين، وايده بتتحرك على جسمها بكل جرأة ووقاحة وكل لمسة منه ليها بتدبـ.ــحها:
ـ تمثيلك هايل يا “شوشو” والله العظيم تستاهلي جايزة الهدوء دي، واللمسة الحنينة دي، إتعلمتيهم فين؟ ولا دي بالفطرة عشان تداري اللي ورا النضارة والحجاب؟ أني مش بس هاخد اللي أني رايده، أني هكسر الصورة اللي إنتي فرحانة بيها داي،
عايز أشوفك وإنتي بتصرخي، عايز أشوف القهر وهو بيطلع من عينيكي بدل الدموع الكدابة داي.

وكمل كلامه وهو بيقرب منها بشفافية وبيستحل شفايفها بجرأة وهو بيفتكر بهيسترسة:
ـ تعرفي المدرسة بتاعتي زمان اللي كانت هتديلي درس خصوصي كانت زيك اكده مبهدلة في لبسها ولابسة نضارة وشكلها وريحتها يقرفوا، كانت هتستغل إن أمي هتسيبني وياها في الحصة وتروح تقضي مشاويرها وتعلمني أجرب معاها حاجات كيف اللي هعملها وياكي دلوك، المدرسة داي فضلت معاي من وأني طفل في الحضانة لحد ما رحت الإعدادي وهي كانت بتخليني أقرب منها وأعمل حاجات قذرة لحد ما أدمنتها وبقيت أني اللي هطلب قربها ومهيمنيش شكلها القبيح ولا ريحتها الوحشة ، تمن سنين همارس وياها حاجات عرفتها من وأني طفل صغير على يدها القذرة، وكانت هتتهدني إنها هتخطـ.ـفني وتدبـ.ـحني وتبيع أعضائي لو حكيت لأمي، كانت هتحملني ذنب إنها عانس ومفيش راجل هيطيق يبص في خلقتها، وعلشان اكده كان لازمن أقهر كل بنت تقف في طريقي .

وكمل وهو بيستبيح جسـ.ـمها بجرأة زي ماكان بيعمل مع مدرسته وهو بيبص لها بلعاب بيسيل بلهفة وعيون بتشع انتقام مخلوط بالرغبة فيها وخصوصاً إنها مش زي أي بنت وقعت تحت ايديه، كلهم سلمو له بسهولة ومفيش واحدة فيهم رفضت وبكت وانقهرت زي “شيماء” :
ـ والليلة ليلتك يا “شوشو”، هطيرك فوق السحاب، هخليكي تدمنيني وتدمني قربي وهمساتي ولمساتي، هخليكي تقولي لي كل لما أشوفك رايدة حضنك وقربك يا “علي”.

“شيماء” حست بـخذلان زلزل كيانها، الرجل اللي قدامها مش بس ضليل، ده مريض بيحارب طواحين ماضي في خياله،
بدأت تستنجد بـخالقها وبكل ذرة كرامة جواها:
ـ صدقني أني مهمثلش يا “علي” ! والله ما بمثل واصل! دي شرفي يا “علي” ، دي حياتي! لو لمستني، إنت مهتلمسش جسم، إنت هتلمس جثة! رايد تفتح بيتك وتعيش حياتك بعد اكده وإنت شايل ذنب صرختي في ودنك العمر كله؟ فوق يا “علي” فوق قبل ما النـ..ـار تاكلنا إحنا الاتنين.

“علي” ضحك ضحكة مكتومة، ضحكة وجع وسخرية، ومسك إيديها اللي كانت على وشه، وضغط عليها بقوة خلت عضمها يوجعها:
ـ النـ..ـار قايدة فيا من زمان يا شوشو وإنتي النهاردة اللي هتطفيها، الطهر اللي إنتي بتدعيه دي هو اللي هيتـ.ــحرق الأول.

وبحركة غادرة، شدها من وسطها بقوة ورماها على السرير اللي قامت من عليه وهو بيحكي ماضيه ، “شيماء” صرخت صرخة هزت أركان الأوضة، وبدأت المعركة، هي بتدافع بضوافرها، بسنانها، بكل قوة الست اللي جواها، وهو بيحاول يكتم أنفاسها ويثبت إيدها، وسط الصراع،

“شيماء” عاشت في لحظة رعب حقيقي، لقت نفسها وجهاً لوجه مع المصير اللي خافت منه طول عمرها، “علي” كان بيحاول يقتحم عالمها بجبروت، وهي بتنازع كأن الروح بتطلع. وفجأة في قمة السواد، علي وقف فجأة،

بص لها، لقى عيونها مش فيها كره بس، كان فيها نظرة شفقة، نظرة خلت العقدة اللي جواه تتزلزل، “شيماء” في عز ضعفها، بكت بصوت واطي وقالت جملة واحدة علشان تحاول تفكره إنه إنسان مش حيوان:
ـ أني مسمحاك يا “علي” مسمحاك عشان إنت مريض وغلبتك شياطينك، بس افتكر إن ربي مهيسيبكش لو كملت ، بزياداك يا “علي” خلي لي شرفي ، بزياداك تنهش في لحمي.

الجملة دي، مع سكون “شيماء” المفاجئ واستسلامها للقدر، خلت “علي” يحس بـ ببرودة غريبة هو كان مستني البشاعة، مستني الشتيمة، مستني يسمع أقبح الألفاظ اللي بتغسله من جواه، لكن الهدوء والمسامحة في اللحظة دي، حسسوه إنه قليل جداً، إنه خسر المعركة قبل ما تبدأ، “علي” اتنفض من فوقها كأنه لمس جمرة نار، وبدأ ينهج بضيق تنفس، وعيونه بتلف في الأوضة بذهول،

“شيماء” لمحت في اللحظة دي الاطمئنان الغريب اللي ساد المكان لثواني، قعد على طرف السرير، وحط راسه بين إيديه وهو بيصرخ بصوت مكتوم:

ـ البسي هدومك واخرجي، اخرجي من اهنه! مش عايز أشوفك! غوري من وشي!

“شيماء” مكدبتش خبر، في لمح البصر، لمت بقايا هدومها المقطعة، لمت طرحتها اللي كانت مرمية في الأرض، وبسرعة البرق سحبت المفتاح وفتحت الباب، وخرجت تجري في الطرقة وهي بتنهج، قلبها بيخبط في ضلوعها كأنه عايز يهرب من جسمها،

نزلت السلم طيران، كأن رجلها مكنتش بتلمس الأرض وصلت للشارع، والجو كان بدأ يليل، كانت بتجري وهي بتحاول تداري هدومها المقطعة بطرحتها، عيونها بتلف يمين وشمال برعب، خايفة حد من جيران “علي” يشوفها، خايفة الفضيحة تسبقها في كل مكان،

فضلت تجري لحد ما وصلت لـ “شارع جانبي ضلمة، استخبت ورا عربية مركونة، وقعدت في الأرض وهي بتنهج بصوت مسموع، حطت راسها بين ركبها وبدأت تبكي بكا النجاة، وبكا القهر، هي نجت بجسمها، بس روحها اتجرحت جرح عمره ما هيلم.

طلعت موبايلها من جيبها بإيد بترتعش، كانت عايزة تكلم “سند” جوز أختها، بس تراجعت في آخر لحظة:
ـ لو قولت لـ”سند”، البلد هتشب فيها نـ..ـار، وأني هتفضح وهضيع في الرجلين.

مسحت دموعها بقوة، وقررت إنها تهرب لبيتها الآمن،

قامت وقفت، عدلت هدومها على قد ما قدرت، ومشت بخطوات سريعة وتايهة وسط زحام الناس، وهي بتحاول تقنع نفسها إنها لسة شيماء الطاهرة، وإن اللي حصل ده كان كابوس، بس أثر إيد “علي” اللي لسة معلم على كل مكان في جسمها كان بيقول لها إن الحكاية لسة في أولها، وإن الهروب هو مجرد بداية لرحلة تانية أصعب بكتير.

******

الليل كان رامي سدوله على بيت”حناوي”، البيت اللي جدرانه شربت من دموع البنات سنين طويلة، “نغم” كانت قاعدة على الكنبة ساندة ضهرها وحاضنة “مهرة” و”شيماء” تحت جناحاتها كأنها شجرة بتحمي فروعها من ريح عاصفة، الأوضة مكنش فيها غير ضي نور خفيف، خيالاتهم على الحيطة كانت بتبان ضخمة ومرعبة، زي ذكريات أبوهم “حناوي” المفتري اللي لسة مسيطرة على المكان رغم إنه شبع موت،

“مهرة” كانت دافنة وشها في كتف “نغم” ، وجسمها كله بينتفض برعشة مابتسكنش، و”شيماء” كانت مرمية في حجر “نغم” ، ماسكة في طرف عبايتها بضوافرها كأنها خايفة تقع في بير ملوش قرار، ساد الصمت لفترة، مكنش بيقطعه غير صوت نهيج صدورهم، لحد ما “نغم” حطت إيدها على راس “شيماء” وبدأت تمسد على شعرها بحنية مفرطة وقالت بصوت واطي:
ـ بوحوا يا بنات الحناوي، طلعوا اللي كابس على مراوح قلبكم، إحنا اهنه في بيت اللي ظلمنا، بس النهاردة مفيش حد هيقدر يرفع عينه فيكم واصل، قولي لي يا “شيماء” مالك يا صغنن؟ إيه اللي خلى عيونك تدبل ووشك يبقى بلون التراب اكده، وضحكتك البريئة اختفت؟!

“شيماء” أول ما سمعت سؤال “نغم” انـ.ـــفجرت في بكا يقطع القلب، صرخة مكتومة طلعت من أعماق روحها المكسورة، وقالت وهي بتشهق:
ـ “أني خايفة يا ” نغم” أني حاسة إني اتدبـ.ــحت وإني لسة ماشية على رجلي، أني كنت فاكرة إن الدنيا ضحكت لي لما خرجت من تحت يد أبوي حناوي ورحت الجامعة، قولت خلاص هبقى بني آدمة وليا قيمة، بس طلعت البشر نسخة تانية من أبوي،

حبيت إنسان بس طلع كرباج كان بيهديني بكلمتين حلوين عشان يكسر عيني، أني استنجدت بيه من قسوة الدنيا، أتاريه هو كان الغل اللي مستني ينهش فيا، أني كرهت نفسي يا ” نغم” كرهت اليوم اللي فكرت فيه إني ممكن أكون حرة وليا حق أحب وأتحب.

” نغم” ضمتها أكتر لصدرها، ودموعها هي كمان نزلت:
ـ يا وجع قلبي عليكي يا بت أبوي! الشباب دلوك ملهمش أمان، وإنتي يا حبة عيني طيبة ونقية، مشفتيش من الرجال غير وش القسوة، فصدقتِ أي ضحكة، بس وحياة الرب اللي خلقنا، حقنا من اللي ظلمونا وجم علينا ماهيضيع، اهدي، اهدي يا حبيبتي.

أما “مهرة” رفعت راسها ببطء، عيونها كانت تايهة ومزغللة، وبصت لـ”نغم” بضياع مرعب:
ـ وأني يا نغم؟ أني اللي كنت فاكرة إني الواعية’؟ أني اللي وقعت في فخ ملوش قرار، ‘نعمان’ اللي كنت هحكي لك عنيه وعن قصة حبنا ، غاب يا “نغم”، غاب من بقى له ست شهور مهعرفش عنيه حاجة واصل ، ومسابش وراه غير ريحة وجع، أني مش عارفة هو فين، ولا هو مين واصل! كنت بستناه في المواعيد اللي اتفقنا عليها، ومبيجيش، رحت أسأل عليه في كل مكان ملقتلوش حس ولا خبر، كأنه كان جني وطلع لي في المنام واختفى، أني مكسورة يا “نغم” ، مكسورة لإني حبيت خيال، ولإني مش عارفة لو كان جراله حاجة ولا هو اللي باعني ورماني .

“نغم” بصت لـ”مهرة” بأسى، ومسحت على وشها المخـ.ــطوف:
ـ “نعمان” دي أكيد وراه سر يا “مهرة”، وأني قلبي مش مطمن له من الأول، بس إنتي يا “مهرة” قوية، إنتي اللي كنتِ بتقفي قدام حناوي وتقولي له لااه، ليه دلوك سايبة خيال يهد حيلك؟
لازمن ترجعي المهرة اللي يتقال عليها يا جبل مايهزك ريح.

وكملت وهي حاضنة وشها بعيون قوية:
ـ دي احنا بنستقوى بيكي بعد ربنا يا “مهرة”.

“مهرة” ضحكت بمرارة وصوتها اتخنق بالدموع وهي بتحكي جرح قلبها الموجوع:
ـ عشان كنت فاكرة إن ‘نعمان’ هو اللي هينسيني سواد أيام أبونا، كنت فاكرة إنه الحضن اللي هيهربني من جبروت “حناوي” وقسوته، أتاريني كنت بتهرب من ‘نار’ لـ ‘جحيم’ ألعن، أني دلوك ماليش ملامح يا
“نغم” ، ماليش ضهر.

“نغم” اتنهدت تنهيدة شقت السكون، وبصت لبيت أبوهم القديم بوجع دفين:
ـ كله من تحت راسك يا “حناوي” إنت اللي زرعت فينا الخوف، وإنت اللي خليتنا ندور على الأمان في أي يد ممدودة لينا حتى لو كانت يد شيطان، ربيتنا بالغل والقسوة، فطلعتنا للدنيا مكسورين الجناح،
أني يا بنات أني شايلة من الهم جبال،
“رابحة” والية قاسية، وحالفة متهنيني بلقمة مع “سند”، وهتنكد علينا عيشتنا وهتخليها هم وغم ونكد .

“شيماء” رفعت راسها وبصت لـ”نغم” بدموع:
ـ “إحنا ملناش غير بعض يا ” نغم”
” حناوي” مات وسابنا في الغابة دي لوحدنا، والديابة مابترحمش.

” مهرة” مسكت إيد ” شيماء” وإيد “نغم” وبقت الإيدين التلاتة فوق بعض، بيترعشوا سوا في ضلمة الأيام:
ـ إحنا تلاتة وأمنا المريضة اللي نايمة جوة داي ، يعني عزوة رغم أنف كل اللي هيستقلوا بينا ، واللي يمس شعرة مننا، هنقطعه بسناننا. أني مش هسكت على غياب ” نعمان” لأني مشفتش منيه غير كل خير وخايفة يكون جرى له شين، هقلب الدنيا عليه، ولو طلع خاين، هخليه يشوف ويعيش قهر بعمره كلاته، وأنتي يا “شيماء” معيزاش أشوف دموعك دي تاني واصل، إنتي لازمن تكوني قوية، واللي يفكر يقرب منك هحـ.ــرق قلبه.

” نغم” ابتسمت بوجع، وقربت روسهم من بعض وبدأت ترقيهم بآيات من القرآن وهي بتدعي لهم”
ـ يا رب احمي اخواتي، يا رب استر عرضنا وانصرنا على اللي ظلمنا، إحنا ضحايا، والضحية دعواتها بتشق السما.

قضوا الساعات وهما في حضن بعض، يشتكوا ويحكوا عن خيبات الأمل اللي شافوها كل واحدة فيهم كانت بتفرغ القهر اللي في صدرها في حضن التانية.

*****

السكون كان لافف الدوار، والليل كان تقيل كأنه شايل فوق كتافه هموم عيلة “الناجي” كلها لكن جوه جناح ” سند”، الجو كان مختلف تماماً، كأن الزمن وقف عند عتبة الباب ورفض يدخل بالمنغصات والحروب اللي برا، الأوضة كانت هادية، مفيش فيها غير ضي خفيف، وصوت نَفَس ” سند” اللي كان عالي وبطئ، طالع من صدره المحمل بوجع كلام أمه وغدر أخوه اللي مبينتهوش،
كان قاعد ساند ضهره على طرف السرير، ورامي براسه لورا وهو مغمض عينه، كان باين عليه التعب، مش تعب المجهود، لكن تعب الروح اللي بتتحارب في أغلى ما تملك. فجأة، حس بلمسة رقيقة زي النسيم على كتفه، لمسة هو حافظها بالمللي، لمسة “نغم”،

قربت منه ببطء، كانت لابسة عباية بيتي رقيقة بلون السما، وشعرها الأسود اللي كان زي الليل تاني مفرود على ضهرها، قعدت وراه على طرف السرير، وبدأت صوابعها تتخلل شعره الكثيف بحنية مفرطة، بتمسح بيهم على جبهته كأنها بتطرد الغيم اللي شايله جواه:

ـ “سندي” مالك يا نور عيني؟ ليه شايل الهم جبال فوق كتافك واصل؟ أني حاسة بيك، حاسة بقلبك وهو بيدق بوجع وشايل شيلة فوق طاقتك.

“سند” مفتحش عينه، بس ملامح وشه بدأت تلين تحت إيدها، خد نفس طويل وطلعه بآه مكتومة:
ـ تعبان يا “نغم” تعبان من الدنيا والناس، وحتى من أقرب الناس، الكل رايد ينهش فيا، والكل باصص للي في يدي وكأنه سارقه، أني مش عارف أرتاح فين، كل ما أبني حيطة، يهدوها بهد كلامهم المسموم.

“نغم” مالت عليه، لفت دراعاتها حوالين رقبته من ورا، ودفنت وشها في كتفه العريض، وهمست في ودنه بصوت زي السحر:
ـ أرمي حمولك عليا يا “سند” أني اهنه عشان أكون الأرض اللي ترتاح عليها لما الدنيا تضيق بيكط سيبك من الحاجة ” رابحة” وكلامها، وسيبك من أخوك ، وسيبك من كل اللي رايدين ينغصوا عليك عيشتك، إنت من حقك تعيش وتحب وتتحب ، من حقك تختار اللي اختارك انت، من حقك تتمسك بالحاجة الحلوة الوحيدة اللي في حياتك، من حقك متتنازلش عن كل اللي من حقك، انت على حق يا “سند” وصاحب الحق لازمن تكون عينه قوية وميتهزش واصل.

“سند” فتح عينه وبص للفراغ بنظرة كلها عشق، مسك إيدها اللي على صدره وباس باطن كفها بلهفة:
ـ انتي الوحيدة اللي بتهوني عليا مرار الأيام يا “نغم”، أني لحد دلوك واقف قدام الكل هاكد لهم انك مرتي وهدافع عن حقي فيكي، مكنتش بدافع عنك بس، كنت بدافع عن روحي اللي لقيتها فيكي. بس وجع القلب لما ياجي من الأم بيبقى واعر قوي يا ” نغم” واعر لدرجة إنه بيحـ.ــرق الأخضر واليابس.

“نغم” قامت من وراه، وقعدت في الأرض قدامه، وجهاً لوجه، مسكت وشه بين إيديها، وبصت في عيونه بنظرة تملك وحب:
ـ بص لي يا “سند” بص في عيوني زين واحكي لي إيه اللي شايفه؟

“سند” تاه في سواد عيونها اللي كان فيه لمعة دموع مرقرقة:
ـ شايف نغمي لساته حزين ، شايف الدنيا اللي كنت محروم منها، شايف حب وعشق وراهم دفا ممزوج بخوف، شايف لمعة حزن في عيونك إنتي كمان يا “نغم”.

“نغم” ابتسمت ابتسامة دابت فيها كل همومه وحاولت تتماسك:
ـ وشايف سندك كمان، أني مش بس الست اللي هتحبها، أني السكن اللي ربنا أدهولك تعويض.

وكملت وهي بتلمس ملامحه بدلال:

ـ فاكر يا “سند” ؟ الليلة اللي رقصت لك فيها، النهاردة أني هغني لك بقلبي، مش بلساني.

و بدأت تحكي له حكاوي قديمة، حكاوي عنها وهي بنت حكاوي عن احلامها وكانت نفسها تطلع مهندسة كانت نفسها تحقق احلامها في تعليمها، كانت بتحكي له حكاويها القديمة علشان تخرجه من موجة الحزن والضيق بسبب الاحداث اللي عايشينها وبسبب انهم مش عارفين يتهنوا ببعضهم، كانت بتحكي بصوت واطي، نغمات صوتها كانت بتعمل تنويم مغناطيسي لروح “سند” الثايرة، بدأت تمسح بأصابعها الرقيقة على رقبته وصدره، بحركات دلال فطري، خلت “سند” يحس إن هي كل حاجه حلوه في الدنيا اتمثلت فيها،

سحبها لحضنه فجأة، ضمها بقوة كأنه بيخبيها جوه ضلوعه، دفن وشها في رقبته وشم ريحة عطرها اللي بتمثل له الأمان وهمس بصوت مبحوح خشن:
ـ أني محتاجك قوي يا “نغم” محتاج أحس إنك ملكي بجد، إنك حلالي اللي مفيش قوة في الأرض تقدر تنزعه مني، أني النهاردة كنت حاسس إني عريان قدام غدرهم، وانتي النهاردة وامبارح وكل يوم هتحسسني إني هتغطي بحنانك وحبك وعشقك المختلف .

“نغم” استسلمت لضمته، ورفعت راسها وبصت له بدلال وهي بتلعب في زراير جلابيته:
ـ وأني ملكك يا “سند”، ملكك بالروح قبل الجسم، أني دلوك مهتمناش حاجة من الدنيا واصل غير إني أسعد قلبك ونهون على بعض.

سند هز راسه بتصميم بعد ما سألها عن تأخير الحمل المدة دي كلها :
ـ ناقصنا بس حتة عيل يربطنا ببعض أكتو، عشان أخرس ألسنة الكل. عشان لما العيل يملى الدوار، محدش يقدر يقول؛ داي كانت مرَت فلان، عايز عيل يحمل اسمي واسمك، يكون هو الوتد اللي يربطنا ببعض أكتر.

“نغم” لمعت عيونها بخوف حاولت تداريه، بس بدلت الخوف بابتسامة غرام:
ـ طب الليلة دي يا “سند” رايداها ليلة يشهد عليها الغرام، بزيادانا كلام عن بكرة عاد، خلينا في النهاردة خلينا في نغمك اللي اتوحشتك قوي.

“سند” شالها بين إيديه برقة، وكأنها قطعة من الماس خايف عليها تخدش، بص لها بنظرة فيها رغبة و شوق راجل صام عن الحب سنين ولما لقاه، مش عايز يسيبه، حطها على السرير، ومال عليها وهو بيهمز بكلام عشقه ، كلام محفور في الوجدان، مبيطلعش غير في لحظات الصدق العارية،

اللمسات كانت أرق من النسيم، والنظرات كانت أعمق من البحر، سند في اللحظة دي نسى الدنيا باللي فيها مكنش فيه غير “نغم”، بصوتها، بريحتها، بدلالها اللي كان بيخليه يحس إنه سيد الكون،

كانت بتتعامل معاه بذكاء الأنثى اللي عارفة إن راجلها مهموم كانت بتبدل لمسة الحنية بلمسة شقاوة، وكلمة الحب بضحكة ناعمة، خلت “سند” يدوب بين إيديها، الساعات مرت وكأنهم في جزيرة لوحدهم، جزيرة مبيوصلهاش غير الموج الهادي بتاع عشقهم.

انتهت وصلة الغرام اللي بيسـ.ـرقوه من زمنهم و”سند” نايم وفي حضنه “نغم” ، وشه كان فيه “راحة” مكنتش موجودة من سنين.

******

في مكان مقطوع على أطراف المحافظة، بعيد عن العمار والناس، كان فيه مخزن قديم مهجور، ريحته تراب ورطوبة ، الجو كان غيم وسواد، والريح بتعوي برا كأنها بتمهد لمصيبة هتحصل، جوه المخزن ده كانت غالية قاعدة على كرسي خشب متهالك،

غالية مكنتش غالية اللي الناس عارفاها، الست الهادية اللي من عيلة راقية ومحترمة، النهاردة كانت كأنها غول طالع من الحاوي، عيونها كانت محجرة، والغل اللي جواها كان كفيل يحرق بلد بحالها،
قدامها كان واقف تلات رجالة، ملامحهم ترعب رجالة مطارديد من اللي مالهمش دية، عيونهم مفيهاش رحمة، وكل واحد فيهم شايل وراه تاريخ من الإجرام الكبير بتاعهم، واحد اسمه “عِكشة”، كان واقف بيسن مطواة في إيده ببرود، وبص لغالية بنظرة فيها طمع وسخرية:

ـ ها يا ست غالية، قولتِ اللي عندك، بس إنتي عارفة إن ‘سمير الناجي’ دي بعد ما سالنا عنه عرفنا ان هو مش أي حد، ده وراه عيلة ومن أصل صعيدي ووراه عزوه تبلع الزلط واللعب معاه محتاج قلب ميت.

غالية رفعت راسها، ونظرة عيونها كانت أرعب من المطواة اللي في إيده صوتها طلع قوي :

ـ وقلبي اللي انقهر على ابني اللي لحد دلوقتي بعد الشهور دي كلها مش قادر يمشي على رجله؟
ابني اللي انكسر ضهره، وعمره اللي كان هيضيع في لحظة غدر من واحد فاكر نفسه سيد البلد دي ملوش تمن؟ أنا مش جاية أهزر، ولا جاية أقول لك اضربوه قلمين، أني جاية أشتري وجعه وقهره، عايزة وجع “سمير” يوصل للسما، وعايزة صرخته من الوجع تبرد ناري.

عكشة قرب منها خطوة:
ـ يعني المطلوب تخليص؟ نخلص عليه ونرتاح ولا نعمل ايه يا ست الناس؟

“غالية” صرخت بصوت مكتوم وهي بتخبط على رجلها بغل:
ـ لااااا، الموت راحة، وأنا مش عايزاه يرتاح! الموت رحمة و”سمير” ميشوفش الرحمة دي بايدي، أنا عايزاه عايش ميت،
عايزاه يمد إيده للقمة وميطولهاش، عايزة رجليه الاتنين اللي داس بيهم على ابني، يتدشدشوا، يتكسروا مية حتة لدرجة إن أشطر دكتور في البلد يقول مفيش أمل،
عايزاه يتجبس جبس ملوش فك، ويفضل عمره كله زاحف على الأرض زي الدود.

واحد من الرجالة اللي واقفين ورا عكشة، ضحك بـ هسهسة وقال:
ـ ده إنتي قلبك أسود قوي يا ست غالية ده كدة عذاب القبر أهون له.

غالية بصت له بحدة خلت الضحكة تقف في زوره:
ـ الأسود هو اللي عمله فينا، “سمير الناجي” داس على كرامة ابني، وكسر عضمه ولحد دلوقتي بعالج في كسوره وهو ماشي يدب في الارض، لازم ادوقه من نفس الكاس والفلوس دي مني ليكم، والضعف هتاخدوه لما الخبر يوصلني إن “سمير الناجي” دخل المستشفى وهو مش عارف يلم عضمه.

عكشة مد إيده وخد الفلوس، فتحها وبدأ يعد الرزم اللي جواها بتركيز، لمعة الفلوس كانت بتنعكس في عينه الطماعة. قفل الكيس وحطه في جيب عبايته الواسع، وبص لرجاله وأعطاهم إشارة:
ـ خلاص يا ست غالية.. اعتبري إن ‘سمير الناجي’ انتهى من اللحظة دي، هو بقى صيدة لرجالة عكشة، هنراقبه، وهنجيبه في مكان ملوش صاحب، وهنعمل فيه اللي يخليكِ ترقصي من الفرحة، بس خليكِ فاكرة احنا ما لناش علاقه بيه بعد كده وهنختفي ولا لينا في سين ولا جيم .

غالية قامت وقفت، وللحظة كانت هتتراجع لكن قوت نفسها، بس عيونها كانت ثابتة:
ـ أنا ميهمنيش تعرفوا مين ولا تروحوا فين، اللي يهمني إن المرة الجاية لما أسمع اسم “سمير” يكون الاسم ده ملحوق بكلمة ؛يا عيني عليه، عايزة أمه ‘رابحة’ تزوق المر اللي دوقتهولي، وتشوف ضناها وهو عاجز قدامها وهي مش قادرة تعمل له حاجة.

عكشة ضحك وباس طرف المطواة بإجرام :
ـ اطمني.. سمير الناجي هتقولي عليه يا رحمن يا رحيم في القريب العاجل يا ست هانم وان شاء الله ما تبقاش اخر شغله ما بينا.

غالية لفت وشها ومشت ناحية باب المخزن بخطوات تقيلة، بس فيها نوع من الجبروت اللي اتحول لانتقام ، نار الغل كانت مدفية عروقها، كانت بتفكر في ابنها، في نظرة الانكسار اللي في عينه وهو نايم على سرير المرض، وقارنتها بنظرة “سمير” اللي هتتحول لذل.

******

في ركن بعيد من مندرة الحريم، كانت “رابحة” قاعدة ومربعة رجليها بوقار زايف، ماسكة سبحتها وبتحرك حباتها ببطء، بس عيونها كانت زي عيون الصقر اللي مراقب فريسته. قدامها كانت قاعدة “دعاء”، اللي كانت دبلانة زي ورقة شجر في عز الخريف، دعاء كانت قاعدة ضامة رجليها لصدرها، وعيونها مابترفعش من الأرض، والهم واكل ملامحها لدرجة إن السواد اللي تحت عينيها بقى يحكي قصة لياليها اللي بتقضيها غم بسبب نكد بنتها وأبوها اللي مقفلها عليها،

رابحة اتنهدت تنهيدة طويلة ومصطنعة، وسابت السبحة من إيدها وقربت من دعاء، وطبطبت على كتفها بحنية مسمومة:
ـ “يا بنتي قلبي واكلني عليكي، أني مقدراش أشوفك هتدبلي اكده وأسكت، أني أمك قبل ما أكون حماتك، والي بيوجعك بيوجعني.

دعاء رفعت راسها ببطء، وعيونها كانت غرقانة بالدموع:
ـ هيعمل إيه الوجع يا خالتى؟ سند ابنك خلاص استقوى وبقى جبروت، شكل نغم سحرته، خلت عقله يطير، مبقاش يشوفني غير أم ضايعة وضالة واصل، وحتى لما بيطل في وشي، بقرأ في عينه الشفقة، وأني مش عايزة شفقة من جوزي يا خالة، أني عايزة أكون في نظره أم تصلح لعياله.

رابحة لوت بوزها بتمثيل متقن:
ـ وده اللي واجعني يا ضنايا منك، انك ما بتفكريش في جوزك كراجل وهلكه نفسك تحت رجلين عيالك بس ونسيتي انك ست، والراجل بيجري ورا اللي تدلعه وتملى عينه، والبت المسهوكة دي عارفة بتلعبها كيف، بس أني فكرت في حالك، وقولت لنفسي مفيش غير حل واحد يرجع “سند” لبيته الأولاني.. لازمن نعرف العيب فين يا “دعاء” ، الحقي جوزك قبل ما يضيع منك وتضيعينا معاكي وانت السبب في اللي احنا وصلنا له دي كلاته لو كنت ماليه عينيه من الاول ما كانش شاف غيرك ولا اتمسك باللي مش ليه.

دعاء اتنفضت بوجع:
ـ “عيب إيه يا خالة؟ أني سليمة ومفياش حاجة، وما تخرجيش من موضوع الاساسي وحزني على ولادي وانه مش هيخليني املك فيهم اي قرار ولا راي وتروحي بينا الموضوع تاني.

رابحة قربت وشها منها وهمست بفحيح:
ـ الخلفة والعيال كوم، والسرير كوم تاني يا واكلة ناسك، أني سمعت كلام، والناس بدأت تتوشوش في البلد، بيقولوا إن ‘دعاء’ راحت عليها وانها ما بقتش ماليه عين جوزها، وإن سند لقى في نغم اللي ملقاهوش فيكي، أني مش قصدي أجرحك، بس أني خايفة عليكي. سند لو فضل جنب نغم طول عمره انت هتتركني على الرف ومش هيبقى ليكي لازمة،ومش بعيد كمان يرميكي ويخلي نغم هي اللي تربي عيالك علشان هتبعدي عنه بكل الطرق وتخسري كل حاجه.

الكلمات نزلت على دعاء زي مية النار. الرعب النفسي بدأ يتملكها. رابحة بذكاء شيطاني لمست نقطة الضعف عند أي ست؛ أنوثتها، دعاء بدأت تشك في نفسها، تفتكر نظرات سند الباردة ليها، وتترجمها بإنها فعلاً بقت معيوبة
ورابحة كملت ضغطها:
ـ أني من عشمي فيكي، حجزت لك ميعاد مع دكتور كبير قوي في المحافظة. دكتور حريم بيفهم في حالتك وفي الحكايات دي، هروح معاكي بكرة، من غير ما حد يحس، ومن غير ما سند يعرف. نكشف ونشوف، لو فيه علاج يخلي الدم يجري في عروقك تاني وتبقي ست في حضن جوزك، يبقى كسبتي بيتك وجوزك وعيالك.

دعاء هزت راسها برفض وهستيريا مكتومة:
ـ “لا يا خالة.. أروح لدكتور أقوله إيه؟ أقوله جوزي مبقاش يطيقني؟ أقوله إني باردة؟ أني أموت ولا أعمل اكدة في نفسي.

رابحة ملامحها اتحولت للجمود والتهديد المبطن:
ـ “وهتموتي فعلاً يا دعاء لما تشوفي نغم وهي ماشية بكرشها في الدوار، وسند شايل ولدها على كتافه وناسيكي وولادك هيجروا ورا اخواتهم وينسوكي، المرة الشاطرة هي اللي تداوي علتها قبل ما تتفضح. أني حجزت والميعاد بكرة، وهتجي معاي غصب عنك، عشان خاطر ولادك، وعشان خاطر ترجعي سند لحضنك.

وفي اليوم التاني على طول راحو للدكتور ودعاء كان على وشها غضب ربنا ولما جه دورها حماتها شدتها:
ـ الدور عليكي يا دعاء.. قومي، اجمدي اكدة،وفكي بوز النكد إحنا جايين نعالجك مش جايين نتحاكم.

دخلت دعاء هي وحماتها للدكتور وسالها بعملية:
ـ خير يا ست دعاء بتشتكي من إيه؟

دعاء لسانها اتربط، مكنتش قادرة تنطق كلمة. الوجع اللي جوه صدرها كان أكبر من أي شرح. رابحة هي اللي ابتدت بالكلام بلسان زي المبرد:
ـ “والله يا دكتور، البنت دي متجوزة ابني من سنين وعندها ولاد، بس الفترة الأخيرة بقت بتحس انها مطيقاش جوزها ، بمعنى اصح اكده مبتحسش معاه بحاجة، وبقت تنفر منه ومن قربه، إحنا عايزين نعرف، هل دي مرض؟ هل محتاجة علاج، وهيبقى في تحسن لحالتها داي؟

الدكتور بص لدعاء بشفقة، وشاف دموعها وهي بتنزل بصمت على خدها وكسوفها من الدكتور:
ـ يا حاجة ، المواضيع دي محتاجة خصوصية، ومحتاجة كلام مع الزوجة لوحدها وممكن يكون الموضوع نفسي مش عضوي.

رابحة زعقت بحدة:
ـ نفسي إيه يا دكتور؟ اني قبل ما اكون حماتها اني خالتها وفي مقام امها ورايده اطمن عليها.

الدكتور طلب من دعاء تطلع على سرير الفحص في اللحظة دي، دعاء حست إن كرامتها بتتدبـ.ــح بجد، كانت حاسة إنها سلعة رخيصة بتتعرض على ميكانيكي عشان يشوف العطل فين، برودة السرير، وكشاف النور المسلط عليها، ونظرات رابحة المراقبة لكل تفصيلة، خلت دعاء تحس إنها عريانة قدام العالم كله.

الفحص كان تقيل ومؤلم نفسياً أكتر منه جسدياً، دعاء كانت مغمضة عيونها وبتدعي إن الأرض تنشق وتبلعها، كانت بتفتكر “نغم” وضحكتها وانها في يوم من الايام ممكن تاخد عيالها، وبتقارن بين عزة نغم وبين الذل اللي هي فيه دلوقت، لان اللحظه دي صعبه على كل ست،

بعد ما خلص الفحص، قعد الدكتور وكتب كلمات على الورق. رابحة وقفت فوق راسه:
ـ “ها يا دكتور؟ طمنا؟

الدكتور قلع نضارته وبص لدعاء بجدية شرح لهم بطريقه علمية وطبعا دعاء متعلمه وفاهمه كلامه:

ـ السبب العلمي لبرود الست بعد الختان بيرجع لإزالة “البظر” أو أجزاء منه، وهو العضو اللي بيحتوي على آلاف النهايات العصبية المسؤولة عن المتعة، وده بيعمل فقدان للمحرك الأساسي للإثارة وتكون أنسجة ليفية أو ندبات مكان الجرح بتخلي المنطقة فاقدة للإحساس أو بتسبب وجع وقت العلاقة، فالمخ بيترجم ده كخطر وبيهرب من الرغبة تماماً، أما طريق العلاج فبيبدأ من التأهيل النفسي لإزالة حاجز الخوف واكتشاف مناطق استثارة بديلة في الجسم، مع ضرورة إطالة مدة المداعبة واستخدام مزلقات طبية لتجنب الألم الجسدي، كما يوفر الطب الحديث حلولاً فعالة مثل جراحات الترميم لإظهار الأجزاء الحساسة المتبقية أو حقن البلازما والليزر لتنشيط الدورة الدموية وتجديد الأنسجة التالفة لاستعادة الإحساس الطبيعي تدريجياً.

رابحة ملامحها اتغيرت للغضب، مكنتش دي النتيجة اللي عايزاها، زي ما فهمت من كلامه بالعافيه هي كانت عايزة علاج يجيب من الاخر :
ـ يعني إيه يا دكتور؟ مفيش برشام؟ مفيش حقن اخترعوها الموضوع البرود دي اكيد الدنيا اتطورت والعلم اتطور؟

الدكتور هز راسه بيأس:
ـ الدوا في المواضيع دي يا حاجة صعب جدا ويكاد يكون مش موجود لكن احنا بنتبع أساليب معينة في العلاج بتاخد وقت شويه لكنها بتجيب نتيجة مع الوقت، وكمان هي محتاجه احتواء من جوزها اكتر من اكده.

خرجت دعاء من العيادة وهي حاسة إنها ميتة، رابحة كانت ماشية وراها بتهبد برجلها في الأرض وبترمي كلام زي السم:
ـ دكتور مبيفهمش واصل، قال احتواء قال! وقال دَكتور كبير وهيجيب الديب من ديله، أني لسة عندي حلول تانية، والمرة دي مش هتكون عند دكاترة، دي هتكون عند الشيخ اللي يفك السحر اللي معمول ليكي ولجوزك.

دعاء مكنتش بتسمع، كانت ماشية زي الآلة رابحة نجحت في حاجة واحدة؛ إنها دمرت الثقة اللي كانت باقية عند دعاء، خلتها تصدق إنها معيوبة حتى لو الدكتور قال غير كدة، الوجع اللي في قلب دعاء دلوقت كان كفيل يهدمها، وهي راجعة في العربية، بصت لمراية العربية وشافت وشها الدبلان وحست انها ما بقتش نافعه ولا ست ولا أم.

*******

السكون اللي كان لافف طريق النخيل كان سكون كداب، بيخبي وراه وليمة وجع، ملهاش آخر، “سمير الناجي” كان سايق عربية الدفع الرباعي بتاعته، وصوت الأغاني الصعيدية العالية مالي الكابينة، كأنه بيعلن للعالم إنه سيد المكان ومحدش يقدر يكسر عينه، سمير كان بيضحك، وفي إيده سيجارة دخانها مالي الجو، وبيفكر في الخطوة الجاية اللي هيحرق بيها قلب “نغم” ويدوس بيها على طرف “سند” وهو انه ياخذ ولاده منها بحكم محكمه علشان اتجوزت،

فجأة، وبدون أي سابق إنذار، ظهرت عربية نص نقل من طريق جانبي وسدت عليه السكة، سمير داس فرامل بكل قوته، قبل ما يستوعب إيه اللي بيحصل، كانت فيه عربية تانية جت من وراه وحاصرته، سمير مد إيده للتابلوه عشان يسحب سلاحه، بس باب العربية اتفتح بقوة غاشمة، وإيد غليظة شدته من رقبته ورمته في نص الطريق الترابي كأنه شوال رمل،

عكشة ورجالته نزلوا من العربيات، ملامحهم متدارية بشيلان سودا، مبيبانش منها غير عيون بتلمع بالشر والفلوس اللي خدوها من “غالية”، حاول يقوم، حاول يصرخ :

ـ بعدوا عني انتم ما تعرفوش اني مين؟
أني سمير الناجي يا كلاب!.
بس أول ضربة عصاية حديد نزلت على ضهره كتمت صوته وحولته لآهة مخنوقة،

عكشة اداهم الإشارة، وبدأ الكابوس، الضرب مكنش عشوائي، كان هندسة وجع، غالية طلبت إن رجليه تتدشدش، وعكشة كان بينفذ بالحرف والعصيان الخشبية بدأت تنزل على ركب سمير وسيقانه بدقة مرعبة، صوت تكسير العضم كان مسموع وسط صمت الغيطان، صوت طقطفة و”شرخ بيقطع القلب. سمير كان بيتقلب في التراب، بيحاول يحمي رجليه بإيده، فكانوا بياخدوا الإيد في سكتهم، وكان الايام بتدور ونفس اللي كان بيعملوا في نغم اتعمل فيه بس بطريقه ابشع،
بدأ يغيب عن الوعي، وجعه وصل لمرحلة مفيهاش صراخ، مرحلة الـ “غيبوبة” المؤقتة اللي الجسم بيعملها عشان يهرب من الألم. عيونه كانت شايفة خيالات، وشايفة النخيل وهو بيتهز فوق راسه كأنه بيودعه، عكشة وقف فوق راسه، وبص لرجلين سمير اللي بقت عبارة عن دم وعضم بارز، وتأكد إن العاهة بقت مستديمة، وإن سمير مش هيقف على رجليه تاني حتى لو اتعالج في بلاد برة،

رما عكشة سيجارته فوق جسم سمير المرمي، وركبوا العربيات واختفوا في الضلمة، وسابوا سمير غرقان في دمه، وسط طريق مقطوع، والكلاب الضالة بدأت تتجمع على ريحة الدم.

بعد ساعة في دوار الناجي،
الخبر نزل على الدوار زي الصاعقة، غفير من غفر البلد لقى سمير بالصدفة وهو راجع، وشاله وجري بيه على مستشفى المحافظة. “رابحة” كانت قاعدة بتشرب شاي مع “نظيرة”، لما دخل الغفير وهو بيصوت:

“يا مصيبتك يا دوار الناجي! سمير بيه اتقتل! سمير بيه دمه سايح في المستشفى.

رابحة قامت وقفت، الكوباية وقعت من إيدها واتكسرت مية حتة، وشها اصفر وبقى بلون التراب، صرخت صرخة هزت حيطان الدوار، صرخة أم شافت ضناها بيتدبح:
ـ ابني! سمير! يا مري يا خراب بيتي يا سمير!

نزلت رابحة السلم جري، ورجلها بتخبط في بعضها، ونظيرة وراها بتلطم، سند خرج من أوضته على الصوت، وشاف أمه وهي في حالة انهيار كامل:
ـ فيه إيه يا أماي؟ واصل ليه الصراخ دي؟

رابحة أول ما شافت سند، ملامحها اتحولت لـ وحش كاسر. جريت عليه وضربته بإيدها على صدره بكل قوتها، وهي بتشهق بالبكا والغل:

ـ إنت السبب! إنت اللي عملت اكدة! بعت رجالتك يقتلوا أخوك عشان خاطر الحرمة! عشان نغم اللي سحرتك! يا جاحد يا ابن بطني، تكسر ضهر أخوك وتخليه بين الحياة والموت؟

سند اتصدم، مسك إيد أمه وهو بيحاول يفهم:
ـ “سمير حصله إيه؟ وأني مالي؟ أني كنت نايم في امان الله، مخرجتش من الدوار واصل!
وعمري ما افكر اعمل في اخوي اكده يا حاجة بزياداكي ظلم عاد.

رابحة صرخت بصوت شرخ جدران الصمت:
ـ “كداب! إنت اللي قولت بلسانك إنك هتنتقم منيه، وإنك مش عايز تشوف وشه، الغفير هيقول ان سمير مدشدش في المستشفى، رجليه مكسورة وعضمه باين، والدكاترة بيقولوا إنه هيفضل مشلول طول عمره،
يا ندمي عليا! يا خسارة تربيتي فيك يا سند! لو سمير جرى له حاجة، لا إنت ابني ولا أعرفك، ودعوتي عليك هتلاحقك في كل خطوة، وربي يحرق قلبك على نغم زي ما حرقت قلبي على سمير!

سند حس إن الدنيا بتلف بيه. تهمة بشعة زي دي، ومن أمه؟ بص لحواليه، لقى عيون “دعاء” و”نظيرة” وكل اللي في الدوار بتبص له بنظرة اتهام، حتى الغفر كانوا بيتهامسوا، رابحة مسكت طرحتها وشدتها لدرجة إنها اتمزقت، وبدأت تلطم على وشها وتصوت وهي بتتهم ابنها قدام الخلق بأبشع التهم وقلبها قايد نار :
ـ “يا بلدي يا ناسي! شوفوا الكبير اللي بيقتل الصغير! شوفوا اللي باع أخوه عشان مرة! يا ريتني كنت مت ولا شوفت اليوم دي! يا ريتني ما خلفتك يا سند!”

سند حاول يكلمها، حاول يطمنها إنه ملوش ايد، بس رابحة كانت في عالم تاني زقته بقوة وخرجت تجري على العربية وهي بتنادي على السواق عشان يوديها المستشفى، سند وقف في نص المندرة، مكسور، مهزوم، ومظلوم. بص لـ “نغم” اللي كانت واقفة بعيد بتبكي بوجع وخوف، لقى إن الحرب اللي كان خايف منها بدأت فعلاً، وإن رابحة قررت إنها تحرقه بجد.

سند ركب عربيته وجري وراهم على المستشفى. الممرات كانت زحمة، وريحة الدم والمطهرات تخنق، رابحة كانت قاعدة في الأرض قدام غرفة العمليات، بتلطم وتدعي على سند بصوت عالي، والناس بتتفرج. سند قرب منها، بس هي بصت له بنظرة كره حقيقية، نظرة خلت الدم يتجمد في عروقه:

ـ امشي من اهنه معايزاش أشوفك! روح لمرتك، روح لنغم اللي خلتك تبيع دمك. لو دخلت عند أخوك، هصوت وألم عليك الناس وأقول هو دي القاتل، غووور من وشي، قتلت القتيل وجاي تمشي في جنازته.

سند انسحب بوجع ملوش وصف. قعد في ركن بعيد، وحط راسه بين إيديه. كان بيسأل نفسه:
ـ اه يا سند على وجع قلبك وعلى الظلم اللي هتتحمله من اقرب الناس ليك يا رب اللهم اني اشكو اليك ضعف قوتي وقله حيلتي وهواني على الناس.

سمير كان جوه العمليات تحت رحمة المشرط، ورابحة برا بتلطم وبتندم سند على اليوم اللي اتولد فيه، وسند واقف في مهب الريح، خسران أمه، وخسران سمعته، ومستني المصير اللي هيقرره إفاقة سمير لو فاق.

********

كان الليل في “شمال سيناء” مش مجرد ضلمة، كان سكون يسبق العاصفة، سكون بيقبض الصدر، وسط الصحراء والجبال اللي عاملة زي الأشباح، كان “يونس” واقف ببدلته العسكرية المموهة، والسترة الواقية اللي شايلة معداته، بس اللي كان شايله جوه صدره كان أتقل بكتير من السلاح اللي في إيده، “يونس” النهاردة مكنش “نعمان” الغلبان، كان المقدم “يونس الهلالي”، الصقر اللي رايح ينهي وكر عصابة إرهابية خططت لخراب كتير.

قبل ما تبدأ الإشارة، انسحب يونس ثواني بعيد عن القوة، طلع من جيبه المبطن صورة مهرة اللي مابتفارقوش بص لملامحها اللي منورة ، للضحكة اللي كانت هي السبب الوحيد اللي بيخليه يتحمل قسوة أيامه، مسح على صورتها بصباعه اللي عليه آثار تراب المعركة، وهمس بصوت مخنوق باليقين والوجع:
ـ يا رب.. ادعي لي يا مهرة، ادعي لي أرجع لك بالسلامة، المرة دي صعبة قوي يا أغلى ما عندي، بس وحياة غلاوتك عندي لو رجعت لهحكي لك على كل حاجة، همحي صورة ‘نعمان’ الخاين وأثبت لك إن ‘يونس’ مكنش بيعمل كدة إلا عشانك وعشان البلد دي. ادعي لي يا مهرة.. محتاج دعاكي دلوقتي بالذات.

قطع اللحظة صوت الجهاز اللاسلكي وهو بيعلن ساعة الصفر يونس باس الصورة وحطها في أقرب جيب لقلبه، وبنظرة تحولت في ثانية لكتلة من النار والجمود، لبس قناعه وأعطى إشارة الهجوم:
ـ يا رجالة.. توكلنا على الله مفيش رجوع، يا نصر يا شهادة.

انفـ.ــجر المكان بالرصاص، صوت الانفجارات كان بيهز الجبال، والدخان غطى الرؤية، يونس كان بيتحرك زي البرق، بيقتحم الوكر”
وهو في مقدمة القوة، مكنش بيهمّه الرصاص اللي بيصفر حوالين ودنه. كان بيضرب بدقة ومبيسيبش فرصة لعدو، نجح يونس وقوته إنهم يسيطروا على المدخل ويصفّوا عدد كبير من الإرهابيين، لكن العقدة كانت في القناص المستخبي فوق قمة الجبل،

في اللحظة اللي “يونس” كان بيأمن فيها خروج زمايله المصابين، لمح لمعة عدسة القناص من بعيد وبسرعة بديهية الضابط اللي بايع عمره، زق واحد من العساكر بتوعه بعيد عن مسار الطلقة، وفي نفس الثانية، كانت رصاصة غدر مسمومة بتخترق صدر “يونس”، بالظبط فوق الجيب اللي فيه صورة ” مهرة”

“يونس” محسش بالألم في الأول، حس بـ برودة مفاجئة بتسري في جسمه. وقع على ركبه، والأرض بدأت تدور بيه، السلاح وقع من إيده، وحط إيده على صدره لقى الدم بيغلي وبيسيل بين صوابعه، كان بيسمع أصوات زمايله وهما بيصرخوا باسمه:
ـ يا فندم! يا حضرة الرائد “يونس!”.
بس الأصوات كانت بتبعد بتبعد قوي وهو كان بيتلفظ الشهادة وايده على قلبه مكان صورتها وقال اخر كلمة:
ـ سامحيني يا أغلى من عمري هو ده اللي كنت عامل حسابه، مع السلامة يا “مهرة النعمان”

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية النغم الحزين) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!